شخصيات الإصلاح

بقلم
م.فيصل العش
الشّيخ محمد عبده: من نقد التّقليد إلى تجديد الخطاب الدّينيّ
 الإمام محمّد عبده مفكّر إسلاميّ وعالم دين مصريّ، وفقيه وقاض وكاتب مجدّد، يعدّ أحد أهمّ دعاة النّهضة والإصلاح في العالم العربيّ والإسلاميّ، ورمز التّجديد في الفقه الإسلاميّ، حمل على عاتقه مهمّة جسيمة تتمثّل في إيقاظ العقل المسلم من سباته العميق، فأسهم بعد التّقائه بأستاذه جمال الدّين الأفغانيّ في إنشاء حركة فكريّة تجديديّة إسلاميّة في أواخر القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين تهدف إلى القضاء على الجمود الفكريّ والحضاريّ وإعادة إحياء الأمّة الإسلاميّة لتواكب متطلّبات العصر عبر مدّ جسور متينة بين أصالة التّراث ومتطلّبات الحداثة.
1.  المولد والنّشأة والتّعليم
ولد محمّد بن عبده بن حسن خير اللّه في قرية «محلّة نصر» التّابعة لمحافظة البحيرة في مصر عام 1266هـ (الموافق 1849م)، لأسرة ريفيّة عُرفت بالصّلاح والتّقوى. بدأت رحلته مع الحرف والكلمة في كُتّاب القرية حيث أتمّ حفظ القرآن الكريم، لينتقل بعدها في عام 1862م إلى «الجامع الأحمديّ» بمدينة طنطا لتلقّي علوم الفقه واللّغة. إلّا أنّه أصيب بإحباط شديد من أسلوب التّلقين والحفظ الأصمّ الّذي كان سائداً آنذاك، فترك الدّراسة وعاد إلى قريته يائساً من التّعليم، عازماً على احتراف الزّراعة. وهنا تدخّل القدر متمثّلاً في خاله الشّيخ «درويش خضر»، الّذي امتلك مفاتيح نفس الفتى، فأعاد إليه الشّغف بالمعرفة بأسلوب هادئ يعتمد على الفهم والتّأمّل الرّوحيّ، فكان هذا التّحوّل بمثابة الولادة الفكريّة الأولى لمحمّد عبده.
عاد محمّد عبده إلى الجامع الأحمديّ، وقد أصبح أكثر ثقة بنفسه، وأكثر فهمًا للدّروس الّتي يتلقّاها هناك، بل لقد صار شيخًا ومعلّمًا لزملائه يشرح لهم ما غمض عليهم قبل موعد شرح الأستاذ. وهكذا تهيّأ له أن يسير بخطى ثابتة على طريق العلم والمعرفة. التحق بالجامع الأزهر في عام 1866م، واستمرّ يدرس فيه اثني عشر عامًا. تأثَّر خلالها الشّيخ «محمّد عبده» بعدد من مدرّسي الأزهر وعلمائه من بينهم الشّيخ «حسن الطّويل» الّذي كانت له معرفة بالرّياضيّات والفلسفة. وفي عام 1871م، التقى بالمفكّر الثّائر الشّيخ جمال الدّين الأفغانيّ، الّذي فتح أمامه آفاقاً معرفيّة جديدة في الفلسفة وعلم الكلام والسّياسة والتّاريخ، وأخرجه من دائرة العلوم النّقليّة البحتة إلى رحاب الفكر الكونيّ، فتتلمذ على يديه، ولازم حلقات درسه، فتوطّدت الصّلة بينهما وأصبحا صديقين. توّج محمّد عبده مسيرته التّعليميّة بالحصول على شهادة «العالميّة» من الأزهر الشّريف عام 1877م، لتبدأ رحلته العمليّة.
2. المناصب والمسؤوليّات
بدأ حياته المهنيّة أستاذاً في الأزهر الشّريف ومدرستي «دار العلوم» والألسن، حيث درّس التّاريخ ومقدّمة ابن خلدون. وفي الأثناء كان له نشاط صحفيّ حيث كان يكتب في «الأهرام» مقالات في الإصلاح الخلقيّ والاجتماعيّ، ثمّ عُيّن رئيساً لتحرير صحيفة «الوقائع المصريّة»، فحوّلها من مجرّد نشرة حكوميّة إلى منبر حرّ يعالج قضايا المجتمع وينشر الوعي الثّقافيّ والسّياسيّ.
