تدبير

بقلم
محمد أمين هبيري
الإستراتيجيا: كمنهج لتوجيه الفعل: بين الخطّة والرّؤية
 1. التّمهيد
لم يعد ينظر إلى الإستراتيجيا كأداة جزئيّة أو مجرّد تقنيّة تستخدم في سياقات محدّدة كالحرب أو إدارة الأعمال، بل ارتقت لتصبح منهجا متكاملا لتوجيه الفعل الإنسانيّ المنظّم(1). هذا التّحوّل يضعنا أمام إشكال منهجيّ عميق يتمثّل في التّساؤل عمّا إذا كانت الإستراتيجيا مجرّد خطّة تنفيذيّة محكمة تهدف إلى تحقيق أهداف مرسومة مسبقا، أم أنّها إطار رؤيويّ شامل يسبق الفعل ويوجّهه ويمنحه معناه وغايته، وهو تساؤل يحدّد بشكل كبير طبيعة العقل التّخطيطيّ الحديث وكيفيّة إدارته للفعل الجماعيّ في ظلّ تعقيدات الواقع الرّاهن.
ولتأسيس أرضيّة مشتركة للنّقاش، لا بدّ من تحديد دلالة المصطلحات المحوريّة الّتي يقوم عليها هذا التّحليل، بدءا بمفهوم المنهج الّذي لا يعني في العلوم الإنسانيّة مجرّد مجموعة من الإجراءات، بل هو نسق من المبادئ والقواعد الّتي تحكم كلّ بحث في موضوع علميّ (2). فالمنهج يمثّل إطارا نظريّا يوجّه عمليّة التّفكير والفعل، ويختلف جوهريّا عن الأداة الّتي هي وسيلة تنفيذيّة جزئيّة، وعن التّقنيّة الّتي هي مهارة تطبيقيّة محدّدة، حيث يطرح المنهج سؤال «لماذا وكيف؟» بينما تجيب الأداة والتّقنيّة عن سؤال «بماذا؟». وفي هذا السّياق، تعرّف الخطّة بأنّها مجموعة من الإجراءات والتّدابير المحدّدة والمجدولة زمنيّا، والّتي تهدف إلى تحقيق أهداف معيّنة عبر تخصيص الموارد المتاحة، ممّا يجعل وظيفتها إجرائيّة بالدّرجة الأولى وتتميّز بحدود زمنيّة وتنفيذيّة واضحة، فهي التّجسيد العمليّ لقرار ما، لكنّها ليست القرار نفسه. أمّا الرّؤية في الفكر الإستراتيجيّ، فهي تمثّل صورة مستقبليّة مرغوبة تسعى المنظّمة أو الجماعة إلى تحقيقها، وهي بذلك تمثّل الغاية النّهائيّة والطّموح الأسمى الّذي يوجّه كلّ الجهود، حيث لا تحدّد الرّؤية الخطوات التّفصيليّة، بل ترسم الوجهة وتوفّر البوصلة الأخلاقيّة والقيميّة للفعل.
إنّ التّمييز بين الإستراتيجيا كخطّة والإستراتيجيا كرؤية له أهمّيّات متعدّدة تتجلّى على مستويات تاريخيّة ونظريّة وعمليّة، فقد شهد مفهوم الإستراتيجيا تطوّرا تاريخيّا من مجرّد تخطيط عسكريّ يركّز على إدارة المعارك إلى رؤية سياسيّة شاملة تهدف إلى توجيه مصير الأمم، حيث انتقلت القيادة من دور مدير العمليّات إلى دور صانع المصير الجماعيّ. ومن النّاحية النّظريّة، تقع الإستراتيجيا في قلب نظريّات الفعل والقرار، حيث تعمل كجسر يربط بين عالم التّفكير المجرّد وعالم التّنفيذ المادّيّ، مسهمة بذلك في بناء العقل التّخطيطيّ الحديث الّذي يسعى إلى عقلنة المستقبل والتّحكّم فيه عبر نماذج منهجيّة (3). أمّا من النّاحية العمليّة، فتعتمد الإستراتيجيا اليوم في صياغة السّياسات العامّة وبناء المؤسّسات وتوجيه الفعل الجماعيّ، فهي الآليّة الّتي تضمن التّنسيق بين الوسائل المتاحة والغايات المنشودة، ممّا يمنح الفعل الإنسانيّ المنظّم تماسكه وفعاليّته في مواجهة التّحدّيات. وبناء على هذه المعطيات، تتبلور الإشكاليّة المركزيّة للموضوع حول مدى إمكانيّة اختزال الإستراتيجيا في بعدها التّخطيطيّ لتكون مجرّد خطّة تنفيذيّة محكمة الصّنع، أم أنّها بالضّرورة رؤية موجّهة تسبق عمليّة التّخطيط وتمنحها الشّرعيّة والتّوجّه.
