ونفس وما سواها

بقلم
سعيد الشبلي
أسرار النّفس البشريّة: قراءة قرآنيّة الحلقة 8 : استخلاف العقل على النّفس
 إنّ النّفس بمعنى العقل، والنّفس بمعنى الرّوح الذي به تحصل الحياة، يشكلان في الحقيقة نفسا واحدة هي ما يمكن أن نطلق عليه اسم الذّات. فالذّات الإنسانيّة تقوم هويّتها على جانبين جانب معرفي هو البرنامج الذي يوجّهها ويهديها سبلها. وإذا كان هذا البرنامج يختلف في طبيعته، فإنّه في كلّ الحالات هو العقل بالمعنى اللّغوي الأصلي للكلمة، أي القوّة التي تعقل. 
الجانب الثّاني من الذّات وهو الجانب الوجودي (الرّوح =الحياة). فالإنسان كائن حيّ يوجّهه برنامج. وهو من حيث هو حيّ يمتلك خصائص الحياة من نموّ وحركة وتطوّر، وقد انتظمت حياته ضمن برنامج عجيب أبدع اللّه تعالى كلّ تفصيلاته وحقائقه بدءا بالأشرطة الوراثيّة اللاّمرئيّة التي تحكم التّكوين البيولوجي للكائن، وانتهاء بالأجهزة الجبّارة القائمة على تدبير الحياة العضويّة والفكريّة للشّخص. غير أن الإنسان مُكِّن ولعله من هنا تميّز عن عديد الكائنات الحيّة الأخرى، من حقّ اتخاذ برنامج يشرف به على حياته ويوجّهها.
لو بسّطنا أكثر لقلنا إنّ جانب الحياة في الإنسان يختزله هذا الجسد الحيّ بكل أجهزته الدّقيقة والجبارة وبكلّ أسراره العجيبة التي تحكم عمليّة النّمو والتطوّر. فهذا الجانب الجسدي من وجود الإنسان والذي به يدخل ضمن عالم الكائنات الحيّة بكلّ الاشتراطات التي تحيا ضمنها، هو بعض نفس الإنسان، أو هو وجود الإنسان الذي به يشارك في الحياة وينتمي إليها. ثم إنّ هذا الجانب الوجودي في الإنسان قد شفع بآلة أخرى دورها توجيه حياة الإنسان في عديد جوانبها، وهذه الآلة هي آلة المعرفة أو العقل. وهي جزء أساسي من ماهيّة الإنسان. 
فالعقل هو الآلة العارفة التي تؤسّس وعي الإنسان بحياته وتجعله وعيا متطوّرا راقيا لا وعيا بدائيّا. فعبر العقل يكتشف الإنسان حقائق ذاته، ويعي أبعاد وجوده، ويبحث عن معنى لهذا الوجود. وهو يستخلص نتائج بحسب ما يستفيده من حقائق وما يتعرّض له من تجارب. وآلة العقل هي برنامج الوعي الإنساني الذي يستمدّ كما قلنا من عديد المصادر، والذي يتنوّع إلى وعي بالذّات ووعي بالآخر. ولا ريب أنّ هذا الوعي يختلف باختلاف مراتب حياة الإنسان، فوعي الصّغير ليس وعي الكبير، ثمّ وهذا أساسي، باختلاف مصادر المعارف التي يستمدّ منها الإنسان الحقائق. 
