دراسات
| بقلم |
![]() |
| عبير خلف الله |
| جدليّة الأخلاقي والسّياسي في فلسفة الفارابي (2-5) السياسة في ميزان الفلسفة |
1. مفهوم السّياسة في الفلسفة الإغريقيّة
لا يسعنا بحال من الأحوال أن نبحث عن مقاربة لمفهوم السّياسة في الفلسفة الإغريقيّة دون التّطرّق إلى «أثينا»، تلك المدينة التّي سطّرت لنفسها ملحمة تاريخيّة جعلت منها أيقونة سياسيّة بامتياز. فبعد دحرها للفرس وخروجها غانمة منتصرة، أضحت أثينا قبلة ينشدها الفلاسفة والمؤرّخون وكلّ طامح إلى المعرفة أو المجد؛ حيث عكف الأثينيّون على تطوير علومهم والارتقاء بها، فأبدعوا في شتّى المجالات. وقد انعكس هذا الازدهار على البعد السّياسيّ؛ إذ ترسّخت الدّيمقراطيّة التّي جعلت من الشّعب سيّداً لنفسه، لتتوّج بذلك إرادته الحرّة في تسيير دواليب دولته. وفي هذا المناخ، برز السّفسطائيّون الّذين امتازوا ببراعتهم الخطابيّة وقدرتهم الفائقة على الإقناع والمغالطة، ممّا شكّل الدّافع الرّئيسيّ لبلورة الرّؤى السّياسيّة المعارضة لديهم، وعلى رأسها آراء «سقراط».
1.1. الرّؤية السّياسيّة عند سقراط
يعدّ سقراط نابغة عصره وكلّ العصور التّي تلته؛ إذ شهدت الفلسفة بفضل حكمته تحوّلاً جذريّاً على الأصعدة كافّة. وكان للسّياسة النّصيب الأوفى من عنايته، حيث أرسى لمنظومة الحكم شروطاً دقيقة لضمان قيام دولة الحقوق والواجبات، والّتي تجلّت بوضوح من خلال «محاورات أفلاطون» التّي عكست في جوهرها رؤية «أبي الفلسفة» السّياسيّة.
فما هي أهمّ المبادئ التّي أسّس عليها فلسفته السّياسيّة؟
من المعلوم أنّ كلّ اجتماع بشريّ يقوم بالضّرورة على ثنائيّة الحاكم والمحكوم. ولم تحد فلسفة سقراط عن هذا المبدأ، بيد أنّه أخضعه لجملة من الشّروط والأحكام التّي رأى فيها خلاص الشّعب من براثن الظّلم والفوضى:
1.1.1 مبدأ سيادة القانون: «كان «سقراط» أوّل من نادى بهذا المبدأ، وأخذه عنه كلّ من «أفلاطون» و»أرسطو». وقد كان سقراط يشبّه المواطن الذي لا يحترم القانون -لأنّه قد يتعرّض للإلغاء أو التّعديل- بالجنديّ الذي يهرب من موقعة حربيّة، لأنّه قد يُعلَن الصّلح أو الهدنة»(1). والمقصود بمبدأ سيادة القانون هو التزام كافّة فئات المجتمع، حاكمين ومحكومين، بالخضوع للمنظومة التّشريعيّة المسيّرة للدّولة؛ فالقانون يعلو ولا يُعلى عليه.
2.1.1 الحاكم الفيلسوف: جعل سقراط من «المعرفة» الشّرط التّأسيسيّ لمن يتولّى سدّة الحكم في المدينة. والمعرفة في نظره تتطابق مع الفضيلة؛ ولذا يرى أنّ العالم أو الحكيم هو أحقّ النّاس بتقلّد هذا المنصب الحسّاس. «ولذا فالحكّام يجب أن يكونوا من ذوي المعرفة أو من الفلاسفة، فالحاكم ربّان المدينة يجب أن يعرف فنّه بعمق، كما يعرف الربّان فنّه وبالتّالي فإنّ عليه أن يتعلّمه إنّه الفنّ الأكثر صعوبة من كلّ الفنون، إنّ سقراط ينتقد اختيار الحكّام بالقرعة، لأنّه يترك مسألة الكفاءة للصّدفة»(2). وبذلك، أحدث سقراط ثورة في معايير اختيار الحاكم، ناقلاً إيّاها من العشوائيّة والانتخاب الشّكليّ إلى اشتراط المعرفة والأخلاق، ممّا يعكس التّلاحم العضويّ بين السّياسة والأخلاق في فلسفته.
