مكاشفات
| بقلم |
![]() |
| أ.د عبد الفتاح داودي |
| الذوق الجمالي: الروح المقاصدية وشرط النهوض الحضاري |
تتجاوز الرّؤية الجماليّة في الرّسالة الخاتمة حدود الأشكال الخارجيّة لتستقرّ في صميم «الفلسفة الوجوديّة» للإنسان، حيث لا يُمثّل الذّوق الجماليّ مجرّد «تحسينات» تزيينيّة، بل هو «ضرورة مقاصديّة» ترتبط بكيان الإنسان ووظيفته الاستخلافيّة.
وبناءً على ذلك، يضعنا الانطلاق من الحديث النّبويّ «إنّ اللّـه جميل يحبّ الجمال» أمام تأسيس أنطولوجيّ يجعل من الجمال قيمة عليا تتغلغل في النّسيج التّشريعيّ والقيميّ للأمّة. فإذا كانت مقاصد الشّريعة تدور حول حفظ المصالح الكبرى (الدّين، النّفس، العقل، النّسل، والمال)، فإنّ الذّوق الجماليّ هو «الحصن القيميّ» الّذي يحمي هذه المصالح من التّآكل تحت وطأة القبح والفوضى.
لذلك، فإنّ النّفس الّتي تفتقد للذّوق الجماليّ هي نفس تفقد اتّزانها الرّوحيّ، كما أنّ العقل الّذي يعيش في فوضى بصريّة أو سلوكيّة هو عقل قاصر عن إدراك «النّظام الكونيّ» الّذي أتقنه الخالق سبحانه.
هنا، يلتقي النّفَس المقاصديّ الأصيل مع الطّرح الحضاريّ العميق للمفكّر مالك بن نبي، الّذي رأى في الذّوق الجماليّ «شرطاً داخليّاً» لقيام النّهضة. فالحضارة عند ابن نبي ليست «تراكم أشياء» أو استيراداً لمنتجات الحداثة، بل هي «نتاج إنسان» تشرّب القيم الجماليّة فحوّلها إلى سلوك ونظام.
إذ تبدأ الحضارة من «الذّوق العامّ» الّذي يرفض القبح في الشّارع، وفي الخطاب، وفي الهندام؛ لأنّها بمثابة «الهندسة النّفسيّة» الّتي تسبق بناء الجسور والمصانع. وعندما يربط ابن نبي بين «القابليّة للاستعمار» وغياب الجمال، فإنّه يشير بوضوح إلى أنّ المجتمع الّذي يرضى بالقبح والفوضى هو مجتمع فاقد للسّيادة على نفسه ومحيطه، ليصبح بذلك مجتمعاً خارج التّاريخ، مهما امتلك من موارد مادّيّة.
وخلاصة القول، إنّ الجمال هو «المحرّك السّاكن» الّذي يمنح المجتمع القدرة على الإبداع واحترام القوانين وحماية البيئة العمرانيّة.
إنّ مفهوم «الإحسان» يمثّل الجسر الرّابط بين العقيدة والجمال؛ فهو يتجاوز مراقبة اللّـه في المحراب ليشمل «إتقان الفعل» وتحويله إلى «قيمة جماليّة» مشهودة.
وقد جسّد الرّسول ﷺ هذا الفهم في حياته اليوميّة، فكان الجمال في سنّته سلوكاً تربويّاً يشمل هندام الفرد، ونظافة مدينته، ورفق منطقه. وبذلك أصبح «الذّوق الجماليّ» أداة لبناء الإنسان الصّالح؛ فالإنسان الّذي يقدّر الجمال هو إنسان «محسن» بالضّرورة، فهو يحترم حقوق الآخرين لأنّ الظّلم قبح، ويحافظ على الملكيّة العامّة لأنّ التّشويه عبث، ويتقن صناعته لأنّ الرّداءة خلل في ميزان الخلق.
وهكذا، فإنّها منظومة متكاملة تجعل من الجمال «ميزاناً للحضارة» ومعياراً لصدقيّة التّديّن.
