بحوث
| بقلم |
![]() |
| م.لسعد سليم |
| البحث الثّاني: «الكبائر الفرعيّة»(11) ترك القصاص في القتلى |
أمر اللّـه جلّ جلاله بالقصاص في القتلى في قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾البقرة: 178-179). ثُمّ وقع التّأكيد على القصاص في الحُرُمات: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾(البقرة: 194).
وقد ورد الأمر مُجرّداً من أيّ تمييز بين حُرّ أو عبد، أو ذَكَر أو أُنثى؛ أي أنّه ينفي أقصى حالات التّفرقة، وبالتّالي لا تجوز أيّ تفرقة في القصاص (ولا في غيره من العقوبات) على أيّ مِعيار كان. وهذا من صميم العدل الّذي أمر به اللّـه سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾(النساء: 58). فالآية واضحة في الأمر بالعدل بين النّاس على عمومهم، فاللّـه سبحانه ذكر «النّاس» ولم يقل مؤمنين أو كفّاراً، أو أحراراً أو مِلك يمين، أو حكّاماً أو محكومين.
هذا، وقد جعل اللّـه سبحانه حقّ العفو لوليّ القتيل وحده، فهو المتضرّر الأكبر، إن لم يكن الوحيد، من فُقدان القتيل (فلا يحقّ لقاضٍ أو حاكم أو غيره أن يعفو)، مع الأمر بعدم الإسراف؛ أي ألّا يُقتل أكثر من واحد حتّى ولو اشترك العديد منهم في عمليّة القتل، كما ورد في سورة الإسراء (المكّيّة) في سياق التّشديد على كبيرة القتل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾(الإسراء: 33)(1). وهذا كلّه يندرج تحت إشراف قضائيّ مستقلّ، يحدّد كافّة حيثيّات الجريمة، ويملك الحقّ في معاقبة المجرم حتّى في حالة عفو وليّ القتيل، مراعاةً للمصلحة العامّة (لكن دون اللّجوء إلى القتل). وقد أعاد سبحانه ذكر القصاص في آخر ما نزل من القرآن: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(المائدة: 45).
وهنا تجدر الوقفة مع مسألة «العين بالعين(2) والسّنّ بالسّنّ»، واعتبارها من قِبَل الكثيرين ضرباً من «العدالة الثّأريّة» الّتي كانت سائدة قبل تقدّم الإنسانيّة وتحضّرها. إذ يُدّعى أنّها وإن كانت صالحة قبل مئات السّنين للمجتمعات البدائيّة، إلّا أنّها لم تعد كذلك في يومنا الحاضر، باعتبارها عقوبات جسديّة تحطّ من كرامة الإنسان وتُمثّل نوعاً من أنواع التّعذيب، ممّا أوجب استبدالها بالسّجن كعقوبة مركزيّة أو وحيدة. وهذا الطّرح يفتقر إلى الدّقّة وينطوي على مغالطة، يُقصد بها كالعادة وصم الأحكام الإلهيّة (وخاصّة العقوبات) بالتّخلّف، وفيه تعميم سَلبيّ يُسقط على العقوبات الجسديّة الّتي أمر بها عزّ وجلّ في كتابه الكريم، ما وُضع في السّنن والآثار. فمبدأ «العين بالعين» هو تأصيل لـ «المعاقبة بالمثل»، وليس فيه تمييز بين غنيّ وفقير، أو سيّد ومِلك يمين؛ فهو بالتّالي شُرّع للرّدع لا للانتقام.