3.1.1 مبدأ التّشريع: يقوم مبدأ التّشريع عند «سقراط» على احترام القانون واعتباره أداةً لتحقيق العدالة والفضيلة، لا مجرّد وسيلة للسّيطرة أو العقاب. كما يرى أنّ القوانين يجب أن تُبنى على العقل والحكمة، وأنّ مخالفتها تُعَدّ إخلالاً بالعدالة، وتهديداً للنّظام الأخلاقيّ والاجتماعيّ. وبالتّالي، يحيلنا هذا المبدأ إلى مبدأ التّربية.
4.1.1 مبدأ التّربية: للتّربية عند «أبي الفلسفة» غاية سياسيّة بالأساس؛ لأنّها الطّريق إلى تكوين المواطن الفاضل الذي يحقّق العدالة في المدينة. وبما أنّ الدّولة عادلة، فهي تحتاج بالأساس إلى مواطنين عادلين تتمّ تربيتهم على الفضيلة كشرط لنجاح السّياسة. وقد مارس «سقراط» هذا المبدأ من خلال مرحلتي «التّهكّم والتّوليد»، وهو منهج اعتمده في الرّدّ على السّفسطائيّين ودحض نظريّاتهم بالحجج الدّامغة، لتربية المواطنين على الفضيلة والعلم. فالتّربية في فلسفة «سقراط»، إذن، هي إعداد الفرد ليكون مواطناً فاضلاً، وبذلك تتحقّق العدالة في الدّولة.
ولا نستطيع البحث عن تعريف دقيق للسّياسة دون البحث عن مفهوم عميق للعدالة، التي تمثّل ركناً أساسيّاً من فلسفته السّياسيّة. وقد برع «جورج رديبوش» في شرحها من خلال كتابه «سقراط»؛ ففي محاورة له مع السّفسطائيّ «ثراسيماخوس» - الذي يعتبر الأخلاق خدعة ابتدعها السّلاطين لفرضها على شعوبهم التّعيسة، والذي يعتقد أيضاً أنّ «العدالة» جنون فطريّ، وأنّ الظّلم أساس تحقيق السّعادة - اعتمد «سقراط» لتفنيد كلامه حجّتين نذكرهما فيما يلي:
* الأولى: وتتمثّل في إثبات أنّ العدل هو الموافق للحكمة؛ ذلك لأنّه يبحث عن السّموّ بالعقل والتفوّق على السّائد، على عكس الظّلم الذي يسعى صاحبه إلى تحقيق مصالحه الشّخصيّة.
* الثّانية: وتتمثّل في إثبات سعادة العادلين؛ ففي هذا الجزء يتحدّث «سقراط» عن تقدير العادلين للنّشاط الإنسانيّ المتّصف بالعدالة. فمن يكرّس جهده لتحقيق العدل وخدمته، ستظلّ نفسه راسخة على مبدأ تحقيق فضيلة العدالة لا غير، حيث يقول «سقراط»: «تُعَدّ الحياة العادلة جزءاً من الحياة السّعيدة، ولا تخلو حياة العادل من السّعادة، ولا يفقد لحظة من لحظاتها».(3)
نخلص إذن إلى أنّ السّياسة في فلسفة سقراط تفوق مجرّد رعاية الشّؤون العامّة؛ إنّها في صميمها عمليّة أخلاقيّة تهدف إلى تقويم أفراد المجتمع وتهذيبهم، حتّى يتحقّق الانسجام التّامّ في المدينة.
2.1. الرّؤية السّياسيّة عند أفلاطون
شُغل أفلاطون منذ صباه بالشّأن السّياسيّ، وطمح إلى إرساء نظام عادل ينهي حقبة الحكم الأوليغارشيّ (الأرستقراطيّ المتسلّط). ورغم انتمائه إلى عائلة أرستقراطيّة عريقة، إلّا أنّه اصطدم لاحقاً بطغيان الدّيمقراطيّين الّذين أعدموا أستاذه سقراط. دفعه هذا الإحباط المتكرّر إلى التّنظير لهيكلة جذريّة لدولة مثاليّة، متوّجاً ثورته السّياسيّة باشتراط تولّي الفلاسفة مقاليد الحكم، لتنبثق من ذلك نظريّة «الجمهوريّة الفاضلة».
