خواطر

بقلم
شكري سلطاني
«وفي أنفسهم أفلا يُبصرون»: من مراكز الإسقاط إلى إشراق المعنى
 كيف نعيشُ بـ «عَيْنٍ» تَرى الخَلْقَ و«قَلْبٍ» يَشْهَدُ الخالِقَ؟ ولماذا نحتاجُ إلى بيولوجيّا المَعْنى بين المُخْتَبَرِ والمِحْرابِ؟ وكيف نَسْتَقْبِلُ رسائلَ الخالِقِ المُشفَّرةَ في أجسادِنا؟ إنَّ أدبَ الحواسِّ يُجيبُ عن ذلك.
ومتى يَتَحقَّقُ الاِستواءُ على عَرْشِ الاِستبصارِ؟ أيَكونُ ذلك حين يُصْبِحُ الجسدُ تسبيحاً مُتماهياً مع تجلّياتِ الحقِّ، وتتحوَّلُ الفكرةُ إلى سَعْيٍ في مُلْكِ اللهِ؟
1. ثنائيّة المادّة والمعنى  
في دراستنا لعلوم الحياة والأرض، ننبهر بدقّة الآلة البيولوجيّة، لكنّنا غالباً ما نقف عند حدود «كيف يعمل الجسد؟» ونغفل عن السّؤال الأعمق: «لماذا ندرك كيف يعمل؟». إنّ الإبصار ليس مجرّدَ وظيفةٍ عضويّةٍ، بل هو نموذج مصغّر لرحلة الإنسان في هذا الوجود؛ رحلة تبدأ من «المحسوس المادّيّ» لتنتهي في «المعنى الملكوتيّ».
1.1.  جدلية الإبصار.. بين الفيزيولوجيا والإدراك  
لكي تَتَحقَّق وظيفة الإبصار، يَمُرّ النُّور برحلة مذهلة؛ يبدأ بآليّة ضوئيّة في العين، ثمّ يستحيل إلى سَيّالة عصبيّة تَشُقّ طريقها نحو الدّماغ. وهنا تكمن العبرة، فالدّماغ لا يستقبل «صوراً»، بل يستقبل «شفرات كهربائيّة» صَمَّاء.
1.1.1  مركز الإسقاط (L aire de projection): هو المحطّة الأولى، حيث تُسقَط الأحاسيس الأوّليّة للرُّؤية. هنا نَرى الألوان والخُطوط والأشكال، لكنّنا لا نفهمها. إنّه إدراك «مادّيّ» بحت..
2.1.1  مركز الإدراك البصري (L  aire de gnose): هو المحطّة الغائيّة، حيث تُمنَح تلك الخُطوط «اسماً ومعنى». هنا تَتَحوَّل «الدّائرة المُلوَّنة» في ذهننا إلى «زهرة»، ويتحوَّل «الشّكل المألوف» إلى «وجه أب». وبدون هذا المركز، يظلّ الإنسان «أعمى بالمعنى» وإن كان «مبصراً بالحسّ».
2.1.  مراكز الإسقاط الوجوديّ.. فلسفة «الحدث والمعنى»  
إذا أسقطنا هذه الآليّة العلميّة على وجودنا البشريّ، سنجد أنّنا نعيش في عالمين:
1.2.1 عالم الإسقاط الوجوديّ: وهو إدراكنا الأوّليّ للمحسوسات والملموسات -الأكل، والشُّرب، والموت، والولادة، والحركة-. هذا هو المستوى «البيولوجيّ» للعيش، حيث نَرى الأحداث كوقائع صلبة وجافّة.
2.2.1 عالم الإدراك الوجدانيّ: وهو المركز الذي يعطي لهذه الأحداث «ضرورتها وقيمتها». فالموت ليس مجرّد «توقُّف للقلب» إسقاطاً حسّيّاً، بل هو «بوابة للخلود» إدراكاً معنويّاً. والألم ليس مجرّد «تنبيه عصبيّ»، بل هو «تطهير وترقية للرُّوح».
3.1.   المقاربة الوجوديّة.. «أفلا يبصرون»  
إنّ دعوة القرآن للتّفكّر في الأنفس «أفلا يبصرون» هي دعوة لتفعيل «مركز إدراك المعنى». فالفهم الحِسّيّ للوجود يجعل الإنسان يعيش «غريباً» في آلة جسده، يرى التّعقيد البيولوجيّ ولا يرى «الحكمة» خلفه.
إنّ المقاربة الّتي تجمع بين «الفهم الحِسّيّ» و«معنى الوجود» هي الّتي تحوّل العلم من «مختبر للأرقام» إلى «محراب للتّفكّر». فالبشر لا يفهمون الأشياء بلمسها، بل بإدراك «سرّها» الكامن في ملكوتها.
