نقاط على الحروف

بقلم
عبد الحكيم علوي
مشروع إسلاميّة المعرفة: دواعي النّشأة والأهداف(1/2)
 1. من دواعي نشأة مشروع أسلمة المعرفة:
1.1. استفحال الأزمة الفكريّة:
نعتقد أنّ ما أملى مشروع «إسلامية المعرفة» هو الأزمة التي تعيشها الأمّة العربيّة الإسلاميّة. فأسلمة العلوم والمعارف حلٌّ انتهت إليه مجموعةٌ من المفكّرين الذين سكنهم هاجس استعادة الإسلام موقعه الحيوي في إدارة الأمّة وقيادتها نحو الرّقيّ والتّمدّن. لقد آمن المنظّرون للمشروع بأنّ التّفكير في طرح بديلٍ معرفيٍّ لحلّ أزمات الأمّة ضروريٌّ كي تستعيد أمجادها، وهو ما جعل إسلاميّة المعرفة إحدى المشاريع الفكريّة التي لامست المشكلة التي تعاني منها الأمّة الإسلاميّة في جوهرها، وهي عجز العقل الإسلاميّ المعاصر عن إنتاج مناهج معاصرة تمكّنه من ربط الحاضر بالماضي وصياغة معرفةٍ تستجيب لمتطلّبات العصر.
ولئن تنوّعت اهتمامات المنظّرين لمشروع الأسلمة فإنّ ما وحّدهم هو ذلك الشّعور بالأزمة الفكريّة التي تمرّ بها الأمّة واتّفاقهم على وضع اليد في اليد لمعالجة تلك الأزمة. فقد تمّ التّوافق بين مؤسّسي المعهد على أنّ القضيّة الفكريّة أساسٌ وأولويّةٌ هامّةٌ لنجاح نهضة الأمّة الإسلاميّة: «وبعد مداولاتٍ كثيرةٍ انبثق عن معاناتهم وتصوّراتهم ودراساتهم ومداولاتهم يقينٌ بأنّ الأزمة الكبرى التي تعاني منها الأمّة إنّما تكمن في حالتها الفكريّة التي أصابها الخمود والتّوقّف. وأصبح فكرها عاجزًا عن عونها وإخراجها من أزمتها، وأنّ سائر الأزمات التي تعاني منها الأمّة اليوم إنّما هي وجوهٌ أخرى وانعكاساتٌ وآثارٌ مختلفةٌ لتلك الأزمة»(1).
تكمن الأزمة الكبرى التي تعاني منها الأمّة في حالتها الفكريّة، إذ أصابها الجمود حتّى أصبح فكرها عاجزًا تمامًا عن انتشالها من عجزها، وما بقيّة الأزمات الأخرى إلّا انعكاساتٌ متعدّدةٌ لتلك الأزمة. لقد أصبح انحطاط فكر الأمّة وتخلّف فكرها: «سببًا جوهريًّا يحول دون نجاح سائر محاولات الإصلاح المخلصة»(2). تكمن الأزمة التي تعاني منها الأمّة العربيّة الإسلاميّة إذن في حالتها الفكريّة التي أصابها الجمود والتّوقّف حتّى أصبح فكرها عاجزًا عن إخراجها من أزمتها والانتقال بها من زمنٍ قديمٍ إلى زمنٍ جديدٍ ومن سياقٍ تاريخيٍّ ومعرفيٍّ إلى سياقٍ آخر.