1.2.1 جمهوريّة أفلاطون
جعل «أفلاطون» من المعرفة أساساً للنّجاح السّياسيّ، وركيزةً رئيسيّةً تجنّب الحاكم الوقوع في مهازل الظّلم والطّغيان؛ باعتبار أنّ الجهل طريق معبّد يسير بالمرء نحو الرّذيلة والظّلم. وبذلك، تتلخّص مهمّة «أفلاطون» في إعداد - بل وتربية - الحكّام الجديرين بحكم البلاد وتسيير أمورها. فقد جعل من محاورة «الجمهوريّة» خطوطاً واضحةً ترسم منهجه السّياسيّ في بناء مدينة عادلة، محقّقة للسّعادة الاجتماعيّة الخالدة. وهنا نجد ثلاثة مصطلحات تمثّل الأساس في نظام المدينة الفاضلة:
* الأوّل والثّاني: العدالة، والطّبقات.
* الثّالث: التّخصّص؛ حيث «تظهر أهمّيته منذ البداية، منذ الحديث عن المدينة الطّبيعيّة» (4).
جعل أفلاطون من المعرفة صمّام الأمان للنّظام السّياسيّ، تقيه الانزلاق نحو مهاوي الظّلم والطّغيان. ولخّص مسعاه في محاورة «الجمهوريّة» برسم معالم منهج سياسيّ صارم لبناء مدينة عادلة تضمن السّعادة الخالدة. وينهض هذا النّظام على مفاهيم محوريّة؛ أبرزها: العدالة، الطّبقات، والتّخصّص.
2.2.1 ما الّذي يعنيه أفلاطون بالتّخصّص؟
ومن المعلوم أنّ الإنسان عاجز بمفرده عن التّعايش؛ وذلك لقصوره منفرداً عن تحقيق حاجياته. وتعود حاجة النّاس إلى الاجتماع إلى عدم كمال الأشخاص منفردين، إذ لكلّ فرد في المجموعة اختصاصه الذي يعود بالفائدة على المجتمع؛ فالآخر لا يتجزّأ عن الحياة الاجتماعيّة.
وعلى هذا الأساس الذي تقوم عليه المدينة، تتفرّع طبقاتها لنجد:
* الطّبقة الأولى (الإنتاج والخدمات): تتكوّن أساساً من الزّرّاع، والصّنّاع، والتّجّار. وهي القاعدة الأساسيّة للمدينة؛ فهم الذين يكوّنون أوّل طبقات المجتمع، ويوفّرون حاجيات المدينة من مأكل وملبس ومشرب. وتمثّل هذه الطّبقة «النّفس الشّهوانيّة» التي مقرّها أسفل البطن، والتي تروّضها العفّة.
* الطّبقة الثّانية (المحاربون / الحرّاس): وهم نتيجة لحاجة المدينة إلى الحماية الدّائمة من الأخطار، ومن الهجمات الخارجيّة الغادرة. وتحتاج هذه الطّبقة إلى طبائع خاصّة بها، وتفرّغ تامّ، وصفات تميّز أفرادها عن بقيّة الأفراد، مثل الشّجاعة والحكمة عند ظهور العدوّ. وتنعم هذه الطّبقة بأكبر درجة من الاهتمام الأفلاطونيّ؛ حيث ينسب إليها «النّفس الغضبيّة» التي تتركّز على مستوى الصّدر، وتهدّئها الشّجاعة.
* الطّبقة الثّالثة (الحكّام الفلاسفة): وتتكوّن هذه الطّبقة العليا من أفضل عناصر طبقة الحرّاس، «والتي ستتميّز بتقدّم السنّ، لأنّ فيه ضماناً للحكمة والتّعقّل فيما يظنّ أفلاطون.»(5) ومقرّ هذه النّفس العاقلة هو الرّأس، وتسيّرها الحكمة.
