نحو أفق جديد
| بقلم |
![]() |
| أ.د.عبدالجبار الرفاعي |
| في حروب الخوارزميات يتعطل القانون والأخلاق |
يظهر الدور المريع للخوارزميات في الحروب بوصفه أحد أكثر التحوّلات غرابة وإثارة للذعر، إذ يفاقم قلقًا متناميًا مع كلّ خطوة جديدة في مسار تطوير أسلحة ذاتيّة التشغيل. تلوح في الأفق حروب، يقول عنها الخبراء إنّها تشهد تطوّرًا مثيرًا، إذ تستغني فيها ساحات القتال عن الإنسان كلّيًّا، فتُدار المعارك من دون حضور المقاتل البشريّ، ويغدو الجنديّ الغائب الأكبر عن الحرب التي كان يومًا مَنْ يخوضها ويصنع الانتصارات في ساحاتها أو ينهزم فيها.
في حروب الخوارزميات لا يُلغى القانون الدّوليّ وقوانين الحروب من حيث المبدأ، لكنّها تفقد فاعليّتها في الواقع، لأنّ هذه القوانين تفترض فاعلًا إنسانيًّا يمتلك ضميرًا قادرًا على التمييز والتردّد والشعور بالمسؤوليّة، بينما تتّخذ الخوارزميات قراراتها بوصفها عمليّات حسابيّة صمّاء لا تعرف الشفقة ولا تختبر المعنى الأخلاقيّ للفعل. حين تنفصل المسؤوليّة عن الفعل، ولا يعود أحد مسؤولًا عن القتل والتدمير بصورة واضحة، يتعطّل القانون بعد تفريغه من مضمونه. في هذا الواقع يصير الإنسان مجرّد بيانات وأنماط واحتمالات، فتفقد فكرة التمييز بين المدنيّ والمقاتل عمقها الأخلاقيّ، وتتحوّل إلى قرار إحصائيّ رقميّ، لا يرى الإنسان ككائن حيّ له مشاعر ومخاوف وقلق. ويجري استنزاف التجربة الوجوديّة للحرب، فلا يرى الفاعل نتائج فعله، ولا يختبر صدمة الألم أو الندم، فتخمد الحساسيّة الأخلاقيّة التي كانت تحدّ من العنف العبثيّ في الحروب التقليديّة. حين يغيب الإنسان في حروب الخوارزميات تغيب معه الرحمة والعطف والندم، فتغدو الأخلاق غائبة لا بإعلان موتها، بل بتحويل الفعل إلى عمليّة حسابيّة، ويظلّ القانون حاضرًا في النصّ غائبًا في الواقع.
تشير دراسات المختصّين في الحروب اليوم إلى أنّ ساحات القتال لم تعد تقوم على المواجهة المباشرة بين البشر، إذ تولّت الروبوتات والطائرات المُسيّرة جانبًا حاسمًا من القتال، وتراجع حضور الإنسان إلى دور المشغّل عن بُعد، الذي يجلس خلف الشاشات، منفصلًا عن الميدان، ومقطوع الصلة بالتجربة الحسّيّة المباشرة للحرب. حروب الخوارزميات ينطفئ فيها الشعور ويموت الضمير الإنسانيّ، ويفقد القتل طابعه الإنسانيّ بوصفه فعلًا يضع الفاعل وجهًا لوجه أمام ضحيّته، ويتحوّل إلى إجراء تقنيّ تديره خوارزميات وحسابات باردة بلا قلب، وبلا مشاعر وعواطف، لا تعرف الخوف، ولا تختبر التردّد، ولا تستشعر ثقل المسؤوليّة الأخلاقيّة. يصدر قرار من روبوت لممارسة عمليّات كما لو كان اختيارًا رقميًّا داخل نظام مغلق، لا يمرّ عبر الضمير، ولا يتوقّف عند معنى الحياة التي تُزهق، أو الألم الذي يكابده الضحيّة.
الخوارزميات لم تعد أدوات في يد من ابتكروها، إذ أخذت تتسلّل بهدوء إلى وعيهم، وتعيد تشكيل احتياجاتهم ومشاعرهم وعواطفهم، وتؤثّر في مصالحهم ومصائرهم، حتّى يغدو الإنسان منقادًا لها أكثر ممّا يوجّهها. في هذا الواقع تتحوّل الخوارزميات إلى أيديولوجيا خفيّة، لا تُعلن عن نفسها، غير أنّها تمارس سلطتها في العمق، فتقود الفعل كما لو أنّها بوصلة لا تُرى، وتدفع المقاتل إلى ساحة الحرب بلا وعي كامل بنتائج فعله، كأنّه يسير في عتمة لا يبصر فيها إلّا ما ترسمه له هذه الخوارزميات.