2. الجزء الأول: الإستراتيجيا بوصفها خطة لتنظيم الفعل
في أحد وجهيها، تظهر الإستراتيجيا كعلم للتّخطيط المنظّم يركّز على عقلنة الفعل وتنظيمه عبر خطوات محدّدة، وهو ما يعكس الجانب الإجرائيّ والتّقنيّ للفكر الإستراتيجيّ المعاصر.
1.2. العنصر الأول: مركزية التخطيط في الفكر الإستراتيجي
يرى هذا التّوجّه أنّ جوهر الإستراتيجيا يكمن في عمليّة التّخطيط الممنهج الّتي تشمل تحديد الأهداف بشكل واضح وقابل للقياس، وتوزيع الموارد المادّيّة والبشريّة بكفاءة، وجدولة التّنفيذ عبر مراحل زمنيّة محدّدة. هذه النّظرة تجعل من الإستراتيجيا عمليّة هندسيّة تهدف إلى تحقيق أفضل النّتائج بأقلّ التّكاليف الممكنة، حيث يتمّ التّركيز على صياغة الخطط التّفصيليّة الّتي تضمن تحويل الغايات الكبرى إلى مهامّ يوميّة قابلة للتّنفيذ والمتابعة. إنّ التّخطيط هنا ليس مجرّد تمرين ذهنيّ، بل هو أداة للسّيطرة على المتغيّرات وتقليل نسبة المخاطرة في بيئة العمل، ممّا يمنح المؤسّسة أو الجماعة قدرة أكبر على التّنبّؤ بالنّتائج وضمان استمراريّة الأداء وفق معايير محدّدة سلفا.
2.2. العنصر الثّاني: حدود المقاربة التّخطيطيّة
ومع ذلك، تواجه هذه المقاربة التّخطيطيّة انتقادات جوهريّة تتعلّق بحدودها المنهجيّة، فهي قد تختزل الفعل الإنسانيّ المعقّد في مجموعة من الإجراءات التّقنيّة، متجاهلة الأبعاد غير الملموسة كالدّوافع والقيم والثّقافة التّنظيميّة (4). كما أنّ التّركيز المفرط على الخطّة قد يؤدّي إلى إهمال البعد القيميّ والإنسانيّ، حيث يصبح الاهتمام منصبا على كفاءة الأداء بغضّ النّظر عن الغاية الأخلاقيّة للفعل. ويكمن الخطر الأكبر في الجمود أمام التّحوّلات المتسارعة، فالخطّة بطبيعتها تفترض بيئة مستقرّة نسبيّا، وقد تتحوّل إلى قيد يعيق التّكيّف مع المتغيّرات غير المتوقّعة، وهو ما يفسّر ضرورة الانتقال إلى فهم الإستراتيجيا بوصفها رؤية لتوجيه الفعل (5). إنّ الانغلاق في منطق الخطّة قد يؤدّي إلى فقدان المرونة الإستراتيجيّة، ممّا يجعل الفعل الإنسانيّ عاجزا عن الاستجابة للتّحدّيات الطّارئة الّتي لم تكن مدرجة في الحسابات الأوّليّة.
3. الجزء الثاني: الإستراتيجيا بوصفها رؤية لتوجيه الفعل
في وجهها الآخر، تتجاوز الإستراتيجيا حدود الخطّة لتصبح رؤية شاملة تمنح الفعل معناه وتوجّهه نحو غايات أبعد من مجرّد الإنجاز الإجرائيّ.
1.3. العنصر الأول: الرؤية كإطار ناظم للقرار
عندما تفهم الإستراتيجيا كرؤية، فإنّها تتحوّل إلى إطار مرجعيّ يوجّه عمليّة اتّخاذ القرار، ويقوم هذا الإطار على استشراف المستقبل وتخيّل المآلات الممكنة، ممّا يعمل على توحيد الجهود حول مقصد عامّ يخلق شعورا بالغاية المشتركة يتجاوز منطق الإجراء إلى منطق التّوجيه (6). 