اشترك محمّد عبده في ثورة أحمد عرابي ضدّ الإنجليز، فحُكم عليهِ بالسّجن ثمّ بالنّفي إلى بيروت عام 1882م، ثمّ لحق بأستاذه جمال الدّين الأفغانيّ في باريس سنة 1884م، حيث أسّسا معاً مجلّة «العروة الوثقى»، الّتي تعدّ من أولى المنشورات الإصلاحيّة المتعلّقة بحركة النّهضة وأهمّها. وهي دوريّة أسبوعيّة موجّهة للأمّة الإسلاميّة. ورغم قصر المدّة الّتي صدرت فيها (من مارس 1882 إلى أكتوبر 1884)، إلّا أنّها أسّست لتيّار فكريّ عميق وأزعجت الاستعمار الغربيّ بحكم إيقاظها في الشّباب المسلم الوعي المناهض للهيمنة، ودعوتها للمسلمين إلى التّوحّد ومقاومة الاحتلال. فحظرتها السّلطات البريطانيّة المستعمِرة في مصر والهند. وفي سنة 1885م غادر باريس إلى بيروت، وفي العام نفسه أسّس جمعيّة سرّيّة بالاسم نفسه، «العروة الوثقى».
بعد العفو عنه وعودته إلى مصر عام 1889م، عُيّن قاضياً في المحاكم الأهليّة، حيث اشتهر بالعدل والنّزاهة والقدرة على استنباط الأحكام. وفي عام 1899م، توّج مسيرته المهنيّة بتعيينه «مفتياً للدّيار المصريّة» (وهو أوّل من استقلّ بهذا المنصب بعيداً عن مشيخة الأزهر)، فأصدر فتاوى شجاعة ومستنيرة تواكب مستجدّات العصر. كما كان عضواً بارزاً في «مجلس شورى القوانين»، وأسّس «مجلس إدارة الأزهر» بهدف إدخال إصلاحات جذريّة على المناهج الأزهريّة والعلوم الحديثة إلى أروقته.
تُعدّ علاقة الإمام محمّد عبده بالماسونيّة من القضايا التّاريخيّة الّتي أثارت - ولا تزال - الكثير من الجدل، لكن عند وضعها في سياقها التّاريخيّ الدّقيق (أواخر القرن التّاسع عشر)، تتّضح الدّوافع والمآلات بعيداً عن التّفسيرات التّآمريّة الحديثة. انتمى محمّد عبده إلى الماسونيّة سنة 1876م، ظانّاً أنّها تقدّم الخير للنّاس، إذ لم تكن تحمل الوصمة السّيّئة الّتي عُرفت بها لاحقاً في العالم الإسلاميّ. بل كانت ترفع شعارات الثّورة الفرنسيّة: «حريّة، إخاء، مساواة»، ولكنّه سرعان ما خرج منها وقطع صلاته بها في حدود عام 1879م، وانتقدها بشدّة بعد أن اكتشف حقيقتها المتمثّلة في رفع الشّعارات الرّنّانة دون اتّخاذ أيّ موقف عمليّ أو حقيقيّ ضدّ الاستعمار الغربيّ أو الاستبداد، وأنّها لا تسعى لخدمة المجتمع كما ظنّ. ثمّ كوّن جمعيّة اسمها «الجمعيّة الخيريّة الإسلاميّة» وهي تعمل إلى اليوم بعد مرور أكثر من مئة سنة من وفاته، وافتتحت مدارس وقامت بدور اجتماعيّ كبير بين النّاس.