في هذا النمط من الحروب القذرة يغدو الانتصار على الأرض مرهونًا بكفاءة إدارة الخوارزميات، وتطوّر الروبوتات متعدّدة المهامّ، وقدرة الأنظمة الذكيّة على التعلّم السريع والتكيّف. يتراجع الإنسان من موقع الفاعل الأخلاقيّ إلى عنصر تقنيّ داخل منظومة أعقد منه، ويزداد خطر أن تنفصل الحرب نهائيًّا عن أيّ ضابط إنسانيّ أو قانونيّ أو أخلاقيّ، حين تتّخذ الآلة موقع القرار، ويُختزل معنى القتل إلى معادلة رياضيّة لا ترى في الإنسان أكثر من هدف رقميّ قابل للإزالة. «أسلوب الحرب تغيّر، وإن بقيت طبيعتها»، بحسب مارك ميللي وإريك شميت في مقالة نشرتها «فورين أفيرز» (1)، فحدّدا أربعة أشياء غيّرت أسلوب الحرب: «المُسيّرات والصواريخ، والروبوتات، والذكاء الاصطناعيّ»، ممّا سجّل تغييرات مهمّة جدًّا، «المُسيّرات أنهت سيطرة الدبّابات، فصاروخ فرط صوتيّ واحد ممّا لدى الصين يمكنه تدمير حاملة طائرات أميركيّة. ومُسيّرة تكلّف 500 دولار تدمّر دبّابة روسیّة تكلّف 10 ملايين دولار. والمُسيّرات والصواريخ التي أطلقتها إيران في أبريل (نيسان) عام 2025 على إسرائيل كلّفت 100 مليون دولار. لكنّ الاعتراض الأميركيّ والإسرائيليّ بوسائل الدفاع كلّف ملياري دولار»(2).
في الحروب التي تديرها الخوارزميات نرى بريطانيا، على سبيل المثال، تستهدف أن يكون ربع جيشها بحلول عام 2030 مكوّنًا من روبوتات قتاليّة، فقد صرّح الجنرال نيك كارتر في نوفمبر 2020 أنّ بلاده تخطّط لنشر نحو 30 ألف وحدة روبوتيّة، أي ما يعادل ربع الجيش البريطانيّ، البالغ آنذاك 120 ألف جندي، وستعمل هذه الوحدات بالقرب من الخطوط الأماميّة لدعم القوّات البشريّة وتعزيز فعّاليّة المهمّات القتاليّة، في تحوّل خطير ينقل الحرب من ميدان دمويّ مألوف إلى ساحة يغيب عنها الإنسان ليحضر الذكاء الاصطناعيّ بثقله المدمّر كلّه. مع العلم أنّ الجنرال نيك كارتر شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامّة للقوّات المسلّحة البريطانيّة بين عامي 2018 و2021، وهو أعلى منصب عسكريّ في بريطانيا، أي القائد المهنيّ الأوّل للجيش البريطانيّ والمسؤول عن قيادة جميع أفرع القوّات المسلّحة وتطويرها.
من جانبها تكشف الصين عن روبوتات متقدّمة، مثل بايونير 2 (Pioneer II)، وروبوتات بيونيكيّة متناهية الصغر (Bionic Microrobots) بحجم البعوض، تمتلك إمكانات قادرة على تغيير ديناميكيّات الحرب تغييرًا جذريًّا. يمكن توظيف هذه الروبوتات في مهمّات استطلاع سرّيّة، أو في هجمات دقيقة داخل بيئات شديدة الحساسيّة، كغرف النوم، حيث تعمل بصمت شبه غير مرئيّ، فتغدو أداة فعّالة لجمع المعلومات أو لتنفيذ عمليّات مميتة من دون إنذار. في هذا الواقع لا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعيّ على تبديل أساليب القتال، وإنّما يفتح أبوابًا لأشكال غير مسبوقة من الدمار، تمسّ عمق الحياة الإنسانيّة وخصوصيّتها. لذلك تبرز الحاجة الملحّة إلى تشريعات دوليّة صارمة تكبح انفلات هذه التقنيّات، وتمنع تحوّلها إلى أدوات دمار شامل تنتهك الكرامة الإنسانيّة، وتقوّض فرص السلام، وتدفع العالم إلى حروب بلا مسؤوليّة أخلاقيّة ولا ضمير إنسانيّ.
