بهدوء

بقلم
د.ناجي حجلاوي
حادثة الإفك من القصّة التّراثيّة إلى التّأويل الاستشراقي(4) «وجوه الاستشراق ومزاياه»
 مزايا الاستشراق
 ما من شكّ في أنّ الاستشراق اضطلع بأدوار ثقافيّة وعلميّة إيجابيّة كثيرة. ولعلّ من أهمّها المشاركة الفعّالة في إحياء التّراث الإسلامي في المجالات الأدبيّة واللّغويّة والدّينيّة والفلسفيّة، اطلاعا وتحقيقا ونشرا وترويجا. وقد عرّف الاستشراق بالثّقافة العربيّة الإسلاميّة في الأوساط الغربيّة، ومثال ذلك غوستاف لوبون في كتابه: «حضارة العرب». وكارل بروكلمان في كتابه: «تاريخ الأدب العربي». وفؤاد سيزكين في مُصنّفه: «تاريخ التّراث العربي». ونجد ما كتبته وزيجريد هونكه في كتابها: «شمس العرب تسطع على الغرب». وأ.ج.زبيري وله: «الإسلام اليوم والتّصوّف» و«ترجمة معاني القرآن الكريم». ومن الفضائل الاستشراقيّة أيضا، نلاحظ تحفيز الضّمير الإسلامي من أجل البحث والتّنقيب والرّد على المخالفين والمحاورة. 
وقد استيقظ الشّرق على طلقات مدافع نابليون. وجاءت هذه الحملة بأوّل مطبعة عرفها العالم الإسلامي وأوّل معمل للكيمياء. وقد رُسمت أوّل الخرائط المتّصلة بجغرافيّة البلاد وصدرت أولى الصّحف. والجدير بالملاحظة، أنّ العديد من المستشرقين قد التزموا الحياد والموضوعيّة. وقد بذلوا جهودا عظيمة في تحقيق المخطوطات الّتي لا توجد إلاّ في متاحفهم ومكتباتهم مستفيدين في ذلك بعلوم التّحقيق المتطوّرة لديْهم. ولهم الفضل الكبير في تدوين الموسوعات الخاصّة بالأحاديث النّبويّة مثل جهود فانسنك المتمثّلة في موسوعته «المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النّبوي». وتوماس أرنولد في كتابه: «الدعوة إلى الإسلام». وإتيان دينيه الّذي أسلم وعاش في الجزائر وله كتاب: «أشعّة خاصّة بنور الإسلام».
وجهان للاستشراق 
الاستشراق موضوع مشحون بالإيديولوجيا والأفكار المسبقة. وقد زادته شحنا العلاقة اللامتكافئة بين الشّرق والغرب. وليس هناك معالجة رصينة لهذه المُواجهة بيْن الطّرفيْن. والمهمّ، هو أن يُفسح المجال للمستشرقين كيْ يدافعوا عن أنفسهم. فالبناء الصّحيح لا يخشى من التّهديم بأبسط الطّرق. فالقرآن مثلا ليس في حاجة إلى جمعيّات ومؤسّسات تدافع عنه، وإنّما هو في حاجة إلى جمعيّات ومؤسّسات تتدبّر آياته وتقف على دلالاته المُتجدّدة. 
لقد مثّل الاستشراق معركة الخطابات: خطاب المدروسين المتشنّج المُتحمّس. وخطاب الدّارس الّذي يبدو رصينا. فالمناهج الفيلولوجية والتّاريخيّة لا تُعنى بطبيعتها بالمشروطيّة الاجتماعيّة للموضوع المدروس، وإنّما تدرس الأفكار وكأنّها مستقلّة بذاتها عن أصحابها. والّذي ينبغي الانتباه إليه هوّ أنّ الغرب ليس كتلة واحدة وإنّما هو جملة تيارات واتّجاهات منها الثّابت ومنها المتطوّر ومنها اليسار ومنها اليمين. ولكن العلم والمعرفة أفضل من الإيديولوجيا، فاليميني العالم أفضل من اليساري الجاهل. وقد سعى إدوارد سعيد، في هذا الإطار إلى الثّورة على تقسيم العالم بيْن شرق وغرب لصالح الإنسانيّة الواحدة وإنْ اختلفت الثّقافات والدّيانات والعادات والتّقاليد وتعددت الأبعاد الانتمائية. وهكذا يصبح الاستشراق، حسب رأيه، قدحا في الغرب ذاته.