3.  مشروعه الفكريّ وأهمّ عناصره
بخلاف ثوريّة جمال الدّين الأفغانيّ كانت نزعة محمّد عبده إصلاحيّة، فقد كان واثقاً بأنّ الثّورات السّياسيّة لا تثمر ما لم تسبقها ثورة عقليّة وأخلاقيّة وأنّ المشكلة تكمن في ضعف الأمّة الإسلاميّة نفسها، لأنّها تأخّرت ولم يعد وعيها ووضعها يمكّنها من مواجهة تحدّيات الاستعمار والاستبداد، ولذا يجب أن تسبق تربية الأمّة وتوعيتها مطلب الحريّة حتّى تكون الأمّة جديرة بالشّورى والحريّة. لهذا تمايز مشروعه عن مشروع أستاذه الأفغانيّ ذي الطّابع السّياسيّ الثّوريّ، ليتّخذ طابعاً تربويّاً وعلميّاً واجتماعيّاً متدرّجاً حيث ارتكز على تحرير العقل من قيد التّقليد فحارب الإمام الجمود المذهبيّ والتّعصّب الأعمى، ودعا إلى إعمال العقل في فهم النّصوص الشّرعيّة. وأكّد أنّ الإسلام دين العقل، وأنّ التّفكير فريضة إسلاميّة لا تتعارض مع الإيمان. كما ارتكز على التّوفيق بين الدّين والعلم الحديث، فسعى إلى إثبات عدم تعارض مقرّرات الدّين الإسلاميّ الصّحيح مع حقائق العلم الحديث. فالدّين ينظّم علاقة الإنسان بخالقه ومجتمعه، والعلم يكشف سنن اللّه في الكون، وكلاهما يكمّل الآخر.
ودعا «محمّد عبده» إلى الإصلاح التّربويّ والمؤسّسيّ، فركّز جهوده على إصلاح الأزهر كونه القلب النّابض للفكر الإسلاميّ، فعمل على إدخال العلوم العصريّة في مناهجه، وتنقية كتب التّراث من الحواشي المعقّدة الّتي تعيق الفهم المباشر للنّصوص، مؤكّداً في الوقت نفسه على أهمّيّة إصلاح اللّغة العربيّة، حيث أدرك أنّ ضعف الأمّة يبدأ من ضعف لغتها، فعمل على إحياء اللّغة العربيّة وتخليصها من السّجع المتكلّف والزّخرف اللّفظيّ، داعياً إلى أسلوب الكتابة المرسل الواضح الّذي يعبّر عن المعنى بدقّة وجمال.
إنّ القارئ لمتون محمّد عبده، سيّما في كتابه الشّهير «رسالة التّوحيد»، يلمس بوضوح روح التّجديد وقوّة الحجّة الدّامغة. إذ يختزل الإمام مشروعه وغايته الكبرى في مقولته التّاريخيّة الشّهيرة الّتي تعتبر وثيقة تأسيسيّة لمدرسة الإصلاح: «لقد ارتفع صوتي بالدّعوة إلى أمرين عظيمين: الأوّل: تحرير الفكر من قيد التّقليد، وفهم الدّين على طريقة سلف الأمّة قبل ظهور الخلاف، والرّجوع في كسب المعارف إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشريّ الّتي وضعها اللّه لتردّ عن الشّطط... والثّاني: إصلاح أساليب اللّغة العربيّة في التّحرير.»
وفي تأكيده القاطع على أولويّة العقل عند التّعارض الظّاهريّ بينه وبين النّقل الموروث، يضع قاعدة معرفيّة جريئة فيقول في «رسالة التّوحيد»: «لقد اتّفق أهل الملّة الإسلاميّة إلّا قليلاً ممّن لا يُنظر إليه، على أنّه إذا تعارض العقل والنّقل، أُخذ بما دلّ عليه العقل، وبقي في النّقل طريقان: إمّا التّفويض، وإمّا التّأويل.» كما كان حاسماً في رفضه لاحتكار الفهم الدّينيّ، حيث يقول تفنيداً لوجود سلطة كهنوتيّة في الإسلام: «ليس في الإسلام سلطة دينيّة سوى الموعظة الحسنة والدّعوة إلى الخير والتّنفير من الشّرّ، وهي سلطة خوّلها اللّه لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم.»
ترك الإمام محمّد عبده برحيله عام 1905م فراغاً كبيراً، لكنّه ترك أيضاً إرثاً فكريّاً حيّاً وبذوراً إصلاحيّة أينعت في عقول تلاميذه الكبار، ليظلّ اسمه محفوراً في ذاكرة التّاريخ كواحد من أبرز من أعادوا بناء العقل الإسلاميّ، جاعلاً من قيم التّنوير بوصلة للنّهوض الحضاريّ المتجدّد.