في عرض الصين العسكريّ عام 2025 برز التحوّل من القوّة التقليديّة إلى أنظمة غير مأهولة وذاتيّة التشغيل، في رسالة تؤكّد سعي بكين إلى توظيف التقنيّات الناشئة لتغيير ميزان القوّة. يقوم تحديث الجيش الصينيّ على ثلاث مراحل: الميكنة، ثمّ المعلوماتيّة، ثمّ «التذكيّة» القائمة على الذكاء الاصطناعيّ، وقد أحرز تقدّمًا كبيرًا في المرحلتين الأُوليين، ويندفع سريعًا نحو الثالثة. وتكشف الوثائق العسكريّة عن توسّع واسع في دمج الذكاء الاصطناعيّ في القيادة، والاستهداف، والحرب السيبرانيّة، وتحليل البيانات، إلى جانب توظيفه في «الحرب الإدراكيّة» عبر التضليل والتلاعب بالوعي، ومحاكاة المعارك، واستهداف الفضاء والبحار بأنظمة ذاتيّة. هذا المسار لا يمثّل برامج متفرّقة، وإنّما بناء منظومة قتاليّة متكاملة تتعلّم وتتكيّف بسرعة.
في المقابل تحتفظ الولايات المتّحدة بتفوّق في الحوسبة والخبرة، لكنّها تواجه تسارعًا صينيًّا يعتمد على التجريب السريع، ودمج التكنولوجيا المدنيّة بالعسكريّة، والإنتاج واسع النطاق. ومع تشابه بعض البرامج بين الطرفين المتنافسين، يتّجه التنافس نحو سباق تطوير متسارع قد يجعل التفوّق مؤقّتًا، بينما يظلّ التحدّي الحاسم في التوازن بين القرار البشريّ والقرار الخوارزميّ، إذ قد يؤدّي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعيّ إلى أخطاء في التقدير وتصعيد غير محسوب. وعلى الرغم من العقبات التي تواجه الصين، فإنّ سرعة التعلّم والتجريب قد تمكّنها من تقليص الفجوة، في وقت تتّجه فيه الحروب نحو صراع بين أنظمة مترابطة، يصبح فيه الذكاء الاصطناعيّ عاملًا حاسمًا في كشف نقاط الضعف، وتسريع القرار، وصياغة ملامح الحرب المقبلة(3).
أمّا حضور الخوارزميات بدل الإنسان في الحرب داخل الجيش الروسيّ فيتّجه نحو تعميق الأتمتة القتاليّة استنادًا إلى الخبرة الميدانيّة المتراكمة، ولا سيّما في الحرب الأوكرانيّة، حيث غدت الأنظمة غير المأهولة جزءًا أساسيًّا من بنية القتال. توسّع روسيا اعتمادها على الطائرات المُسيّرة والروبوتات القتاليّة المزوّدة بخوارزميات للتعرّف البصريّ وتحليل الأهداف واتّخاذ قرارات آنيّة في الاستطلاع والضرب، كما في نماذج Lancet وKUB وغيرها، وهي تمثّل طيفًا من الطائرات المُسيّرة والأنظمة الروبوتيّة التي تعكس توسّع الدور الخوارزميّ في العقيدة العسكريّة الروسيّة، مع السعي إلى تطوير أسراب تعمل بتنسيق ذاتيّ يقلّل من الحاجة إلى التوجيه البشريّ المباشر. في هذا المسار يتحوّل الجنديّ تدريجيًّا من فاعل ميدانيّ إلى مشغّل تقنيّ أو مراقب عن بُعد، بينما تنتقل لحظة الاشتباك من الخبرة الإنسانيّة المباشرة إلى حسابات خوارزميّة تحكمها السرعة والكفاءة. رغم التقدّم، فإنّ الطائرات المُسيّرة الروسيّة ليست مستقلّة بالكامل؛ غالبًا ما تحتاج إلى إشراف بشريّ في لحظة القرار النهائيّ، فالأتمتة الكاملة ما زالت طموحًا أكثر من كونها واقعًا. هذا التحوّل يعكس توجّهًا روسيًّا واضحًا نحو حرب تعتمد على التفوّق التقنيّ لتعويض الكلفة البشريّة، لكنّه يفتح في الوقت نفسه أفقًا مقلقًا، إذ تتآكل المسؤوليّة الأخلاقيّة مع تصاعد استقلاليّة الأنظمة، ويتحوّل القتل إلى إجراء تقنيّ منفصل عن القلب والعواطف والشعور الإنسانيّ، فتغدو الحرب نشاطًا تحكمه الخوارزميات أكثر ممّا تحكمه الإرادة البشريّة والضمير الأخلاقيّ.