إنّ أزمة الأمّة كما يراها طه جابر العلواني هي أزمةٌ فكريّةٌ تندرج تحتها سائر الأزمات الأخرى السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، وهو يعتقد أنّ تلك الأزمة تحدث نتيجة «اضطراب مصادر الفكر أو اختلال طرائقه أو مناهجه أو عن ذلك كلّه معًا» (3). وغنيٌّ عن البيان أنّ من أسباب تلك الأزمة الغزو الفكري الغربي، فلقد اقتحم الفكر الغربي على العقل المسلم معاقله وسعى إلى فرض نموذجه الحضاري المؤسّس على النّزعة الماديّة في المعرفة: «إنّ من دواعي أسلمة العلوم انحراف مسارها. لقد فسدت غايات العلم ومقاصده وصارت تفترض الإلحاد والنّظرة الماديّة للكون والوجود والحياة، وصارت للهيمنة والسّيطرة والاستكبار والظّلم وإلغاء وجود الآخر، وانحرفت كثيرٌ من استخداماته وصارت ضارّةً للإنسان والحيوان والبيئة»(4).
وقد نبّه فتحي حسن الملكاوي على خطورة ذلك الغزو مشيرًا إلى عواقبه الوخيمة، إذ يقول في هذا الصّدد: «قامت الحضارة الغربيّة الحديثة باختراقنا واختراق غيرنا، وقد اخترقتنا هذه الحضارة في بداية الأمر على المستوى السّلوكي ثمّ اخترقتنا على المستوى المفاهيمي ومستوى المناهج المعرفيّة الكلّيّة والنّهائيّة. كما اخترقتنا هذه الحضارة من خلال سلعها الحضاريّة ذات الجاذبيّة العالية»(5). أمّا عبد الحميد أبو سليمان فقد توسّع في بيان انبهار مثقّفي الأمّة العربيّة الإسلاميّة بالنّموذج الغربيّ المنتصر وخاصّة بإنجازاته العلميّة الماديّة في ظلّ جمود الفكر وسيطرة روح التّلّقي والتّقليد، وقد أدّت حالة الجمود الفكري إلى تبنّي منهجيّة الفكر الغربي. ولعلّ المنظّرين لمشروع الأسلمة لم يجانبوا الصّواب حين اعتقدوا أنّ العالم يعيش تحت وطأة الاحتكار الغربي للعلم والمعرفة، فقد أصبح النّموذج الغربي المعرفي هو المسيطر على كلّ الرّؤى والنّماذج المعرفيّة الأخرى، وسادت النّظريّات والمفاهيم الغربيّة في العلم والمعرفة. ومن المعلوم أنّ النّموذج الغربي الحديث يستند إلى مرجعيّةٍ ماديّةٍ تدرس الظّواهر الإنسانيّة من خلال القوانين الماديّة، وتمحو الفوارق بين الإنسان والطّبيعة، فالإنسان هو مجرّد كائنٍ طبيعيٍّ يسري عليه ما يسري على الكائنات الأخرى بعيدًا عن منطق التّكريم والتّميز. ويتمّ في النّموذج المعرفي الغربي كذلك القفز على ثنائيّة الخالق والمخلوق، فالإنسان ليس مخلوقًا مكرّمًا بالوظيفة الاستخلافيّة بل هو مجرّد كائنٍ ماديٍّ لا يختلف عن غيره من الكائنات الأخرى(6).
لقد بات من الضّروريّ في ضوء ما تقدّم تعميق الوعي بخطورة الأزمة الفكريّة وبأهمّيّة البناء الفكري في الرّؤية التّجديديّة لحركات الإصلاح، وهو ما أعلنته صراحةً هيئة تحرير مجلّة الفكر العربي المعاصر في العدد الذي عُني بأهمّيّة البناء الفكري في الرّؤية التّجديديّة: «إنّ أيّة حركةٍ تجديديّةٍ تحتاج إلى قدرٍ معيّنٍ من الأسس الفكريّة التي تنتظم رؤيتها وتحدّد آليّاتها في العمل (....) فالأزمة الأساس التي تعاني منها الأمّة هي الأزمة الفكريّة وهي أزمة تصوّرٍ ورؤيةٍ كلّيّةٍ للوجود، وبهذا المعنى فإنّ مسارات الإصلاح والتّجديد تنطلق من الأساس الفكريّ والتّصوّري للمسلم، لِمَا لعالم الأفكار من تأثيرٍ عميقٍ في بناء الفرد والمجتمع والأمّة» (7).
