عبد الله البوعلاوي
لحظة يقظة في وقت الابتلاء (الإنسان بين محنة الوباء ومنحة الإيمان) : 156 - 2020/07/03
الحديث عن هذا الوباء أو هذا المرض شغل أذهاننا وكياننا، وأقض مضاجعنا، أذهب عنا أفراحنا ومسرّاتنا، شوّش علينا تفكيرنا، وقلب موازين حياتنا بين عشية وضحاها. هذا المرض ( فيروس كورونا) جعلنا نلازم مساكننا، خوفا على أنفسنا ومن تجمعنا به قرابة من الهلاك، وهذا من جبِلَّة الإنسان وفطرته الخوف على نفسه، والحفاظ على النفس من كلّيات الدّين، واللّه تعالى يقول «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»(1)، ويقول أيضا: «وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا» (2) وفي نفس الوقت يقول سبحانه: «تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» (3) ، تأملوا معي حالَ الدّنيا، تتعاقب فيها الأيام واللّيالي والأجيال، كلّ بعيد فيها قريب، وكلّ جديد سَيَبْلى، وكلّ كائن سيفنى، وكلّ حياة إلى منتهى، ألا كلُّ آتٍ قريبُ المَدى، وكل ما هو آت آت، «مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ»(4)، ما بالُنا والتّشبث بالحياة خوفا من الرّحيل، «دخل سليمان بن عبد الملك المدينة، فأقام بها ثلاثاً، فقال‏:‏ ما ههنا رجل ممّن أدرك أصحاب رسول اللّه ﷺ يحدّثنا‏؟‏ فقيل له‏:‏ ههنا رجل يقال له أبو حازم، فبعث إليه فجاء‏.‏ فقال سليمان‏:‏ يا أبا حازم، ما هذا الجفاء‏؟‏ قال أبو حازم‏:‏ وأيّ جفاء رأيت منّي‏؟‏ فقال له‏:‏ أتاني وجوهُ المدينة كلُّهم ولم تأتني‏؟‏‏!‏ فقال:‏ ما جرى بيني وبينك معرفة آتيك عليها‏.‏ قال صدق الشّيخ‏.‏ يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت‏؟‏ قال:‏ لأنّكم عمّرتم دنياكم وخرّبتم آخرتكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب»(5) ‏.‏
اقرأ المزيد
لنغتنم مدرسة الصيام : 154 - 2020/05/08
تمضي بنا الأيام وتنقضي معها الأعمار، ونتذكر عجلة الزّمان لنجعل منها فرصة لنجدّد الصّلة بخالقنا. وما أكثر مواسم الأرباح التي تفتح بها أبواب الخيرات فيستبق فيها المتسابقون ويتنافس المتنافسون في التّغيير إلى التي أفضل في الطّاعة والأقوال ومحاسن السّلوك. ويُعدّ شهر رمضان شهر الصحوة من الغفلة،
اقرأ المزيد
رمضان؛ شهر التنافس في الخيرات : 131 - 2018/06/08
في غضون أيام يهلّ علينا شهر شوّال ونودّع رمضان، الشهر الذي تشرق معه نفحات ربانية، تتجدّد معها الإرادة النفسية والعزيمة على التنافس في العبادات وأنواع البر لتهذيب النفس وتزكيتها وتدريبها، يقول الله تعالى:«قَد أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا»[1] . الإنسان العاقل هومن تهيأ لاستقبال رمضان طمعا في الفوز بجوائزه المختلفة، من صيام وقيام وصلاة وقراءة القرآن وصدقة وعَمَل بر لتحصيل قيمة التقوى، التي يقبل الله بها الأعمال ويتفاضل النّاس فيما بينهم، وبها يدخلون الجنّة. في شّهر رمضان يسعى الإنسان ليُصبِغ حياته بالعبادة في كلّ أحواله، يتقلّب من طاعة إلى أخرى، يسمو شاكرا لله الذي وفّقه لإدراك هذا الشهر وأغدق عليه من النّعم الوافرة، وتوفيق الله له بالقيام بجميع الطّاعات، وصابرا ليس على الجوع والعطش، بل يصبر محتسبا على مقاومة المفطرات المعنويّة والمادّية امتثالا لقول النّبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»، ويرقى بين مقام الخوف على ضياع وقت من أوقات رمضان في غير طاعة وبين الرّجاء طمعًا في قَبول أعماله كلّها، فيأنس بالذّكر والاستغفار، ويشنف سمعه بتلاوة القرآن، ويبتعد عن المساوئ والشّهوات وكلّ ما يفسد الصّيام معنويّا أو ماديّا.
اقرأ المزيد
معجزة الإسراء والمعراج؛ وتجاوز العقل النسبي : 130 - 2018/05/04
يضعنا الحديث عن معجزة «الإسراء والمعراج» أمام خاصّية علميّة وظاهرة كونيّة حدثت لمحمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي اخترق جسده المكان، حيث أُسري به من بيت الله الحرام «مكّة» إلى بيت المقدس، ثم أعرج به من المسجد الأقصى إلى السّماء السّابعة.
اقرأ المزيد
حقيقة الهجرة : 123 - 2017/10/06
لقد كان من توفيق الله تعالى أن وَفَّقَ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه أن اختار حدث الهجرة ليكون تأريخا للمسلمين، رغم وجودِ مناسبات عديدة، كمولد النبي صلى الله عليه وسلم أو يومِ نزول ملكِ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إحدى غزوات النبي عليه السلام، أو فتحِ مكة أو غيرها لتبقى أفواجُ المسلمين مهاجرةً إلى الله تعالى في كل وقت وحين بأن يعبدوه سبحانه ولا يشركوا به شيئا، وأن يقوموا بما أمرهُم به ويجتنبوا ما نهاهم عنه وذلك حقُّ الله عليهم. «فالهجرة الحقيقية أن تهاجر بقلبك إلى الله تعالى ورسوله، فتهاجر يقلبك من محبة غير الله إلى محبته، ومن العبودية لغيره إلى العبودية له، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوعِ له والذلِ والاستكانة له إلى دعائه وسؤاله والخضوع له والذلِ له والاستكانةِ له، وهذا بعينه معنى الفرار إليه»[1] قال الله تعالى: «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ»، فالهجرة مخالفةُ النفسِ مما تدعو إليه من الأهواء واتباعٍ لمرضاة الله، ولا يتحول عنها إلى أن يلقَى الله تعالى.
اقرأ المزيد