أمّا في أوكرانيا، ففي مقابلة مع مجلّة «المجلّة»، بتاريخ 19 مارس 2026، يؤكّد الجنرال «ديفيد بترايوس»، القائد السابق للقيادة المركزيّة في الجيش الأميركيّ، أنّ الحروب المعاصرة تشهد تحوّلًا جذريًّا نحو الاعتماد الكثيف على الطائرات المُسيّرة بوصفها الأداة الأكثر تأثيرًا في ميدان القتال، مستندًا إلى التجربة الأوكرانيّة التي كشفت نقلة نوعيّة في طبيعة الصراع من حيث الكمّ والسرعة والابتكار. إذ تشير المعطيات إلى أنّ أوكرانيا يمكنها أن تنتج نحو 7 ملايين طائرة مُسيّرة سنويًّا، بعدما صنعت قرابة 3.5 مليون طائرة خلال عام واحد، وهو رقم غير مسبوق مكّنها من تشغيل ما بين 9 آلاف إلى 10 آلاف مُسيّرة يوميًّا، ما جعلها عنصرًا حاسمًا في العمليّات لا مجرّد أداة مساندة. ولا يتوقّف التحوّل عند الكثافة العدديّة، إذ يتّجه الجيل القادم نحو الاستقلاليّة، مع اقتراب ظهور أسراب المُسيّرات القادرة على تنفيذ هجمات منسّقة دون تدخّل بشريّ مباشر عبر برمجة الأهداف مسبقًا، وهي تقنيّة دخلت مراحل متقدّمة.
ويحذّر «بترايوس» من أنّ مواجهة هذه الأسراب تمثّل تحدّيًا معقّدًا يتطلّب تقنيّات نوعيّة مثل الموجات الميكرويّة عالية القدرة أو وسائل إلكترونيّة لتعطيلها جماعيًّا، في وقت لا يزال فيه الاستعداد الدّوليّ دون المستوى المطلوب. في المقابل، تواصل أوكرانيا التكيّف بوتيرة سريعة من خلال تحديثات برمجيّة كلّ أسبوع أو أسبوعين، وتعديلات على العتاد كلّ أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، ما يكشف أنّ الحروب الجديدة لم تعد تُحسم بالقوّة التقليديّة وحدها، وإنّما بالقدرة على مواكبة المعطيات المتسارعة للذكاء الاصطناعيّ، والتطوير المستمرّ، واستثمار التكنولوجيا في إدارة الصراع
في هذا السياق يعمل البنتاغون على مشروع JADC2/CJADC2 الذي يسعى إلى ربط أنظمة الاستشعار والقيادة والأسلحة في شبكة متكاملة، تُنتج ما يُسمّى «ميزة القرار» عبر تسريع جمع البيانات وتحليلها واتّخاذ القرار في ثوانٍ معدودة، بسرعة تتجاوز الإدراك البشريّ. هنا لا يتقلّص الزمن فقط، وإنّما يتبدّل معنى الفهم، إذ تتولّى الخوارزميات قراءة المعطيات الكثيفة واستخراج أنماطها، فيغدو القرار استجابة آنيّة عاجلة. لا يُفهم مشروع JADC2/CJADC2 بوصفه نظامًا واحدًا مكتملًا، وإنّما بوصفه نسيجًا شبكيًّا يتكوّن من قدرات مترابطة لم تبلغ بعد صورتها النهائيّة، إذ ما يزال في طور التشكّل والتطوير.
وتكشف المعطيات الرسميّة عن استثمار وزارة الدفاع الأمريكيّة مليارات الدولارات سنويًّا في الذكاء الاصطناعيّ والأنظمة الذاتيّة، بالتوازي مع خطط لإدخال أعداد كبيرة من الطائرات المُسيّرة القتاليّة الذكيّة خلال العقد الحاليّ ضمن برامج الطائرات القتاليّة، لتعمل إلى جانب الطائرات المقاتلة، وتضطلع بمهامّ الاستطلاع والهجوم والتشويش، فيتقلّص حضور الجنديّ في الميدان، ويتحوّل الإنسان إلى مشغّل عن بُعد أو مراقب خلف الشاشات، بينما تتقدّم أنظمة قادرة على التحليل والاختيار والتنفيذ بسرعة تتجاوز طاقة الإدراك البشريّ، فتغدو الحرب عمليّة تُدار عبر الخوارزميات، حيث تنتقل من مواجهة بشريّة مباشرة إلى فعل تقنيّ تُنجزه الخوارزميات.
