زوايا
| بقلم |
![]() |
| محمد صالح بنحامد |
| الإعلام السّياحي في رحلة «ابن بطوطة» ماضيا وحاضرا (دراسة تحليليّة مقارنة) |
تستهدف هذه الدّراسة تحليل البعد السّياحيّ في رحلة ابن بطّوطة ودراسة أسباب انتشارها المحدود مقارنة بالدّور الإعلاميّ لـرحلات الرّحّالة الأوروبيّين الّذين سبقوا ابن بطّوطة بسنوات أمثال ماركو بولو أو من جاء بعده. وتستعرض هذه الدّراسة الأبعاد السّياحيّة العميقة الّتي تضمّنتها رحلة ابن بطّوطة والّتي برزت بالخصوص في وصف المعالم والعادات والتّقاليد، وتنوّع الخدمات وغيرها، ممّا أهّلها لتكون دليلاً سياحيّاً رائداً، وذلك رغم افتقارها إلى مشروع إعلاميّ منظّم مثل الّذي واكب الرّحّالة الغربيّين، وهو من أهمّ الأسباب الّتي حدّت من تأثيرها المباشر في عصرها.
واعتماداً على المنهج التّاريخيّ التّحليليّ والمنهج المقارن، توصّل البحث إلى نتائج أهمّها:
أنّ الدّعاية والآلة الإعلاميّة الأوروبيّة لعبت دوراً حاسماً في انتشار رحلات الغربيّين وبناء صورة العالم بما شملته هذه الآلة من فنون الطّباعة والدّعم الرّسميّ، والتّوجيه الاستعماريّ. بينما اقتصر تأثير ابن بطّوطة على النّخبة والعلماء والأمراء داخل العالم الإسلاميّ.
ويُبرِز البحثُ كذلك إعادةَ اكتشاف الرّحلة في العصر الحاضر بوصفها علامة سياحيّة وثقافيّة عالميّة يتمّ توظيفها في التّسويق السّياحيّ والحملات الإعلاميّة السّياحيّة،
وتُختتَم الدّراسة بتوصيات أهمّها ضرورة توظيف تراث ابن بطّوطة في الإعلام السّياحيّ المعاصر عَبْرَ تصميم مسارات سياحيّة وإنتاج موادّ إعلاميّة متميّزة والعمل على ترجمة أدب الرّحلة العربيّ لتصحيح الصّورة النّمطيّة عن الشّرق.
المقدمة:
يمثّل الإعلام السّياحيّ في عالمنا المعاصر اليوم، قاطرة صناعة السّياحة في العالم، حيث أصبح هذا القطاع نظاماً اتّصاليّاً معقّداً يهدف إلى تشكيل التّصوّرات، وإدارة الكفاءة والمصداقيّة، وتحفيز السّلوك السّياحيّ ولم يعد مجرّد أداة ترويجيّة ثانويّة. فقد شهد هذا المفهوم تطوّراً جذريّا عبر العصور، حين كان منحصراً في النّقوش والرّسوم على جدران المعابد في الحضارات القديمة، إلى مخطوطات الرّحّالة في العصور الوسطى، وصولا إلى عصر العولمة والعالم الرّقميّ، هذا العالم الّذي أصبح فيه السّائح اليوم، ناقلا للخبرات والتّجارب ومشكّلا للرّأي وفاعلا في المجتمع.
وفي غمار هذا التّطوّر التّاريخيّ والفكريّ، نجد رحلة ابن بطّوطة (1304-1377م) الموسومة بـ «تحفة النّظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» واحدة من أعظم نصوص أدب الرّحلة في التّاريخ الإنسانيّ، فهي تمثّل نموذجا استثنائيّا يمكن تناوله ودراسته بمنظور تحليليّ مقارن. رحلة امتدّت لنحو ثلاثين عاما وغطّت ما يعادل 120,000 كيلومتر من مساحة العالم المعروف في القرن الرّابع عشر الميلاديّ، هي لا تمثّل مجرّد سرد مغامراتيّ فرديّ بل موسوعة حيّة تقدّم مادّة إعلاميّة سياحيّة غنيّة، تقدّمت على عصرها بقرون. لذلك نتّخذ من رحلة ابن بطّوطة - في هذه الدّراسة - نموذجا للتّحليل، سعيا لتحقيق عدّة أهداف من أهمّها: تحليل المكوّنات الإعلاميّة السّياحيّة الكامنة في نصّ الرّحلة، وبيان كيف عمل وصفه الدّقيق كشكل من أشكال الإعلام السّياحيّ غير المقصود، ثمّ إجراء مقارنة نقديّة بين آليّات انتشار وتأثير رحلة ابن بطّوطة وتلك الخاصّة بالرّحّالة الغربيّين المشهورين (مثل ماركو بولو، وكريستوفر كولومبوس، وفاسكو دي غاما...) مع إبراز الدّورِ الإعلاميّ الحاسم للدّعاية والتّسويق لأغراض سياسيّة واقتصاديّة.
