نقاط على الحروف

بقلم
عبد الحكيم علوي
مشروع إسلاميّة المعرفة: دواعي النّشأة والأهداف(2/2)
 2. أهداف مشروع الأسلمة.
1.2.  التّوعية بأهمّيّة التّراث الإسلاميّ:
انخرط المفكّرون العرب والمسلمون في نقاش قضايا كبرى بها يتعلّق مصير الأمّة حاضرًا ومستقبلًا، ومن أبرز تلك القضايا علاقة التّراث والنّهضة، وقد انصرف بعضهم إلى ردّ التّهم التي وجّهها بعض الحداثيّين إلى التّراث الإسلاميّ وخاصّة أولئك الذين اعتبروا التّراث سبب التّخلّف الذي تعاني منه المجتمعات المعاصرة. فنبّه فتحي حسن الملكاوي مثلًا على صعوبة فصل قضيّة الاهتمام بالتّراث عن قضيّة الفكر المعاصر لأنّ «حركة الاهتمام بالتّراث أصبحت متّصلة بالتّفكير بقضيّة النّهوض الحضاريّ للأمّة، وقضيّة النّهوض نفسها أصبحت مسألة جدل فكري حول العلاقة بين الماضي والحاضر وبين القديم والحديث، وموضوع مقارنة بين واقع الأمّة الإسلاميّة وواقع الأمم الغربيّة»(1).
وقد جعل القائمون على مشروع إسلاميّة المعرفة نصب أعينهم التّوعية بأهمّيّة التّراث الإسلاميّ والانفتاح على المنجز الفكري. ويعتقد عماد الدّين خليل أنّ المنهج الدّقيق الذي يعتمده جماعة إسلاميّة المعرفة في التّعامل مع التّراث والتّصوّر الذي ينطلقون منه في تحليل مفرداته وتمحيصها يجعلها «أكثر قدرة على استبطان جوهر معطياته وملامسة حقيقتها» (2).
فالتّراث الإسلامي لا يمثّل فقط امتدادًا للتّصوّر الإسلاميّ للكون والعالم والحياة والإنسان لأنّه «نسيج متداخل الخيوط بين ما هو أصيل وما هو طارئ دخيل... بين معطيات تشكّلت من مقولات القرآن والسّنّة، وتخلّقت في إطارهما، وبين أنشطة أقحمت إقحامًا في مجرى الفعل الحضاري الإسلاميّ، بتأثير الدّهشة والإعجاب بهذا الجانب أو ذاك من معطيات الغير» (3).
ويدعو صلاح إسماعيل إلى إعادة النّظر في مسألة تقديس التّراث وتعظيمه لإيمانه إيمانًا راسخًا بضرورة إعادة النّظر في منظومتنا الثّقافيّة والمعرفيّة لأنّ الأمّة لا يمكن أن تنهض في حالة الغياب الثّقافيّ، فيقول في هذا الصّدد: «ثقافتنا نوعان لا ثالث لهما، إمّا ثقافة تاريخيّة أفرزتها عقول مضى زمانها، وإمّا ثقافة مستوردة ربّما لا تمتّ إلى واقعنا بصلة. ومن هنا لا بدّ من إعادة النّظر في منظومتنا الثّقافيّة والمعرفيّة» (4).
إنّ التّوعية بأهمّيّة التّراث تأتي في إطار التّصدّي لمخلّفات الاستعمار ولمشروعه التّغريبي الذي تسبّب إلى حدّ بعيد في استيلاب الشّخصيّة المسلمة حتّى بات من الضّروريّ إيجاد السّبل الكفيلة بمقاومة ذلك المشروع مقاومة فكريّة من شأنها وضع منهج يعرّف بالتّراث الإسلاميّ دون أن يغلق الأبواب أمام الاستفادة من مخرجات الحداثة الغربيّة في مجال العلم والمعرفة.
