فقه المقامات
| بقلم |
![]() |
| الهادي بريك |
| فقه مقامات المشرّع ومنازل التّشريع الحلقة 2: ضوابط التّمييز بين المقامات |
هذا النّوع من الفقه -فقه مقامات المشرّع ومنازل التّشريع- من أدقّ أنواع الفقه حقّا وفعلا، ومن ذا يحتاج تحريرا أوسع وأدقّ لمقدّماته. هو بعض فروع علم المقاصد. ومن ذا ولفرط حساسيّته التي تسيل لعاب ذوي البضاعة المزجاة في الفقه الدّينيّ -سواء من الغالين المحرّفين أو من المبطلين المنتحلين- فإنّه محصّن بضوابط تحميه وتمنع الدّخلاء والمتطفّلين من وطء حماه.
من ضوابط التّمييز بين مختلف المقامات النّبويّة، وخاصّة أكبر مقامين: مقام البلاغ الذي هو الأصل الرّاسخ، ولا يعدل عنه إلى مقام آخر عدا بحجّة ودليل، وهو المقام التّشريعيّ الملزم -لزوم السّنّة قولا وفعلا وتقريرا- لكلّ مؤمن بالله واليوم الآخر في مختلف مناحي الحياة؛ ومقام عدم اللّزوم، وهو أقسام كثيرة تعالجها هذه السّلسلة في إبّانها إن شاء الله. من تلك الضّوابط:
الطّبيعة البشريّة لمحمّد عليه السّلام:
كونه بشرا ممّن خلق سبحانه لا خلاف على ذلك، ولا خلاف كذلك على المقصد الأسنى من ذلك، وهو تجنيب النّاس -في آخر وصل غيبيّ بين الله سبحانه وعباده ورسالة خاتمة- عبادة الأنبياء، كما فعل -ولن يزالوا- النّصارى بصفة خاصّة، وهم اليوم أزيد من ثلث الأرض. كلّ ما ورد من تأكيدات تترى في القرآن الكريم لبشريّة محمّد -عليه السّلام- ليس المقصود منها مبناها، أيّ أنّه صناعة طينيّة آدميّة ككلّ بشر؛ إذ لو كان ذلك كذلك لغمز المشركون والكافرون -سيّما في تلك الأيّام- أنّهم يعلمون ذلك منه كلّ علم، وأنّ تأكيد ذلك لغو ملغوّ. ولكنّ المقصود من تأكيد البشريّة هو نفي الإلهيّة جملة وتفصيلا. فلا هو -عليه السّلام- على النّاس بجبّار ولا مسيطر، ولا هو بينهم وبين ربّهم الحقّ سبحانه وكيل ولا حفيظ، إن هو إلّا مبلّغ بشيرا ونذيرا.
مكمن بشريّته هنا -عليه السّلام- في معرض الحديث عن مختلف مقاماته والتّمييز بينها، هو أنّ الله سبحانه ركّب سنّته وسيرته تركيبا مزدوجا؛ ليكون فيها حينا مبلّغا عن ربّه ليطاع، وحينا آخر ليكون بشرا يجتهد في تدبيرات الدّنيا فيصيب ويخطئ، ويتصرّف فيما هو بشريّ كما يتصرّف كلّ بشر. ولكن من دون أن يكون ذلك نقيصة فيه، بل هي قوّة. وأيّ قوّة أن يكون بشرا -فيه ما في البشر من عواطف وغرائز وأحاسيس وشهوات- ولكنّه بفضل الله يكيّف كلّ ذلك ويضبطه ويعدّله وفق ما يريد الله منه سبحانه، إحسانا من بعد إحسان.
تلك الحكمة الإلهيّة البالغة أن يرسل إلى النّاس واحدا منهم لحما ودما وبشريّة وآدميّة وإنسانيّة، ولكنّه قدوة لهم وأسوة بخلقه العظيم، وبعصمة إلهيّة فيما يبلّغه إليهم من ربّه سبحانه، وليس ملكا لا يعتريه ما يعتريهم؛ أنّى يكون لهم قدوة إذن؟ بشريّته -مع نبوّته المعصومة إلهيّا- هي دليل من أدلّة خلقه العظيم، وأمارة على نبوّته، وعلامة على أنّ اتّباعه قدر الإمكان ممكن، وليس مستحيلا. ليست بشريّته مطعنا كما يهرف الذين يقدّسونه رفعا إلى منزلة الإلهيّة أو بعض منها، وليست هي عيبا كما يهرف آخرون ممّن يعدّونها منقصة فلا يؤتمّ به. كلاهما مفارق لنهج الوسطيّة، كلاهما غال كلّ مغالاة. بشريّته إذن -عليه السّلام- تقتضي تميّز مقاماته بعضها عن بعض، وتصرف أولي البضاعة المزجاة عن عبادته، وتغرس للاعتدال في الحياة غرسا يانعا.