ومن هذه الأهداف أيضا، تتبّع أثر الدّعاية الغربيّة والإعلام الموجّه ودورهما في تحويل خطاب الرّحلة من الوصف الاستكشافيّ إلى أداة للمشروع الاستعماريّ وأخيرا، تقييم الدّور المعاصر للرّحلة بعد إعادة اكتشافها كرأسمالٍ ثقافيّ وعلامة تجاريّة في صناعة السّياحة الحديثة. وسنعتمد في دراستنا هذه على منهج تحليليّ مقارن يستند إلى النّصّ الأصليّ للرّحلة محقّقا، وأبرز الدّراسات الأكاديميّة العربيّة والأجنبيّة الّتي تناولتها.
1. السّياحة والإعلام السّياحي: حديث النّشأة والمفهوم
1.1. تاريخ السّياحة وسيرورتها :
تعود نشأة الظّاهرة السّياحيّة حسب بعض الدّارسين ومن أبرزهم مارك بوياراً إلى القرن الخامس عشر الميلاديّ، إلّا أنّ هناك من يذهب إلى أنّ إرهاصات المرحلة التّأسيسيّة أعمق بكثير من هذا، فقد انطلقت نشأة الظّاهرة السّياحيّة في بعض المراجع التّاريخيّة، منذ القرن الرّابع قبل ميلاد السّيّد المسيح ، لكنّها بقيت محدودة الانتشار وحكراً على الطّبقات الاجتماعيّة النّافذة منذ ذلك التّاريخ(1).
1.1.1. نشأة السّياحة
ارتبطت السّياحة منذ فجر التّاريخ بحبّ النّاس للمغامرة والاستكشاف والبحث عن كلّ ما هو مشوّق وجديد في الحياة وما رحلات كلّ من الرّحّالة العربيّ ابن بطّوطة الاستكشافيّة في القرن الرّابع عشر، و «ماركو بولو» (1254 - 1326م) إلّا دليل على قدم النّشاط السّياحيّ في حياة البشر .. ورغم أنّ رحلات ابن بطّوطة شملت العديد من البلدان والقارّات والأمصار، أرّخ لها ودوّنها في كتابه «تحفة النّظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار وبذل جهوداً جبّارة في جمع البيانات والمعلومات والأوصاف في (1295 - 1296 م) أجمع الباحثون الصّينيّون (1985م) على دقّة صحّتها ووضوح وصفها(2)، إلّا أنّ جهوده المضنية هذه رغم دقّتها لم ترتقِ إلى الشّهرة الإعلاميّة الّتي لاقتها رحلات «ماركو بولو» في مغامراته السّياحيّة والاستكشافيّة إلى الصّين وبلاد الشّرق البعيدة وقد ذاع صيته إعلاميّاً وثقافيّاً وسياسيّاً لكونه علماً من أعلام أوروبا ورائداً من رواد السّياحة في البلاد الغربيّة. كما أسهمت رحلات فاسكو دي قاما» في القرن الخامس عشر في اكتشاف طريق رأس الرّجاء الصّالح وصولاً إلى الهند (3)
ويذهب الباحث الاجتماعيّ «عادل الوشاني» في كتابه ( أساسات علميّة للظّاهرة السّياحيّة : التّاريخ والهويّة والمناويل) إلى أنّ تاريخ السّياحة وإرهاصاتها التّأسيسيّة الأولى أعمق من التّاريخ السّالف الذّكر إذ تعود نشأة الظّاهرة السّياحيّة إلى القرن الرّابع قبل الميلاد وذلك في سياق نشأة المدن الكبرى في الحضارتين الرّومانيّة والإغريقيّة إذ شهدت عاصمة الإمبراطوريّة الرّومانيّة أيّام حكم (Cicéron) توسّعاً جغرافيّاً حضريّاً، غير أنّ امتدادها التّاريخيّ بقي محدود الانتشار وحكراً على الطّبقات الاجتماعيّة الأرستقراطيّة النّافذة. ومع ثلاثينات القرن العشرين شهدت الظّاهرة السّياحيّة تحوّلاً مشهوداً ومحرّكاً اقتصاديّاً محفّزاً حيث انتشرت ظاهرة السّفن لغرض السّياحة بين مختلف الطّبقات الاجتماعيّة وظهرت مفاهيم سياحيّة جديدة نحو السّياحة الشّعبيّة (Tourisme populaire) والسّياحة للجميع (Tourisme pour tous) وأصبح بذلك قطاع السّياحة من أهمّ حقول الاستثمار الاقتصاديّ والتّجارة الرّبحيّة) (4)
2.1.1. مفهوم السياحة
في العام 1905 م قدّم الباحث الألمانيّ «جون بير فرديلر» أوّل تعريف للسّياحة الّذي يصفها بكونها ظاهرة من ظواهر العصر «تنبثق من الحاجة المتزايدة للرّاحة وتغيير الهواء والإحساس بجمال الطّبيعة، وإلى الشّعور بالبهجة والمتعة من الإقامة في مناطق لها طبيعتها الخاصّة وأيضاً إلى نموّ الاتّصالات خصوصاً بين شعوب مختلفة من الجماعات الإنسانيّة وهي الاتّصالات الّتي كانت ثمرة لاتّساع نطاق التّجارة والصّناعة».