بيد أنّ واقعنا المعاصر يكشف عن انفصام نكِد بين «الشّعار الجماليّ» و«الممارسة الواقعيّة»، وهو ما يعكس أزمة عميقة في وعي المقاصد. إذ تحوّلت الشّريعة في كثير من الأذهان إلى أحكام مجرّدة جافّة، فغاب «روح الإحسان» عن العمران والمؤسّسات والخطاب الإعلاميّ. وعليه، فإنّ سيادة القبح البصريّ في المدن، وانتشار الخشونة في التّعامل اليوميّ، ليست مجرّد قضايا فنّيّة، بل هي نتاج لغياب «الوعي المقاصديّ بالجمال».
وفي الحقيقة، إنّنا نعيش أزمة «مقاصد وذوق»؛ فالإنسان الّذي لا يشعر بالمسؤوليّة الجماليّة تجاه الفضاء العامّ هو إنسان يعاني من خلل في فهم معنى «الاستخلاف». ذلك أنّ الأرض أمانة، وعمارتها تعني تجميلها لا تشويهها.
وتأسيساً على ما سبق، فإنّ إعادة بناء الذّوق الجماليّ تتطلّب مشروعاً حضاريّاً يبدأ من «التّربية الجماليّة» في الأسرة والمدرسة، حيث يُغرس في الفرد أنّ الجمال عبادة والاتّزان قيمة. كما يتطلّب إعلاماً يصون الذّوق ولا يشوّهه، وعمراناً يراعي كرامة الإنسان وسكينته الرّوحيّة.
فالفنون واللّغة والخطّ والهندسة المعماريّة ليست مجرّد كماليّات، بل هي «الأوعية الرّمزيّة» الّتي تحمل هويّة الأمّة وتجسّد تفوّقها الحضاريّ.
وحين تلتقي هذه الفلسفة الجماليّة مع الاقتصاد الحضاريّ، يصبح الجمال معياراً للجودة والموثوقيّة؛ ممّا يمنح المجتمع ميزة تنافسيّة تعبّر عن روح الإسلام المنفتحة على الإبداع.
وللانتقال من هذا التّنظير المعرفيّ إلى حيّز التّفعيل الميدانيّ، وجبت صياغة توصيات استراتيجيّة تعمل كمحرّكات تغيير في المؤسّسات التّربويّة والتّخطيطيّة؛ لضمان استعادة هذا الذّوق في مفاصل الحياة العامّة:
1. على الصّعيد التّربويّ والتّعليميّ (بناء الإنسان الذّوّاق):
يجب العمل على «مأسسة الجمال» في المناهج الدّراسيّة، ليس كنشاط لاصفيّ، بل كفلسفة حاكمة لعمليّة التّعلّم. ولتحقيق ذلك، نوصي بما يلي:
* دمج التّربية الجماليّة في مناهج التّربية الإسلاميّة واللّغة العربيّة: بحيث يُقدّم «الإحسان» بوصفه التزاماً بالجمال والإتقان في كلّ قول وفعل، وليس مجرّد مفهوم شعائريّ.
* تحويل المدارس إلى نماذج عمرانيّة ملهمة: إذ لا يمكن بناء ذوق جماليّ في بيئة مدرسيّة تفتقر للنّظام أو الجمال البصريّ. لذا، يجب أن تكون المدرسة في تصميمها وحدائقها ونظافتها أوّل تجربة حيّة للطّالب في «العيش داخل الجمال».
* إدراج مادّة «التّذوّق الحضاريّ»: بحيث تُعنى بتدريس تاريخ الفنون الإسلاميّة، والعمارة، والخطّ، لربط الجيل الجديد بهويّته البصريّة، وتنمية قدرته على التّمييز بين الإبداع والرّداءة.
2. على الصّعيد التّخطيطيّ والعمرانيّ (هندسة السّكينة):
إنّ العمران هو المرآة الصّادقة لروح الأمّة؛ ولذا، يجب أن تتحوّل مخطّطات المدن من مجرّد «توزيع كتل أسمنتيّة» إلى «صناعة بيئات إحسانيّة». ولتحقيق هذه الغاية نوصي بما يلي:
* اعتماد «مواثيق جماليّة» للمدن: تلزم البلديّات والمستثمرين بمعايير بصريّة تمنع التّشويه، وتراعي الهويّة المعماريّة المحلّيّة، وتضمن توفير المساحات الخضراء والسّاحات العامّة الّتي تعزّز السّكينة النّفسيّة.
