أهل الاختصاص
| بقلم |
![]() |
| أ.د.فوزي أحمد عبد السلام |
| كلما زاد الغموض، كلما زادت المتعة |
من أين يستمدّ الجسم كتلته؟ وهل توجد كتلة سالبة؟ وما هو بوزون وحقل هيجز وقصة التّناظر وكسره؟ اسئلة مشوّقة سنبحث لها عن جواب.
كتابة مقال عن شىء لا تفهمه
(كلما زاد الغموض، كلما زادت المتعة)
الكتابة عن شيء مفهوم كتابة مملّة، وهي أشبه بتعليم الأطفال الحروف الهجائيّة و أصول الكتابة، لكنّ الموضوعات التي تثير الحيرة وتبدو غامضة، وتحتمل تفسيرات عدّة بأوزان تقديريّة مختلفة لتلك التّفسيرات، هي التي تفتح الشّهيّة للبحث والاستكشاف، لذلك إذا اعتبر الشّخص نفسه أنّه مستكشف وليس خبيرا كانت البداية الطّيبة لبناء المعرفة، لأنّ ذلك يجعلك قادرا على تغيير لونك الفكري بازدياد المعرفة أو تمدّدها لديك، تماما مثلما يتغيّر اللّون وينزاح ناحية الأحمر عند دراسة ظاهرة تمدّد الكون. وهو تغيّر لون الضّوء القادم من النّجوم بسبب حركتها. هنا الحركة والتّغيّر المكاني مادّي بسبب الحركة، وفي حالتنا عن الكتابة عن شيء غير مفهوم يكون التّغيّر معنويّا داخل دولاب العقل كمحاولة للبحث عن نسق للأفكار العشوائيّة الضّبابيّة غير المكتملة التي تخطر بالذّهن. إنّها عمليّة تبدو لا نهائيّة في إعادة التّفكيك والتّركيب لتجلية الأسرار الكامنة، والغريب في هذه العمليّة أنّه لدى كلّ عمليّة لكشف سرّ ما تنفتح لعقولنا أسرار أخرى أعمق وأعمق.
تكاثف بوز-أينشتاين
(الظّروف الصّعبة توحّد الجماهير)
مكتشف هذه الظّاهرة هو «ساتيندرا ناث بوز» فيزيائيّ هنديّ. تنصّ هذه الظّاهرة على أنّه في الظّروف العادية من درجات الحرارة، تتحرّك جزيئات الغاز والبوزونات (مشتقة من اسم بوز وهي ذرّات أو جسيمات كموميّة)بشكل عشوائي وبسرعات مختلفة، ومع انخفاض درجات الحرارة، يقلّ نشاط الجزيئات تدريجيّاً، وعند درجة حرارة منخفضة جدّاً (قريبة من الصّفر المطلق 273.15°C-)، تصبح جميع الجزيئات متزامنة في الحركة، تتحرك ككتلة واحدة. هي حالة كموميّة غريبة تفقد الذّرّات هويّاتها الفرديّة وتندمج في حالة كموميّة واحدة، وكأنّها «موجة واحدة» تُسمّى دالّة موجيّة واحدة، وقد تمّ تحقيقها معمليّاً لأوّل مرّة عام 1995، وحاز مكتشفوها جائزة نوبل في الفيزياء. عند البرودة الشّديدة، تصبح أطوال الجسيمات الموجيّة (طول دي برولي) كبيرة جداً حتّى تتداخل مع بعضها، وبدلاً من كونها جسيّمات منفصلة، تتصرّف كسائل كمومي خارق «فائق الميوعة»، حيث يمكنه التّدفّق دون احتكاك. يتّضح أنّ الاقتراب من الصّفر المطلق يؤدّي حتما إلى نشوء ظواهر غريبة، وعندها تنقلب المفاهيم حتّى أنّه يمكننا محاكاة ظواهر غريبة مثل الكتلة السّالبة.