إنّ الوعي في حقيقته نظام هندسي عجيب لمجموعة المعلومات والخبرات التي يحملها الإنسان. ولا ريب أنّ الآلة مهندسة الوعي هي آلة جدّ متطوّرة وجدّ مذهلة، بحيث لا نعلم عنها إلاّ القليل، بل إنّنا لا نرى في الحقيقة إلاّ كيفيّات صنعها وعجائب هندستها وإخضاعها وتنظيمها للمعلومة. فنحن نرى مثلا آثار حدث مأساوي على شخصيّة الإنسان، ونتبيّن الاضطرابات التي تحدث له، ولكنّنا لا نعلم إلاّ القليل عن نوعيّة التّبادل بين الإنسان والمعلومات، وعن أسرار التّمثّل الإنساني للأحداث. وإذا كانت معلوماتنا اليوم تتطوّر عبر علوم الإنسان وبعض العلوم الصّحيحة بشكل رائع لكي تكشف عن معاني أعمق لكيفيّة التّمثّل والاجتياف الإنساني للحقائق والأحداث، ولكي توضح ما خفي في هذا الجهاز الإنساني، إلاّ أنّ بناء نظريّة كلّية يبقى حلما بعيدا. المهم أنّ الإنسان يحيا ببرنامج، وهذا البرنامج الذي قوامه معلومات وقناعات ومعارف، هو الذي يسمح للإنسان بالتّعامل ويوجّه حياته هذه الوجهة أو تلك.
وهذا البرنامج منتظم ضمن آلة لها ثوابتها (كيفيّات تنظيم المعلومات وتمثّلها وكيفيّات التّعامل...)كما لها جوانب حيّة ديناميّة متغيّرة، ونظام التّغيّر والتّحوّل في برنامج هذه الآلة هو أيضا مبرمج ومنظّم ومحكم. وفي سبيل توضيح حقيقة آلة العقل يمكن أن نستنجد بمعلوماتنا حول جهاز الكمبيوتر فهو يحتوي على ذاكرتين ذاكرة ميّتة mémoire morte تحوي المعلومات الأساسيّة التي لا تتبدّل والتي بواسطتها تتمّ حركة الجهاز واستخدام أجزائه وآلاته. ويحتوي من جانب آخر على ذاكرة حيّة mémoire vivante وهذه الذّاكرة الحيّة تقبل الزّيادة والتّنقيص والتّغيير والتّبديل، ويمكن أن تبرمج فيها برامج جديدة عوض البرامج الأولى .. الخ
فالعقل الإنساني هو مثل هذا الجهاز الذي لا ريب أنّه جاء شديد الشّبه به حتّى سمّي «العقل الالكتروني» يحتوي على برنامج ثابت ليس هو من صنع الإنسان بل من صنع اللّه تعالى الذي نظّم هذه الآلة الإنسانيّة بأجمعها. ويحتوي على برنامج متغيّر هو البرنامج الذي يضعه الإنسان نفسه ويضيف إليه وينقص بحسب معلوماته ومصادره وخبراته وقناعاته وخاصّة بحسب إلهه الذي يعبده.
ضمن هذا البرنامج الثّاني الذي هو من اختيار الإنسان وتحت تصرّفه، يتناول الوعي نفسه بالنّقد والتّغيير والإضافة والتّبديل بحسب المواضعات والظّروف والحاجات والاختيارات: إنّه العقل الخليفة على المملكة الإنسانيّة بكلّ قواها وطاقاتها وإمكاناتها. يجد هذا العقل قوّة الحياة حاضرة، أو قل يجد نفسه ضمن عالم حيّ هو عالمه الخاصّ. وهو محدود بحدود جسده أوّلا، ثمّ ضمن عالم موضوعي رحب كبير. ويبدأ عمله في الوعي بحقائق نفسه (حياته)، والوعي بحقائق العالم الموضوعي الذي يحيا ضمنه. وإذا قلنا الوعي بنفسه والوعي بالعالم الموضوعي، فإنّنا أمام عمليّة تفاعل شديدة التّعقيد تقوم بها الذّات الحيّة مع كيانها ومع العالم.