* التّركيز على «أنسنة المدن»: وذلك من خلال تصميم فضاءات تشجّع على التّواصل والتّأمّل، وتحدّ من الضّوضاء والتّلوّث البصريّ، إدراكاً بأنّ النّفس المستقرّة جماليّاً هي الأقدر على الإبداع والإنتاج.
* تفعيل «شرطة الذّوق العامّ» (بمعنى حضاريّ): ليس كجهاز قمعيّ، بل كمنظومة رقابيّة تمنع التّعدّي على الجمال العامّ، وتراقب التّلوّث البصريّ والسّمعيّ، وتضمن إتقان تنفيذ المشاريع العامّة بما يحقّق مقصد «الإحسان» العمليّ.
3. على الصّعيد الإعلاميّ والثّقافيّ (صناعة الوعي البصريّ):
* يجب أن يتحوّل الإعلام من أداة لنشر الفوضى الرّمزيّة إلى حارس للذّوق العامّ. ولتحقيق ذلك، نوصي بما يلي:
* دعم الإنتاج الثّقافيّ عالي الجودة: وذلك بتشجيع الدّراما، والسّينما، والفنون الرّقميّة الّتي ترتقي بالذّوق العامّ، وتبتعد عن تمجيد القبح أو العنف أو العبثيّة السّلوكيّة.
* إطلاق حملات قوميّة لـ«التّشجير والتّجميل»: تنخرط فيها مؤسّسات الدّولة والمجتمع المدنيّ؛ لترسيخ مفهوم أنّ «النّظافة والجمال» هما جبهة دفاع عن سيادة الأمّة وكرامتها.
4. على صعيد البحث العلميّ والتّطوير:
*تأسيس مراكز بحثيّة متخصّصة في «علم الجمال الحضاريّ»: بحيث تدرس العلاقة بين البيئة الجماليّة ونسب الجريمة، والصّحّة النّفسيّة، والإنتاجيّة الاقتصاديّة؛ وذلك لتقديم حلول علميّة لصنّاع القرار، مبنيّة على أرقام وحقائق.
*تشجيع «الاقتصاد الإبداعيّ»: وذلك من خلال دعم الحرف اليدويّة والصّناعات الّتي تعتمد على الذّوق الرّفيع؛ ليكون الجمال مصدراً للدّخل القوميّ، ممّا يربط بين «المصلحة» و«المقصد الجماليّ».
إنّ الذّوق الجماليّ هو الميزان الّذي تختبر به جدارة الأمّة بالشّهود على النّاس. فإذا انسجم الجمال مع المقاصد، استقام العمران وصلحت أحوال الإنسان. أمّا إذا انفصل الجمال عن المقصد، تحوّلت الحضارة إلى هيكل بلا روح، وتراكمت الأشياء دون أن تنتج معنى. لذا، فإنّ الرّسالة الخاتمة تضعنا أمام رهان حقيقيّ: إمّا أن نستعيد حاسّة الجمال لنبني حضارة «الإحسان»، أو نغرق في فوضى القبح الّتي تضيع معها بوصلة النّهضة.
إنّ العمل بهذه التّوصيات ليس مجرّد تحسين لنمط العيش، بل هو استجابة لنداء الفطرة، وتحقيق لمقاصد الشّريعة في حفظ الإنسان، واستئناف للفعل الحضاريّ الّذي ينشده المصلحون. فالجمال ليس ترفاً، بل هو «روح الاستخلاف» وسرّ الفاعليّة الحضاريّة الّتي تجعل من الأمّة «شاهدة» بجمال قيمها، وبهاء عمرانها، ورفعة ذوقها.
ومن دون الجمال المقاصديّ، يختلّ الميزان، وتضيع البوصلة، وتبقى النّهضة وهماً بلا روح. ولن نصل إلى حضارة الإحسان إلّا إذا جعلنا من «الذّوق الجماليّ» منهجاً في التّفكير، وأسلوباً في الحياة، وشرطاً للوجود.
وليكن شعارنا مستقبلاً: «إحسان المكان.. رفعة للإنسان»..
|