الكتلة السّالبة
(هل قبل الصّفر المطلق بقيمة صغيرة جدّا تنقلب المفاهيم؟)
الكتلة السّالبة تعني أنّ الجسم يُقاوم الحركة بعكس القوّة المطبقة عليه (أي إذا دفعته لليمين، يتحرّك لليسار). وفي الجاذبيّة، قد «يسقط» للأعلى بدلاً من الأسفل. إنّها ظواهر ضدّ المنطق العامّ وطبائع الأشياء. وحديثا نجح الفيزيائيّون في إنتاج مائع يمتلك الكتلة السّالبة، وهذا هو بالضّبط ما يدلّ على اتجاه الحركة خلال التّسريع أو الدّفع، وخلافا لكل ّجسم مادّي في العالم ونحن نعلم، فإنّه لا يتسارع في الاتجاه الذي تمّ دفعه فيه ولكن في الاتجاه المعاكس، ونادرا ما تنشأ هذه الظّاهرة في ظروف المختبر، ويمكن استخدامها لاستكشاف بعض المفاهيم الأكثر تحدّيا من الكون (1) . والسّؤال الذي يطرح نفسه الآن من أين يكتسب الجسم كتلته؟ وهل توجد كتلة سالبة حقّا؟
من أين يستمدّ الجسم كتلته؟
(من المجالات والعلاقات)
في النّموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، «حقل هيجز» هو حقل كمّي موجود في كلّ مكان في الكون، ويتفاعل مع الجسيمات الأوّليّة فتكتسب كتلة نتيجة لهذا التّفاعل. أمّا «بوزون هيجز» فهو الجسيم الحامل لقوّة هذا الحقل، هو الجسيم الوحيد في النّموذج القياسي الذي ليس له عزم مغزلي، ممّا يجعله جسيمًا قياسيًّا، وقد تمّ اكتشافه تجريبيًّا في مصادم الهادرونات الكبير LHC عام 2012. وفقًا للنّظريّة، تتفاعل بعض الجسيمات (مثل الكواركات والإلكترونات) مع «حقل هيجز»، وكلّما كان التّفاعل أقوى، زادت كتلة الجسيم. فعلى سبيل المثال يتفاعل «الكوارك العلوي» بقوّة مع «حقل هيجز»، فتكون كتلته كبيرة، بينما يتفاعل «النّيوترينو» بشكل ضعيف جدًّا، لذا فكتلته صغيرة جدًّا، ولأنّ «الفوتون» لا يتفاعل مع «حقل هيجز»، لذا فكتلته صفر. إذن من أين يأتي «بوزون هيجز» بكتلته؟ يجيب الفيزيائيّون النّظريّون أنّ «بوزون هيجز» هو جزء من «حقل هيجز» ناتج عن تفاعل الحقل مع نفسه. وبالتالي فإنّ «حقل هيجز» هو من يمنح الكتلة للجسيمات عبر تفاعلها معه. ومع ذلك هناك من يعترض ويقول إنّ 99% من كتلة الذّرّة تأتي من طاقة الرّبط النّووي (كواركات مرتبطة بالجلونات في البروتونات والنّيوترونات)، وليس من كتلتها الذّاتيّة عبر «هيجز». فقط الكتل الأساسيّة للجسيمات (مثل الإلكترون) تأتي من «هيجز».
الفرق بين الكتلة السّالبة الفعّالة والكتلة الحقيقيّة
(ممّا يتوهّم تولّد تطبيقات محتملة)
عند دراسة تكاثف بوز-أينشتاين (حالة كموميّة للذّرات عند درجات حرارة منخفضة جدًّا) مع تطبيق مجال خارجي يخلق اقتران غزل - مدار Coupling Orbit- Spin، والنّتيجة الرّئيسيّة -تحت شروط محدّدة-، أن يظهر النّظام سلوكًا هيدروديناميكيًّا مشابهًا لسائل ذي كتلة سالبة، مثل تسارع الجسيمات في الاتجاه المعاكس للقوّة المطبقة، وتشكيل موجات صدميّة (shock waves) غير مألوفة. فكيف تمّ تحقيق «الكتلة السّالبة» هنا؟ الحقيقة أنّ هناك تفسيرا يقول إنّها ليست كتلة حقيقيّة سالبة!
