تحت المجهر

بقلم
حسن الطرابلسي
مشاريع النّهضة بين البرهان والتّزكية والعمران: محمد عابد الجابري، طه عبد الرحمان وأبو يعرب المرزوقي
 1. من نقد التّراث إلى نقد العقل: مشروع الجابريّ الفلسفيّ
ينطلق الجابريّ في مشروعه النّقديّ من رؤيةٍ مفادها أنّ التّراث لا ينبغي دراسته بوصفه نصوصًا منفصلةً، بل باعتباره نظامًا معرفيًّا تشكّل عبر التّاريخ؛ ولذلك سعى إلى الكشف عن البنية الدّاخليّة للعقل العربيّ التي أنتجت هذا التّراث وحدّدت طرائق التّفكير فيه. وفي هذا السّياق، انتقد الجابريّ التّعامل مع التّراث باعتباره مقدّسًا أو صالحًا لكلّ زمان، ودعا إلى قراءته قراءةً تاريخيّةً نقديّةً تُميّز بين ما هو معرفيّ وما هو أيديولوجيّ فيه، كما دعا إلى الفصل بين الدّين والتّفسيرات التّاريخيّة للدّين.
وعلاوةً على ذلك، اقترح الجابريّ ضرورة القيام بقدرٍ من القطيعة المعرفيّة مع بعض أنماط التّفكير التّراثيّة، خاصّةً العرفانيّة والأسطوريّة منها، وذلك من أجل تأسيس عقلٍ عربيّ حديثٍ قادرٍ على إنتاج المعرفة. ويجب التّنبيه هنا إلى أنّ هدف الجابريّ لم يكن رفض التّراث بالكامل، بل إعادة قراءته وانتقاء عناصره العقلانيّة لتوظيفها في مشروعٍ نهضويّ حديث، ممّا يسمح بإعادة بناء علاقةٍ برهانيّةٍ مع التّراث.
وضمن هذه القراءة، يغدو العقل منظومةً معرفيّةً تاريخيّةً تشكّلت داخل الثّقافة العربيّة، وقد قسّمه الجابريّ إلى ثلاثة أنواع: العقل البيانيّ (فقهيّ لغويّ)، والعقل العرفانيّ (صوفيّ إشراقيّ)، والعقل البرهانيّ (عقلانيّ فلسفيّ يتّخذ من فلسفة ابن رشد نموذجًا). كما رأى الجابريّ أنّ النّهضة تمرّ حتمًا عبر إحياء العقل البرهانيّ ونقد البيان والعرفان؛ وبالتّالي، فإنّ العقل عنده هو أداةٌ معرفيّةٌ يجب تحريرها من البنى التّراثيّة غير العقلانيّة..
2. طه عبد الرحمن وفلسفة الإئتمان
تختلف هذه القراءة عن قراءة الجابريّ -كما سلف الذّكر-؛ إذ يرى طه عبد الرّحمن أنّ العقل ليس مجرّد بنيةٍ معرفيّةٍ فحسب، بل هو ممارسةٌ أخلاقيّةٌ وروحيّةٌ تتعدّد مراتبه لتشمل: العقل المجرّد، والعقل المسدّد، والعقل المؤيّد. وانطلاقًا من ذلك، لا يمكن فصل العقل عن القيَم أو عن الهداية الإيمانيّة؛ فالعقل عند طه عبد الرّحمن يفسد تمامًا إذا ما انفصل عن الأخلاق والوحي.
ويُعدّ طه عبد الرّحمن من أبرز الفلاسفة المعاصرين الذين أعادوا طرح إشكاليّة العقل والنّقل ضمن أفقٍ إسلاميٍّ تجديديّ، مشفوعًا بنقدٍ عميقٍ للعقلانيّة الغربيّة. وقد تأسّس مشروعه على معالم تنطلق من نظريّة «تعدّد أنواع العقل»؛ حيث يرفض حصر العقل في صورته البرهانيّة أو الأداتيّة، ويقسّمه إلى مراتب هي: العقل المجرّد: وهو عقلٌ نظريٌّ صوريٌّ يهتمّ بالاستدلال المنطقيّ. و العقل المسدّد: وهو الذي يهتدي بالقيَم الشّرعيّة والأخلاقيّة. والعقل المؤيّد: وهو عقلٌ يرتقي بالصّلة الرّوحيّة ويستمدّ نوره من الإيمان.