ننتهي إلى الإقرار بأنّ من أهمّ ما حاول أعلام المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ القيام به تنبيه الأمّة على أهمّيّة تراثها الإسلاميّ والتّأكيد على أنّ دوره لم ينته بعد، وأنّ في ذلك التّراث الكثير من الجوانب النّافعة التي يمكن الحفاظ عليها وتنميتها والاستفادة منها في مسار إنهاض الأمّة وإلحاقها بركب الحضارة. فالمطلوب إذن هو «إعادة النّظر في نصوص التّراث وأساليب فهمها ونقدها وتأويلها، وإعادة صياغة الخطاب الإسلاميّ تبعًا لما طرأ في زمانه من المتغيّرات والحاجات والإمكانات» (5).
2.2.  إصلاح النّظام التّعليمي:
لا شكّ في أنّ إسلاميّة المعرفة قد قدّمت نفسها باعتبارها مشروعًا إصلاحيًّا يهدف إلى بعث الأمّة علميًّا وفكريًّا، لذلك انخرط المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ في محاولات تجاوز سيطرة النّموذج المعرفي الغربيّ. فقد أبدى الفاروقي خاصّة حرصًا شديدًا على نقد الأسس الفكريّة والفلسفيّة للنّظام المعرفي الغربي ببيان قصور رؤيته وخطورة مآلاته وفساد أدواته. إنّ المناهج والموادّ التي تدرّس في العالم العربي ليست سوى نسخ مشوّهة عن الموادّ والمناهج الغربيّة وهي تفتقر بالضّرورة إلى الرّؤية التي حرّكتها في الغرب، وهو ما جعلها أداة للتّعليم القاصر، وما زاد الطّين بلّة هو افتقار الأساتذة في المؤسّسات التّعليميّة إلى الرّؤية الإسلاميّة حيث أنّهم «لا يتحرّكون بتأثير دوافع من هذه الرّؤية الإسلاميّة»(6). لذلك أوكل الفاروقي إلى الجامعة أكثر الأدوار خطورة: ترسيخ عقيدة التّوحيد، انطلاقًا من إيمانه بأنّ انبعاث الأمّة من جديد لا يتحقّق إلّا بإصلاح التّعليم عمومًا والجامعة خصوصًا لأنّ الجامعيّين مكلّفون في نظره بتعزيز إيمان الأمّة بنفسها وبمستقبلها ورعاية هويّتها. فلا لحاق بركب الحضارة دون تصحيح النّظام التّعليميّ وتقويم أخطائه.
ويعتقد المنظّرون لمشروع إسلاميّة المعرفة أنّ عمليّة الإصلاح تقتضي القيام بالخطوات التّالية:
_ دمج نظامي التّعليم: لا مفرّ من إيجاد نظام تعليميّ موحّد تهيمن العقيدة الإسلاميّة على جميع جوانبه. 
_ غرس الرّؤية الإسلاميّة: يهدف دمج نظامي التّعليم كما بيّنّا سابقًا إلى نقل المعرفة الإسلاميّة إلى النّظام العام والمعرفة الحديثة إلى النّظام التّعليمي الدّينيّ.
واللّافت للانتباه أنّ عمليّة إصلاح التّعليم التي تهدف إلى إعادة صياغة المعرفة المعاصرة في إطار الرّؤية الإسلاميّة لا تقتصر على المجتمعات الإسلاميّة بل تطمح إلى أن «تكون نموذجًا بديلًا عن النّماذج السّائدة في العالم التي أسهمت في غربة الإنسان عن واقعه ومصيره وتكون إسهامًا إسلاميًّا في حلّ مشكلات العالم المعاصرة وإنقاذ الحضارة الإنسانيّة ممّا يتهدّدها من تدمير وإبادة» (7).
