الأولى

بقلم
فيصل العش
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
 (1)
عدّت إلى مقدّمة إبن خلدون ووقفت طويلا أمام قولته الشّهيرة التي يعرّف بها التّأريخ : «إنّ فنّ التّأريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشدّ إليها الرّكائب والرّحال، وتسمو إلى معرفته السّوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذْ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والأول، والسّوابق من القرون والدّول(...) وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لهذا أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق»(1) فالتّاريخ ليس أخبارا وقصصا تسرد، بل هو علم يستنبط من تلك الأحداث والوقائع السّنن والقوانين التي تحكّمت فيها والتي بموجبها كانت النّتائج التي نعلم، لذا فالعارف بالتّاريخ ليس ذلك الحكواتي الذي يسرد ما حصل من أخبار وإنّما من يتمكّن من معرفة السّنن التي تحكّمت فيها ومن ثمّ اكتشاف العلاقة بين السّنن ونتائج الأحداث التّاريخيّة، فالتّاريخ يعيد نفسه- ليس بمعنى أنّ الحوادث نفسها بأشخاصها وزمانها ومكانها تعود مرّة ثانية وثالثة، فهذا ظاهر البطلان، وسخافة ظاهرة- وإنّما بمعنى أن كلّ حدث من أحداث الزّمان نتيجة لمقدّمات، فإذا تمّت المقدّمات ظهرت النّتيجة لا محالة، وإذا تشابهت المقدّمات تشابهت النّتائج، وهذا الأمر يتكرّر دائمًا على نمط مطرد. إنّ أحداث التّاريخ - على هذا النّظر - مثلها مثل كلّ القوانين الطّبيعيّة، إذا حصلت أسبابها حصلت مسبّباتها. إنّها سنن التّاريخ البشري ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾(الأحزاب: 38)(2) وهي مثل السّنن الكونيّة التي نظّم اللّه بها الكون، لا تتحوّل ولا تتبدّل ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾(فاطر: 43)(3)، ماضية لا تتوقّف ولا تتخلّف، لا تختلف ولا تُخالف، ولا تجدي مخالفتها نفعا، وهي تسري على البرّ والفاجر ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾(الأنفال: 25)، ولا تحابي أحدًا ولا تستثني أمّة، فلا اعتبارات لفرد على فرد، ولا لأمّة على أمّة، فهي سنن مطردة، وهي بهذا تنطبق على كلّ أمّة بما يناسب فعلها والتزامها بحيثيات تلك السّنن.
(2)
التّاريخ كلّه صراعات وحروب، ولم تخلُ فترة منه من طغيان جماعة على أخرى ومحاولة القضاء عليها والهيمنة على خيراتها وممتلكاتها، لذلك امتلأت صفحات التّاريخ بقصص المقاومة وردّ العدوان. فقد اقتضت سنّة اللّه تعالى أن يلقى أيّ جسم غريب مقاومة سواء أكان هذا الطّارئ مرضًا على جسم، أو فردًا على أسرة، أوجماعة على جماعة أخرى، خاصّة إذا كان هذا الطّارئ مبغوضاً مفروضاً فرضاً بقوّة السّلاح، وإذا فرضت جماعة نفسها في شكل دولة احتلال أرض وسعت للقضاء على أصحابها الحقيقيين، وانتهاك مقدّساتهم كانت مقومات المقاومة أكبر. وهذا ما حدث على أرض فلسطين، فقد تمّ زرع  الكيان الصّهيوني في أرض ليست أرضه، فهو جسم غريب مقابل أصالة الشّعب الفلسطيني، لذا اندلعت المقاومة الفلسطينيّة واستمرّت لعقود عديدة برغم محاولات القضاء عليها أو تدجينها. والنّتيجة -حسب سنن التّاريخ - هي البقاء والخلود للأصيل مقابل الفناء والموت للغريب الطّارئ. 
إن بقاء هذا الجسم الغريب الطّارئ لحدّ الآن يرجع إلى الدّعم الكبير اللاّمشروط الذي يلقاه من حلفائه، عسكريّا وسياسيّا وإعلاميّا، وهو ما برز للعيان منذ اللّحظة الأولى لطوفان الأقصى من خلال فزع القوى الغربيّة الدّاعمة للكيان ممّا حدث، وخشيتها على مصيره. لكنّ هذا الدّعم لن يدوم طويلا، فلكلّ بداية نهاية. والنّهاية ستكون زوال إسرائيل بحول اللّه.