وإزاء الاستشراق تتعدّد الآراء فمنها النّاقد ومنها الرّافض ومنها المتقبّل الرّاضي. ومردّ ذلك عدم التّوازي بيْن المتلقّين في الاطّلاع على المناهج والمضامين الاستشراقيّة، ولاسيّما أنّ طُرُق التّقدّم الحضاري عديدة وليست على نمط واحد والحداثة حداثات. إنّ مفكرا مثل ميشال فوكو قد وجّه سهام نقده للحضارة الغربيّة المهيمنة والموّظفة للمعرفة لخدمة السّلطة. ومعنى ذلك أنّ الاستشراق الّذي توسّل بمثل هذا المنهج لابدّ له من الحذر من الخطإ في التّطبيق كيْ لا يسقط في التّعميم والتّضحيّة بالحقيقة من أجل كسب العواطف، والتّأييد من الأغلبيّة. ومن ثمّ تجدر الإشارة إلى أنّ الاستشراق يقف بيْن الإيديولوجيا والإبستمولوجيا.
إنّ الأزمة تتمثّل في أنّ الشّرق قد أصبح ذاتا مدروسة وموضوعا للدّراسة بعد أنْ كان لفترة طويلة ذاتا ّدارسة. وهو الآن منفعل بالتّاريخ وليس فاعلا فيه. وهو يبحث بقلق عن روحه الخاصّة في المرآة الّتي يُقدّمها له البحث الاستشراقي والغربي، ولكنه لا يراها لا في الماضي ولا في الحاضر(1). 
إنّ الإدانة المطلقة للاستشراق تتعلّق بمن كانوا عملاء للاستعمار مثل القناصلة والسّفراء والمبشّرين والتّجار والعسكريين والتّقنيين. ولكن ممارساتهم تظلّ مجرَّمة ومكشوفة ومحاكمتهم إنّما تكون فرديّة. وكثير من المستشرقين استطاعوا التّفريق بين هذه الجهود الاستعماريّة. والجهود العلميّة الّتي تدين بدورها ممارسات الشّق الأوّل.  وانظر إلى المستشرق إدوارد براون الّذي قضّى حياته ينادي  باستقلال بلاد فارس وحريتها. وإلى لويس ماسونيون الّذي هوجم وعنّف من أجل جهوده الموضوعيّة إزاء التّراث العربي الإسلامي وخاصّة الصّوفي. وكذلك ليون كايتاني الّذي عارض احتلال ليبيا وغيرهم كثير. 
ولا غرابة في أن ينظر الغربي إلى الشّرق بعيونه. والعكس بالعكس. فمن غير المنطقي أنْ يُطالب الغرب بالتّنازل عن رؤاه ومناهجه في دراسة الشّرق إرضاءً لأهل الشّرق. والعجيب هو استقالة أهل الشّرق عن المساهمة في الإبداع، والإنجاز العلمي والتّقني. والأعجب من  ذلك، يتمثّل في كوْنه عالة على الغرب، فهو يستهلك أدويته، ويستعمل وسائل نقله، وأدوات اتّصاله، وفي الوقت ذاته يسبّه ويلعنه.
إنّ السّؤال المطروح في نطاق هذه العلاقة بين الغرب والشّرق هو: لماذا يُعجب بعض الشّرقيين بالفلسفات الغربيّة كالماركسيّة أو الاشتراكيّة أو اللّيبراليّة؟ وفي المقابل يتمّ رفض جهود بعض الغربيين إذا درسوا الشّرق وثقافته، علما بأنّ الدّورة الحضاريّة تُذّكر بصعود الحضارة الشّرقيّة ودراستها للغرب ما يُحيل على أنّ الحضارة إذا بلغت أوجها فإنّها تمارس عولمتها عبر دراسة الثّقافات الأخرى. ويبدو أنّ الحلّ الأفضل لكلّ حضارة هو ألاّ تتوقّف عن إنتاج القيم الإنسانيّة الإيجابيّة بدلا من الاكتفاء باستيراد القيم الزّائفة والاستهلاكيّة. ولكنّ الإنصاف من الدّارسين هو الأمر المطلوب علميّا، يقول كلود كاهين في مقدمة كتابه متحدّثا عن الاستشراق بكلّ إيجابياته وسلبياته، بكلّ همومه ومشاغله: «إذا كان الاستشراق بشكل عامّ والدّراسات العربيّة الإسلامية بشكل خاصّ، يُمثّلان فضولا معرفيّا إيجابيّا، فإنّه لا يمكن إنكار أنّهما كانا قد تطوّرا وترعرعا ضمن ظروف لا تخلو من بعض المخاطر والنواقص. فهي أوّلا تفرض على غير الشّرقي ولادة، أن يقضي وقتا طويلا في تعلّم اللّغة ممّا يحرمه من امتلاك الوقت الكافي للتزود بمنهجيّة تاريخيّة حقيقيّة أو تدريب حقيقي على مناهج العلم التّاريخي. ثمّ نجد بحكم قوّة الأشياء أنّ الغربيين قد ركّزوا جهودهم على ما يجذبهم أكثر لدى الشّرقيين مدفوعين إلى ذلك بوجهة نظرهم الخاصّة وضمن أطر حضارتهم أو حتّى كرد فعل على هذه الحضارة»(2). وكم يبعث على الاستغراب السّقوط في التّعميم كاعتبار أنّ الشّرق كله روحاني والغرب كله مادّي. ولكن لو جُوبهت الدّراسات الاستشراقيّة بالدّراسات المحليّة لكانت المعرفة هي المستفيدة الأولى.
