التنمية الطيبة

بقلم
الحبيب غربال
بين قبضة الدّكتاتور: الدّولارالأمريكي، وظهور بدائل جديدة
 في عالم تتسارع فيه التّحوّلات الجيوسياسيّة والاقتصاديّة، لم يعد الحديث عن مستقبل الدّولار كعملة عالميّة مجرّد نقاش نظريّ، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بوقائع ميدانيّة تعيد تشكيل موازين القوّة الدّوليّة. فسياسات الحصار الاقتصاديّ والعقوبات الماليّة، الّتي باتت أداة رئيسيّة في إدارة الصّراعات، إلى جانب تداعيات الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة، والتّصعيد المستمرّ في التّوتّرات بين إيران وإسرائيل، كلّها عوامل تعيد طرح تساؤلات جوهريّة حول استمراريّة هيمنة الدّولار.
لقد كشفت هذه الأزمات عن مدى ارتباط النّظام الماليّ العالميّ بالقرار السّياسيّ، وأبرزت في الوقت ذاته محاولات متزايدة من قوى دوليّة للبحث عن بدائل تقلّل من الاعتماد على العملة الأمريكيّة. وفي هذا السّياق، يكتسب النّقاش حول صمود الدّولار أو تراجعه أهمّيّة مضاعفة، باعتباره مرآة لتحوّلات أعمق تمسّ بنية النّظام العالميّ ذاته، لا مجرّد تغيّر في أداة التّبادل.
1. لمحة تاريخيّة عن الدّولار الأمريكيّ:
وقع اعتماد الدّولار عملةً عالميّةً أوّل مرّة سنة 1794م ليصبح مقياس الاقتصاد العالميّ! وقصّة الهيمنة الأمريكيّة على الاقتصاد العالميّ تعود إلى اتّفاقيّة تمّ عقدها في مدينة «بريتون وودز» الأمريكيّة بعد الحرب العالميّة الثّانية في عام 1944م بهدف تحقيق ما سُمّي بالاستقرار في الاقتصاد العالميّ. وقد سُمّيت باسم المدينة الّتي وُقّعت فيها، وعرفها العالم باسم «اتّفاقيّة بريتون وودز». وبموجب هذه الاتّفاقيّة أصبح الدّولار هو المعيار النّقديّ الدّوليّ لكلّ عملات العالم، وتمّ تثبيت سعر صرف الدّولار الأمريكيّ أمام الذّهب، وتعهّدت أمريكا في هذه الاتّفاقيّة لكلّ دول العالم بأن تقدّم غطاءً من الذّهب يوازي ما تطرحه من دولارات على أساس أنّ قيمة أوقيّة الذّهب 35 دولاراً. ونصّت الاتّفاقيّة على أنّ كلّ من يسلّم أمريكا 35 دولاراً تسلّمه أمريكا أوقيّة من الذّهب... وهذا معناه أنّ كلّ من يذهب إلى البنك المركزيّ الأمريكيّ بإمكانه استبدال 35 دولاراً بأوقيّة من الذّهب، والولايات المتّحدة الأمريكيّة تضمن ذلك في اتّفاقيّة «بريتون وودز».
وفي سنة 1971م، أعلن الرّئيس الأمريكيّ «نيكسون» الخروج رسميّاً من اتّفاقيّة «بريتون وودز»، وإيقاف استبدال الدّولار بالذّهب وتحرير صرفه (أي أصبحت طباعة الدّولار بدون أيّ ضابط)، فهوت بذلك قيمة الدّولار بالنّسبة للعملات العالميّة الأخرى وبالنّسبة للذّهب. وأصبحت أمريكا تشتري من العالم بقراطيس ورقيّة لا تتعدّى قيمتها الورق والحبر وثمن الطّباعة؛ لتتحيّل على العالم وتنهب ثرواته بالمجّان...
