| انتبهت طائفةٌ من المفكّرين بعد غفلةٍ من الزّمن إلى ما آل إليه أمر الأمّة العربيّة والإسلاميّة من حالة الانحطاط التي شملت أغلب وجوه الحياة. فتداعت أصواتهم معلنةً ضرورة قيام مشروعٍ تحديثيٍّ حقيقيّ. ومن أبرز تلك المشاريع مشروع إسلاميّة المعرفة. وهو مشروعٌ ضخمٌ وهامٌّ تشرف عليه مؤسّسةٌ بحثيّةٌ تسمّى المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وقد تأسّس المعهد في 1981، وما زال ينشط في إنتاج المعرفة عبر نشر مئات الكتب والمجلاّت وعقد النّدوات العلميّة. وتتمثّل رسالته في الإسهام في بلورة أفقٍ لإعادة إدراج المسلمين في التّاريخ. ومنهج المعهد هو أسلمة المعرفة، ومن هنا أخذ المشروع تسميته.
إنّ إسلامية المعرفة، كما نبّه على ذلك أصحاب المشروع، مقدّمةٌ منهجيّةٌ معرفيّةٌ لبديلٍ حضاريٍّ عالميٍّ لا يستهدف إنقاذ المسلمين وحدهم، ولكن يستهدف إنقاذ العالم كلّه. فلقد فسدت غايات العلم ومقاصده، وصارت تفترض الإلحاد والنّظريّة الماديّة للكون والوجود والحياة، وانحرفت كثيرٌ من استخداماته وصارت ضارّةً للإنسان.
لقد آمن المنظّرون للمشروع بأنّ التّفكير في طرح بديلٍ معرفيٍّ لحلّ أزمات الأمّة ضروريٌّ كي تستعيد أمجادها، وهو ما جعل إسلاميّة المعرفة أحد المشاريع الفكريّة التي لامست المشكلة التي تعاني منها الأمّة الإسلاميّة في جوهرها، وهي عجز العقل الإسلاميّ المعاصر عن إنتاج مناهج معاصرة تمكّنه من ربط الحاضر بالماضي وصياغة معرفةٍ تستجيب لمتطلّبات العصر. وهو ما يجعل القضيّة المطروحة في مشروع إسلاميّة المعرفة متّصلةً اتّصالًا وثيقًا بجهود التّجديد والنّهوض الحضاري للأمّة العربيّة الإسلاميّة.
وانطلاقًا من هذا الوعي بضرورة التّأسيس المعرفيّ الجديد، يسعى هذا المقال إلى تتبّع مسار المشروع عبر محورين: نخصّص أوّلهما لرصد الدّوافع التي أملت قيامه (موضوع هذا العدد)، ونُفرد ثانيهما لتبيان الأهداف التي يطمح إلى تحقيقها (في العدد القادم).
|