فالّذي يعلم أنّه متى أحدث عاهة (متعمّداً) في أيّ إنسان، خاصّة إن كان ضعيفاً أو فقيراً، سيلقى نفس الجزاء، سيفكّر مليّاً قبل أن يُقدم على فِعلته. فمن ذا الّذي يُخاطر بالتّضحية بعينه أو أنفه أو أذنه، الّتي تمثّل زينة الإنسان وأداة أساسيّة لحواسّه، ويصعب (إن لم يستحِل) تعويضها؟ يأتي هذا التّشريع متوازياً مع الحثّ القرآنيّ على العفو (التّصدّق)، ومعقّباً بوصف مَن لا يطبّق هذه العقوبات ولا يحكم بها بـ «الظّالمين» (وهو الوصف ذاته الّذي يُطلقه سبحانه على المشركين والكافرين ومرتكبي الكبائر من المسلمين). فمبدأ «العين بالعين» يحفظ المجتمع من هذه الاعتداءات الجسديّة، أو يحدّ من نِسَب حدوثها، فهو يجعل المجتمع «بصيراً» إن صحّ التّعبير، ولا يجعله «أعمى» كما روّج لذلك «غاندي»، معبّراً عن حقد أو جهل دفين تُجاه الإسلام.
أمّا العقوبات الثّابتة الّتي أمر اللّـه بها، فقد وردت في القرآن الكريم على النّحو التّالي:
1/ جَلْد الزّاني والزّانية (المُحصَنَيْن) بعد إقامة البيّنة (أربعة شهود).
2/ جَلْد مَن يقذف المرأة (المُحصَنة) بالزّنا دون أربعة شهود.
3/ قَطْع يد السّارق كحدّ أقصى، خاصّة في قضايا سرقة (المؤتمنين) للمبالغ الكبيرة من المال العامّ.
4/ سَجْن مرتكبات الفاحشة (السّحاق) في البيوت مدى الحياة بعد إقامة البيّنة.
5/ إيذاء الذّكور الشّواذّ.
وقد أطلق فقهاء المذاهب على هذه الأحكام مُسمّى «حدود اللّـه»، في مخالفة صريحة لحدود اللّـه (السّتّة) الثّابتة نصّاً في القرآن، وهي:
1/ مَنْع الجماع والأكل والشّرب أثناء الصّيام.
2/ مَنْع أخذ ممتلكات الزّوجة بعد الطّلاق.
3/ لزوم زوج آخر للتّراجع بعد الطّلاق الثّالث.
4/ تحديد الميراث مع الوصيّة.
5/ مَنْع إخراج المطلّقة من بيت الزّوجيّة.
6/ مُظاهرة الزّوجة (3).
هذا بالإضافة إلى إهمالهم لعقوبة السّجن في البيوت الّتي وردت في حقّ مرتكبات الفاحشة، والّتي يمكن أن نُطلق عليها «السّجن المنزليّ» (تحت مسؤوليّة العائلة). وهي تُعدّ عقوبة «ثوريّة» في فلسفتها التّقويميّة، ممّا يستوجب إحياءها وتقنينها تحت إشراف سُلطة قضائيّة محلّيّة، خاصّة فيما يتعلّق بسجن النّساء. وهذا الإهمال ناتج عن اعتبار هذه العقوبة «منسوخة» بالآيات: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾(النساء: 15-16).
أمّا ما ورد في السّنن والآثار من عقوبات لا تخالف النّصّ القرآنيّ (كجَلْد السّكران)، فهي وإن صحّت، تُمثّل أحكاماً وُضعت بصِفة «ولاية الأمر» لا بصِفة «الرّسالة»؛ فهي مُلزمة تنفيذيّاً في عصره ﷺ وفي سياقها الزّمنيّ. في حين أنّ الرّوايات الّتي تُصادم النّصّ القرآنيّ (كرجم الزّاني، وقَتْل الذّكور الشّواذّ، وقَتْل المرتدّ) تُعدّ مردودة لمخالفتها المُحكَم من الآيات، وتُشكّل تقوّلاً على اللّـه عزّ وجلّ ورسوله. فاللّـه أمر بجَلْد الزّاني والزّانية لا برجمهما، وليس في القرآن تفريق عقابيّ بين زانية متزوّجة وزانية غير متزوّجة؛ إذ إنّ مصطلح «الزّنا» متعلّق بالمُحصَنة بالزّواج حصراً (بقطع النّظر إن كان الزّاني متزوّجاً أم لا)، كما هو مبيّن في آيات عدّة (4). كذلك أمر سبحانه بإيذاء الذّكور الشّواذّ لا بقتلهم، بَلْهَ إحراقهم (كما أشار لذلك الفخر الرّازيّ في تفسيره).