ولاكتمال صورة «الجمهوريّة المثاليّة»، وجب علينا التطرّق إلى مسألة العدالة وبيان علاقتها بالجماعة. وللاطّلاع على نظريّة «العدالة الأفلاطونيّة» وإبرازها للقارئ، لا بدّ لنا من العودة إلى مسألة «التّخصّص» التي ترتسم من خلالها فضيلة العدل. فمدينة أفلاطون «حكيمة ميدان المشاورات والمداولات بفضل علم قادتها الحرّاس الكاملين، وشجاعة بفضل طبقة الجنود الحرّاس، ومعتدلة كذلك بفضل سيطرة العناصر العليا فيها على العناصر السّفلى؛ فالاعتدال نوع من النّظام يجعل المدينة مستطيعة أن تسيطر على نفسها، أي بطاعة المحكوم للحاكم (6).
فالدّولة العادلة تجعل من سعادة المدينة بكلّ أفرادها - وبدون استثناء - غايتها القصوى. وللوصول إلى تحقيق العدالة، يرى «أفلاطون» أنّ سكّان «المدينة الفاضلة» مطالبون باحترام مبدأ «التّخصّص»، وعدم تدخّل أيّ طبقة من الطّبقات الثّلاث في عمل الأخرى؛ وإلّا عمّت الفوضى البلاد، وحصلت الكارثة المؤذنة بالخراب.
إذن، فالسّياسة عند «أفلاطون» هي فنّ تحقيق العدالة والانسجام في المجتمع، من خلال تنظيم الدّولة على أساس الفضيلة والتّخصّص؛ حيث يحكم الفلاسفة باعتبارهم الأعرف بالخير، ويؤدّي كلّ فرد وظيفته بما يحقّق الخير العامّ والكمال الإنسانيّ.
3.1. الرّؤية السّياسيّة عند أرسطو
يُعَدّ «أرسطو» - تلميذ «أفلاطون» ومعلّم «الإسكندر الأكبر» - من أعظم المفكّرين في تاريخ الفلسفة؛ وقد أسّس أسساً علميّة وعمليّة للفكر السّياسيّ ظلّت مؤثّرة لقرون طويلة. تميّزت إسهاماته السّياسيّة بالجمع بين النّظريّة والتّطبيق، إذ عاين تجارب المدن اليونانيّة، وانتقد مثاليّات أستاذه «أفلاطون»، وكتب أوّل دراسة منهجيّة عن الدّولة والأنظمة السّياسيّة كما هي في الواقع، لا كما ينبغي أن تكون فقط. وقد جاءت أعماله في هذا المجال لتربط بين السّياسة، والأخلاق، والاجتماع؛ وتقدّم تعريفاً للإنسان والمجتمع السّياسيّ يقوم على الطّبيعة والغاية الأخلاقيّة.
لقد جعل «أرسطو» من السّياسة فرعاً من علم الأخلاق العمليّ، بوصفها الوسيلة الكبرى لتحقيق السّعادة والخير الأسمى للإنسان، عبر تنظيم المدينة، وتحقيق العدالة، والتّربية على الفضائل. فعلم السّياسة، حسب «المعلّم الأوّل»: «في الواقع هو الذي يعيّن ما هي العلوم الضّروريّة لحياة الممالك، وما هي التي يجب على أهل الوطن أن يتعلّموها، وإلى أيّ حدّ ينبغي أن يعلّموها. ويمكن أن ينبّه فوق ذلك إلى أنّ العلوم الأعلى مكانة في الشّرف هي تابعة للسّياسة؛ أعني العلم الحربيّ، والعلم الإداريّ، والبيان. ونظراً إلى أنّه هو الذي يستخدم جميع العلوم العمليّة الأخرى، وأنّه هو الذي يأمر باسم القانون بماذا ينبغي أن يُفعل، وماذا ينبغي أن يُترك، يمكن أن يُقال إنّ غرضه يشمل الأغراض المتنوّعة لجميع العلوم الأخرى. وبالتّالي، يكون غرض السّياسة هو الخير الحقيقيّ، الخير الأعلى للإنسان.»(7)
فإذا بالسّياسة إذن، عند «المعلّم الأوّل»، تتحوّل من مجرّد نظريّات مثاليّة تعانق عالم المُثُل الأفلاطونيّة، إلى محور أساسيّ (نظريّ-عمليّ) تدور حوله كلّ العلوم الأخرى. كيف لا؟ وأرسطو يعتبر أنّ «الإنسان حيوان سياسيّ»، مدنيّ بطبعه، وميّال إلى الاجتماع والعيش الجماعيّ. فكيف ينظّم أرسطو شؤون المدينة بوصفها كياناً طبيعيّاً؟.
