من وحي الحدث
| بقلم |
![]() |
| أشرف شعبان أبو أحمد |
| ليست هي المرّة الأولى |
تتوالى على الأُمَّةِ الإِسْلاميَّةِ نكباتٌ قاسية، وفتنٌ شديدة، ومصائبُ متلاحقة، الواحدة تلو الأُخرى، وكُلُّ واحدةٍ أَشَدُّ وأَعْتَى من سابقتها، مِمَّا جعل مشاعر الإِحْباط واليأس تسود حياتنا وتُوهن خطانا. ولكنَّ أُمَّتَنا الإِسْلاميَّةَ ليست هي الأُمَّةَ الوحيدةَ الَّتي مرَّت عليها مثل هذه المصاعب، وليست هي الأُمَّةَ الوحيدةَ الَّتي تخلَّفت عن ركب التَّقَدُّم والحضارة ثُمَّ لحقت به بعد أَنْ كانت ذات ريادة، وصاحبة فضل وباعٍ طويلٍ فيه، وليست هي الأُمَّةَ الأُولى الَّتي غفلت ثُمَّ استيقظت من غفلتها.
وليست هي المَرَّةَ الأُولى الَّتي تُستهدَف فيها أُمَّتُنا الإِسْلاميَّةُ من قِبَل الغزاة الحاقدين على ما مَنَّ اللَّهُ به عليها من هداية، ومن الطَّامعين فيما لديها من ثروات وخيرات حباها اللَّهُ إِيَّاها. وليست هي أَوَّلَ مَرَّةٍ تُقصف فيها مآذننا، وتُهدم مساجدنا، ويُمنع المُصَلُّون من إعمارها. وليست هي المَرَّةَ الأخيرةَ الَّتي تتعرَّض فيها الفئة المُؤمنة باللَّهِ للاضطهاد والتَّعذيب والتَّشَرُّد، وليست هي المَرَّةَ الأخيرةَ الَّتي يَعُمُّ فيها الظُّلْم والفساد أنحاء كثيرة من المعمورة ويسيطر عليها الطُّغاة.
وليست هي أَوَّلَ مَرَّةٍ يُحْتَلُّ فيها بلد مسلم وتُنهب خيراته، ويقبع المُسْتَعْمِر فيه عشرات السِّنين مُقيماً حكومة عميلة تدين له بالولاء والانتماء، وتسير على هداه ووفق خطاه.
فقد تألّبت على الإسلام -منذ سطوع شمسه في الجزيرة العربيّة- قوى الشّرّ والبغي بكافّة أشكالها واتّجاهاتها. ولم يكن أحد يتوقّع أنّ هذا الدّين الجديد -وهو يومئذ وليد كالنّبتة الصّغيرة الّتي تنبت بين الصّخور، ولم يكن يحمل لواءه في بادئ الأمر إلّا رجل واحد- سوف ينتشر ليملأ ربوع الكرة الأرضيّة. ولم تكن الجزيرة العربيّة وحدها هي الّتي تألّبت على الإسلام والمسلمين؛ وإنّما أعلنت أعظم قوّتين في الأرض آنذاك (وهما قوّة الفرس وقوّة الرّوم) الحربَ عليه، بكلّ ما كانتا تمتلكان من عدد هائل وعتاد حربيّ لا أوّل له ولا آخر. ولكنّ الإسلام في نهاية الأمر انتصر وعلت كلمته، بل وامتدّت الفتوحات الإسلاميّة لتشمل مناطق كثيرة في آسيا وإفريقيا وأوروبّا.
وقد زحف الغرب الصَّليبيّ غازياً إِلى الأُمّة الإِسلاميّة في تسع حملات شهيرة عُرفت باسم الحملات الصَّليبيّة، وهو يحمل في صدره حقداً أَسود على الإِسلام وأَهله، وطمعاً في خيرات بلاده. ساعده في ذلك غفلة المسلمين، وغرق حكّامهم في الشَّهوات، وتفرّقهم من أَجل الدُّنيا وحرصهم على الإِمارة، واستعداد هؤلاء الأُمراء التَّافهين لأَن يبيع أَحدهم أَخاه ويشتري الدَّخيل، وأَن يبيع أُمّته ويشتري إِمارته. وانتصر الصَّليبيّون في بدء الأَمر وأَقاموا لهم ممالك وإِمارات في ديار الإِسلام، ودخلوا بيت المقدس بعد مذبحة قُتل فيها عشرات الأُلوف وبلغت الدِّماء الرُّكَب. وبقي الصَّليبيّون في الشَّام نحو مائتي عام، وبقي بيت المقدس في أَيديهم تسعين سنة كاملة.