أمّا عقوبة ما يُسمّى بـ «الحرابة»، والّتي استُمدّت من سورة المائدة:﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(المائدة: 33)، فهي تتعلّق بمحاربة رسول اللّـه ﷺَ بشخصه وصِفته حصراً، وبالتّالي تُعدّ من الأحكام الخاصّة به كغيرها من الأحكام (خُمس الغنائم، عدم رفع الصّوت في حضرته، تحيّته بالصّلاة والسّلام، عدم مناداته من وراء الحجرات، وعدم التّقدّم بين يديه)، فلا تتعدّى بعد وفاته إلى غيره من البشر، حتّى لو كان حاكماً. واقتران اسمه سبحانه برسوله ﷺَ هنا هو من باب تعظيم شأن النّبيّ. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ العقوبة في هذه الحالة لم ترِد بصيغة «الأمر» الإلزاميّ (كالجَلْد والقَطْع)، بل جاءت بلفظ استحقاق الجزاء المفتوح. أمّا مسألة قَتْل «المرتدّ»، فقد ذُكرت الرّدّة في القرآن الكريم مرّتين، في أوائل ما نزل بالمدينة (سورة البقرة)، وفي أواخره (سورة المائدة)، ولم يَرِد الأمر بقتله لا في هذا السياق ولا في غيره: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 217)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: 54).
وعليه، تُعدّ عقوبة الرّدّة، كحال «الحرابة» إلى حدّ كبير، من العقوبات ذات الطّابع «السّياسيّ» الّتي جرى ترفيعها اصطناعياً لمرتبة «حدود اللّـه» في مخالفة صريحة لمُحكم القرآن، وذلك استجابة لضغوط الطّبقة الحاكمة بغية تصفية المعارضين السّياسيّين المناهضين لسُلطتها.
وبالعودة إلى عقوبة «السّجن» الّتي أمست العقوبة المركزيّة في عصرنا الرّاهن، نجد أنّها ذُكرت في القرآن الكريم بصفتها ممارسة موجودة منذ آلاف السّنين، وليست «اختراعاً» حضاريّاً حديثاً كما يُروّج له، كما أنّها لا تمثّل بالضّرورة العقوبة الأمثل دائماً. ففي حالات كثيرة، يتحوّل السّجن إلى أداة للتّمييز الطّبقيّ بين المجرمين؛ فسجن الثّريّ لا يشبه سجن الفقير، ووطأة الاعتقال على الشّخص القويّ تختلف جذريّاً عن تأثيرها على الشّخص الضّعيف الّذي يغدو غالباً «فريسة» خلف القُضبان. ناهيك عن أزمة اكتظاظ السّجون، وما يتمخّض عنها من تفشٍّ للأمراض، واستنساخ للجريمة داخل أسوار السّجن ذاته (لا سيّما الاعتداءات الجنسيّة).
من هنا، تفقد هذه العقوبة هالتها «الإنسانيّة» المزعومة عند مقارنتها بالعقوبات الجسديّة المقنّنة في القرآن، خاصّة متى طالت مُدَد المحكوميّة داخل زنازين تفتقر لأدنى المعايير الصّحّيّة؛ وهو واقع لم يعد حكراً على بُلدان العالم الثّالث، بل امتدّ ليشمل الغرب «المتقدّم» في السّنوات الأخيرة. هذا التّردّي دفع نُخبة من المختصّين في علم الإجرام(5) لتوجيه انتقادات لاذعة لنظام العقوبات القائم حصريّاً على السّلب المادّيّ للحُرّيّة، مؤكّدين قصوره البنيويّ في كبح الجريمة وإعادة التّأهيل، وما ينطوي عليه من حيف ممنهج ضدّ الفئات الهشّة في المجتمع (6).