ما هي هذه الذّات الحيّة أساسا، وما هو هذا الوعي الحيّ والحيوي والمتبدّل أصلا؟ هذه حقائق غيبيّة محجوبة لا طاقة للإنسان بأن يعلمها على وجه التّحقيق واليقين. نعلم من القرآن الكريم أنّ هذا الوعي الأساسي الذي يشير إليه الإنسان بقوله «أنا» هو القلب أي هو قلب المملكة الإنسانيّة. وهذا القلب يتقلّب ما بين العمى والمعرفة. قال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾(1). هذه الآية الكريمة تكشف أنّ آلة العقل هي هذا القلب الذي في الصّدر؛ فهل جعل القلب موطنا للعقل لأنّه جاء بالضّبط في قلب المملكة الإنسانيّة أي في وسطها وصدرها وموضع الإشراف منها؟ وهل المقصود هذه القلوب المصنوعة من لحم ودم أم هي آلة أخرى لا ترى؟ 
لنقل إنّها عين القلب القابلة لأن ترى كما هي قابلة لأن تعمى. فالإنسان في عمليّة الوعي بمثابة العين، والقلب منه بمثابة إنسان العين من العين، أي المرآة التي تنعكس عليها صور الحقائق والأشياء فتراها وتعقلها. والأمر على كل ّحال غيب من غيب اللّه، منه ما سمح الرّحمان بظهوره وانكشافه للعلماء، ومنه ما غيّبه وحجّره فلا نأخذه إلاّ على سبيل الإجمال(2). 
إنّ القلب هو آلة العقل، والإنسان مدعو إلى أن يستخدم هذه الآلة لممارسة التّعقّل ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾. إنّ القلب هنا بمثابة آلة التّصوير الفوتوغرافي التي يحملها السّائح في الأرض معه فيصوّر من المشاهد ما يشاء بحسب اختياره. فهذه المشاهد التي صوّرها هي الحقائق التي عقلها، وهي زبدة الرّحلة، وهي صورة حقيقيّة دالّة على نوعيّة ذوقه وحقيقة اختياره، وعلى نوعيّة رغباته وحقيقة تطلّعاته. فلو أخذنا سائحين حملتهما الأقدار إلى مكان واحد، وفي يد كلّ واحد منهما آلة تصوير، ثمّ نظرنا بعد ذلك إلى ما صوّراه وسجّلاه من أشرطة مصوّرة، لوجدنا اختلافا كبيرا في الصّور. فقد يكون أحدهما مثلا اهتم بالمباني والعمران والمتاحف والآثار. وقد يكون الآخر أعرض عن كلّ هذا وصوّر البشر في حياتهم وأسواقهم وعاداتهم وتقاليدهم. وقد يكون أحدهم حرص أن لا تظهر صورة إلاّ وهو فيها أو على الأقل أن تُرى صورته في أغلب أجزاء الشّريط. وقد يكون الآخر لم يكترث لهذا الأمر البتّة. 
والخلاصة، أنّ ذينك الشّريطين المصوّرين بحرّية يدلّ كلّ واحد منهما على ذوق صاحبه وعلى تطلعاته وعلى فهمه للمعنى وتمثله لما هو أساسي دالّ ولما هو عرضي...الخ. إنّ الصور تكشف في النّهاية عن تصوّر للسّائح لمعنى الرّحلة وفائدتها. فكذلك هذا الإنسان، هو السّائح الذي بعث إلى الأرض بآلة تصوير هي قلبه القادر على أن يأخذ من الصّور ما يشاء، وعلى أن يصوّر من الأرض كلّ مشاهدها. وفي لحظة قدريّة ترسو السّفينة فوق الأرض، وينزل السّائح ويبدأ في رؤية المشاهد. فهو حينئذ مدعو إلى أن يصوّر بحريّة ما يشاء، وكلّ ما يصوّره هذا الإنسان بقلبه يقع حفظه في أشرطة دقيقة، ويوم الحساب تستخرج آلة القلب (العقل) في الإنسان، ويبدأ الحقّ تعالى في إظهار صورها. فلا يحاسب الإنسان إلاّ بما عمل، ولا يُدان إلاّ بما رأى وسمع، ولا يكرم إلاّ بما اختار ووعى. فهذا هو الحساب العدل، تقدّس اللّه العدل الحقّ، وتمجّد قرآنه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. 
إنّ القلب من الإنسان هو الخليفة وبقيّة الكيان بالنّسبة إلى القلب بمثابة الأرض التي هو مستخلف فيها. ومعلوم أنّ الأرض مسيّرة بقوانين موضوعيّة قدّرها البارئ جلّ وعلا الذي يقول ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾(3). فالمقدار محدود، والنّظام موجود، وباب الخلّ مسدود، وللإنسان حينئذ أن يسأل قُوتَه ضمن هذا المقدار العجيب الذي قدّر في أربعة أيّام سواء للسّائلين. 