أدرك دعاة أسلمة المعرفة إذن أنّ مشاكل الأمّة السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والتّعليميّة هي نتيجةٌ لعدم وضوح الرّؤية الإسلاميّة المعاصرة و«ضمور أسس الفكر الإسلاميّ وتدهور مناهجه وما ترتّب على كلّ ذلك من أعراض ومن فساد وانحطاط وضعف في أداء الأنظمة وتأثير التّربية والتزام الأخلاق»(8)، لذلك حرصوا على تشخيص حقيقة الأزمة التي تكابدها الأمّة عبر تاريخها، وما زالت تعانيها في الحاضر، وانتهوا إلى أنّ الأزمة في جوهرها أزمةٌ فكريّةٌ أفرزت أزمات أخرى متنوّعة هي في حقيقتها مظهرٌ من مظاهر أزمة الفكر «فالأزمة الفكريّة هي الأمّ والعلّة الكبرى»(9). وأكّدوا على حاجة الأمّة إلى بديلٍ حقيقيٍّ يعيدها إلى الإسهام في المعرفة والحضارة.
2.1.  أزمة التّعليم:
يعدّ الميدان التّعليميّ من أخطر الميادين التي عمل الآخر الغربيّ على اختراقها من خلال عمليّة الغزو الفكريّ، فالغزو الفكريّ يسهّل التّبعيّة الفكريّة للغرب، ويعرقل تطوير الشّخصيّة الإسلاميّة القادرة على النّهوض الحضاريّ.
وقد انتبه مؤسّسو المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ مبكّرًا إلى ضرورة تنزيل مشروع إسلاميّة المعرفة من النّظري إلى التّطبيق، لذلك نجد في نصوصهم دعوات ملحّة إلى إصلاح التّعليم باعتباره خطوة أساسيّة وضروريّة لنجاح سائر الخطوات الأخرى. وفي هذا الصّدد يقول عبد الحميد أبو سليمان: «ممّا سبق يتّضح أنّ الوعي بأبعاد مشروع إسلاميّة المعرفة ودوره في إصلاح مؤسّسة التّعليم ليؤدّي دوره في إصلاح الحياة الفكريّة والتّربويّة للأمّة، بحيث ترقى نوعيّة التّعليم والبحث العلمي ونوعيّة الكوادر القياديّة والمهنيّة على الأسس التي تحرّك طاقات الأمّة وتحرّك وجدان أبنائها وتنطلق بهم من منطلقاتها، وتصلح ما أصابه التّشوه والعطب في جسم ثقافتها وعقول أبنائها وبناء نفوسهم»(10). وقد بيّن الملكاوي الحاجة إلى التّجديد في ميدان التّعليم ليتمكّن التّعليم من المساهمة في تحقيق المشروع الحضاري الإسلاميّ. وتحدّث خاصّة عمّا سمّاه «حركة تجديديّة ثوريّة» في ميدان التّعليم الدّيني. ونعتقد أنّ الملكاوي يعتبر من أبرز المفكّرين الذين حرصوا على بيان ضرورة الجمع بين الإصلاح الفكري من جهة والإصلاح التّربوي من جهة أخرى والتّنبيه على التّلازم والتّرابط بين التّجديد والإصلاح (11). وقد أشار عددٌ غير قليلٍ من دعاة مشروع إسلاميّة المعرفة إلى تخلّف العلوم الشّرعيّة وعدّدوا المبرّرات التي تحتّم إصلاحها.