لقد ركّز الباحث الألمانيّ في أقدم تعريف للسّياحة على جمال الطّبيعة وحالة السّائح النّفسيّة وعلى الجانب الاقتصاديّ الّذي يسعى إليه من خلال اتّصالاته بالشّعوب والجماعات المختلفة (5). وفي العام 1910، يعرّف الباحث الاقتصاديّ النّمساويّ «شوليرن» السّياحة باعتبارها «مجموع كلّ الظّواهر ذات الطّابع الاقتصاديّ الّتي تترتّب على وصول المسافرين إلى منطقة أو دولة ما وإقامتهم فيها ورحيلهم عنها وهي ظواهر تترابط بالتّبعيّة». ويعرّفها رئيس الجمعيّة الدّوليّة لخبراء السّياحة العلميّين السّويسريّ «هو نزيمير» سنة 1959م بأنّها «مجموع العلاقات والظّواهر الّتي تترتّب على سفر وإقامة مؤقّتة لشخص أجنبيّ في مكان ما بحيث لا تؤدّي إلى إقامة دائمة ولا ترتبط بنشاط يحقّق ربحاً للشّخص الأجنبيّ». أمّا في تعريف منظّمة السّياحة العالميّة للسّياحة فهي « نشاط إنسانيّ وظاهرة اجتماعيّة تقوم على انتقال الأفراد من مناطق الإقامة الدّائمة لهم إلى مناطق أخرى خارج مجتمعاتهم لفترة مؤقّتة لا تقلّ عن 24 ساعة ولا تزيد عن عام كامل لغرض من أغراض السّياحة المعروفة باستثناء الدّراسة أو العمل».
عربيّاً يعرّف كلٌّ من صبحي عبد الحكيم وحمدي الدّيب في كتابهما (جغرافيّة السّياحة 1995) السّياحة بكونها خليطاً من الظّواهر والعلاقات تنبع من حركة الأفراد وإقامتهم في أماكن مختلفة حتّى يتمثّل فيها عنصر الحركة والثّبات (أي الرّحلة والإقامة) في منطقة الجذب تمارس فيها أنشطة مختلفة عن الأنشطة السّابقة في أماكن الإقامة الأصليّة(6).
2.1. مفهوم الإعلام السّياحي
1.2.1. تعريف الإعلام المتخصّص:
من أوّل التّعريفات للإعلام العامّ وأقدمها ما ذكره الباحث الألمانيّ «أنو غروت» (1835 - 1891م) يقول فيه: «إنّ الإعلام هو التّعبير الموضوعيّ لعقليّة الجماهير وتوجّهها وميولها واتّجاهاتها في الوقت نفسه، فالإعلام تعبير موضوعيّ وليس ذاتيّا من جانب الإعلاميّ سواء كان صحفيّا أو مذيعا، فالإعلام يقدّم حقائق مجرّدة بعضها سارّ وبعضها غير سارّ، ويعدّ - الإعلام - ناجحا إذا نجح في تحقيق الأهداف السّابقة وإذا تحقّقت الاستجابة المنشودة على النّحو المرجوّ» (7).
أمّا الإعلام السّياحيّ فهو تخصّص إعلاميّ ثلاثيّ الأبعاد اقتصاديّ، ثقافيّ اجتماعيّ يندرج ضمن «ظاهرة» الإعلام المتخصّص وهي ظاهرة ذات طابع تاريخيّ - اجتماعيّ؛ إذ يصف الدّارسون ظهورها وتطوّرها بالعمليّة المعقّدة والممتدّة في التّاريخ والمجتمع»(8)، ويقتضي المنهج العلميّ تحليلها إلى عناصرها المكوّنة لها ودراستها وفق السّياق الّذي أنتجت فيه والإقرار بصعوبة فصل العناصر المكوّنة لها عن بعضها البعض أو فصل العوامل المسبّبة لها لكونها جزءا لا يتجزّأ إلّا لأغراض بحثيّة منهجيّة وتبسيطيّة.