ما ظهر في التّجربة هو كتلة فعّالة (Effective Mass) سالبة، (أنظر الجدول التّالي)، وهي مفهوم في فيزياء المادّة المكثّفة يصف استجابة الجسيمات في وسط معيّن، وليس كتلة الجسيمات الأساسيّة. وعند تطبيق اقتران غزل - مدار بالإضافة لوجود مجال مغناطيسي، تصبح علاقة الطّاقة-العزم للذّرّات في التّكاثف غير خطّيّة. في بعض المناطق، يكون انحناء هذه العلاقة سالبًا، ممّا يعطي كتلة فعّالة سالبة حسب التّعريف، ولذلك فالنّتيجة هي تحرّك الذّرّات تحت تأثير قوّة خارجيّة كما لو كانت كتلتها سالبة.
ومع كلّ ذلك الجدل الحميد، فهناك تطبيقات كثيرة محتملة مثل محاكاة ظواهر غريبة مثل الثّقوب الدّوديّة (بوابات في الزّمكان) التي تُشترط وجود مادّة ذات كتلة سالبة لاستقرارها أو الطّاقة السّالبة في أنظمة مخبريّة، وهي هياكل افتراضيّة في نسيج الزّمكان، تعمل كجسر يصل بين نقطتين بعيدتين في الكون، أو حتّى بين أكوان متوازية، تخيّلها مثل «نفق» يختصر المسافة بين موقعين، ممّا قد يسمح بالسّفر عبر الزّمن أو بين النّجوم في لحظة. أيضا من الممكن تصميم مواد كموميّة جديدة ذات خصائص غير تقليديّة (مثل سوائل فائقة ذات لزوجة سالبة)، أو تصميم أداة جديدة لاختبار النّظريّات مثل نمذجة الزّمكان المنحني أو الجاذبيّة الكموميّة في أنظمة تكاثف «بوز-أينشتاين».
تناظر الشّحنة-الزّمن-الفضاء
(خرج الوجود مترافقا مع توءمه المضادّ)
تناظر الشّحنة-الزّمن-الفضاء (CPT Symmetry) هو أحد المفاهيم الأساسيّة في فيزياء الجسيمات، وينصّ على أنّ القوانين الفيزيائيّة تبقى دون تغيير عند تطبيق التّحويلات التّالية معًا:- (1) تناظر الشّحنة (C) أي استبدال الجسيمات بمضاداتها. (2) تناظر الزّمن (T) أي عكس اتجاه الزّمن. (3) تناظر الفضاء (P) أي عكس الإحداثيّات المكانيّة (مرآة). وفقًا لنظريةCPT ، التي تمّ إثباتها رياضيّاً في إطار نظريّة الحقل الكمومي النّسبوي، فإنّ أيّ نظام فيزيائي يجب أن يكون متناظرًا تحت التّحويل الكلّي CPT، حتّى لو انكسر أحد هذه التّناظرات على حدة. حتّى الآن لا يوجد دليل تجريبي على كسر تناظر CPT، فجميع التّجارب تؤكّد صحّة هذا التّناظر ضمن حدود دقّة القياسات الحاليّة. ومن أبرز الأدلّة عدم ملاحظة أي فرق في الكتلة أو العمر الزّمني يتناقض مع CPT عند مقارنة كتل الجسيمات ومضادّاتها مثل الإلكترون والبوزيترون، البروتون والأنتيبروتون. وبالنسبة لمطيافات مضادات الهيدروجين (نواة مضادة وإلكترونات مضادة) تم قياس طيف مضاد الهيدروجين بدقّة عالية، ولم يكشف عن أيّ اختلاف عن الهيدروجين العادي، ممّا يدعّمCPT. ويُظهر انحلال الجسيمات المحايدة (مثل الكاونات) انتهاكات لتناظر CP الذي يرتبط بـ T عبر نظرية CPT، لكنّها لا تنتهك CPT ككل. وهناك انتهاكات منفردة (C, P, CP, T)، مثل التّناظر المرآتي P الذي ينكسر في تفاعلات القوّة الضّعيفة في تجربة Wu عام 1956. وانكسر تناظر CP في أنظمة الكاونات والبيونات (مثل تجاربCronin وFitch عام 1964). كما لوحظ انتهاك التناظر T بشكل غير مباشر عبر انتهاك CP، إلاّ أن التناظر CPT ظلّ صامدًا أمام جميع الاختبارات التّجريبية حتّى الآن. أي كسر لهذا التّناظر سيهز أسس الفيزياء الحديثة، مثل النّسبيّة العامّة أو ميكانيكا الكمّ، لذا فإنّ البحث عنه مستمرّ بدقّة متزايدة، خاصّة في تجارب مضادّات المادّة.