ولا شكّ في أنّ إصلاح مناهج التّعليم يُعدّ واحدًا من أهمّ أركان الإصلاح التي يقوم عليها بناء الأمّة، لذلك يقرّ عبد الحميد أبو سليمان بأنّ التّربية والتّعليم الصّحيحين هما أساس البناء والنّهضة، لذلك فإنّ إصلاح التّعليم قضيّةٌ أساسيّةٌ لإصلاح الأمّة وإنهاضها وإنجاح مشروعها الحضاري. فلا يمكن للأمّة أن تأخذ موقعها اللّائق بها بين الأمم ما لم يتمّ إصلاح التّعليم، فلا مفرّ من «إصلاح التّعليم ضمن المنظومة التّربويّة والتّعليميّة وتخليصه من الآفات التي تمكّنت منه حتّى يحقّق الغايات والمهامّ الأساسيّة المنوطة به»(12).
ويعتقد المؤمنون بمشروع إسلاميّة المعرفة أنّ من أهمّ عوارض الأزمة التي تعاني منها الأمّة العربيّة والإسلاميّة هي ازدواجيّة التّعليم. فقد انشطر التّعليم إلى مسارين متوازيين بثقافتين مختلفتين وأحيانًا بلغتين مختلفتين: تعليم ديني تقليديّ من جهة وتعليم علمانيّ حديث من جهة أخرى. وقد نتجت تلك الازدواجيّة في نظرهم عن عوامل عديدة من أهمّها أنّ علاقة الفكر الغربي بالفكر العربي قائمة على الهيمنة ومحاولة القضاء على النّموذج المعرفيّ الإسلاميّ. ولا يختلف اثنان في أنّ الضّعف الحضاريّ الذي تعاني منه الأمّة إضافة إلى السّياسات التّعليميّة التي أقحمها الاستعمار في المناهج العربيّة تعتبر من العوامل المسؤولة عن ازدواجيّة التّعليم وعن تخلّف العلوم الشّرعيّة أمام العلوم الغربيّة الحديثة. لقد انقسم التّعليم إذن إلى علوم حديثة تُدرّس وفق مناهج غربيّة معاصرة ولكنّها بدت مفصولة عن الرّؤية الإسلاميّة للوجود، وإلى تعليم دينيّ يعتمد في التّعاطي مع المعرفة على المناهج التّقليديّة الموروثة.
ويقرّ أعلام مشروع إسلاميّة المعرفة بأنّ أصعب مهمّة تواجه الأمّة اليوم هي إيجاد حلّ لتلك الازدواجيّة في التّعليم «إذ لا يمكن أن يكون هنالك أيّ أملٍ في إحياء حقيقيٍّ للأمّة ما لم يصحّح نظامها التّعليميّ وتقوّم أخطاؤه»(13). وإعادة تشكيل النّظام التّعليميّ من جديد، إذ يجب أن يكون النّظام التّعليميّ نظامًا واحدًا، بل يذهب جماعة المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ أبعد من ذلك فيطمحون إلى أن يكون ذلك النّظام التّعليميّ الموحّد نابعًا من الرّوح الإسلاميّة ويعمل باعتباره وحدة متكاملة مع برنامج الإسلام العقدي، فلا مناص من «إيجاد نظام تعليميّ موحّد تهيمن عليه العقيدة الإسلاميّة وتسيطر على جوانبه الرّوح الإسلاميّة»(14).
إنّ من دواعي أسلمة المعرفة انحراف مسار المعارف وفساد مقاصدها، إذ فسدت غايات المعرفة ومقاصدها حين صارت تحتوي مقولات وأفكارًا تتعارض مع مبادئ الإسلام كالإلحاد والنّظرة الماديّة للحياة والكون والإنسان. لذلك راهن جماعة المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ على إعادة صياغة العلم أو المنهج العلمي بما يتوافق مع المنظور الإسلامي، أي استبعاد المقولات الغربيّة في المعرفة التي لا تتماشى مع الإسلام من دائرة العلم.
تحتاج الأمّة في نظر إسماعيل الفاروقي وبقيّة المدافعين عن مشروع إسلاميّة المعرفة إلى نظام تعليميّ يرتكز في منطلقاته على أسس وقيم وغاية إسلاميّة، حاجتها إلى «مقرّر دراسيّ في أسس الإسلام وقيمه كجوهر للفكر والحضارة الإسلاميّة»(15). ويستفيد من إيجابيّات النّظام الغربي المعاصر.