إنّ أسبقيّة الغرب إلى اكتشاف المناهج المختلفة هيّأته إلى أن يكون دارسا لتاريخ الثّقافات المختلفة ولمسار الحضارة الإنسانية. والمستشرقون يُقرّون أنّه لولا جهودهم لما تجرّأ الشّرقيون أنفسهم على نقد موروثهم من أجل التّجاوز والاختراع والإبداع.
إنّ المركزيّة الأوروبيّة لم تتولّد من فراغ وإنّما هي نتيجة غلبة علميّة واقتصادية. وهي وإنْ وُظّف بعض المستشرقين لخدمتها، فإنّ البعض الآخر قد تصدّى لها بالنّقد وخاصة إزاء الدّراسات الاستشراقيّة غير المحكّمة والمركّزة، والمفعمة بالعنصريّة، والّتي تعتقد أنّ العارف باللّغة قادر على سبر أغوار الثّقافة والفكر. وفي المقابل تظلّ الإيدلوجيا السّياسية تجترّ الماضي وتكتفي به غير مبالية بعدم خروج العرب من هذا الكهف. وهو أمر لا يتحقّق إلا انطلاقا من الدّراسة، وتجديد طُرقها لأنّ المعرفة راهنة أدواتها. ففي اللّغة، على سبيل المثال، مجال فسيح لحركة الأنظمة والأبنية الّتي تمنح دلالات متجددة، تُساعد على عدم الوقوع في الإسقاط وتُجنّب العقل السّقوط في المغالطات التّاريخيّة. ويبدو أنّ الفاعليّة العلميّة هي المحور الأساسي الّذي يجب الاعتناء به. وما من شكّ في أنّ كثيرا من المستشرقين ما يزالون سجناء الحركة الاستشراقيّة الأولى المُفعمة بالإيديولوجيا وما حفّ بها من ظروف اجتماعيّة وتاريخيّة وثقافيّة وسياسيّة. وفي كلّ ذلك تيه واغترار بالتّفوّق المنهجي، وانحراف ينبغي تجاوزه نحو تعميق المعارف والعلوم سواء من جهة المستشرقين أنفسهم أو من جهة الدّارسين الشّرقيّين.
إنّ ما يُميز أهل الشرق هو ركود الأذهان وتقيُدها بالمنسوب الإيديولوجي والمذهبي العميق. وهو ما مثّل عائقا معرفيا دون الفصل بين الذات والموضوع. لقد ذهب المؤرخ المغربي عبد الله العروي إلى أنّ العرب قد جاؤوا إلى المنهجيّة التّاريخيّة في الوقت الّذي راح الغرب يتقزّز منها. فهم أبعد ما يكونون عن البحث عن أسباب التّخلف العلمي في الاعتقاد أو اللّغة أو النظام السياسي أو الانتماء الديبلوماسي(3). ولكن الدّارس لا يجد مناصا من موافقة محمّد أركون في تعليقه عن ذلك بقوله: الحقيقة، إنّ الأمر ليس مقصورا على المنهجيّة التّاريخيّة. وإنّما هو أمر عامّ يشمل كلّ المناهج، وكلّ الطّرق البيداغوجيّة والأنماط. 
لقد ترسّخ عند المسلمين لعصور طويلة أنّ الإسلام في خطر، وأنّه يتعرّض إلى مؤامرة كبيرة. وتتعزّز هذه الفكرة كلّما تزايدت الهجومات الغربيّة على البلاد الإسلاميّة. فيتزايد الغيظ والحقد. والحال أنّ الدّين المدعّم بالحجّة والقابل للدّراسة لا يمكن أن ينقص من شأنه. فقد ورد في القرآن قوله تعالى:﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ..﴾(الأنعام: 149). فالمسألة ليست الظهور في صورة الضحية السّياسيّة والثّقافية والفكريّة والمظلومية(4)، وإنّما هي معركة العلم والمعرفة وابتعادا عن الرّضى بالمسلّمات والأفكار المسبقة. 