يعبّر الإعلام المتخصّص عن التّقسيم الاجتماعيّ للعمل المرتبط بمستوى التّطوّر الحضاريّ العامّ في المجتمع ويُعَدُّ انعكاساً له، إذ يشمل مجالات معرفيّة عديدة تغلب عليها موضوعات صحفيّة تتعلّق بمسائل سياسيّة واقتصاديّة في البداية ثمّ التّعليم والثّقافة في مرحلة لاحقة، ويتّسع الإطار الجغرافيّ الّذي تشمله التّغطية الإعلاميّة المرتبطة بمستوى التّطوّر التّكنولوجيّ وتطبيقاته في مجال الصّحافة والإعلام. وهذا المستوى هو المحدّد لطبيعة التّغطية. ولكنّ فقدانَ الأحداث والظّواهر والتّطوّرات للبساطة، وكونَها أصبحت أكثر تعقيدا وتنوّعا وتشابكا بفعل عوامل ذاتيّة وموضوعيّة مختلفة، جعلَ الإعلام العامّ عاجزا عن تقديم المعالجة المناسبة وفق المستوى المطلوب. لذلك فإنّ انتشار التّعليم واتّساع مجالاته كان بفضل ظهور الإعلام المتخصّص وتطوّره في أوساط الطّبقة الوسطى نتيجة بروز إنجازات الثّورة الصّناعيّة فتنوّعت اهتمامات النّاس وتعدّدت الاختصاصات وتطوّرت المستويات.
2.2.1. مفهوم الإعلام السّياحي:
يمثّل الإعلام السّياحيّ - بوصفه أحد أشكال الإعلام المتخصّص - كافّة أوجه الأنشطة الاتّصاليّة المخطّطة والمستمرّة الّتي يمارسها إعلاميّون متخصّصون بهدف تزويد الجمهور بكافّة الحقائق والأخبار الصّحيحة والمعلومات السّليمة عن القضايا والموضوعات والمشكلات ومجريات الأمور المتعلّقة بالسّياحة بطريقة موضوعيّة ودون تحريف وذلك بواسطة وسائل الاتّصال المختلفة وبكافّة الأساليب الفنّيّة بغاية الإقناع والتّأثير من أجل تنمية الوعي السّياحيّ لدى الجمهور من ناحية واجتذاب أكثر عدد ممكن من الأفراد للإقامة بعيدا عن مقرّ سكناهم داخل البلاد أو خارجها من ناحية أخرى(9). ويمثّل هذا التّعريف مفهوما شاملا للإعلام السّياحيّ نستوحي منه عدّة استنتاجات.
تُبرز هذه الاستنتاجات الدّور المحوريّ للإعلام السّياحيّ كركيزة أساسيّة لا غنى عنها في التّنمية السّياحيّة الشّاملة؛ فهو نشاط اتّصاليّ متفرّد في أدواته وقدرته على التّأثير والإقناع، مستنداً في ذلك إلى الصّدق، والدّقّة، وعرض الحقائق الثّابتة بشفافيّة. وإلى جانب سعيه الدّائم لتثقيف المجتمع والارتقاء بوعيه السّياحيّ، يُعدّ الإعلام السّياحيّ نشاطاً ابتكاريّاً يتطلّب مرونةً وذكاءً في التّخطيط والتّنفيذ، فضلاً عن الاستمراريّة، والمثابرة، والقدرة العالية على الصّمود والمنافسة.
ومن هذا المنطلق، يبرز التّنشيط والاتّصال كأهمّ أركان الإعلام السّياحيّ؛ إذ يمثّل التّنشيط مظلّةً تجمع كافّة الجهود الإعلاميّة، والدّعائيّة، وأنشطة العلاقات العامّة الهادفة إلى صياغة ونقل رسائل مؤثّرة تعكس الصّورة السّياحيّة المشرقة لدولة أو منطقة ما. وتُوجَّه هذه الرّسائل بأساليب فعّالة نحو أسواق وجماهير مستهدفة بغية استقطاب السّيّاح وتحفيز الطّلب السّياحيّ. أمّا على الصّعيد الدّاخليّ، فتتركز أبرز أهداف الإعلام السّياحيّ في: تعزيز الوعي المجتمعيّ، وتسليط الضّوء على العوائد الاقتصاديّة والاجتماعيّة للسّياحة، إلى جانب دحض الشّائعات، ومواجهة التّحدّيّات والمنافسة الخارجيّة.
2. إبراز البعد السّياحي في رحلة ابن بطوطة:
يمثّل الإعلام السّياحيّ مجموعة العمليّات الاتّصاليّة المنظّمة الّتي تهدف إلى تعريف الجمهور بالمناطق السّياحيّة، ونقل المعلومات الصّادقة عنها، وخلق صورة ذهنيّة إيجابيّة لها، بهدف تشجيع الحركة السّياحيّة نحوها(10)، فتطوّرت هذه العمليّات الاتّصاليّة من أشكال عفويّة بسيطة (مثل الرّوايات الشّفهيّة بين القوافل)، إلى صناعة إعلاميّة معقّدة.