ننتهي إلى الإقرار بأنّ إصلاح التّعليم يُعدّ أحد أهمّ أركان الإصلاح التي يقوم عليها بناء الأمّة: «لا يمكن في الحقيقة للأمّة أن تأخذ موضعها اللّائق بها بين الأمم ما لم يتمّ إصلاح التّعليم ضمن المنظومة التّربويّة والتّعليميّة، وتفعيله والتّخلّص من الآفات التي تمكّنت منه حتّى يحقّق الغايات والمفاهيم الأساسيّة المنوطة به»(16).
3.1.  تخلّف الأمّة حضاريًّا:
لا يختلف اثنان في أنّ الأمّة العربيّة والإسلاميّة تعاني أزمات متعدّدة: سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وفكريّة وتربويّة.. وهو ما جعلها في ذيل الرّكب الحضاريّ إذا ما قارنّاها بالأمم الأخرى وخاصّة الغربيّة منها. ولم يجد المفكّرون حرجًا في التّنبيه على حالة التّخلّف والرّكود الحضاريّ، فها هو إسماعيل الفاروقي يقول: «تقف الأمّة الإسلاميّة في مؤخّرة الأمم.. ولم يشهدوا هذا القرن أمّة تعرّضت بمثل ما تعرّضت له الأمّة الإسلاميّة من هزيمة وإذلال»(17). ومن أجل ذلك تعالت الأصوات وتكاثفت الجهود في سبيل حلّ تلك الأزمات وطرح البدائل الكفيلة بالاستئناف الحضاريّ واستعادة أمجاد الأمّة لأنّ محاولات الإصلاح على تعدّدها لم تكن موفّقة، ولم تجترح الحلول النّاجعة لمشاكل الأمّة العربيّة الإسلاميّة.
وقد رفع الملكاوي سقف الطّموحات عاليًا حين أعلن أنّ هدف المشروع يتمثّل في «تمكين النّخبة الإسلاميّة من الإسهام في خروج المجتمعات الإسلاميّة من واقع التّخلّف ورفد الحضارة الإنسانيّة بإنجازات ملموسة واستئناف الأمّة الإسلاميّة مهمّتها الحضاريّة في قيادة البشريّة»(18). وهو ما يجعل أسلمة المعرفة في اعتقاده إطارًا للإصلاح والنّهوض الحضاريّ للأمّة في جميع مجالاتها «مشروع إسلاميّة المعرفة حركة تجديديّة في الفكر الإسلاميّ تسعى إلى إصلاح هذا الفكر ليؤدّي دوره في إصلاح واقع الأمّة المسلمة وتمكينها من تحقيق النّهوض الحضاريّ المنشود»(19).
لقد أدرك المنشغلون بأسلمة المعرفة التّدهور الحضاري الذي تعاني منه الأمّة الإسلاميّة آنذاك، وأكّدوا أنّ المسلمين في حاجة إلى بديل فكري ينتشلهم من التّخلّف والتّراجع الحضاري، وهو ما جعل إسلاميّة المعرفة جزءًا من مشروع حضاريّ بديل، فلقد اعتبر عماد الدّين خليل أسلمة المعرفة ضرورة بالغة لأنّها ستتيح في نظره للأمّة تجاوز مأزقين كبيرين هما «الذّوبان في الغير أو العزلة الكلّيّة عن الاستفادة من تقدّمه» (20).
لقد قدّمت إسلاميّة المعرفة نفسها باعتبارها مشروعًا طموحًا لا يتوقّف عليه مصير نهضة الأمّة وتقدّمها واستئناف دورها الحضاريّ فقط بل يتجاوز ذلك إلى «إنقاذ الإنسانيّة المعذّبة المهدّدة بالفناء واتّخاذ الأمّة موقع الشّهود الحضاريّ الذي هو جوهر رسالتها»(21).