وتتلخّص الفكرة الأساسيّة لطه عبد الرّحمن في اعتبار أنّ العقل ليس مستقلاًّ عن القيَم أو الوحي، بل يكتمل بهما؛ ولذلك يقوم مشروعه الفلسفيّ على تأسيس نظريّةٍ للتّكامل بين العقل والنّقل، رافضًا التّقابل التّقليديّ بينهما. فـ «النّقل» (والمقصود به الوحي) لا يلغي العقل، والعقل لا يُؤسّس بمعزلٍ عن الهداية الإلهيّة، فالعلاقة بينهما تكامليّةٌ لا تصادميّة. وبناءً على ذلك، ينتقد المقاربات التي تجعل العقل حاكمًا مطلقًا على النّصّ، كما ينتقد في الوقت ذاته الجمود الحرفيّ الذي يُعطّل الفهم العقليّ.
وينبني مشروعه في مستوىً آخر على نقد العقلانيّة الغربيّة (العقل الأداتيّ)؛ كونها تفصل بين المعرفة والأخلاق، وتجعل العقل أداةً للسّيطرة لا للهداية، فضلاً عن إقصائها للبعد الرّوحيّ. ومن هنا، يهاجم هذا «العقل الأداتيّ» الذي ساد في الفلسفة الحديثة، مقترحًا في المقابل عقلاً أخلاقيًّا تداوليًّا مرتبطًا بالفعل والمسؤوليّة. وفي هذا الصّدد، تتجلّى إحدى أبرز أطروحاته التي تقرّ بأنّه لا وجود لمعرفةٍ حقيقيّةٍ بلا التزامٍ أخلاقيّ؛ فالعقل عنده ليس مجرّد قدرةٍ تحليليّة، بل ممارسةٌ مسؤولةٌ تربط بين التّفكير والفعل والتّزكية.
وفي ختام هذا الجهد النّظريّ، يُرسي طه عبد الرّحمن ركيزةً أساسيّةً في فلسفته تتمثّل في مفهومَي «الائتمان» و«المسؤوليّة»؛ إذ يرى أنّ الإنسان مؤتمنٌ على العقل والوحي معًا. ومن هذا المنطلق، تبلورت فلسفته الأخلاقيّة «الائتمانيّة»، التي اعتبر فيها أنّ العقل أمانةٌ، والحرّيّة أمانةٌ، والتّأويل أمانةٌ. وبناءً عليه، يمكن القول إنّ مشروع طه عبد الرّحمن لا يمثّل مجرّد دفاعٍ عن النّقل، بل هو إعادةُ صياغةٍ لمفهوم العقل ذاته ضمن أفقٍ إيمانيٍّ أخلاقيّ. 
3. أبو يعرب المرزوقيّ وكونيّة العقل الإنسانيّ
وفي مستوىً آخر، نجد أطروحات الفيلسوف التّونسيّ أبي يعرب المرزوقيّ تختلف في جوهرها عن نظريّات كلٍّ من طه عبد الرّحمن ومحمّد عابد الجابريّ؛ إذ يعرض المرزوقيّ رؤيته حول محدّدات الوجود الإنسانيّ وبقاء الحضارة من خلال مفهوم «الأحياز الخمسة». ويقصد بالحيّز ذلك المجال أو الفضاء الذي يتكوّن فيه شيءٌ ما ويتفاعل داخله.