فالإنسان الخليفة هو العقل، وهو قلب الذّات. وما حياة الذّات إلاّ بوجود العقل ومن أجله. وهذا العقل طالبه ربّه أن يتدرّج في مراقي الكمال حتّى يبلغ أعلى درجات السّمو والرّفعة، ولذلك أنزله إلى الأرض (أرض البدن)، ليكون منها منطلق الصّعود والتّرقي. وأقصى درجات التّرقي توحيد اللّه الواحد الأحد، والاتصال به تعالى اتصال النّور والرّضا والاطمئنان، وطلب تولّيه تعالى للذّات. 
فالعقل (قلب الذّات) الذي يسير في الأرض فيعقل ويسمع ويبصر ويرى الآيات الباهرات التي تدلّ كلّها على عظمة اللّه تعالى ومقدرته الكليّة وعلى تنظيمه المحكم وهدايته كلّ شيء إلى غايته وإلى سبيله. فإذا ما فتح اللّه على العبد، فرأى آيات اللّه بعين النّور وعين البصيرة وعين الحكمة، وتأمّل في خلق اللّه وأبصر وأرجع البصر، فإنّه حينئذ سيستشعر من آيات اللّه ومن عظمته وعزّته ما يجعله يؤوب إليه ويستهديه ويطلب أن يتوّلاه هو أيضا بالهداية إلى المطلوب من وجوده والمقصود من كونه، ويتضرّع إليه أن لا يحرمه الحجّ إلى معبوده. فإذا تضرّع ودعا فأخلص، فإنّ اللّه البرّ الرحمان الرّحيم يتولاه فيمن وفيما تولى، فيضمه إلى خلقه المهتدين. فيكون في رد ّالعبد نفسه إلى ربّه عين العقل وعين الاهتداء وعين الاستنارة. 
فطريق العقل هو طريق الحجّ إلى اللّه تعالى، فاللّه تعالى هو محجّة العقل وهو معبوده ووليه. وحين يتولّى اللّه العقل بالهداية، يعطيه من العلوم ما صحّ وما يجب أن يتوفّر لكي تكون حياته صالحة طيّبة نافعة، ويهيئ له من أسباب الرّشاد ما يزداد به وعيا وما يكتسب به رؤية حقيقيّة لنفسه وللحياة وللعالم ...وبذلك يحول بينه وبين كل أنواع الاستلاب الشّيطاني الذي يتولّى مريديه بالأوهام والأباطيل، فلا يهديهم إلّا إلى الخراب. لذلك تنقسم الإنسانيّة بحسب العقل وعدمه إلى قسمين أساسيين: قسم هم الحجّاج القاصدون إلى ما وراء القبر، إلى اللّه الواحد الأحد. هؤلاء وبولاية اللّه تعالى لهم، حجّوا إلى مبدئهم وأعادوا الصّلة بخالقهم عن رضا فحقّ لهم مقام الرّضا، وهو الجنّة. وقسم كافر تولاه الشيطان فهداه إلى أنّ غاية وجوده القبر، فلا يلبث في عمى ولا يزداد كلّما تقدّمت به الحياة إلاّ ضلالا وجنونا، فلا يموت إلاّ وهو مجنون جنونا مطبقا ليس له من العقل ذرّة. فإذا ما كشف اللّه تعالى عن النّفوس غيبَها يوم القيامة، بدا فراغ أفئدة الكافرين لأنّها لم تمتلئ في الأرض إلاّ بالهواء. وهل من هواء أكبر من صور الشّيطان ووسوسته وحديثه الفاسد، يقول تعالى : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾(4). وما امتلأت أفئدة هؤلاء الظالمين بالهواء عوضا عن امتلائها بالقول الثابت وهو قول لا إله إلا اللّه، إلاّ لأنهم عبدوا أهواءهم واتبعوا شياطين الإنس والجنّ. يقول تعالى ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا َولَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرهُ فُرُطًا﴾(5).