3.2.  أسلمة المعرفة الإنسانيّة:
في سياق حديثه عن مبرّرات نشأة مشروع الأسلمة طرح طه جابر العلواني سؤالًا في منتهى الأهمّيّة: «ما الذي تستطيع إسلاميّة المعرفة أن تقدّمه للصّحوة وللأمّة وللعالم؟»، وحاول أن يجيب باختصار عن ذلك السّؤال الخطير كما يلي: «إنّ إسلاميّة المعرفة تحاول أن تقدّم للصّحوة وللأمّة وللعالم القرآن المجيد باعتباره الكتاب الوحيد الذي يملك إنقاذ البشريّة اليوم كلّها، لا أمّتنا وحدها، فالقرآن العظيم وحده يملك التّصوّر المنهجي والمعرفي البديل على مستوى كوني»(8). وهو يؤمن إيمانًا راسخًا بأنّ مفتاح الخروج من الأزمة العالميّة يتمثّل في كتاب الله الذي يتضمّن منهجيّة كونيّة قادرة على إعادة الصّياغة الفلسفيّة لحضارة الإنسان المعاصر.
يطمح مشروع إسلاميّة المعرفة في نظر طه جابر العلواني إلى توجيه العلوم الطّبيعيّة برؤية قرآنيّة كونيّة جامعة بالإضافة إلى إعادة بناء العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة وفقًا لتلك الرّؤية القرآنيّة. وهو ما يجعل مهمّة مشروع إسلاميّة المعرفة عالميّة: «إسلاميّة المعرفة مقدّمة منهجيّة معرفيّة لبديل حضاريّ عالميّ لا يستهدف إنقاذ المسلمين وحدهم ولكن يستهدف إنقاذ العالم كلّه، وهذه مهمّة تتطلّب العديد من الدّراسات والبحوث المميّزة بداية ببحوث ودراسات في القرآن العظيم نفسه تجري ضمن فهم جديد ومن منظور علمي وعالميّ، وهذه هي مهمّة إسلاميّة المعرفة الأساسيّة وواجب أجيالها» (9).
بناءً على ما تقدّم فإنّ المؤمنين بجدوى مشروع إسلاميّة المعرفة مطالبون بتحمّل مسؤوليّتهم كاملة في بناء النّظام المعرفي الإسلاميّ وتفعيله في إنتاج المعرفة وتوظيفها وتوجيهها لتمكين الأمّة من تبليغ رسالتها وتأكيد حضورها الفاعل والمساهمة في تقديم البدائل الضّروريّة للأمّة خاصّة وللإنسانيّة عامّة، وفي هذا الصّدد يقول فتحي الملكاوي: «ولعلّ الإسلام هو الوحيد الذي يمكن أن ينافس المعطيات المعرفيّة للحضارة الغربيّة ويستوعبها ويعيد صياغتها على شكل نظام معرفيّ بديل يرشّد هذه الحضارة ويقودها» (10).
إنّ النّاظر في أبرز كتب منظّري مشروع الأسلمة يلحظ بيسر ميلهم إلى الإقرار بالبعد الكوني لمشروعهم، ويتمثّل ذلك البعد في أنّهم اعتبروه مشروعًا عالميًّا يتوق إلى إعادة صياغة المعرفة الإنسانيّة على أساس المرجعيّة الإسلاميّة التي تقوم على أقطاب ثلاثة: الخالق، الإنسان، الكون. وينبع البعد الكوني للمشروع أيضًا من كون رسالة الإسلام رسالة عالميّة تخاطب الإنسانيّة جمعاء وتحاول تكريس منظومة متكاملة للحياة والمعرفة بعيدًا عن المقولات الماديّة والوضعيّة، ولقد شدّدت الباحثة يارا عبد الجواد على هذا التّوجّه حين أشارت إلى أنّ «الرّؤية الإسلاميّة المنطلقة من مبدأ توحيد الخالق ومن ثَمَّ وحدة الكون ووحدة الإنسانيّة جعلت حضارة الإسلام في عصور ازدهارها تعكس سمة العالميّة وترسي دعائمها بصورة غير مسبوقة» (11).