فالحيّز الأوّل عند أبي يعرب هو «الجغرافيا»؛ أي المكان الذي يقطنه الإنسان ويستمدّ منه الماء والغذاء والهواء والمناعة، وفيه تنشأ الحضارة. ويرتبط هذا الحيّز بالحيّز الثّاني وهو «التّاريخ» النّاتج عن تراكم تجارب الإنسان عبر الزّمن. ومن تفاعل الجغرافيا مع التّاريخ تنشأ «الثّروة»، بينما ينتج عن تأثير التّاريخ في الجغرافيا «التّراث»؛ وهما الحيّزان الثّالث والرّابع. أمّا الحيّز الخامس فهو «الأمّة» التي تتكوّن من الرّؤى والعادات والمرجعيّات النّاتجة عن تفاعل هذه الأحياز جميعها.
ويرى المرزوقيّ أنّ هذه الأحياز هي التي تحدّد مسار الحضارات وعلاقاتها البينيّة، وهو ما يندرج ضمن علم «الجيوبولتيك». كما يؤكّد أنّ عمق التّجربة التّاريخيّة والحضاريّة هو الضّامن لبقاء الأمم؛ فالحضارة الإسلاميّة امتلكت -بفضل الإسلام- قوّةً مكّنتها من الصّمود، بخلاف حضاراتٍ أخرى اندثرت. ويشير في هذا الصّدد إلى أنّ أوروبا لم تتغلّب على العالم الإسلاميّ إلا بعد توحّدها الذي بدأ مع معاهدة «وستفاليا» سنة 1648، معتبرًا أنّ ما يشهده العالم الإسلاميّ اليوم من أزماتٍ هو جزءٌ من سعي المسلمين لاستعادة دورهم التّاريخيّ، في ظلّ ممانعةٍ غربيّةٍ لذلك.
أمّا في مستوى قراءته للعقل، فيعتبر أبو يعرب المرزوقيّ أنّ العقل جوهرٌ إنسانيٌّ كونيٌّ وليس خاصًّا بحضارةٍ دون أخرى؛ فالحضارات عنده تتوارث العقل، على عكس طه عبد الرّحمن الذي يركّز على «الخصوصيّ» في العقل، وعابد الجابريّ الذي يفصّل في «العقل العربيّ». فأبو يعرب المرزوقيّ لا يعتقد بوجود عقلٍ عربيٍّ وآخر أوروبيٍّ أو يونانيّ، بل العقل عنده ملكةٌ إنسانيّةٌ يشترك فيها البشر كافّةً، وكلٌّ يطبّقها على ظرفيّاتٍ مختلفة. ومن ثمّ، يميل المرزوقيّ إلى رؤيةٍ شاملةٍ يعتبر فيها أنّ التّراث الإسلاميّ بلغ ذروته في فلسفة التّاريخ والسّياسة (خاصّةً عند ابن خلدون)، ولا يقبل تقسيمه إلى مراتب روحيّةٍ أو إبستمولوجيّةٍ حادّة، بينما يركّز طه عبد الرّحمن على البعد الرّوحيّ الأخلاقيّ، ويهتمّ عابد الجابريّ بالبعد الإبستمولوجيّ بشكلٍ أكبر. 
4. خلاصات ونتائج
يُعدّ الخلاف بين الفلاسفة الثّلاثة من أهمّ السّجالات في الفكر العربيّ المعاصر، خاصّةً حول تساؤلاتٍ مركزيّةٍ مثل: ما العقل؟ وكيف يُصلَح؟ وما علاقته بالتّراث والوحي؟ ولعلّ جذور الاختلاف تعود إلى المرجعيّة الفلسفيّة التي ينهل منها كلُّ واحدٍ من هؤلاء الأعلام.