فقد اقترنت دوافع السّفر في العصور السّابقة بالتّجارة والحجّ والعلاج، وبرز ذلك في رحلات الفينيقيّين والإغريق، أو حجّاج معبد القدس، أمّا في العصر الإسلاميّ الوسيط، فقد شهدت حركة الأسفار ازدهاراً كبيراً بفضل انتشار الفتح الإسلاميّ ووحدة العالم الإسلاميّ بالإضافة إلى انتشار الأمن وسهولة السّفر والاتّصال وتطوّر البنى التّحتيّة (مثل الخانات وبيوت البريد)، وهي أسباب شجّعت ابن بطّوطة وغيره على المغامرة وإنجاز رحلته التّاريخيّة. وقد مثّلت كتب الرّحلات والمسالك والممالك بلا منازع الشّكل الإعلاميّ المكتوب الأكثر تطوّراً في ذلك الوقت (11). ونظراً لأهمّيّة البعد السّياحيّ والإعلاميّ في رحلة ابن بطّوطة، يمكن تقسيم هذا العنصر إلى قسمين رئيسيّين، يحلّلان الرّحلة بوصفها عملاً إعلاميّاً سياحيّاً متكاملاً:
1.2. المكوّنات الوصفيّة والتّوثيقيّة:
لهذه الرّحلة التّاريخيّة بروحها العربيّة الإسلاميّة، مكانة علميّة واجتماعيّة راقية، وقيمة إعلاميّة سياحيّة فائقة، تجلّت بوضوح في دقّة الوصف وأمانة النّقل وسلامة اللّغة والمحتوى ممّا جعلها تقدّم إلى القارئ في شكل «تجربة سياحيّة افتراضيّة» متكاملة الأركان. فقد قدّم ابن بطّوطة في مجال الطّبيعة والجغرافيا، وصفاً دقيقاً للمشاهد الطّبيعيّة، كوصفه لنهر النّيل: «وهو النّيل المبارك ... لا يعرف منبعه ولا مصبّه أحد من الخلق، وربّما قطع فيه المسافرون في سفن الصّين شهراً أو أكثر ولا يبلغون آخره» (12). وهو وصف يخلق لدى القارئ شعوراً بالرّهبة والغموض، محفّزاً للرّغبة في المعاينة.
وفي توثيق العمارة والمنشآت أولى ابن بطّوطة اهتماماً كبيراً للمعالم المعماريّة، فوصف قبّة الصّخرة في القدس وصفاً معماريّاً دقيقاً، كما وصف المساجد الجامعة في دمشق والقاهرة، ممّا يجعل من رحلته دليلاً معماريّاً لتلك العصور. وما يعطي لرحلته أهمّيّة أكبر في منظور السّياحة الثّقافيّة الحديثة رصده للعادات والتّقاليد في جميع الأمصار الّتي زارها وهو الجانب الأكثر إثارة في رحلته من وجهة نظر الإعلام السّياحيّ المعاصر. وشمل توثيق ابن بطّوطة في رحلته هذه العناية بعادات الطّعام واللّباس والزّواج، كما في وصفه لحفلات الزّفاف في الهند، أو طقوس الاستقبال لدى ملوك إفريقيا. ويتحدّث عن أهل المالديف بقوله: «وأكثر طعامهم هو السّمك... ولباسهم الإزار من القطن... ونساؤهم لا يلبسن غير الإزار ويكشفن رؤوسهنّ»(13)، حيث يعدّ هذا السّجلّ الإثنوغرافيّ كنزاً ثميناً للخبراء والباحثين من أهل الاختصاص، ومرجعاً فريداً للمهتمّين بالسّياحة الثّقافيّة.
وإلى جانب كلّ ذلك يزوّد ابن بطّوطة المسافرين والتّجّار وحجّاج بيت اللّه الحرام، بكمّ من المعلومات اللّوجستيّة العمليّة القيّمة، عن أسعار السّلع، وأمان الطّرق، وجودة الخدمات في الخانات ومثالاً على ذلك يذكر عند حديثه عن طريق الحجّ إلى مكّة فيقول: «وهذه المحطّات كلّها عامرة آهلة فيها من الخيرات والأسعار الرّخيصة ما يزيد على الوصف» (14). وهي نوع من المعلومات الّتي تشبه تماماً «تقييمات» الخدمات وإبداء الملاحظات في مواقع السّفر الحديثة.