1.3.1 المدينة بوصفها كياناً طبيعيّاً:
يرى أرسطو أنّ المدينة (بوليس) ليست مجرّد تجمّع بشريّ عشوائيّ، بل هي كيان طبيعيّ ينبع أساساً من الطّبيعة البشريّة الميّالة للاجتماع؛ فقد قال أرسطو في كتابه «السّياسة»: «الدّولة هي من عمل الطّبع، وأنّ الإنسان بالطّبع كائن اجتماعيّ، وأنّ هذا الذي يبقى متوحّشاً بحكم النّظام لا بحكم المصادفة، هو على التّحقيق إنسان ساقط أو إنسان أسمى من النّوع الإنسانيّ، وإليه يمكن أن يوجّه توبيخ هوميروس: ‹بلا عائلة وبلا قوانين وبلا بيت›.»(8)
فالإنسان بطبعه كائن اجتماعيّ لا يستطيع العيش منفرداً، ولهذا تتشكّل المدينة بشكل طبيعيّ من العلاقات الاجتماعيّة التي تبدأ من العائلة، مروراً بالقرية، ثمّ المدينة؛ لتوفّر إطاراً مكتملاً متكاملاً لتحقيق الخير المشترك والعيش الفضيل.
وينظّم «المعلّم الأوّل» شؤون المدينة وفقاً لطبيعتها البشريّة، إذ يعتبرها امتداداً طبيعيّاً للعلاقات الإنسانيّة. حيث يبدأ هذا التّنظيم - حسب ما جاء خاصّة في كتابه «السّياسة» - من عناصر العائلة ووحدتها التي تضمّ الزّوج والزّوجة والأبناء، ثمّ تمتدّ إلى تجمّعات أكبر مثل القرية، وأخيراً إلى المدينة التي تشكّل المجتمع السّياسيّ الكامل.
ويؤكّد أرسطو أنّ التّنظيم السّياسيّ للمدينة يجب أن يكون مبنيّاً على مبادئ طبيعيّة، بحيث يسهم في تحقيق حياة فاضلة لكلّ المواطنين القادرين على المشاركة السّياسيّة والعقلانيّة. وبالتّالي، تهدف المدينة إلى توفير إطار يضمن العدالة والانسجام بين أعضائها، ممّا يجعلها كياناً طبيعيّاً يتجاوز مجرّد البقاء البيولوجيّ إلى الازدهار الأخلاقيّ والاجتماعيّ. وفي إطار تصوّره للمدينة ككيان طبيعيّ، يميّز أرسطو بين الحاكم والمحكوم بوصفهما وظيفتين متكاملتين وليستا متعارضتين؛
فالمدينة كي تحقّق غايتها، تحتاج لمن يتولّى زمام الأمور ومقاليد الحكم بفضل حكمته وعقله، وإلى من يقبل أن يُحكَم باعتباره مواطناً يشارك في الحياة السّياسيّة بحسب قدرته. فالمدينة الطّبيعيّة تحتاج لهذه الثّنائيّة المتكاملة لضمان النّظام والتّعايش السّلميّ بين كلّ أفرادها؛ حيث إنّ «الإنسان حيوان مدنيّ بالطّبع، ومن يستطيع العيش خارج المدينة أو الدّولة فلا بدّ أن يكون إلهاً أو بهيمة، وكلاهما يتّصف بالاكتفاء الذّاتي.»(9).