الخبرات والتّجارب الدّنيويّة:
هذا ضابط آخر من ضوابط التّمييز بين مقامي البلاغ والبشريّة. تجلّى ذلك في مشاهد كثيرة نأتي عليها إن شاء الله. خلاصتها أنّه -عليه السّلام- عندما يجترح معالجات دنيويّة خالصة ليس له فيها وحي، فإنّه يكون بشرا ككلّ بشر، يوظّف خبراته وعلومه ومعارفه، وقد يصيب وقد يخطئ. واقعة تأبير النّخل مثلا واحد من أمثلة كثيرة. اختياره لمكان عسكريّ في غزوة بدر دون الماء حتّى راجعه بعض الصّحابة فتراجع مثال آخر. اقتراحه عليهم إعطاء قبيلة غطفان ثلث تمر المدينة في غزوة الخندق مقابل فكّهم التّحالف مع قريش وحصار المدينة. لو كان ذلك وحيا إلهيّا لما روجع، ولما تراجع. ليس ذلك عيبا فيه، لا من حيث أنّه بشر، ولا من حيث أنّه نبيّ، لمن له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد.
مراجعة الصّحابة له وتراجعه:
يمكن أن يكون هذا الضّابط فرعا عمّا سبقه. وربّما يكون تراجعه -عليه السّلام- في مشهد بين أبي هريرة والفاروق عمر -عليهم الرّضوان جميعا- هو الأبرز عندي؛ إذ تراجع لمّا قال له عمر: «دعهم يعملون»، أي لا تبشّر النّاس بأنّ من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة. العجيب هنا -وهو من أكبر الأدلّة على فقه مقامات المشرّع مطلقا- أنّه -عليه السّلام- تراجع لقول عمر في أمر دينيّ. ولكنّه أمر دينيّ خالص مآله الذي أبصره ذلك الرّجل العظيم -الفاروق- هو أنّ بشارة النّاس -وهم يأتون ما يأتون من عظيم النّوافل والقربات- قد يجعلهم يزهدون فيها، وهم الذين اصطفى الله من خلقه ليكونوا للنّاس من بعده قدوات وأسوات ينقلون سنّته عليه السّلام. وفي ذلك التّراجع عبر أخرى أعظم وحكم أجلّ.
فعل الصّحابة أمورا كانت على منهج السّنّة وليس على منطوقها:
الحقّ أنّه خير من يقتدى بهم ويتأسّى في إثره -عليه السّلام- ومن مشكاته النّاصعة هم أولئك الذين جمعوا بين رأي العين وسماع الأذن لحما ودما من معالجاته دينا ودنيا، و»ليس من رأى كمن سمع» كما قالت العرب. أولئك الأصحاب لفرط فقههم القائم على منهج ابن عبّاس -لسان سؤول وفؤاد عقول- لزموا منهج السّنّة، وليس منطوقها عندما يكون منطوقها غير مناسب لزمان ومكان وحال وعرف وغير ذلك من المتغيّرات. رأينا معالجة عثمان لضوالّ الإبل، هذا تدبير دنيويّ خالص.
ولكن نرى -بالتّفصيل فيما يأتي من حلقات وليس هنا- معالجات أخرى، منها معالجة الفاروق عمر لصلاة التّراويح التي تخلّى عنها -عليه السّلام- جماعة مخافة أن تفرض على الأمّة، فلمّا جاء عمر خليفة جمع النّاس عليها في المسجد. هذا فعل هو إلى الدّين أقرب من الدّنيا. سهل على الجهلى والسّطحيّين ممّن لا يفقهون معنى الاستنان به -عليه السّلام- أن يقولوا هذه بدعة، حتّى تمحّل بعضهم بقوله إنّها «بدعة حسنة». ولكنّ الصّحابة يلزمون منهج السّنّة في أمرين: عندما لا تكون هناك سنّة، وهذا كثير فيما يجدّ لنا في الحياة العامّة؛ وعندما تكون لنا في الأمر سنّة ولكنّها كانت ملبّية لزمان ومكان وحال وعرف ومشهد خاصّ، فإذا تغيّرت الأوضاع لزمنا منهج السّنّة، وليس السّنّة.