2.2. الآليّات البلاغيّة والسّرديّة (الأسلوب الإعلاميّ):
لقد صنع الأسلوب السّرديّ لابن بطّوطة من الرّحلة محتوى مميّزاً جاعلاً منها نصّاً جذّاباً سلساً ومؤثّراً، وتبرز هذه الجاذبيّة على مستوى العنوان «تحفة النّظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» إذ يجد القارئ في طيّاته وعوداً بالإثارة والعجب، ممّا يشدّ انتباه السّامعين منذ اللّحظة الأولى. كما ركّز ابن بطّوطة في كتابه على الغرائب والعجائب وهو منهج مقصود، حيث يشير ابن جزيّ الكلبيّ في مقدّمة الرّحلة: «وكان من أعجب الأمور ... أحوال البلاد الغريبة، والأعاجيب البحريّة البرّيّة» (15). وهو تركيز يهدف إلى التّشويق والإثارة تلبية لحاجة نفسيّة أساسيّة لدى القارئ هي حبّ الاستطلاع والتّعرّف على المجهول. ومن جماليّة النّصّ وجاذبيّته أيضاً، اعتماد الرّحّالة أسلوب السّرد القصصيّ والحكائيّ، إذ لم يقدّم ابن بطّوطة مجرّد معلومات جافّة متكلّسة، بل صاغها في قالب قصصيّ مشوّق؛ كحكايته عن لقائه بالسّلطان محمّد بن تغلق في الهند، أو مغامراته مع القراصنة، كلّها تقدّم المعلومة الجغرافيّة والتّاريخيّة في إطار دراميّ يسهل استيعابه ويبقى في الذّاكرة. وما يزيد من أهمّيّة نصوص ابن بطّوطة إلى جانب جماليّة التّعبير وجاذبيّة الوصف، اعتماده مبدأ المصداقيّة والواقعيّة، وذلك رغم وجود بعض المبالغات الّتي ناقشها الباحثون(16)، إلّا أنّ الغالب على الرّحلة هو السّعي للدّقّة والموضوعيّة. وما حرصه على ذكر التّواريخ والأسماء والأماكن بدقّة إلّا تعزيزاً لمصداقيّة النّصّ كمرجع تاريخيّ وإعلاميّ سياحيّ موثوق المصدر.
3. الإعلام السّياحي في علم الرّحلة بين الشّرق والغرب:
1.3. دور الإعلام والدّعاية في انتشار الرّحالة الغربيّين مقارنة برحلة ابن بطوطة:
تكشف المقارنة بين دور الدّعاية والتّسويق والإعلام في نشر أخبار الرّحّالة الغربيّين ورحلة ابن بطّوطة هنا عن اختلاف جذريّ في المنطلقات والآثار، فالإعلام عند ابن بطّوطة هو إعلام معرفيّ غير موجّه، حيث اعتمدت آليّات انتشار رحلته على النّخبة الثّقافيّة والعلميّة ودوّنت بأمر سلطانيّ، وانتشرت بذلك كمخطوطة بين العلماء وطلّاب العلم في المكتبات. كما أنّ دوافعها كانت شخصيّة وعلميّة ودينيّة في المقام الأوّل. وهو ما يؤكّده د. عبد الهادي التّازيّ: «لم يكن ابن بطّوطة مستكشفا بالمعنى الكولونياليّ (الاستعماريّ)، بل كان عالما مسلما يجوب الدّنيا ليرى عجائب خلق اللّـه»(17).
وفي المقابل كان الإعلام عند الرّحّالة الغربيّين مدعوما بأجندة سياسيّة على النّقيض من رحلة ابن بطّوطة، فقد كانت رحلات ماركو بولو (كتاب عجائب العالم) وكريستوف كولومبوس مدعومة من دول ومؤسّسات تجاريّة. حيث موّلت جمهوريّة البندقيّة رحلة ماركو بولو، بينما موّل التّاج الإسبانيّ رحلة كولومبوس. ولعبت تقاريرهم دوراً في خدمة أغراض دعائيّة واضحة ( تمجيد الوطن، وتبرير الحملات الاستعماريّة، وجذب المستوطنين ورؤوس الأموال). وبالغت تقارير كولومبوس على سبيل المثال في وصف ثروات «الهند» (أمريكا) لضمان تمويل رحلات لاحقة (18). وقد أسهم اختراع الطّباعة لاحقا في نشر هذه التّقارير على نطاق جماهيريّ واسع، ممّا حوّل الرّحّالة إلى أبطال قوميّين.
2.3. أثر الدعاية الغربية في علم الرحلة بين الغرب والشرق
لقد نتج عن هذا الاختلاف في الأهداف والمنطلقات والأثر ولادة تيّارين متمايزين في خطاب الرّحلة: التّيّار الغربيّ، الّذي تغذّى على الدّعاية الاستعماريّة، أسّس لما أطلق عليه إدوارد سعيد «الاستشراق»، وهو أسلوب في الكتابة يصوّر الشّرق ككيان سلبيّ، غريب، متخلّف، وأنثويّ، ينتظر من الغرب «المتحضّر» أن يكتشفه ويحكمه (19) (Said, 1978, p. 40)، بينما حافظ التّيّار الإسلاميّ، الّذي تجسّده رحلة ابن بطّوطة، على نظرة أكثر توازنا. وعلى الرّغم من انتمائه الثّقافيّ الواضح، فإنّه أظهر إعجاباً صريحاً بإنجازات الآخرين، كإشادته بنظام البريد في الصّين، ونظافة أهلها، وقوّة نظامهم الاجتماعيّ (20) . لقد كان خطابه أقرب إلى «الحوار الحضاريّ» منه إلى «المركزيّة الثّقافيّة» المتعالية..