والحاصل ممّا سبق، نُشير إلى أنّه إزاء الاستشراق يوجد موقفان: الأوّل رافض والثّاني ناقد. الأوّل يرى أنّ «المستشرقين ليسوا مؤهّلين للتّحدّث عن الإسلام، وذلك لأنّهم لا يتمتّعون بأيّ معيار لضمان النّزاهة العلميّة، فانخراطهم التّاريخي في الحروب الصّليبيّة ضد الإسلام والوشايات الّتي أشاعوها عن نبيّه ورفضهم للطّبيعة الإلهيّة للوحي الّذي تلقّاه وعجزهم عن رؤية الطّابع الإعجازي للقرآن وجهلهم باللّغة العربيّة وأسرار بيانها، بالإضافة إلى ذلك نذكر دعمهم  الاستعمار ضدّ العرب المسلمين،  ما ينزع عنهم كلّ نزاهة»(5).
أمّا الموقف الثّاني فهو يتوخّى التّنسيب ويطرح الجهود الاستشراقيّة على بساط الدّرس للاستفادة من الجوانب الإبستمولوجية مع التزام الحذر والتّنبّه إلى الجوانب الإيديولوجيّة. وإذا التقى الغرب بالشّرق تحت وطأة الحملات العسكريةّ، فإنّ الأسئلة المطروحة في نطاق هذه العلاقة قد تطوّرت وتشعّبت في عالم يشهد العديد من الثّورات الثّقافيّة والعلميّة والإعلامية. وقد زالت الإمبراطوريّات الاستعماريّة، وصار العالم غرفة واحدة يتسنّى، في نطاقها للشّرق أن يكون غربا، وللغرب أنْ يكون شرقا. وقد ذهب عزيز العظمة إلى اعتبار أنّ الاستشراق هو عبارة عن نمط من أنماط الإدراك والتّصوّر، وليس سجلّا من سجلّات المعرفة(6). 
ويظلّ السّؤال هو هل الاستشراق حالة عضويّة ومعطى دائم للعقل الأوروبي أم هو معطى ثانوي عابر؟ ولعلّ الإجابة تجد معالمها في ما ارتآه عبد الله العروي من أنّه ثمّة فائدة يمكن أن تُجنى من التّفحّص النّقدي لأعمال المستشرقين إذا ما أُخذت في مستوى معيّن. وذلك لأنّ هذا التّفحّص سوف يؤدّي بالضّرورة إلى شكل جديد من أشكال المناظرة، وإلى أخذ الوعي بشروط التّوصّل إلى حقيقة كونيّة أو قابلة للتّعميم كونيّا. والنّقد ينسحب على الشرقي المدروس والغربي الدّارس لأنّ  الأوّل يقف عند أسطورة الأصل متجاهلا أنه هو الّذي يعيد تأويل ذلك الأصل في كلّ فترة من فترات التّاريخ. والثّاني يقف عند نهاية التّاريخ متجاهلا أنه هو الّذي يوقف التّطور بكيفية قسرية وتعسفية. كلاهما يرتكب إذاً خطأ خاصّا به، والاثنان يشتركان في خطأ ثالث هو افتراض مطابقة الفكر للواقع أو العقيدة للتّاريخ(7). 
ويبدو أنّ الاستشراق الحديث يُعبّر بوضوح عن استقلاليّته إزاء السّلطة ويُثبت تعلّقه بالحرّية في مستوى التّفكير والكتابة. وهكذا تبقى الإشكاليّة متمثّلة في كيفيّة معرفة الذّات لذاتها وعلاقتها بغيرها. ومعرفة كلّ طرف بذاته وبغيره. ويبدو أنّ الخلل يكمن في اعتبار كلّ طرف أنّه يعرف عن الآخر أكثر ممّا يعرف الآخر عن نفسه. ويظلّ الإشكال ماثلا في السؤال: هل العلم كوْني أم خصوصي؟ وما هذا التّبسّط في فهم الاستشراق ومتعلّقاته إلاّ من أجل تنزيل حادثة الإفك ضمن منظوره.
الهوامش
(1) محمد أركون ومن معه، الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، تعريب هاشم صالح، دار السّاقي، بيروت، لبنان، ط2، سنة 2000، ص23.
(2) نقلا عن محمّد أركون ومن معه، الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، م ن، ص ص32-33.
(3) عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التّاريخ، دار التّنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط2، 1984، ص ص146-147.
(4) انظر محمّد أركون ومن معه، الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، م ن، ص165.
(5) محمّد أركون ومن معه، الاستشراق، م ن، ص 190.
(6) عزيز العظمة، التّراث بين السلطان والتّاريخ، دار قرطبة للنّشر والتّوزيع، الدار البيضاء، المغرب، ط1، سنة 1987،  ص65.
(7) انظر عبد الله العروي، م ن، ص184.