إنّ أهمّ ما يمكن ملاحظته هو تصاعد منحنى الوعي بسنن التّاريخ واتباعها لدى المقاومة الفلسطينيّة، التي لم تعد مجرّد ردّ فعل، بل اعتبرت من تجاربها السّابقة وتجارب الآخرين وأخذت بالأسباب، فباتت رقمًا صعباً في ميدان المعركة وألحقت أضرارا بالغة  بالعدوّ الصّهيوني على المستوى التّكتيكي والإستراتيجي(عسكريّا وإعلاميّا وسياسيّا)، ونتيجة لوعي قادتها بأنّ الطّريق صعب وأنّه يتطلّب مزيدا من الصّبر وعدم اليأس ومزيدا من الامتثال لسنن اللّه في خلقه، واليقين بنصره، فإنّ المقاومة قادمة على تحقيق المزيد من الإنجازات والانتصارات، إلى أن يصل المنحنى إلى أقصاه وهي اللّحظة التي سيزول فيها الكيان سواء بتفكيك نفسه بنفسه أو عبر حلفائه الغربيّين الذين أسّسوه (وقف الدّعم والتبرؤ منه) أو بانهياره أمام ضربات المقاومة والمجاهدين. 
ولعلّ هذا الوعي بالسّنن التّاريخيّة يجسّده استشراف الشّيخ أحمد ياسين رحمه اللّه زوال الكيان الصّهيوني في الرّبع الأول من القرن الحادي والعشرين في عام 2027، مؤكّدا أنّ هذا الاستشراف لسنن التّاريخ مستوحى من القرآن الكريم، حين قال(4): «إسرائيل قامت على الظّلم والاغتصاب، وكلّ كيان يقوم على الظّلم والاغتصاب مصيره الدّمار،(...) إنّ القوّة في العالم لا تدوم لأحد، الإنسان يولد طفلاً ثمّ مراهقاً ثمّ شابّاً ثمّ كهلاً ثمّ شيخاً، وهكذا الدّول تولد وتكبر ثمّ تتوجّه للاندثار (...) إنّ إسرائيل ستزول إن شاء اللّه في الرّبع الأول من القرن القادم، وفي عام 2027 ستكون إسرائيل قد بادت وانتهت». ورداً على سؤال المذيع: «لماذا هذا التّاريخ؟»، قال الشّيخ: « لأنّني أؤمن بالقرآن الكريم، والقرآن حدثنا أنّ الأجيال تتغيّر كلّ أربعين سنة، في الأربعين الأولى كان عندنا نكبة، وفي الأربعين الثّانية أصبح عندنا انتفاضة ومواجهة وتحدٍّ وقتال وقنابل، وفي الأربعين الثّالثة تكون النّهاية إن شاء اللّه(...) هذا استشفاف قرآني، اللّه فرض على بني إسرائيل التّيه في الأرض أربعين عاماً، لماذا؟ ليغيّر الجيل المريض التّعبان ويأتي بجيل مقاتل(5)، فجيل النّكبة بدّل اللّه به جيل الانتفاضة، والجيل القادم هو جيل التّحرير إن شاء اللّه تعالي» وأضاف الشّيخ:«أنّ الطريق صعب وطويل، لكنّ النّصر قادم لامحالة وهذا وعد اللّه، واللّه لا يخلف وعده».
(3)
استحضر الشّيخ ياسين، مؤسّس حماس وكتائب عزالدين القسّام، في كلامه أربع سنن إلهيّة تسري على الاجتماع البشري، الأولى سنّة المكر بالماكرين، والثّانية سنّة المداولة، والثّالثة الاستبدال، والرّابعة سنّة نصر المؤمنين والفرج بعد الشّدّة. هذه السّنن الإلهيّة يمكن في ضوئها فهم مجريات الأحداث الواقعة بعد طوفان الأقصى واستشراف مستقبلها، سنكتفي- لضيق المساحة - بالحديث في واحدة منها وهي سنّة نصر المؤمنين بعد الشّدّة والانتقام من الظّالمين.