3.3. دور الإعلام السياحي في صناعة السياحة بين الشرق والغرب:
في سياقها التّاريخيّ، كان لرحلة ابن بطّوطة تأثيرٌ تراكميٌّ معرفيٌّ أكثر منه اقتصاديّا سياحيّا في زمانها. بينما أحدثت رحلة «ماركو بولو» تأثيرا اقتصاديّا ملموسا عبر تحفيز التّجارة مع الشّرق، وكانت تقارير «كولومبوس» ذات تأثير مباشر في دفع عجلة الاستعمار والاستيطان.أمّا في السّياق المعاصر، فقد حظيت رحلة ابن بطّوطة باهتمامٍ متجدّد ونهضةٍ إعلاميّة وسياحيّة لافتة خلال القرن الحادي والعشرين، حيث أُعيد استثمار إرثها وتوظيفه في:
*التّسويق الجغرافيّ والعلامات التّجاريّة: «ابن بطّوطة مول» في دبيّ هو خير مثال على تحويل الرّحلة إلى علامة تجاريّة سياحيّة تروّج لتاريخ التّسوّق والعولمة.
*السّياحة الثّقافيّة المستدامة: من خلال تصميم مسارات سياحيّة تحمل اسمه، مثل «طريق ابن بطّوطة» في المغرب، لجذب السّيّاح المهتمّين بالتّاريخ والثّقافة.
*الإنتاج الإعلاميّ الحديث: عبر إنتاج أفلام وثائقيّة عالية الجودة من قبل قنوات مثل «بي بي سي» و«ناشيونال جيوغرافيك»، تعيد تمثيل رحلته، ممّا يخلق حلقة اتّصال بين الماضي والحاضر.
الخاتمة
شكلت هذه الرّحلة التّاريخيّة لابن بطّوطة ولا تزال، نموذجا فريدا يجسّد الأبعاد الجوهريّة للإعلام السّياحيّ بمفهومه الواسع الّذي يتجاوز الدّعاية المباشرة إلى توثيق التّجربة ونقل الصّورة بجميع أبعادها الحسّيّة والثّقافيّة. لقد أثبتت الدّراسات المختلفة أنّها – أيّ الرّحلة - مثّلت في مجملها عملا إعلاميّا موسوعيّا متكاملا، سبق عصره في توثيق واقع العالم الإسلاميّ والثّقافات القريبة منه خلال القرن الرّابع عشر للميلاد. وتجدر الإشارة إلى أنّ المقارنة بين الرّحّالة المسلم العربيّ والرّحّالة الغربيّين، أبرزت بشكل حقيقيّ ممنهج ومهمّ، أنّ قيمة العمل الإعلاميّ لا تقاس فقط بمدى انتشاره، وإنّما بمدى مصداقيّته وموضوعيّته وقدرته على نقل الصّورة الشّاملة. ولئن اتّسمت الكتابات الغربيّة بالطّابع التّسويقيّ والإشهاريّ الموجّه لخدمة أغراض اقتصاديّة سياسيّة واستعماريّة بحتة، فإنّ رحلة ابن بطّوطة قد حافظت على النّزعة الإنسانيّة الواضحة في تعاملها مع مختلف الثّقافات المغايرة ممّا منحها المصداقيّة وجعلها وثيقة تاريخيّة أكثر توازنا وإنصافا.
إنّ إعادة اكتشاف رحلة ابن بطّوطة في العصر الحديث، كعلامة سياحيّة وثقافيّة مميّزة، يؤكّد حيويّة هذا التّراث وقدرته على تجاوز حدود الزّمان والمكان، وتحويل الرّحلة إلى مصدر إلهام للمشاريع السّياحيّة العملاقة والعلامات التّجاريّة العالميّة والإنتاجات الإعلاميّة المعاصرة. وهذا دليل على قدرة المضمون الحضاريّ والتّراثيّ الأصيل على تقديم قيمة مضافة لصناعة السّياحة المعاصرة اليوم، إذا ما تمّ حسن استثماره وتوظيفه التّوظيف الأفضل بشكل مبتكر وإبداعيّ جذّاب. وبذلك، فإنّ هذه الدّراسة قد أثبتت بكلّ المقاييس، أنّ رحلة ابن بطّوطة لا تزال تمتلك قدرة كبيرة على العطاء والجاذبيّة، فهي تشكّل رصيدا ثقافيّا وسياحيّا يمكن اعتماده في صياغة سياحة عربيّة إسلاميّة معاصرة قادرة على الجمع والتّوفيق بين الأصالة والحداثة، وبين المحافظة على الهويّة والانفتاح على الآخر.