وفي خضمّ هذه الأزمة الماليّة، قرّرت منظّمة الدّول المصدّرة للنّفط «أوبك» قبول الذّهب فقط في شراء النّفط، جرّاء ما وقع لها من خسائر فادحة بسبب انخفاض سعر الدّولار. ممّا خلق أزمة حقيقيّة للاقتصاد والنّفوذ الأمريكيّ في العالم. وهنا تدخّلت الولايات المتّحدة الأمريكيّة فيما يُعتبر تسوية ماكرة مع «أوبك» لزيادة أسعار النّفط في العالم مقابل قبولهم للدّولار فقط لشراء النّفط. فازداد الطّلب على الدّولار الأمريكيّ، كما ازدادت التّدفّقات الماليّة للدّول المنتجة للنّفط حتّى زادت عن حاجة هذه الدّول؛ لتكدّسها وتقرض بعضها لصندوق النّقد الدّوليّ، ليقرضها بدوره للدّول الفقيرة الّتي غرقت بالدّيون، ليتمّ بعد ذلك التّحكّم فيها وابتزازها للتّحكّم بقرارها السّياسيّ. وفي الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة، تحدّث الرّئيس «بوتين» عن سرقة أمريكا للعالم... فماذا كان يقصد من ذلك؟!
وهكذا أصبحت جميع دول العالم تخضع لورق مطبوع تسعى لامتلاكه وتكديسه، وإن تعثّرت إحدى الدّول لجأت لاقتراضه ليزيد فقرها وتخلّفها. وبذلك سيطرت الولايات المتّحدة الأمريكيّة على العالم بورق بلا قيمة، جعلت منه ديكتاتوراً يحكم مصائر الشّعوب. وكلّ ما تشاهدونه من تضخّم وغلاء في الأسعار -الّذي يزيد عاماً بعد عام- فالمتّهم الأوّل فيه هو الدّولار. فالسّلع لا يزداد ثمنها، بل العملة الّتي بين يديك والّتي ترتبط بشكل أو بآخر بالدّولار هي من تفقد قيمتها عاماً بعد عام.
وبإعلان الرّئيس الأمريكيّ «نيكسون» تنصّل بلاده من اتّفاقيّة «بريتون وودز»، وعدم تنفيذ الشّرط المهمّ الّذي يعتمد مقابل كلّ 35 دولاراً تطبعه أوقيّة من الذّهب، وإعلانه أنّ الدّولار سيُعوَّمُ (أي ينزل في السّوق تحت المضاربة، وسعر صرفه سيحدّده العرض والطّلب بدعوى أنّ الدّولار قويّ بسمعة أمريكا واقتصادها)، وقعت أكبر جريمة ماليّة ونقديّة في العالم ربحت فيها أمريكا وخسر فيها بقيّة العالم. وكأنّ هذه القوّة الاقتصاديّة ليست قوّة مستمدّة من تلك الخدعة الكبرى الّتي استغفلت بها العالم بعد أن ضربت بمفردها التّعهّد الّذي تعهّدت به.. وطبعاً لم تعترض أيّ دولة من دول العالم على قرار الرّئيس الأمريكيّ، ولم تجرؤ على رفض هذا النّظام النّقديّ الجديد لأنّها ببساطة ستكون الخاسرة؛ فاعتراضها يعني أنّ كلّ ما في خزينة بنوكها المركزيّة من مليارات الدّولارات سيصبح ورقاً بلا قيمة، وهي نتيجة كارثيّة على اقتصاد دول العالم المختلفة. ولقد سُمّيت هذه الحادثة الكبيرة عالميّاً «صدمة نيكسون» (Nixon shock)!!
واستكملت أمريكا خطّتها للتّحكّم في الاقتصاد العالميّ بأن أرسلت وزير خارجيّتها هنري كيسنجر (الثّعلب العجوز) إلى المملكة العربيّة السّعوديّة، وطلب منهم أن يشترطوا على من يريد شراء النّفط السّعوديّ أن يدفع قيمته بالدّولار، ووافقت السّعوديّة على ذلك، ومن بعدها منظّمة «أوبك» (منظّمة الدّول المصدّرة للبترول).
ومنذ ذلك التّاريخ وأمريكا تسرق العالم؛ تطبع ما تشاء من أوراق «الدّولار» وتشتري به بضائع جميع الشّعوب، وأيضاً كلّ الشّعوب تستخدمه في شراء ما تحتاجه من بضائع.. فهل يستطيع العالم التّخلّص من هذه الهيمنة الأمريكيّة وإيقاف نهبها لثروات شعوب العالم؟!