ثُمَّ هيَّأَ اللّـه للإِسلام رجالاً صمَّموا على أَن يقاوموا العدوان، وأَن يستردّوا الأَرض المغتصبة ويستعيدوا الحقَّ السَّليب؛ فكان عماد الدِّين زنكي، وابنه البطل نور الدِّين محمود الشَّهيد، وتلميذه القائد المظفَّر صلاح الدِّين الأَيُّوبيّ، الَّذي كتب اللّـه له النَّصر على الصَّليبيّين في معركة حطِّين الشَّهيرة، فَفَتح بيت المقدس وأَعاده إِلى أُمّة الإِسلام.
كما تعرّض الإسلام للغزو من الشّرق على أيدي التّتار الوثنيّين الّذين هجموا على بلاد الإسلام كالرّيح العقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلّا جعلته كالرّميم. وقد ظهروا والمسلمون ضعفاء كضعفنا في أيّامنا هذه، متفرّقون ليس لهم قيادة قويّة تجمع صفوفهم، ولا نهضة إيمانيّة توقظ شعوبهم. والتّتار كانوا في ذلك الزّمن قوّة عسكريّة عاتية كقوّة أمريكا في عصرنا هذا، لها قيادة مهيبة مطاعة لا يقف في وجوههم أولئك الملوك الممزّقون والأمراء المتفرّقون والولاة المترفون. فسقطت البلاد في أيديهم بلداً بلداً، والنّصر يغري بالنّصر، والظّفر يدفع إلى الظّفر حتّى كان المثل السّائر في ذلك الزّمان: إذا قيل لك إنّ التّتار قد انهزموا فلا تصدّق! إنّها أسطورة القوّة الّتي لا تُقهر تتكرّر ما بين عصر وآخر. وأخيراً زحفوا على عاصمة الخلافة العبّاسيّة (بغداد) دار السّلام وأرقى بلاد الإسلام، فسقطت تحت ضرباتهم، وسالت الدّماء أنهاراً، واسودّ نهر دجلة من كثرة ما أُلقي فيه من كتب الحضارة. واقتحمت قوّات جنكيز خان المساجد واتّخذتها إسطبلات للخيول، وقامت بتمزيق المصاحف وحرق الكتب والمخطوطات، وساقت الشّيوخ والعلماء الأعلام للقيام بخدمة الجند في مجالس الشّراب والمجون، إمعاناً في إذلالهم والتّنكيل بهم، تماماً كما فعلت قوى الاستعمار الفرنسيّ وجيوش نابليون بأرض الكنانة عندما داست سنابك الخيل صحن الأزهر الشّريف بعد ذلك بمئات السّنين.
ولم تكد تمضي سنوات على الغزو التّتاريّ حتّى تحقّقت معجزة الإسلام مرّتين: المرّة الأولى انتصر فيها الإسلام على التّتار عسكريّاً في معركة عين جالوت بقيادة القائد المملوكيّ الصّالح سيف الدّين قطز. والمرّة الثّانية انتصر فيها الإسلام مرّة أخرى معنويّاً، فإذا بهؤلاء الجبابرة الّذين غزوا الإسلام يغزوهم الإسلام، وإذا سيف الغازي المُصْلَت يسقط أمام تأثير العقيدة الإسلاميّة العزلاء، وإذا الغالبون يدخلون في دين المغلوبين!(1).