فالجابريّ قدّم نفسه على أنّه امتدادٌ حديثٌ للنّزعة الرّشديّة، ولكن بأدواتٍ إبستمولوجيّةٍ معاصرةٍ. أمّا طه عبد الرّحمن فهو أقرب إلى الرّوح الغزاليّة، لكنّه يصوغها بلغةٍ فلسفيّةٍ حديثةٍ ومنطقٍ تداوليٍّ؛ إذ إنّه لا ينطلق من «الدّولة»، بل من «الإنسان المؤتمن»، مركّزًا على الأخلاق وداعيًا إلى التّزكية ورافعًا من شأن المسؤوليّة الفرديّة. فأزمة السّياسة عنده هي نتيجةٌ طبيعيّةٌ لأزمة الأخلاق، ولا يرى جدوى من «دولةٍ إسلاميّةٍ» بلا إنسانٍ مزكّى؛ وبالتّالي، فإنّ التّركيز على السّلطة قبل إصلاح النّفس -في نظره- خطأٌ منهجيٌّ، فالدّولة ليست نقطة البداية، بل هي نتيجةٌ ثانويةٌ لإصلاحٍ أخلاقيٍّ عميقٍ.
وعلى النّقيض منهما، يركّز أبو يعرب المرزوقيّ على البحث بشكلٍ أكثر تفصيلاً في الفلسفة السّياسيّة؛ ولذلك فهو أقرب إلى التّصوّر الكلاسيكيّ للدّولة الإسلاميّة. وهو أكثر الثّلاثة نشاطًا عمليًّا في المستوى السّياسيّ، إذ انتُخب عضوًا في المجلس التّأسيسيّ التّونسيّ بعد ثورة الحرّيّة والكرامة، وساهم مع النّوّاب في صياغة دستور الثّورة، وتولّى مهمّة مستشارٍ سياسيٍّ لأوّل حكومةٍ ديمقراطيّةٍ بعد الثّورة. فهو يتعامل مع السّياسة باعتبارها مجالًا مركزيًّا في الدّين، واستمرارًا لوظيفة الاستخلاف، فضلاً عن كونها ضرورةً تاريخيّةً لإقامة العمران.
ويظهر تأثّر أبي يعرب جليًّا بابن خلدون في فلسفة العمران والدّولة، وبابن تيميّة في السّياسة الشّرعيّة، وبالإمام الغزاليّ في نقد الميتافيزيقا. واعتماده على هذه النّظريّات الثّاقبة لهؤلاء الأعلام جعله يرفض الحديث عن إصلاحٍ دينيٍّ دون إصلاحٍ سياسيٍّ؛ فالدّولة عنده جزءٌ من تحقيق مقاصد الشّريعة، والأمّة فاعلٌ تاريخيّ يجب أن يستعيد سيادته. بناءً على ذلك، فهو أقرب -من الجابريّ وعبد الرّحمن- إلى التّصوّر الكلاسيكيّ للفلسفة السّياسيّة الإسلاميّة الذي يرى أنّ إقامة النّظام السّياسيّ جزءٌ لا يتجزّأ من الدّين.
ورغم هذا الاختلاف، فإنّ كلاًّ من طه وأبي يعرب يجتمعان ضمن الإطار العامّ للفلسفة الأخلاقيّة؛ إذ إنّ الفلسفة السّياسيّة والفلسفة الائتمانيّة كلاهما فرعٌ من فروع الفلسفة الأخلاقيّة في المبحث العامّ. وأمّا الجابريّ، فإنّ اتّجاهه إلى الإبستمولوجيا وفلسفة العلوم جعله يبتعد عنهما قليلاً. غير أنّ الملفت هو أنّ الفلاسفة الثّلاثة يلتقون ضمن إطارٍ جامعٍ كبيرٍ وهو «الفلسفة العمليّة»؛ وهي الفلسفة التي تختصّ بدراسة المبادئ الموجِّهة للسّلوك الإنسانيّ وتحويل الأفكار إلى ممارساتٍ يوميّةٍ، وتشمل مجالاتها الأساسيّة: الأخلاق، والفلسفة السّياسيّة، وفلسفة الجمال، والفلسفة التّطبيقيّة التي تعالج قضايا الحياة اليوميّة والقيم والمؤسّسات.