إذن يحافظ النّموذج القياسي على تناظر الشّحنة-الزّمن-الفضاء، فيما تنتهك الكتلة السّالبة هذا التّناظر، وإلى الآن لا توجد ملاحظات تجريبيّة لأيّ جسيمات ذات كتلة سالبة في الطّبيعة. وبالتّالي فلا علاقة مباشرة لحقل هيجز مع الكتلة السّالبة، لأنّ الكتلة السّالبة هنا تأثير كمّي ناشئ وعرضي، ناتج عن هندسة التّفاعلات في الوسط الكمومي وليس ناتجًا عن تفاعل مع «حقل هيجز» في فيزياء الجسيمات عالية الطّاقة. لكنّ الكتلة قد تكون ظاهرة ديناميكيّة معقّدة، وليست دائمًا استاتيكيّة ثابتة. من هذه الزّاوية تبدو هذه النّتائج مهمّة لتوسيع فهمنا للكتلة وتثبت أنّ «الكتلة» يمكن أن تكون مفهومًا مرنًا يعتمد على البيئة الفيزيائيّة.
لماذا الإصرار على عدم كسر التّناظر الكلّي CPT
(إعادة ضبط النّظام)
الإصرار على ثبات القوانين تحت تحويلات واشتراطات معيّنة مثل عدم وجود سرعة أعلى من سرعة الضّوء وثبات القوانين تحت تحويل بوانكاريه (إزاحة، دوران، تعاكس زمني ومكاني) وكذلك عكس الشّحنة، ضمان الاتساق المنطقي للنّظريات الرّياضيّة التي تصف الطّبيعة، ومتوافقتها مع الملاحظات التّجريبيّة من الذّرّة إلى المجرّة. فتحويلات بوانكاريه تضمن عدم تغيّر القوانين الفيزيائيّة عند الدّوران أو الإزاحة، فلو حدث ذلك فهذا يعني أنّ الكون غير متجانس أو غير متّسق، ولأصبح الكون «متحيّزًا» لاتجاه أو زمن معين، ولاختلفت الجاذبية أيضا بين الماضي والمستقبل أو بين اليمين واليسار. ولو سمحنا بوجود سرعات أعلى من سرعة الضّوء تنهار السّببيّة فورا، وتصبح النّتائج قبل الأسباب. ولو كنّا في «لعبة» ذات قوانين ثابتة، فإنّ تحويلات بوانكاريه تضمن لنا أنّ اللّعبة تعمل بنفس الطّريقة سواء دار اللاّعب أو تحرّك للأمام أو الخلف أو غيّر اللاّعبون أماكنهم، فيما تضمن لنا سرعة الضّوء القصوى أنّ الأحداث تحدث بترتيب منطقي، فلا «غشّ» بالقفز للماضي لمعرفة أوراق الخصم. أمّا لو رصدت مستقبلا انتهاكات للتّناظر الكلّي CPT فسيكون ذلك أهمّ اكتشاف فيزيائي منذ قرن، وسيتطلّب إعادة كتابة القوانين الأساسيّة من جديد، وفي هذه الحالة سيقفز تناظر جديد غير معروف مسبقا يكون بمثابة إعادة ضبط النّظام. |