2. هل مستقبل الدّولار الأمريكيّ في تراجع؟
في الحقيقة، إنّ سياسة العقوبات الأمريكيّة الاقتصاديّة والماليّة الّتي طالت دولاً عديدة خلال السّنوات الأربع من ولاية دونالد ترامب، دفعت الصّينيّين والرّوس والأتراك والإيرانيّين والفنزويليّين والهنود وحتّى الأوروبّيّين إلى البحث عن عملة بديلة أخرى للتّداول. ومؤخّراً، أشار البنك الدّوليّ إلى أنّ دور الصّين المتنامي في التّجارة الدّوليّة وحجم اقتصادها، بالإضافة إلى بروزها كأكبر دائن في العالم، كلّ هذا يجعل تدويل عملتها -الّتي تسير بخطى ثابتة نحو الهيمنة العالميّة- ممكناً.
وفي هذا الإطار، أعلنت البرازيل والأرجنتين استعدادهما لإطلاق عملة مشتركة بينهما تشبه اليورو. وفي سياق متّصل، تعمل روسيا وإيران معاً على إنشاء عملة مشفّرة مدعومة بالذّهب لاستخدامها في التّجارة العالميّة. إلى جانب ذلك، وقّعت الإمارات والهند اتّفاقيّة تجارة حرّة في العام الماضي بهدف زيادة المعاملات غير النّفطيّة، مع طرح فكرة إجراء تجارة غير نفطيّة باستخدام الرّوبيّة. وأخيراً، أعلنت الصّين والبرازيل عن اتّفاقيّة تجاريّة بعملتيهما، وأبرمت الصّين اتّفاقيّات تجاريّة خالية من الدّولار مع روسيا وباكستان والمملكة العربيّة السّعوديّة.
3. هل يمكن لنظام   «PAPSS»  أن ينافس الدّولار ؟
اقترح الرّئيس الكينيّ «وليام ساموي روتو» بديلا عن استخدام الدّولار الأمريكيّ في التّجارة العابرة للقارّات، موضحا أنّ بنك التّصدير والاستيراد الإفريقيّ (أفريكسيم بنك) يوفّر آليّة للتّجّار في القارّة لإجراء معاملات تجاريّة باستخدام العملات المحلّيّة بنظام الدّفع والتّسوية. ويعني هذا أنّه من الممكن الاستغناء عن الدّولار على نطاق القارّة الإفريقيّة.
وقد كانت كلمة السّيّد «كيفن تشيكا أوراما» من مجموعة بنك التّنمية الإفريقيّ إشارة إلى المزيد من الزّخم لنظام المدفوعات الخاصّ بعموم إفريقيا، المعروف باسم PAPSS. وهذا النّظام من شأنه أن يسمح للدّول الإفريقيّة بالتّداول والتّحويل فيما بينها بحوالي 43 عملة باستخدام عملاتها الخاصّة. وهو مموّل من قبل بنك التّصدير والاستيراد الإفريقيّ (أفريكسيم بنك) الّذي يخصّص 3 مليارات دولار لتصفية التّداولات، آملا أن يتحوّل مركز التّسوية الصّافي بعد المقاصّة إلى الصّفر، حتّى لا تكون هناك حاجة إلى دفع أيّ دولار لأيّ شخص فيما بعد.
1.3. كيف يعمل هذا النّظام؟ وكيف يعمل التّمويل المسبق؟
نظرا لسرعة عمليّة الدّفع الّتي تتمّ في الوقت الآنيّ، يجب على PAPSS التّأكّد من توفّر الأموال لإكمال معاملة الطّرف المنشئ قبل تفعيل حركة الأرصدة «الدّائنة والمدينة» بين حسابات المشاركين. ولذلك، يجب على المشاركين المصادقة على اتّفاقيّة التّمويل المسبق.
لإتمام عمليّة التّمويل المسبق، يرتبط المشاركون المباشرون بأنظمة PAPSS وأنظمة التّسوية الإجماليّة الآنيّة (RTGS) التّابعة للبنوك المركزيّة. أمّا المشاركون غير المباشرين –ممن لا يمتلكون حسابات RTGS– فيمكنهم تمويل حسابات المقاصّة الخاصّة بهم على PAPSS أو السّحب منها بالاستعانة بمشارك مباشر يوفّر السّيولة المطلوبة. وتُرسل الإخطارات عبر معيار المراسلة (ISO 20022)، لإعلام نظام PAPSS والمشاركين وأنظمة RTGS بحالة كلّ مرحلة من مراحل المعاملة.