2.3.1 السّلطة والعدالة
وعلى عكس فلسفة أستاذه «أفلاطون» التي جعلت من الحكم حكراً على الفلاسفة والحكماء، وتقصي عن عرش المدينة كلّ من هو أدنى منهما، فإنّ أرسطو أقرّ بأفضليّة تداول الحكم بين المواطنين وتبادل الأدوار بحسب قدراتهم واستحقاقاتهم، بهدف تحقيق العدالة والخير المشترك. ومن أجل هذا، حرص أرسطو على دراسة أشكال الحكم والسّياسات في أكثر من 185 مدينة، ليفهم أفضل السّبل لتحقيق هذا الهدف؛ مؤكّداً أنّ الحكم لا يكون مشروعاً إلّا إذا كان لصالح الجماعة، لا لمصلحة خاصّة. فغاية السّياسة في النّهاية هي تحقيق الحياة الفاضلة ومعانقة الخير الأقصى، ليعيش المواطنون حياة فاضلة وسعيدة. وبالتّالي، فإنّ السّياسة في فلسفة «المعلّم الأوّل» مرتبطة بالأخلاق؛ لأنّها تدبّر شؤون المجتمع بما يحقّق الفضيلة والعدالة.
والعدالة في نظر أرسطو هي الأساس الذي تقوم عليه الدّولة، وهي نتيجة للحفاظ على ما أسماه «المعلّم الأوّل» بـ «التّناسب الهندسيّ»، الذي يقرّه العدل القانونيّ القاضي بمنح كلّ فرد مستحقّاته حسب عمله وطبقته ومكانته في المجتمع. كما تحدّث أرسطو عن «عدالة حسابيّة» تقوم أساساً على المساواة بين الأفراد؛ والمقصود هنا هو محاسبة الجاني وإنصاف المجنيّ عليه مهما كانت صفة أو الطّبقة الاجتماعيّة لكلّ منهما. حيث يقول في كتابه «السّياسة»: «فالعدل ضرورة اجتماعيّة، لأنّ الحقّ هو قاعدة الاجتماع السّياسيّ، وتقرير العادل هو ذلك الذي لا يرتّب الحقّ.»(10).
3.3.1 التّربية السّياسيّة
ومن بين أهمّ الأسس التي تقوم عليها فلسفة أرسطو السّياسيّة نذكر أيضاً مسألة «التّربية» المسؤولة عن صناعة مواطن فاضل؛ إذ إنّ الدّولة العادلة هي التي تربّي أبناءها على حبّ الفضيلة والعدل، لا على حبّ الثّروة أو القوّة والنّفوذ. «وبما أنّ الدّولة بتمامها ليس لها إلّا غاية واحدة بعينها، فيجب بالضّرورة أن تكون التّربية فيها واحدة متماثلة لجميع أعضائها..(11).
ذاك التّماثل الذي سيجعل من كلّ المواطنين انعكاساً لقيمتي الفضيلة والعدالة. والمواطن الفاضل في مدينة أرسطو سيكون مواطناً عادلاً بطبعه، يعمل بجهد على إرساء القيم الإنسانيّة على أرض تلك الدّولة. إذ يرى أرسطو أنّ النّظام وضمان الصّالح العامّ أساسٌ رئيسيٌّ في نظريّته السّياسيّة؛ حيث يقرّ بأنّ الأنظمة السّياسيّة يجب أن تكون مرتكزة على الصّالح العامّ لا على مصلحة الفئة الحاكمة. وقد وضع تصنيفاً للأنظمة السّياسيّة (ملكيّة، أرستقراطيّة، جمهوريّة...)، معتبراً أنّ لكلّ نظام من هذه الأنظمة انحرافاً عن الطّريق القويم لتحقيق السّعادة.
نقول إذن إنّ السّياسة في فلسفة أرسطو هي العلم السّياديّ الذي ينظّم شؤون المدينة لتحقيق الخير الأسمى لأفرادها، بما يضمن لهم الحياة الفاضلة والسّعيدة.
ختاماً: السّياسة في الفكر الإغريقيّ هي فنّ تحقيق الخير العامّ وتنظيم المدينة أخلاقيّاً، وهي علم غايته تربية المواطن الفاضل وإقامة العدالة..