غير أنّ هذا التحوّل لا يقتصر على تبدّل الأدوات، وإنّما يلامس جوهر المعنى الأخلاقيّ للحرب، إذ يفضي تسريع القرار وتفويض الخوارزميات بمهامّ الحياة والموت إلى تآكل المساءلة، وتلاشي الشعور بالمسؤوليّة، فيتحوّل القتل إلى إجراء تقنيّ منفصل عن القلب والمشاعر والضمير، في عالم تتصاعد فيه قدرة الآلة على الفعل، ويتراجع فيه حضور الضمير الإنسانيّ بوصفه رقيبًا على معنى الفعل وحدوده.
تجدر الإشارة إلى تطوّر هائل يحدث في الذكاء الاصطناعيّ المعروف بـ AI، وهو ذكاء اصطناعيّ أداتيّ محدود يُصمّم لأداء مهامّ محدّدة داخل نطاق ضيّق، لذلك يظلّ مرتبطًا بسياق معيّن ولا يتجاوزه، في حين تشير القفزة الجديدة التي يسمّيها الخبراء AGI إلى نمط من الذكاء الاصطناعيّ القادر على الفهم والتعلّم في مجالات متعدّدة، ونقل الخبرة من حقل إلى آخر، بما يجعله أقرب إلى البنية الذهنيّة للإنسان.
يتجلّى الفرق بينهما بوضوح في الحروب، حيث يُستعمل AI بوصفه أداة مساندة: تحليل البيانات، وتوجيه الطائرات المُسيّرة، ودعم القرار العسكريّ، وكلّ ذلك يتمّ تحت إشراف الإنسان الذي يظلّ صاحب القرار النهائيّ، لأنّ هذا الذكاء لا يمتلك قدرة مستقلّة على الفهم الشامل. أمّا AGI، في حال تحقّقه، فيمكن أن يتولّى التخطيط الاستراتيجيّ، وإدارة العمليّات، واتّخاذ القرارات في الزمن المناسب عبر تحليل شامل للمعطيات، مع قدرة على التعلّم والتكيّف، ما يفتح أفقًا لإمكانيّة الاستغناء التدريجيّ عن الإنسان في بعض وظائف الحرب، وربّما إبعاده عن مركز القرار.
هنا لا يظلّ الفرق تقنيًّا، وإنّما يغدو فرقًا وجوديًّا، لأنّ انتقال القرار من الإنسان إلى AGI يعني انتقال سلطة الفهم والتأويل إلى نظام يعمل بكفاءة عالية، من دون أن يختبر المعنى الإنسانيّ للفعل أو يشعر بتبعاته في الضمير الأخلاقيّ، فتغدو القرارات الحاسمة في الحياة والموت صادرة عن عقل لا يعرف الأخلاق والقانون، ولا يستشعر ثقل المسؤوليّة، ولا ينفتح على معنى الرحمة والتعاطف والشفقة، فيتحوّل الفعل إلى إجراء محسوب بالكفاءة والسرعة، فيما يتراجع حضور الإنسان بوصفه كائنًا يشعر بتلك المعاني ويعيشها في داخله
الهوامش
(1)«أمريكا ليست مستعدة لحروب المستقبل..وهي قد بدأت بالفعل»(America Isn’t Ready for the Wars of the Future: And They’re Already Here)، مجلّة «فورين أفيرز» (Foreign Affairs)، شهر سبتمبر/ أكتوبر عام 2024 (نُشرت رقميًا في 6 أغسطس 2024).
(2) جريدة إندبندنت عربيّة، الأربعاء 8 أبريل 2026.
(3) راجع مقالة: سام بريسنيك، إميليا بروباسكو، كول ماكفول، «ترسانة الصين من الذكاء الاصطناعيّ: استراتيجيّة جيش التحرير الشعبيّ تؤتي ثمارها»، المنشورة في: جريدة إندبندنت عربيّة، الاثنين 6 أبريل 2026. مترجمة عن: «فورين أفيرز»، 2 مارس (آذار) 2026
|