2.3. كيف تعمل اللّائحة؟
يجب أن يضمن PAPSS الدّفع السّريع خلال 24 ساعة. تتمّ التّسوية الصّافية بين جميع البنوك المركزيّة المشاركة يوميا في نفس الوقت، أي السّاعة 11:00 بالتّوقيت العالميّ.
3.3. الميزات الرّئيسيّة للدّفع الفوريّ PAPSS:
* اعتمادات فوريّة وغير قابلة للإلغاء لحسابات العملاء.
* التّأكيد الفوريّ للمنشئ والمستفيد.
* توفّر الخدمة 24/7، 365 يوما في السّنة.
* يتيح معيار المراسلة الدّوليّ ISO 20022 إمكانيّة التّشغيل البينيّ، وحجم البيانات الكبير، والبيانات الغنيّة بالمعلومات حول المدفوعات والتّحويلات.
* بنية تحتيّة آمنة تدمج آليّات الأمن السّيبرانيّ ومكافحة الاحتيال، معزّزة بالتّحليل السّلوكيّ وقدرات التّعلّم الآليّ.
4. هل يمكن أن يسيطر اليوان الصّينيّ على العالم؟
وكذلك، هناك محاولات تتزعّمها الصّين وروسيا منذ فترة لإسقاط دور الدّولار الأمريكيّ كرائد في التّجارة العالميّة. ويعود السّبب لرغبة الدّولتين في إضعاف هيمنة الولايات المتّحدة على العالم سياسيّا واقتصاديّا وتكنولوجيّا، ضمن السّعي لخلق نظام عالميّ متعدّد القطبيّة لا تتبوّأ فيه الولايات المتّحدة مركز الصّدارة أو الهيمنة. ويتوقّع العديد من الخبراء حول العالم إمكانيّة تحوّل اليوان في السّنوات العشر المقبلة إلى العملة الأكثر تداولا في السّوق، والتّفوّق على الدّولار.
يُشار إلى أنّ العملة الصّينيّة لا تزال تفتقر إلى شروط موضوعيّة لتكون قابلة للتّحويل بشكل كامل، خاصّة أنّ مالكيها لا يمكنهم صرفها في الكيانات المصرفيّة المركزيّة في أيّ وقت. لكن من الواضح الآن أنّ البنك المركزيّ الصّينيّ يعمل بالفعل على إنشاء نظام لتسوية المدفوعات والاستثمارات عبر الحدود باليوان، ممّا سيزيد تدريجيّا من قابليّتها للتّحويل.
وممّا يُلاحظ أنّ 5 من أكبر 12 اقتصادا في العالم تحافظ بالفعل على مبادلاتها التّجاريّة بهذه العملة، وهي (اليابان والهند وروسيا والبرازيل وكوريا الجنوبيّة)، وانضمّت إليها دول أخرى على غرار الأرجنتين وفنزويلا وأستراليا وإيران وبيلاروسيا والعديد من البلدان الآسيويّة. وتستخدم الشّركات في بكين عملة اليوان في مبادلاتها مع 181 دولة ليستمرّ توسّعها في العالم دون هوادة. ومن شأن أكبر اتّفاق للتّجارة الحرّة في العالم، المعروف بـ «الشّراكة الاقتصاديّة الإقليميّة الشّاملة»، الّذي يضمّ 15 دولة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والتّوسّع المستمرّ لما يُسمّى بطريق الحرير الّذي سيشمل أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللّاتينيّة، أن يعزّز من جهود تدويل عملة اليوان الّتي تتقدّم تدريجيّا وبثبات وأمان، متّبعة خطى الدّولار الّذي لا يزال قويّا رغم تراجع قيمته.
ولكن في المقابل، ما تزال 60% من دول العالم تستخدم الدّولار الأمريكيّ كاحتياطيّ أجنبيّ في بنوكها المركزيّة. بالإضافة إلى أنّ التّجارة العالميّة والمؤسّسات الماليّة الدّوليّة، والمؤسّسات الماليّة التّابعة للأمم المتّحدة جميعها تعتمد على الدّولار الأمريكيّ، ممّا يؤشّر على القوّة الماليّة والنّقديّة الّتي يتمتّع بها الدّولار ومن خلفه الولايات المتّحدة، على الأقلّ إلى حدود سنة 2050م.