4.1. الرّؤية السّياسيّة في الفلسفة الرّواقيّة
تُعَدّ الفلسفة الرّواقيّة من أهمّ المدارس الفلسفيّة التي ظهرت في الفترة الهلنستيّة، وقد أسّسها «زينون الرّواقيّ» في القرن الثّالث قبل الميلاد. تميّزت هذه المدرسة برؤية شاملة للوجود والإنسان، واهتمّت اهتماماً بالغاً بالأخلاق والسّياسة بوصفها امتداداً طبيعيّاً للحياة العقلانيّة والفضيلة. وفي هذا السّياق، تتجلّى نظريّتهم السّياسيّة لا بوصفها مجرّد فنّ للحكم، بل باعتبارها جزءاً من النّظام الكونيّ القائم على العقل والانسجام.
1.4.1 الأسس العامّة للفكر السّياسيّ الرّواقيّ
يرتكز الفكر السّياسيّ الرّواقيّ على مجموعة من المبادئ الكبرى التي تنبع من تصوّرهم للكون والإنسان:
* العقل الكلّيّ (اللّوغوس): اعتقد الرّواقيّون أنّ الكون محكوم بعقل كلّيّ منظّم، وأنّ كلّ الموجودات تخضع لهذا النّظام العقليّ. ومن هنا، فإنّ السّياسة يجب أن تنسجم مع هذا العقل الكونيّ؛ أي أن تكون تعبيراً عن النّظام الطّبيعيّ والعقلانيّ.
* الأخوّة الإنسانيّة: يرى الرّواقيّون أنّ كلّ البشر متساوون في الجوهر؛ لأنّهم جميعاً يشاركون في العقل الكونيّ. ولذلك، فقد نادوا بفكرة «المواطنة العالميّة»؛ حيث لا يكون الإنسان مواطناً في مدينة بعينها، بل في الكون بأسره. إذ مال الرّواقيّون «إلى اعتبار الإنسانيّة أسرة واحدة أعضاؤها أفراد البشر عامّةً، أيّاً كانت نِحَلهم وألسنتهم وبلادهم. (12).
* الفضيلة أساس الحكم: تؤمن الرّواقيّة بأنّ الحياة الفاضلة، القائمة على العقل والانضباط الذّاتيّ، هي الغاية القصوى، وأنّ الحاكم ينبغي أن يكون حكيماً فاضلاً، يُحكِّم العقل لا الأهواء. «وهكذا تصبح الفضيلة هي العيش وفاقاً للعقل، وترتدّ الأخلاقيّة إلى حكم العقل، ويُستبعد الهوى كما تُستبعد إرادة الفرد باعثاً على الأفعال الإنسانيّة. والحكيم هو الذي يُخضع حياته واعياً لسنن الوجود كلّه، ويعتبر نفسه مجرّد ترس في الآلة الكبرى، يسير معها ولا يشذّ عنها.(13).
2.4.1 مفهوم الدّولة عند الرّواقيّين
لم يكن للرّواقيّين تصوّر مؤسّسيّ دقيق للدّولة كما هو الحال عند «أفلاطون» أو «أرسطو»، بل ركّزوا على المعنى الأخلاقيّ والسّياسيّ العميق للدّولة. يرى «زينون الرّواقيّ» أنّ المدينة المثاليّة هي تلك التي لا تقوم على قوانين مكتوبة أو مؤسّسات خارجيّة، بل على العقل والفضيلة. وقد صوّر في كتابه «الجمهوريّة» مدينةً يسود فيها الحكم العقليّ، ولا وجود فيها للفوارق الطّبقيّة أو القوميّة.
3.4.1 دور الحاكم في الفلسفة الرّواقيّة
لا يرى الرّواقيّون السّياسة ساحة للنّفوذ والغلبة، بل مجالاً لتجسيد العقل والفضيلة؛ لذلك فالحاكم عندهم يجب أن يكون فاضلاً، حكيماً، عادلاً، وبعيداً عن الأهواء والمصالح الذّاتيّة. وقد خصّه «سينيكا» في كتابه «عن الإحسان» بأوصاف عديدة، منها الحكمة والعدل، والإحسان الذي هو مدار هذا المؤلَّف وجوهره، حيث يقول: «وقد أذكر ما أعتقده بمروري على هذا الموضوع، فمن غير الطّبيعيّ أن يعطي الإمبراطور الإحسان بإذلال»(14). ففلاسفة المدرسة الرّواقيّة يفضّلون أن يكون الحاكم بمثابة نموذج أخلاقيّ، يؤثّر بالقدوة لا بالقوّة، ويُحسن إلى رعيّته كما يُحسن العاقل إلى نفسه.