إنّ الخطاب القرآني باهر الدّلالة هنا، ففي قوله تعالى «واصبر نفسك»، تأكيد على أنّ الإنسان المخاطب والمكلّف والمستخلف هو غير النّفس أو هو عقل النّفس القادر على أن يوجّهها وأن يضعها حيث يريد. واللّه يدعو العقل (الخليفة)، إلى أن يحكم نفسه بالصّبر، وأن يجعلها مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي الذين يريدون وجه اللّه. وهؤلاء لا بدّ لهم من الصّبر لأن وجه اللّه لا يظهر إلاّ لمن كفّت الدّنيا عن إغرائه وأصبحت زينتها في عينيه بمثابة التّراب الذي يمشي عليه لا يفرق بعضه من بعض، ولا يكترث له. 
إنّ هذا العقل المؤمن هو أقوى العقول، وصاحبه أقوى خلق اللّه لأنّه تحكّم في نفسه. فدلّ بذلك على قوّة العقل. فقوّة العقل ليست في كثرة المعلومات ولا في قلتها، وإنّما في التّحكّم في النّفس. فمعيار قوّة العقل: التّحكم في النفس. يقول الشّيخ محيي الدّين بن عربي رحمه اللّه «فمن مُكِّن من نفسه فهو أقوى خلق اللّه». فإذا تجاوز العبد هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وهم أهل اللّه من المسلمين، فلا ريب أنّ ذلك لا يكون منه إلاّ بسبب الالتفات إلى زينة الحياة الدّنيا والرّغبة في زخرف الأرض .
إنّ المسيرة المعاكسة لمسيرة العقل وهي التي يمكن أن نطلق عليها طريق الغفلة، تبدأ بالقلب الذي ينسى ربّه، فيتصوّر كلّ شيء ويصوّر كلّ شيء، ويتّبع كلّ شيء إلاّ طريق ربّه الحقّ. إنّه المفرّط، والتّفريط ضدّ العقل. فالعاقل من حكم نفسه وملكها، والمفرط من فرّط في نفسه من حيث ظنّ أنّه يسعدها ويهبها الهناء. ويكون التّفريط في النّفس باتّباع الهوى. وفي اتباع الهوى يكون الردى. يقول تعالى:﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ﴾(6).
إنّ معركة الحقيقة وقضيّتها لا تحسم على مستوى المعرفة المجرّدة، بل على مستوى العمل. فإنكار اللّه تعالى وإنكار السّاعة (البعث)، وثيق الصّلة باتباع الهوى. والإيمان باللّه تعالى والاهتداء إلى عقيدة البعث يرتبطان ارتباطا عضويّا بإلغاء الهوى. والأمر هنا كما في مبحث الحرّية، بل هو عين مبحث الحرّية. إنّ حرّية الانتماء إلى الحقيقة وإعلانها لا تتحقّق إلاّ بالانتصار على الذّاتيّة بما هي أنانيّة وانحصار وحجاب، والقبول في المقابل بالنّسق الموضوعي للوجود والحياة. لذلك يجد صاحب الهوى نفسه مدفوعا إلى نفي موضوعيّة الحقيقة؛ وبقدر تحكّم هواه يهرب من العالم الموضوعي. لأنّ مسيرة الهوى تنصيب النّفس ككيان متحكّم في الوعي أي في الحقيقة. ولا يُنصِّب النّفسَ بهذا الاعتبار أي بهذا الكبر الكاذب، إلاّ الشّيطان. فوراء مبدأ الذّاتية بهذا المعنى الذي كنّا نذكر يكمن الشّيطان الذي قلنا إنّه ما إن يوحي للنّفس بالتّخلّي عن ربّها وذلك عبر رفض سلطة العقل وخلافته عليها وإنكار فضله ودرجته، حتّى يتحكّم هو فيها. حيث إنّ النّفس بحسب التّكوين الإلهي القاهر والذي لا يتبدّل، محلّ قابل يستحيل أن يستعصي على ساكن إلاّ إذا امتلأ بساكن آخر. فالنّفس في القضاء الإلهي الصّارم ، إمّا أن تقبل حكم اللّه أو أن تقبل حكم الشّيطان، وهي بالخيار، أمّا أن لا تقبل حكم الإثنين فهو المستحيل عينه.