5. ماذا عن المقايضة؟ هل يمكن أن تكون حلّا مناسبا؟
بيع المقايضة هو مبادلة سلعة بسلعة دون أن يكون النّقد وسيطا بينهما. وقد عُرف نظام المقايضة قديما واستُعمل عبر التّاريخ، خاصّة في تبادل السّلع الأساسيّة الّتي لا يستغني عنها الإنسان. وقد شهدت الفترة الماضيّة ازدياد استعمال المقايضة السّلعيّة باعتبارها آليّة في تنفيذ المبادلات التّجاريّة الدّوليّة، في ظلّ الأزمات الّتي باتت تواجهها الدّول؛ حيث لم تكد الدّول تبدأ في التّعافي التّدريجيّ من تبعات فيروس كورونا المستجدّ حتّى اندلعت الحرب في أوكرانيا وأفضت إلى تداعيات اقتصاديّة سلبيّة على كافّة الدّول. وفي ضوء محاولة الدّول الحفاظ على مواردها الماليّة لتلبية احتياجاتها الطّارئة، تزايد اللّجوء إلى المقايضة الّتي تعبّر عن تداول للسّلع أو الخدمات بين الدّول دون استخدام الأموال. علاوة على ذلك، ظهرت المقايضة بوصفها واحدة من الأدوات الّتي تستخدمها بعض الدّول لتجنّب العقوبات الدّوليّة المفروضة عليها، أو بمعنى آخر للتّحايل عليها.
وأيضا، تنخرط الدّول في المقايضة عندما تكون غارقة في الدّيون وغير قادرة على الحصول على التّمويل، بالإضافة إلى عدم قدرتها على الحصول على النّقد الأجنبيّ في وقت الأزمات الاقتصاديّة العالميّة.
ومن خلال المقايضة يجري تصدير بضائع مقابل استيراد أخرى تحتاجها الدّولة. وبهذه الطّريقة، تدير الدّول العجز التّجاريّ وتعمل على تقليل حجم الدّيون الّتي تتحمّلها. ومؤخّرا، ظهر ما يُسمّى بنظام الصّفقات المتكافئة بين الدّول للمساعدة في تبادل السّلع، خاصّة في ظلّ محاولات تلك الدّول الحفاظ على احتياطاتها من العملات الأجنبيّة. وفي هذا الإطار، شهدت الفترة الماضيّة تصاعدا ملحوظا في صفقات المقايضة بين الدّول، وهو ما يمكن تناول أبرز مظاهره فيما يأتي:
1.5. مقايضة الهند وروسيا لتغطية احتياجات الأسمدة: 
عقدت الهند صفقة مقايضة مع روسيا، في مايو 2022، لتوريد الأسمدة مع اختتام المحادثات بشأن اتّفاق استيراد متعدّد السّنوات. حيث تستورد الهند معظم الأسمدة الخاصّة بها، وفي المقابل تقوم روسيا بتوريد مغذّيات المحاصيل الزّراعيّة الطّازجة والأجهزة الطّبّيّة وقطع غيار السّيّارات وسلع أخرى، من خلال نظام المقايضة؛ لتجنّب المعاملات بالدّولار بسبب العقوبات الأمريكيّة على تدخّلها العسكريّ في أوكرانيا.
2.5. إمكانيّة لجوء بعض الدّول إلى نظام الصّفقات المتكافئة: 
يُعرف نظام الصّفقات المتكافئة بأنّه نظام يشمل اتّفاق مقايضة محدّد القيمة والمدّة بين دولتين مختلفتين، تتبادلان بمقتضاه المنتجات دون أن يترتّب على ذلك الاتّفاق أيّ تحويلات للعملة بينهما؛ حيث يلغي هذا النّظام دور النّقود بوصفها وسيطا للتّبادل. إذ يتمّ تقييم كلّ سلعة على حدة، ومن ثَمّ إجراء حساب إجماليّ للكمّيّات المطلوبة من كلّ طرف لتنفيذ الصّفقة في ضوء القيمة الإجماليّة لها المدوّنة في الاتّفاقيّة. ونتيجة لهذه الإيجابيّات، كان لهذا النّظام حضور في التّجارة الدّوليّة خلال السّنوات الماضيّة؛ حيث بلغت نسبة استخدام الصّفقات المتكافئة في التّجارة الدّوليّة قرابة 60% عام 2016.