وبعد الدّراسة والتّحليل العلميّ للرّحلة في علاقتها بالسّياحة والإعلام، توصّلنا إلى النّتائج التّالية:
* أثبتت الدّراسة أنّ رحلة ابن بطّوطة تضمّ جميع مقوّمات الإعلام السّياحيّ الحديث (الوصف، والتّوثيق، والإثارة، والمصداقيّة)، ممّا يجعلها نموذجا رائدا في هذا المجال، وإن كان بدائيّا بالمقارنة مع الآليّات المعاصرة.
* أظهر التّحليل المقارن أنّ الفارق الجوهريّ بين رحلة ابن بطّوطة ورحلات المستكشفين الغربيّين لا يكمن في قيمة المادّة المجموعة، بل في الآليّة الإعلاميّة والدّعائيّة الّتي حكمت كلّ منها. فبينما كانت رحلة ابن بطّوطة نتاجا لفضول فرديّ مدعوم بثقافة علميّة إسلاميّة تشجّع على الأسفار ، كانت الرّحلات الغربيّة جزءا من مشروع جماعيّ استعماريّ استغلّت فيه الدّعاية أقصى استغلال.
* كان لأثر الدّعاية الغربيّة دور حاسم في تشويه صورة «الآخر» الشّرقيّ وترسيخ التّمايز الحضاريّ، بينما قدّم خطاب ابن بطّوطة صورة أكثر تعقيدا وتوازنا، معترفا بالاختلاف ومقدّرا للإنجازات الحضاريّة للشّعوب الأخرى.
* في العصر الحاضر، تمّت إعادة تأهيل الرّحلة كأحد أهمّ الأصول الرّمزيّة في صناعة السّياحة الثّقافيّة، حيث تمّ تحويلها من نصّ تاريخيّ إلى علامة تجاريّة عالميّة ومصدر إلهام للمحتوى الإعلاميّ الحديث، ممّا يؤكّد على حيويّتها وقدرتها على تجاوز حدود زمنها.
بناءً على النّتائج المتوصّل إليها في الدّراسة، نقدّم التّوصيات التّالية:
1 . توظيف التّراث في صياغة الهويّة السّياحيّة: ينبغي للدّول العربيّة والإسلاميّة أن تتبنّى استراتيجيّة سياحيّة واضحة تعيد فيها اكتشاف وتوظيف تراثها الرّحليّ الغنيّ ابن بطّوطة، الإدريسيّ، وغيرهم لصياغة هويّة سياحيّة تنافسيّة قائمة على العمق الحضاريّ والتّنوّع الثّقافيّ، بعيدا عن الصّور النّمطيّة.
2 . تطوير منتجات سياحيّة مستوحاة من الرّحلة: تصميم «حزم سياحيّة متكاملة ومتخصّصة تتبّع مسار رحلة ابن بطّوطة، من طنجة إلى الصّين، مع التّركيز على الجوانب الثّقافيّة والتّعليميّة، وتطوير تطبيقات ذكيّة تفاعليّة ترسم المسار وتقدّم مقاطع من الرّحلة في كلّ موقع.
3 . تعزيز التّعاون الإقليميّ والدّوليّ: تشجيع التّعاون بين الدّول الواقعة على خطّ سير الرّحلة (المغرب، مصر، السّعوديّة، الهند، إندونيسيا، الصّين...) لإنشاء مشاريع سياحيّة مشتركة، وتسهيل تأشيرات السّفر، والتّسويق الجماعيّ لـ «طريق ابن بطّوطة الثّقافيّ.»
4 . إنتاج محتوى إعلاميّ متميّز : دعم وإنتاج أعمال سينمائيّة ووثائقيّة عالية الجودة بالشّراكة مع مؤسّسات إعلاميّة عالميّة، تقدّم سيرة ابن بطّوطة ورحلته بأسلوب مشوّق يصل للجماهير العالميّة، مع التّأكيد على قيم التّسامح والفضول العلميّ والتّبادل الثّقافيّ الّتي تجسّدها الرّحلة.
5 . دعم البحث الأكاديميّ والتّرجمة: تمويل مشاريع بحثيّة أكاديميّة عميقة الجذور لتحليل الرّحلة من منظورات متعدّدة (سياحيّة، اتّصاليّة، أنثروبولوجيّة)، والعمل على إصدار ترجمات علميّة دقيقة ومشروحة للرّحلة إلى اللّغات الحيّة لجعل هذا الإرث الحضاريّ في متناول العالم.
|