هذه السّنّة قوامها ثلاثة عناصر: الأول الاستعداد للقاء العدوّ وقتاله:﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ...﴾ (الأنفال: 60) والثّاني الصّبر على أذاه وعدم الاستسلام، فقد ربط اللّه الفلاح أي النّصر بالصّبر فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(آل عمران:200). والثالث اليقين بنصر اللّه، فعندما يأمر اللّه عباده المؤمنين في كلّ زمان ومكان بأن ينتظروا نصره وثأره من الطّغاة الظّالمين في قوله: ﴿وَٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ (هود: 122)، فإنّ في ذلك تنبيهًا وتذكيرًا بأنّ شأن المؤمنين الثّبات على اليقين الذي نطق به ﷺ عندما قال: «... واعلَمْ أنَّ النَّصرَ مع الصَّبرِ، وأنَّ الفرَجَ مع الكرْبِ، وأنَّ مع العُسرِ يُسرًا)(6). وهذه السّنة جرت على الأولين من الرّسل والمؤمنين، فجاءهم نصر اللّه بعد أن ابتلوا بالأعداء إلى حدّ انقطاع الأمل: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف: 110)، وهي جارية على من بعدهم إلى يوم الدّين:﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 215).  فإذا اجتمعت العناصر الثّلاثة، يأتي نصر اللّه بالرّغم من اختلال موازين القوى العسكريّة لصالح العدوّ، وقلّة الوسائل لدى المقاومين مقارنة بما لدى أعدائهم من إمكانات المكر الكبّار: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: 26)، 
(4)
تظهر لنا صفحات التّاريخ بكلّ وضوح أنّ كلّ احتلال مآله الزّوال وأنّ مقاومته منتصرة ولو بعد حين،  مهما طغى المحتلّ وتكبّر ودمّر وهجّر ومارس وحشيته بلا حدود، إنّ ما يفعله الصّهاينة منذ سبعين عاما في فلسطين برغم هوله وفضاعته، خاصّة في حربه الحاليّة في غزّة، ليس أقلّ شراسة وفضاعة ممّا صنعه الفرنسيّون في الجزائر(7) والأمريكان في الفيتنام (8) وما فعله من قبلهم الصّليبيّون في فلسطين ذاتها(9)، لكنّ الجميع رحلوا بعد هزيمتهم وبقي أصحاب الأرض. وسيرحل الصّهاينة في نهاية المطاف كما رحل الآخرون، وسيتحقّق قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (النحل: 26)، وستنتهي مقولة «إسرائيل وجدت لتبقى»، مادام هناك رجال صادقون في ما عاهدوا اللّه عليه، صابرون في مواقع قتالهم، شرسون مع أعدائهم، آخذون بسنن اللّه وواثقون من نصره.
هناك مثال واحد معاكس لما كنّا نقول يتعلّق بفشل مقاومة الهنود الحمر للمحتلّين الأوروبيّين، واندثار وجودهم كأمّة ووطن. وهو مثال وإن عاكس من حيث النّتيجة، فإنّه كان تطبيقا لسنن اللّه في خلقه، ذلك أنّ الهنود الحمر، بعد عقود من محاربة الرّجل الأبيض، لم يصبروا على أذاه، وانطلت عليهم حيلته عبر اتفاقيات السّلام التي استبطنت غدره وخداعه، فانتهى الأمر كما يعلم الجميع بفشل المقاومة الهنديّة في استرجاع أراضيها. فالحمد للّه الذي يسّر حصول «طوفان الأقصى»، ليكشف للعالم زيف مقولة «السّلام مقابل الأرض» و«التّطبيع طريق التّنمية» ويفضح المتاجرين بقيم الحرّية والكرامة. 
الهوامش
(1) عبد الرحمان ابن خلدون ، « المقدمة» ، دار الفكر للطباعة و النشر والتوزيع ، بيروت 2004 ، ص 15. 
(2) أنظر أيضا إلى قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادهِ﴾ (غافر: 85) و﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (الفتح: 23) .
(3) أنظر أيضا إلى قوله تعالى: ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: 77) .
(4) الجزيرة، شاهد على العصر، أحمد منصور : https://www.youtube.com/watch?v=dWjzTadH0zE.
(5) حقّق ابن خلدون في «حكمة التّيه» الّذي وقع في بني إسرائيل، في قوله تعالى : ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ  أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (المائدة: 26) فقال «إنّ المقصود بالأربعين فيه فناء الجيل الأحياء ونشأة جيل آخر لم يعهدوا الذّلّ ولا عرفوه». (ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون (1/ 214)).
(6) رواه الإمام أحمد (2803) والترمذي (2516) عن عبدالله بن عباس
(7) بلغ عدد ضحايا الاحتلال الفرنسي للجزائر، خلال الفترة الممتدة من 1830، حتى حصول البلاد على استقلالها في جويلية 1962.حسب الرئاسة الجزائرية 5 ملايين و630 ألف شهيد، ضحوا بحياتهم منذ المقاومات الشجاعة ضد الاستعمار الفرنسي، وخلال الثورة التحريرية المظفرة»: الجزائر-تعلن-عن-مجموع-ضحايا-الاستعمار-الفرنسي-56-ملايين-شهيد/ https://www.alaraby.co.uk/politics
(8) تتراوح تقديرات عدد الجنود الفيتناميين والمدنيين الذين قُتلوا في حرب فيتنام  من 966،000 إلى 3.8 مليون شخص.
(9) ما حدث في المسجد الاقصى وحده خلال الأيام الأولى من الحروب الصليبية أكثر شراسة ودمويّة ممّا يحدث اليوم في غزّة، فقد قام الصليبيّون بمجزرة مروعة بحقّ المدنيين داخل أسوار المدينة، فقتلوا ما يقارب 90,000 إنسانا، ومثّل بأجسادهم، فقطّعت الرؤوس والأطراف وسالت الدّماء أنهارا في شوارع المدينة.