3.5. مقايضة القمح الهنديّ بالأسمدة المصريّة: 
أشارت تقارير مؤخّرا إلى سعي مصر إلى مقايضة القمح الهنديّ بالأسمدة وصادرات أخرى.
4.5. التّوسّع في عمليّات مقايضة الخدمات: 
يهتمّ رجال الأعمال الآن بدرجة متزايدة بالانضمام إلى بورصات المقايضة، الّتي تضمّ وظائف مثل أطبّاء ومحامين وشركات خدمات وتجّار تجزئة. وتوجد الرّابطة الدّوليّة للتّجارة المتبادلة ومقرّها الولايات المتّحدة، وهي منظّمة غير ربحيّة تأسّست في عام 1979 وتروّج وتدعم أنظمة التّجارة والمقايضة الحديثة؛ حيث يمكن للأعضاء أن يستبدلوا بخدماتهم المهنيّة ائتمان المقايضة، الّذي يمكنهم بعد ذلك استخدامه لشراء خدمات عضو آخر.
ويمكن القول إنّ المحفّزات الرّئيسيّة للمقايضة تتمثّل في مجابهة الأوضاع الاقتصاديّة الصّعبة في الدّول، وتخفيف الضّغط على ميزان المدفوعات، والتّخفيف من وطأة ارتفاع أسعار السّلع عالميّا، والتّغلّب على العقبات الاقتصاديّة الدّوليّة.
إلّا أنّه قد ظهرت بعض العيوب في بيع المقايضة، مثل وجود صعوبات في إيجاد مقياس واحد يتّفق عليه بين البائعين في تبادل السّلع، وعدم توافق رغبات البائعين في وقت واحد؛ فهناك اختلاف كبير جدّا في الرّغبات بين البائع والمشتري. وكذلك صعوبة تجزئة بعض السّلع الّتي يحتاج إليها النّاس، فبعض السّلع تكون غير قابلة للتّجزئة ممّا يجعل المقايضة صعبة في بعض الأحيان.
ومع ذلك، يُرجّح أن يستمرّ تصاعد ممارسات المقايضة بين الدّول في الفترة القادمة بوصفه واحدا من الإجراءات الّتي تستخدمها الحكومات للتّكيّف مع الواقع المأزوم الجديد.
6. ماذا عن العملات الرّقميّة والدّولار الإلكترونيّ؟
في الواقع، لا يمكن إغفال الجدل المتصاعد حول “الدّولار الرّقميّ” كأحد أوجه التّحوّل المحتمل في النّظام النّقديّ العالميّ. فرغم أنّ الاحتياطيّ الفيدراليّ الأمريكيّ لم يتّخذ قرارًا فعليّا بإطلاق عملة رقميّة رسميّة، بل أبدى تحفّظًا واضحًا في السّنوات الأخيرة، فإنّ مجرّد طرح الفكرة يعكس إدراكًا عميقًا بحجم التّغيّرات الّتي يشهدها العالم. ففي المقابل، تمضي قوى دوليّة أخرى، وعلى رأسها الصّين، بخطى متسارعة نحو ترسيخ عملاتها الرّقميّة، في محاولة لإعادة تشكيل قواعد النّظام الماليّ وتقليص الاعتماد على الدّولار.
وتتداخل هذه التّحوّلات مع واقع الصّراعات والعقوبات الاقتصاديّة؛ حيث تسعى دول مثل روسيا وإيران إلى تطوير بدائل ماليّة وتقنيّة تقلّل من تأثير الهيمنة الأمريكيّة. ومن هنا، فإنّ مستقبل الدّولار لا يرتبط فقط بعوامل اقتصاديّة تقليديّة، بل أيضًا بمدى قدرة الولايات المتّحدة على التّكيّف مع هذا التّحوّل الرّقميّ، إمّا عبر تبنّيه بشكل مدروس، أو بالمحافظة على تفوّقه من خلال أدوات أخرى داخل النّظام الماليّ العالميّ.