الخلاصة
خلاصة القول، يقتضي النّسق القرآنيّ تطبيق العقوبات الجسديّة الثّابتة بنصّ مُحكَم (كالجَلْد، وقَطْع اليد في الحالات القُصوى وبحسب الأثر المترتّب على الفرد والمجتمع، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿... جَزَاءً بِمَا كَسَبَا...﴾ (المائدة: 38))، تطبيقاً تجريديّاً يمحو الفوارق بين غنيّ وفقير، أو حاكم ومحكوم، أو رجل وامرأة. ويجب أن يتوازى ذلك مع ترشيد استخدام السّجن العموميّ، وإحياء منظومة «السّجن العائليّ» (وخاصّة للنّساء)، مع التّوسّع في استنباط عقوبات بديلة (لطالما احتُكرت لقمع المعارضة السّياسيّة) كالمنع من التّنقّل أو الإقامة الجبريّة.
ويُشترط لنجاح هذه المنظومة الجزائيّة برمّتها (بما فيها الأجهزة الأمنيّة) أن تخضع لإشراف سُلطة قضائيّة تتمتّع بأقصى درجات اللّامركزيّة والاستقلاليّة. كما يجب أن يترافق ذلك مع حماية الفئات الضّعيفة، واجتثاث جذور الفساد الاقتصاديّ (كالرّبا) الّذي يُكرّس تكدّس الثّروة بأيدي قلّة، ويُفرز الفقر المُدقع الّذي يُعدّ الحاضنة الأولى لتنامي الجريمة.
الهوامش
(1) انظر مقالنا «الكبائر ، قتل النفس», الإصلاح 206.
(2) شرع بني إسرائيل ليس ملزما لنا ولكن يمكن العمل به إذا ثبت بنصّ قرآني محكم, ولم يرد من باب جزاء الظّلم أو البغي (كتحريم الله سبحانه على بني إسرائيل شحوم البقر و الغنم) ولا يتعارض مع ما أمر الله به المؤمنين في كتابه الكريم, فالله لا يكتب ما فيه مفسدة للنّاس .
(3) انظر مقالنا «حدود الله», الإصلاح189 و214
(4) انظر مقالنا «فاحشة الزنا», الإصلاح201
(5) يلاحظ شبه انعدام لتبيان مختصّين مسلمين في مجالات كعلم الاجتماع والاقتصاد والطّبّ، لقضايا محوريّة كآفة النّظام الرّبويّ، وما تسبّبه إباحة الزّنا والشّذوذ من تدمير للعائلة، أو تبيان مزايا الصّوم الصّحّيّة، بينما تجد العديد من الأخصّائيّين في الغرب يقومون بذلك. فانتقاد الرّبا أصبح من «الكبائر»، لم تعد تتجرّأ عليه المؤسّسة الدّينيّة الرّسميّة وحتّى «اليساريّون» في البلاد الإسلاميّة، الّذين أصبح نضالهم مقصورا على محاربة الإسلام (السّياسيّ).
بينما أطباؤنا المختصّون منشغلون بتسيير المصحّات بعد خصخصتها في تحالف مع رأس المال المحلّيّ (البنوك) والعالميّ (مجمّعات صناعة الأدوية العالميّة)، و«المناضل» منهم يقتصر نقده على آفة التّدخين (فالبلدان الأوروبّيّة تحاربه لأنّ المسيطر على السّوق شركات أمريكيّة)، غاضّا الطّرف عن آفة الكحول الّتي تحدث أضعافا مضاعفة من المساوئ الصّحّيّة، حتّى لا يتّهم بعرقلة السّياحة الّتي صارت ركيزة أساسيّة لاقتصاد بلداننا الإسلاميّة، ناهيك عن أن يبيّن فوائد الصّيام الصّحّيّة، الأمر الّذي تعتبره شركات الأدوية العالميّة «كفرا بواحا».
(6) Angela Davis /Les prisons sont-elles obsolètes
|