4.4.1 المواطنة الكونيّة
وهي أحد أبرز الملامح السّياسيّة في الرّواقيّة؛ حيث يدعو الرّواقيّون إلى المواطنة العالميّة. فبدلاً من الولاء للمدينة، كما في أثينا، دافع الرّواقيّون عن فكرة أنّ الإنسان مواطن في العالم، ينتمي إلى المجتمع الإنسانيّ الكونيّ، لا إلى عرق أو بلد بعينه. ليصبح المواطن في الفلسفة الرّواقيّة إنساناً كونيّاً، لا يعترف بالحدود الماديّة للمدن، وإنّما تجتمع كلّ مكوّناته وتنضوي تحت لواء «المواطنة الكونيّة». «تلك هي ‹الجامعة الإنسانيّة› التي نادى بها أصحاب الرّواق في العصر القديم، وتذهب تلك الوحدة العالميّة إلى القول بوجود رابطة أخلاقيّة وثقى تربط بين الآلهة وبني الإنسان.(15).
تجعل الفلسفة الرّواقيّة إذن من السّياسة امتداداً للأخلاق، وتربط الحاكميّة بالعقل والفضيلة، لا بالقوّة والهيمنة. وهي بذلك تقدّم نموذجاً مثاليّاً - وإن بدا طوباويّاً - لسياسة متعالية، تتأسّس على احترام الإنسان والعقل، وتطمح إلى بناء مدينة لا تحدّها الجغرافيا، بل تشمل جميع العقلاء على وجه الأرض.
ختاماً: نقول إنّ الفلسفة الإغريقيّة تقوم على تنظيم المدينة وفق العقل والعدالة؛ باعتبار الإنسان كائناً مدنيّاً بطبعه، لا تكتمل إنسانيّته إلّا داخل الجماعة. أمّا في الفلسفة الرّواقيّة، فتمتدّ السّياسة إلى أفق كونيّ، إذ يُنظر إلى الإنسان كمواطن عالميّ، وتشترط العدالة معاملة جميع البشر بوصفهم شركاء في العقل الكلّيّ، لا فرق بينهم في الأصول أو المكان.
الهوامش
(1) المنياوي(ثناء عبد الرّشيد): فقه السّيتسة بين الفكر الإغريقي والفكر الإسلامي: دراسة مقارنة، دار الوفاء لدنيا الطّباعة والنّشر،ط.1، س.ط:2014، ص:43.
(2) م.ن، ص:44.
(3) رديبوش(جورج): سقراط، تر: أحمد الأنصاري، مراجعة: حسن حنفي، المركز القومي للتّرجمة، ط.1، س.ط: 2014، ص:206.3
(4) قرني(عزّت): الفلسفة اليونانيّة حتّى أفلاطون: جامعة الكويت،1993دار السّلاسل، ص166.
(5) المصدر نفسه، ص: 170.
(6) المصدر نفسه، ص.ن
(7) أرسطو(طاليس): علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ص: 171-172.
(8) أرسطو(طاليس): السّياسة، ت: بارتملي سانتهيلر، ترجمة: أحمد لطفي السيّد، الدّار القوميّة للطّباعة والنّشر.ص: 96.
(9) المنياوي(ثناء): فقه السّياسة بين الفكر الإغريقي والفكر الإسلامي، ص:70.
(10) أرسطو (طاليس): السّياسة: ص:97.
(11) المصدر نفسه، ص.ن
(12) أمين (عثمان): الفلسفة الرّواقيّة: ص: 172
(13) الطّويل (توفيق): فلسفة الأخلاق: نشأتها وتطوّرها، ص: 109
(14) سينيكا(لوكيوس): عن الإحسان: ترجمة: حمادة أحمد علي، تقديم مصطفى النشّار، «مكتبة»، ط1، س.ط2018،ص:89
(15) أمين (عثمان): الفلسفة الرّواقيّة: ص: 172-173
|