1.3.1 الاستبصار هو الغاية :
إنّ الإبصار نعمة عظمى، لكنّ «البصيرة» هي كمال النّعمة. فمن توقّفت رؤيته عند مراكز الإسقاط، عاش في عالم «الأشباح المادّيّة»، ومن نفذ بوعيه إلى مراكز الإدراك المعنويّ، استطاع أن يرى الله في خلقه، والغاية في أقداره.
2.3.1 الجسر: من برمجة العين إلى برمجة الفناء  
وإذا كان الإبصار يعلّمنا الفرق بين الإسقاط والإدراك في اللّحظة، فإنّ ثنائيّة الموت والحياة تعلّمنا الفرق نفسه في العمر كلّه. فكما تُبرمج الشّبكيّة لاستقبال النّور، يُبرمج الجسد كلّه لاستقبال الفناء. وهنا تتجلّى سيمفونيّة الوجود.
2. سيمفونية الوجود: في تجليات الخالق من حبة الطلع إلى حتمية الفناء  
في كلّ زاوية من زوايا الكون، تبرز بصمة الخالق لتقول للعقل إنّ هذا الوجود لم يكن عبثاً، بل هو إتقانٌ مبرمج بدقّة متناهية. تبدأ الحكاية بـ حبّة طلع صفراء، ليست مجرّد مسحوق، بل هي حاملة لشفرات الحياة الوراثيّة. عندما تستقرّ على الميسم، يبدأ «حدث التّأبير» الّذي يسوقه الله عبر الرّياح والحشرات، لتستيقظ البويضة من سباتها في عمليّة إخصاب مذهلة؛ فيذبل الجمال الزّائل ليبقى الجوهر المثمر.
1.2.  سبق الموت الحياة: حكمة التّرتيب الإلهي  
في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ..﴾(الملك: 2)، نجد إعجازاً في تقديم الموت؛ فالعلم يخبرنا أنّ الموت هو الحالة «الأصليّة» للمادّة قبل أن تدبّ فيها الرّوح، وهو «الشّرط» السّابق لتشكّل الجسد؛ فالموت المبرمج للخلايا هو الّذي ينحت أعضاء الجنين ويُخرج الحيّ من بين ركام الخلايا الميّتة. إنّ تقديم الموت هو تذكيرٌ بأنّ الوجود استثناء، وأنّ الغاية من هذا التّرتيب هي الحكمة في الابتلاء: ﴿..لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ..﴾(الملك: 2). فإدراك الإنسان لنهايته المحتومة هو المحرّك الأكبر لسموّ أخلاقه وتجويد عمله.
2.2.  في روعة التّصميم: تجليات القدرة  
لقد تجلّت قدرة الله في كسر القواعد الرّتيبة؛ فأوجد الإثمار العذريّ في النّبات والتّوالد العذريّ في الحيوان، لتكون هذه الظّواهر «تقريباً ذهنيّاً» لمعجزات خارقة كولادة المسيح عليه السّلام، وتثبت أنّ الأسباب هي جندٌ من جنود الخالق يفعّلها كيف يشاء. وعندما نتأمّل في إشارات الخليّة، نجد أنّ كلّ خليّة تملك «برنامج تشغيل» ينتظر إشارة الماء ليبدأ رحلة البناء، ترجمةً لقوله تعالى: ﴿..فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ..﴾(الأنعام: 95).
3.2. مسألة التّوازن: بين العناية والقدر  
يتأرجح فهم الإنسان للموت بين التّسليم للقدر وبين مسؤوليّته عن جسده. فالله وهبنا أجساداً مبرمجة على النّهاية عبر «ساعة بيولوجيّة» دقيقة -التّيلوميرات-، لكنّه جعل لأفعالنا يداً في صيانة هذا البناء. فمن استعجل حتفه بتهوّره فقد أفسد أمانته، ومن طهّر بدنه واعتنى بصحّته فقد استوفى أجله بأفضل حال. إنّ العناية احترام لسنن الله، والقدر هو السّقف المحتوم، وبينهما يظهر ذكاء الإنسان في استثمار زمنه.
3. الوحي سكن العقل  
إنّ هذه الرّحلة تثبت أنّ الوحي قد سكن العقل؛ فالعلم حين يكتمل لا يصطدم بالدّين، بل يسجد في محرابه. فالفكر المتقدّم يرى في انقسام الخليّة، وفي برمجة الموت، وفي توازن الهرمونات، آياتٍ تنطق بالوحدانيّة. إنّها دعوة للتّأمّل؛ ليكون العلم وسيلة لزيادة اليقين بأنّ وراء كلّ نظام حكمة، ووراء كلّ خلقٍ خالقاً لا تأخذه سنة ولا نوم.
﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾(الذاريات: 21) ليست تساؤلاً عن العين والتّشريح فقط، بل هي دعوة ليرى الإنسان «بنيانه البشريّ» كرسالة مشفّرة، لا يفكّ رموزها إلّا قلب أدرك أنّ خلف كلّ محسوس.. معنىً يحييه