وخلال القرنين الماضيين أَعاد الغرب الأُوروبّيّ المسيحيّ الكَرّة مرّة أُخرى على العالم الإِسلاميّ، فاستعمرت بريطانيا كُلّاً من ماليزيا وشبه جزيرة الهند وسواحل الخليج العربيّ والجنوب العربيّ ومصر والسّودان وأُوغندا وجزءاً من الصّومال وإِريتريا وتنزانيا ونيجيريا وقبرص وغانا، كما استعمرت بعد الحرب العالميّة الأُولى العراق وشرق الأُردنّ وفلسطين وغيرها. واستعمرت فرنسا الهند الصّينيّة ومالي وتشاد والنّيجر والسّنغال ومدغشقر وموريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وغينيا وجيبوتي، وبعد الحرب العالميّة الأُولى استعمرت سوريا ولبنان وكيليكيا. واستعمرت إِيطاليا ليبيا وجزءاً من الصّومال وإِريتريا. واستعمرت روسيا سيبيريا وتركستان الغربيّة والأَراضي الإِسلاميّة في آرال وحوض نهر الفولغا وشبه جزيرة القرم وبلاد القوقاز، وامتدّت بنفوذها إِلى شماليّ إِيران. واستعمرت إِسبانيا الرّيف المرّاكشيّ وإِقليم إِفني والصّحراء المغربيّة وإِقليم مورو الإِسلاميّ في الفلبّين. واستعمرت هولندا جزر الهند الشّرقيّة «إِندونيسيا». واستعمرت البرتغال موزمبيق. واستعمرت بلجيكا الكونغو في أَواسط إِفريقيا. وقد كان الاستعمار الأُوروبّيّ حلقة متّصلة بالحروب الصّليبيّة القديمة، وآية ذلك أَنّ اللّورد اللّنبي القائد الإِنجليزيّ بعد أَن دخلت قوّاته القدس سنة 1918م / 1337هـ قال كلمته المشهورة الموحية بهذا المعنى: «الآن انتهت الحروب الصّليبيّة»(2).
وقد نالت جميع هذه الدّول استقلالها عدا فلسطين الّتي ما زالت قابعة تحت الاحتلال الإِسرائيليّ، منذ أَن استغلّت بريطانيا ظروف الحرب العالميّة الأُولى وأَصدرت وعد بلفور عام 1917م واعدةً بما لا تملك لمن لا يستحقّ، ليكون مقدّمةً لقيام دولة صهيونيّة اغتصبت جزءاً من فلسطين عام 1948م ثُمّ احتلّت الجزء الباقي عام 1967م(3)؛ وفي حين تنبّأ الكثير من السّياسيّين والمستشرقين خلال هذين القرنين باختفاء الإِسلام ودرسوه كحضارة على وشك الاندثار، خَيَّب اللّـه ظنّهم بتزايد أَعداد المسلمين المستمرّ وانتشار مساجدهم في كافّة أَنحاء العالم بدءاً من لوس أَنجلوس وروما وزغرب حتّى موسكو وبكين، مترافقاً مع عودة الإِسلام إِلى الأَندلس وبناء مساجدها ورفع الأَذان مجدّداً في قرطبة وتأْسيس الجامعة الإِسلاميّة الدّوليّة فيها عام 1994م بعد خمسمائة سنة من طرد آخر مسلم منها، ليصل تعداد المسلمين إِلى الملايين في الدّول الغربيّة كأَلمانيا والولايات المتّحدة وبريطانيا وفرنسا، ويتجاوز إِجماليّ عددهم عالميّاً المليار ونصف المليار؛ الأَمر الّذي بدّد توقّعات اختفاء الإِسلام وجعله يمتدّ ليسطع بنوره على بقاع جديدة، ممّا دفع جنرالات حلف النّاتو إِلى وضع تصوّر يعتبر أَنّ مواجهات المستقبل العسكريّة ستكون بين الشّمال والجنوب باعتبار الإِسلام هو العدوّ المتنامي المرتقب، وليس بين الشّرق والغرب (4)
وفي مطلع هذا القرن، شنّت الولايات المتّحدة حرباً مدمّرة على أَفغانستان، ثُمّ غزت العراق مع حليفتها بريطانيا بتحريض إِسرائيليّ، في غياب أَيّ غطاء قانونيّ أَو أَخلاقيّ، ووسط رفض قاطع من كافّة المنظّمات الدّوليّة والإِقليميّة (5). وبعد تدمير العراق وتقسيمه ونهب نفطه بحجّة أَسلحة الدّمار الشّامل المزعومة -مع تجاهل ترسانة إِسرائيل الفعليّة-، وسّعت أَمريكا استهدافها للمنطقة مختبئة خلف شعارات برّاقة لتمرير أَطماعها؛ فقصفت اليمن والصّومال وسوريا باسم «مكافحة الإِرهاب»، وقسّمت السّودان وتدخّلت في شؤونه تحت راية «حقوق الإِنسان»، وشاركت في قصف ليبيا وتكريس انقسامها. كما استغلّت دعاوى «الاستقرار والتّحديث» لابتزاز الدّول ماليّاً وطمس ثوابتها. ومع استمرار إِسرائيل كرأس حربة لأَمريكا في فلسطين، تُتَّخذ «الدّيمقراطيّة» ذريعة لتمهيد ضرب دول أُخرى، ممّا يؤكّد أَنّه مخطّط استعماريّ شامل يستهدف السيطرة على المنطقة ونهب خيراتها (6).