ذلك هو التّمييز بين الأمور فقها صحيحا: منهج كلّ شيء هو المقدّم على تفاصيله. من بلغ ذلك فقد بلغ الدّرجات الأولى من الفقه القويم الرّشيد، ولغيره حثالات الاتّباع الأعمى والتّقليد القروديّ. ها هو قد رمل في الطّواف فلم لا نرمل اليوم؟ لأنّه -عليه السّلام- رمل بغرض إيصال رسالة حيّة لحما ودما للمشركين -الذين يهمسون أنّ محمّدا وأصحابه هزلوا- أنّه وأصحابه ما هزلوا وما ضعفوا. ومثل هذا كثير لا يكاد يحصى.
التّمييز بين الوسيلة والغاية:
من ضوابط التّمييز بين مختلف المقامات النّبويّة -وخاصّة كما أنف القول بين أكبر مقامين: البلاغ وغير البلاغ- النّظر إلى السّنّة هل هي -في ذلك الموضع المحدّد- وسيلة أم غاية؟ إذا كانت وسيلة فهي قابلة للتّغيّر، وإذا كانت غاية فلا طبعا. نهيه عن أكل البصل وما فيه ريح يؤذي النّاس قبل لقاء النّاس في الصّلاة وفي غيرها ليس مطلقا، فإذا أكل الرّجل بصلا أو أيّ شيء كريه الرّيح ثمّ وجد ما به يزيل تلك الرّائحة فلا حرج عليه؛ لأنّ البصل وما ورد في الحديث وسائل، وليست غايات. الغاية هي عدم إيذاء النّاس بريح كريهة. التّدخين مثلا في زماننا، ومن ذلك كثير قد نذكر بعضه.
لزوم التّعليل:
ربّما يكون هذا من أكبر ضوابط التّمييز بين مختلف المقامات. لزوم التّعليل معناه أنّ كلّ حديث يحمل علّة -أو حكمة أو مقصدا أو مصلحة بحسب اختلاف التّحريرات والصّياغات- يدور حكمه مع تلك العلّة، كما هو مقرّر في قاعدة أصوليّة عظمى: «الحكم يدور مع علّته وجودا وعدما». فإذا كان الحديث -سيّما خارج دائرتي العقائد والعبادات بمعناها الخاصّ لا العامّ- حاملا لمصلحة، فإنّه يرعى منهج السّنّة فيه، ولا يلتزم الحديث نفسه إذا كان إنفاذه لا يلبّي المطلوب منه. سفر المرأة مثلا: الفرق شاسع والبون واسع بين من يفهم الحديث أنّه تقييد لحركة المرأة أو عدّها إنسانا -أو عشر إنسان- في منزلة متأخّرة عن الرّجل، أو أنّ الحديث معناه الحذر من المرأة في سفرها وخروجها أنّها مصنع خصب لصناعة الفاحشة حتّى وهي ملتزمة حياءها؛ وبين من يفقه الحديث الفقه الأحسن، وهو أنّه -عليه السّلام- يخاف على المرأة العدوان والاغتصاب، ومن ذا فهو ينهاها عن المغامرة بنفسها -وهي بالنّسبة إلى رجل معتد ومغتصب أضعف بنية دون ريب في العادة- لتكون العواقب وخيمة.
البصر بمقامات الإفتاء والقضاء والإشارة: من أوكد ما يجب قوله في هذا الفقه -فقه مقامات المشرّع- هو أنّ محمّدا -عليه السّلام- يعالج الحياة كلّها من خلال واقعات ومشاهد مختلفة متنوّعة؛ قد يقضي هنا بين مختصمين، وقد يفتي هذا بما يناسب حاله، وقد يجاري هذا ويغلّظ على ذاك. الوعي بأنّه شخصيّة مزدوجة -نبيّ يوحى إليه ويبلّغ النّاس ما ينزل عليهم من الله سبحانه، وبشر يعيش حياته كما يعيشها كلّ إنسان في الشّؤون البشريّة الآدميّة المعروفة- هو خير ما يؤمّن التّمييز الصّحيح بين مختلف مقاماته. هو نفسه قال عن نفسه في الحديث الصّحيح إنّهم يختصمون إليه ولعلّ بعضهم ألحن بحجّته من بعض فيقضي له بما استبان له، وهدّد من قضى له بشيء من حقّ أخيه بأنّه قضى له بنار، إن شاء أخذها وإن شاء تركها. هذا دليل من أكبر الأدلّة على أنّه تغشاه الحالات البشريّة عندما لا يتنزّل عليه وحي.