ثمّ إنّ الآية 28 من سورة الكهف، تكشف عن الغذاء الأساسي للعقل المؤمن وهو الذّكر. فالعقل المؤمن يتغذّى بذكر اللّه صباحا ومساء وفي كلّ وقت، ليس له غذاء إلاّ هذا. إنّ قولة لا إله إلاّ اللّه تجري مع الأنفاس، وتمام ذكر القلب المؤمن أن يكون كلّ نبض من نبضاته معناه لا إله إلّا اللّه. فانظر أيّ وعي يدعونا إليه الشّرع الحنيف، وانظر مدى تقصيرنا في حقّ ربّنا جلّ وعلا. فلا أقلّ لتمام العبادة من أن نقول مع كلّ نفس لا إله إلاّ اللّه ونحن نقضي السّاعات بل الأيام بدون ذكرها، ويصبر اللّه علينا فلا أقلّ حينئذ من الاعتراف بالتّقصير، وعمل ما في الإمكان عمله وبذل أقصى الطّاقة وما في حدود الوسع مع الاستغفار الدّائم والتّأكد الفعلي والصّادق من وقوع التّقصير، فإن لم يكن الإنسان في إحدى هاتين المرتبتين، فهو على خطر عظيم ويوشك أن يرديه اللّه بسوء عمله وسوء تدبيره. 
يصحّ حينئذ أن نقول إنّ حكمة القرآن تتمثّل في التّأكيد أنّ الحياة هي حياة القلب، وأنّ حياة القلب بذكر اللّه. وأنّ في التّحكّم في النّفس وأمرها ونهيها أي في أخذها بأحكام الشّريعة المطهّرة، حياتها وسلامتها وطمأنينتها. من هنا لزمت الشّريعة، وأصبحت الطّريقة دربا مفروضا. فإذا كان الحجّ ينتهي إلى البيت العتيق وهو عين النّفس المطمئنة، فلابدّ من طريق إلى هذا البيت.
ولا طريقة إلاّ الشّريعة  المطهّرة التي نزل بها القرآن العظيم وجسّدها رسولنا محمد ﷺ. أمّا ما يذكر من طرائق منسوبة إلى بعض المؤمنين، فهي إمّا مناهج عارفين استوحوا من الشّريعة حقائقها، وجعلوا من سنّة رسول اللّه ﷺ نورا هاديا فحينئذ ترجع إلى منبعها وهي الشّريعة القرآنيّة، وإمّا بدع وإضافات أوحى بها الشّيطان إلى أوليائه من أهل الزّيغ والضّلال وهم كثر، فحرّفوا الكلم عن مواضعه وأضافوا، وأظهروا الأهواء في ثياب التّقوى. فهؤلاء إمّا أجهل الجاهلين أو أكابر المنافقين إلّا أن يتوبوا. ومن لم تكفه شريعة اللّه ولم يغلب نفسه باتباع سنّة الرّسول ﷺ، فلن يتغلّب عليها إطلاقا مهما ادّعى وسعى.
الهوامش
(1) سورة الحج - الآية 46
(2) يقول المولى سبحانه وتعالى :«ويسألونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربيّ وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا». سورة الإسراء:85 . فنحن نؤمن بوجود الرّوح وأنّه غيب من غيب اللّه تعالى، وإذ نقارب في تحليل مسألة الوعي فلأنّه تجلّ ظاهري من تجليّات هذا الرّوح الشّريف ودليل من أدلّة وجوده. ولكنّنا لا نجازف بتجاوز حدود النّظر المشروع بإذن اللّه تعالى.
(3) سورة فصلت - من الآية 9 إلى الآية 11
(4) سورة ابراهيم - الآيتان 14 و15
(5) سورة الكهف- الآية 28
(6) سورة طه - من الآية 14 إلى الآية 16