يقودنا التّحليل إلى الإقرار بأنّ أعلام المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ قد جعلوا من إسلاميّة المعرفة أساسًا ضروريًّا «للإصلاح الفكري والحضور الثّقافيّ والعمرانيّ للأمّة العربيّة الإسلاميّة ولإزالة الفصام بين الفكر والتّطبيق وبين المثال والواقع وبين القيادة الفكريّة والأيديولوجيّة وبين القيادات السّياسيّة والاجتماعيّة، ولإزالة الثّنائيّة الموجودة في النّظام التّعليميّ»(22). واعتبروا مشروعهم الطّموح محاولة معرفيّة منهجيّة رائدة وجادّة ترصد أسباب أزمة الأمّة وآثارها وانعكاساتها، وتقدّم منهجًا سليمًا لإعادة البناء.
الهوامش
(1) إسلاميّة المعرفة : المبادئ العامة، خطّة العمل، الإنجازات، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1992. ص 15.
(2)  المصدر نفسه، 1992، ص 15
(3) طه جابر العلواني، خواطر في الأزمة الفكريّة والمأزق الحضاري للأمّة الإسلاميّة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996, ص15 . 
(4)  عبد الله حسن زووق، لماذا إسلاميةالمعرفة؟، قسم الدعوة الإسلاميّة، جامعة قطر، 2002
(5)  فتحي الملكاوي، نحو نظام معرفي إسلامي،  المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2000، ص ص57.
(6) لمزيد التوسّع انظر مثلا: الحسن حما، عمر مزاوصي، الابستيمولوجيا وإسلاميّة المعرفة، مركز نماء للبحوث والدراسات، ففيفري 2015 ، ص 109.
(7) مجلّة الفكر العربي المعاصر، عدد104، 2002، ص7
(8) إسلاميّة المعرفة : المبادئ العامة، خطّة العمل، الإنجازات، مصدر سابق، ص174.
(9)  مقالات في إسلاميّة المعرفة، ط1 ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2018، ص 83,
(10) عبد الحميد أبو سليمان، إسلاميّة المعرفة وتفعيل التعليم العالي بين النظريّة والتطبيق، الفكر الإسلاميّ المعاصر، عدد 26 ، أكتوبر،2001ص148.
(11) لمزيد التوسّع انظر: التجديد في الفكر الإسلاميّ المعاصر تجربة مشروع إسلاميّة المعرفة، ط1 ، المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ، فرجينيا، 2025، ص 130.
(12) عبد الحميد أبو سليمان، الإصلاح الاسلاميّ المعاصر: قراءات منهجيّة اجتماعيّة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2011 ، ص133
(13)  إسلاميّة المعرفة: المبادئ العامة- خطّة العمل- الإنجازات، مصدر سابق، ص 41.
(14)  المصدر نفسه ، ص 42.
(15)  المصدر نفسه ، ص49.
(16)  عبد الحميد أبو سليمان، الإصلاح الإسلاميّ المعاصر: قراءات منهجيّة اجتماعيّة، مرجع سابق، ص 137.
(17)  إسماعيل الفاروقي، أسلمة المعرفة: المبادئ العامة- خطة العمل- الإنجازات، ط1 ، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1995، ص 8.
(18)  الملكاوي، مقالات في إسلاميّة المعرفة، مرجع سابق، ص 183.
(19)  حسن الملكاوي، التجديد في الفكر الإسلاميّ المعاصر،  مرجع سابق، ص 324.
(20)  عماد الدين خليل،  مدخل إلى إسلاميّة المعرفة، ط1 ، دار ابن كثير، دمشق_ بيروت، 2006، ص15.
(21) طه جابر العلواني، لماذا إسلاميّة المعرفة؟، مجلّة إسلاميّة المعرفة، عدد1، 1995.
(22) المرجع نفسه ، ص75.