من المؤكّد أَنّ الأُمّة الإِسلاميّة جمعاء مستهدفة من أَمريكا وإِسرائيل، وإِن نالت الدّول العربيّة تركيزاً أَكبر لمجاورتها الكيان الصّهيونيّ. وتُثبت التّصريحات أَنّ الإِسلام هو الهدف الحقيقيّ؛ كإِعلان مدير مخابرات أَمريكيّ سابق استهداف سوريا وإِيران والمسلمين، وكشف الصّحفيّ لوري جودستين في «النّيويورك تايمز» عن مرافقة جماعات تنصيريّة للجيش الأَمريكيّ في العراق. ويؤكّد ذلك اعتقاد جورج بوش الابن -بتأْثير من القسّ جراهام وابنه- أَنّ الإِسلام دجل دينيّ يعيق عودة المسيح، وانضمامه لطائفة الميثوديست الممثّلة للتّحالف الصّهيونيّ المسيحيّ، وزلّة لسانه بعد أَحداث سبتمبر بخوض «حرب صليبيّة جديدة ضدّ الإِسلام» (7). وهو صراع تاريخيّ حقيقيّ أَكّده أَيضاً وزير خارجيّة فرنسا السّابق هوبير فيدرين بقوله : كيف ننكر وجود صراع بين الإسلام والغرب في حين تظهر معالمه للعيان بألف طريقة وطريقة موغلا بجذوره في التاريخ..» (8)، ممّا يثبت أَنّها حرب عقائديّة ضدّ الإِسلام تتستّر خلف أَهداف سياسيّة.
وأَخيراً، فقد علمنا الإِسلام أَنّ الصّراع بين الحقّ والباطل، وبين الخير والشّرّ، سيظلّ إِلى يوم الدّين؛ وأَنّ الباطل مهما علا فهو إِلى زهوق، والشّرّ مهما كثر فهو إِلى زوال، والاحتلال مهما طال فهو إِلى رحيل. كما علمنا أَنّ المعركة ما هي إِلّا كرّ وفرّ، وما هي إِلّا جولات تتأَرجح فيها عوامل القوّة والضّعف بين الفريقين تارة هنا وتارة هناك، فخسارة جولة أَو جولات لا تعني الهزيمة في سائر المعارك.
إِنّ الأُمّة الإِسلاميّة قد تنام وقد تمرض ولكنّها لا تموت أَبدًا، ما دام يجري في عروق أَبنائها دم العقيدة، وما دام فيها من يقودها بـ «لا إِله إِلّا اللّـه محمّد رسول اللّـه». والغلبة في النّهاية ستكون حتماً إِلى جانب المؤمنين المضحّين في سبيل عقيدتهم بالغالي والنّفيس، كما انتصر رسول اللّـه ﷺ والمؤمنون معه رغم قلّة عددهم وضعف عتادهم المادّيّ والعسكريّ مقارنةً بما تمتّع به خصومهم. فالأُمم الّتي تسخو بدماء أَبنائها، وتقدّم شبابها راضيةً دفاعاً عن عقيدتها وأَرضها ومقدّساتها؛ لا بدّ أَنّ أَمرها صائر إِلى النّصر تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنا وَالَّذينَ آمَنوا فِي الحَياةِ الدُّنيا﴾ (غافر: 51) (9).
الهوامش
(1) المبشرات بانتصار الإسلام، يوسف القرضاوي من ص49 إلى ص52 وكتاب «ودخلت الخيل الأزهر»، محمد جلال كشك
(2) حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة، جميل عبد الله محمد المصري ص91 وص89
(3) جريدة الوفد 19 رمضان 1424هـ الموافق 13 نوفمبر 2003م العدد 1029
(4) المبشرات بانتصار الإسلام يوسف القرضاوي ص 61و64 بتصرف
(5) جريدة الرأي بتاريخ 24/3/2003م العدد 663
(6) جريدة الوفد العدد 1029 (م.س) بتصرف
(7) مجلة الأزهر عدد أغسطس 2003م الموافق جمادى الآخر عام 1424هـ ص.ص 908-913
(8) جريدة الحياة بتاريخ 18/3/2003م
(9) المبشرات بانتصار الإسلام، يوسف القرضاوي،(م.س) ص. ص49 - 52 (بتصرّف)
|