الخاتمة:
إنّ مشروع إسلاميّة المعرفة مشروعٌ طموحٌ لا يقف فقط عند بلورة أفق لإعادة إدراج المسلمين في التّاريخ، بل يتجاوز ذلك إلى الإجابة عن الأسئلة الكلّيّة المتعلّقة بالوجود والقيم والمعرفة التي تساعد على الخروج من المأزق المعرفي والأزمة الفكريّة العالميّة المعاصرة، فهو مقدّمة منهجيّة معرفيّة لبديل حضاري عالمي لا يستهدف إنقاذ المسلمين وحدهم، ولكن يستهدف إنقاذ العالم كلّه.
إنّه يمثّل محاولة جادّة لتخطّي الأزمات التي تعيشها الأمّة العربيّة الإسلاميّة، وخاصّة تلك الأزمة الفكريّة التي تندرج تحتها سائر الأزمات الأخرى السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والتّربويّة.... فلقد أدرك المنشغلون بأسلمة المعرفة التّدهور الحضاري الذي تعاني منه الأمّة الإسلاميّة آنذاك، وأكّدوا أنّ المسلمين في حاجة إلى بديل فكري ينتشلهم من التّخلّف والتّراجع الحضاري، وهو ما جعل إسلاميّة المعرفة جزءًا من مشروع حضاريّ بديل.
لقد انتبه مؤسّسو مشروع إسلاميّة المعرفة إذن إلى ضرورة تنزيل المشروع من النّظري إلى التّطبيق كي لا يبقى مجرّد تصوّرات مثاليّة، لذلك دعوا إلى الشّروع في تطبيقه بدءًا بإصلاح المناهج التّعليميّة. فالإصلاح التّعليميّ في نظر المنظّرين لأسلمة المعرفة شرط أساسي لنجاح المشروع برمّته وخطوة ضروريّة لنجاح سائر الخطوات الأخرى، وهو النّواة الأولى لإعادة بناء الرّؤية الكونيّة الحضاريّة التي تساهم دون شكّ في بلورة أفق لإعادة إدراج المسلمين في التّاريخ.
ويستمدّ منجز المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ قيمته كذلك من السّعي إلى إعادة تشكيل العقل المسلم ووصل ما انقطع بينه وبين تراثه ونصوصه المؤسّسة من قرآن وسنّة زمن السّعي إلى إنتاج المشروع الحضاري الإسلاميّ المعاصر، لذلك نعتقد أنّ مشروع إسلاميّة المعرفة لم ينل ما نالته باقي مشاريع التّجديد والإصلاح من اهتمام.
الهوامش
(1) الملكاوي، التجديد في الفكر الإسلاميّ المعاصر، مرجع سابق، ص 43 
(2) عماد الدين خليل،  مدخل إلى إسلاميّة المعرفة، مرجع سابق، ص49.
(3)  المرجع نفسه، ص 41. 
(4) صلاح إسماعيل، إسلاميّة المعرفة، قضايا إشكاليّة في الفكر الإسلاميّ المعاصر، المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ، ط،1، 1997، ص 18
(5) عبد الحميد أبو سليمان، انهيار الحضارة الإسلاميّة وإعادة بنائها، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ، 2016، ص 86.
(6)  عبد الحميد أبو سليمان، انهيار الحضارة الإسلاميّة وإعادة بنائها ، مرجع سابق، ص 37. 
(7) فتحي الملكاوي، مقالات في إسلاميّة المعرفة، مرجع سابق، ص 189.
(8)  طه جابر العلواني، لماذا ‘سلاميّة المعرفة؟ ،مرجع سابق،  ص 26 ,
(9) جابر العلواني، إسلاميّة المعرفة بين الأمس واليوم، مرجع  سابق، ص29,
(10)  فتحي الملكاوي، نحو نظام معرفي إسلاميّ، مرجع سابق، ص 39.
(11)  يارا عبد الجواد، إسلاميّة المعرفة مشروعا للعلم والإنسان، خطوة للتوثيق والدراسات، 10 يونيو، 2024