إنّ الرّؤية هنا تعمل كبوصلة أخلاقيّة ومنهجيّة تضمن اتّساق القرارات الجزئيّة مع التّوجّه العامّ، ممّا يقلّل من التّشتّت ويمنح الفعل الجماعيّ قوّة دفع ذاتيّة نابعة من الإيمان بالغاية المنشودة. فالرّؤية لا تكتفي بوصف ما يجب القيام به، بل تصف ما يجب أن نكون عليه في المستقبل، وهو ما يمنح الإستراتيجيا بعدا وجوديّا وقيميّا يتجاوز حدود الإدارة التّقنيّة البحتة (7).
2.3. العنصر الثاني: العلاقة الجدلية بين الرؤية والخطة
إنّ العلاقة بين الرّؤية والخطّة ليست علاقة تنافر، بل هي علاقة جدليّة تكامليّة تضمن فعاليّة الفعل الإستراتيجيّ، فالرّؤية هي الّتي توجّه الخطّة وتمنحها بوصلتها، وبدونها تصبح الخطّة مجرّد تمارين تقنيّة عمياء قد تقود إلى وجهة خاطئة بكفاءة عالية. وفي المقابل، تمثّل الخطّة الأداة الّتي تنزّل الرّؤية إلى أرض الواقع وتحوّلها من حلم مجرّد إلى مشروع قابل للتّحقيق، حيث أنّ أيّ اختلال في هذه العلاقة يؤدّي حتما إلى فشل الفعل المنظّم؛ فغياب الرّؤية ينتج فعلا عشوائيّا، وغياب الخطّة ينتج رؤى مشلولة وعقيمة (8) . إنّ التّكامل بين الرّؤية والخطّة هو ما يمنح الإستراتيجيا صفتها كمنهج لتوجيه الفعل، حيث تلتقي الغايات الكبرى مع الوسائل الإجرائيّة في نسق واحد يضمن الفعاليّة والاستدامة في آن واحد.
4.  الخاتمة
في نهاية هذا التّحليل، يتّضح أنّ الإستراتيجيا ليست مجرّد خطّة تنفيذيّة، وليست مجرّد رؤية حالمة، بل هي منهج متكامل لتوجيه الفعل يجمع بين الاثنين في علاقة ديناميكيّة بين الرّؤية الّتي تحدّد الوجهة والغاية، والخطّة الّتي تنظّم المسار والإجراءات. 
لقد أبرز هذا البحث أنّ قوّة الإستراتيجيا تكمن في قدرتها على الرّبط بين التّفكير والتّنفيذ، وبين القيم والإجراءات، ممّا يجعلها منهجا لتوجيه الفعل لا مجرّد تقنيّة إداريّة بسيطة. إنّ هذا الفهم المنهجيّ يمهّد الطّريق أمام المقال اللّاحق الّذي سيتناول مجالات اشتغال الإستراتيجيا وحدودها النّظريّة والعمليّة في سياقات متنوّعة، ممّا يسهم في بناء رؤية متكاملة للفعل الإنسانيّ المنظّم في العصر الحديث.
الهوامش
(1) الغالبي، طاهر محسن، وإدريس، وائل محمد. (2007). الإدارة الإستراتيجية: منظور منهجي متكامل. دار وائل للنشر.
(2) الخفاجي، عباس علي. (2004). الإدارة الإستراتيجية: المداخل والمفاهية والعمليات. الدار الجامعية.
(3) Drucker, P. F. (1974). Management: Tasks, Responsibilities, Practices. Harper & Row
(4) Porter, M. E. (1996). «What is Strategy?». Harvard Business Review, 74(6), 61- 78
(5) Mintzberg, H. (1994). The Rise and Fall of Strategic Planning. Free Press
(6) Bryson, J. M. (2018). Strategic Planning for Public and Nonprofit Organizations: A Guide to Strengthening and Sustaining Organizational Achievement. John Wiley & Sons
(7)  Kotler, P. (2003). Marketing Management. Prentice Hall
(8) Kaplan, R. S., & Norton, D. P. (2004). Strategy maps: Converting intangible assets into tangible outcomes. Harvard Business Press