هل يعتزل النّاس في تلك الحال بدعوى أنّه ليس له من الله وحي؟ لا، يقضي ويفتي ويجترح بما يعلم، فإذا كان الأمر يحتاج تصحيحا جاءه التّصحيح، وإذا كان الأمر يتيح الاجتهاد يقرّه على اجتهاده أو يعاتبه عليه من دون أن ينقضه (كما وقع في معالجة أسرى بدر وغير ذلك). التّمييز بين أكبر مقامين -البلاغ النّبويّ الملزم وغيره- يحتاج فقها ودربة وعلما دون شكّ، ولكنّه ليس مستحيلا. والفرق بين الوحي الملزم -خاصّة في القواطع الرّواسخ التي لا يستقيم بدونها دين- وغيره معلوم لذوي البصيرة. فلا يحتجّ به طائش ليميّع الوحي الملزم فيكون غير ملزم، ولا لدعيّ لقيط ليجعل من مستويات التّشريع كلّها مستوى واحدا؛ كلاهما أعور أحول أجدع.
عندما حكم لقبيلة «خثعم» بنصف الدّيّة فحسب ثمنا لقتل أصحابه بعضهم في شهر حرام، متبرّئا من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين؛ فإنّه لم يتبرّأ من المسلم القتيل عقديّا، ولكنّه تبرّأ منه مدنيّا بتعبيرنا المعاصر، أي وطنيّا. أي أنّ ذلك المسلم كان عليه الهجرة إلى دولة المدينة، فإذ لم يهاجر فهو عقديّا مسلم كامل الإسلام، ولكنّه مدنيّا وترابيّا ووطنيّا غير كذلك. أرأيت قيمة التّمييز بين الحالات والمنازل كم هو مهمّ لحسن الفقه؟ وعندما كان يوجّه الصّحابة إلى طبيب مشرك معروف بحرفيّته ومهنيّته، فهو يقول لنا بلسان الحال: «أنا في الأصل طبيب الأرواح والنّفوس والإنسان في جهازه المعنويّ الذي هو به إنسان. لست في الأصل طبيب أبدان، ولكنّ الشّريعة التي جئت بها تكفل عافية الأبدان جملة». ذلك الفعل منه من أكبر الأدلّة على اختلاف مقاماته. ليس ذلك عيبا فيه ولا في رسالته عدا عند من حرم نعمة التّمييز وملكة النّظر الدّقيق. وأمثلة أخرى نتعرّض لها فيما يأتي إن شاء الله.
قواعد أصوليّة هي أدلّة على فقه التّمييز بين المقامات:
يعرف طلبة العلم قاعدة أصوليّة في الحديث عنوانها: «فعله -عليه السّلام- لا يتجاوز المشروعيّة والإباحة ولا يرتقي ليكون واجبا عدا بقرينة صارفة قويّة». تلك من أعظم قواعد الفقه في الحديث وفقه المقامات. معناها أنّه لا يكفي الاعتماد على فعله -مجرّدا من قوله ومن قارنات أخرى- ليكون فعله ذاك دليلا على الوجوب، ومثله التّرك كذلك؛ إذ ليس تركه لشيء دليلا على حرمته إلّا بقارنات قويّة تصرفه إلى ذلك. ها هو قد غزا -عليه السّلام- وصالح خراجا (خيبر مثلا) وهدنة (الحديبيّة مثلا) وحارب وسالم على مال (غطفان مثلا)، فهل أنّ فعله ذلك ملزم لنا نحن اليوم وفي كلّ زمان شرعا؟ طبعا لا. وها هو قد قبل حماية مشرك لدعوته (عمّه)، فهل تلك هي سنّة ملزمة؟ طبعا لا. حتّى في الدّين نفسه، فإنّ الملزم شرعا هو ما كان واجبا وفرضا، وليس ما كان سنّة ونافلة سيّما في حقّ الفذّ، وليس الجماعة. فكيف تكون تدبيرات الدّنيا ملزمة؟
القول الحقّ الذي هو عندي أمّ الفقه هو: فقه التّمييز وملكة النّظر. فمن ملك ذلك بفضل الله صلح عقله وهدي من يفتيه، ومن حرم ذلك فقد حرم لذّة الفقه ومتعة النّظر، وعليه لزوم حدوده، وليعبد ربّه بما يعلم، ولا يحشر أنفه فيما يعود عليه بالعقم والنّقمة. من لوازم هذه القاعدة قولهم: «الفعل أخصّ من القول في الاتّباع»؛ لأنّ الفعل مباشرة عمليّة ميدانيّة، فإذا كان ذلك الفعل من بعد قول أو ملازما له فهو أقوى، وقد يكون الأقوى. الفعل أخصّ من القول، ولكنّ الفعل لا يتعدّى دليل الإباحة إلى الإيجاب عدا بقرينة صارفة قويّة. من أمثلة ذلك أنّه لم يحارب المنافقين ولم يقاتلهم، وهو الأعلم بأنّهم حركة منظّمة تعمل على الفتك من الدّاخل بالإسلام وأمّته وفي ساعات عسر شديدة جدّا (واقعة الإفك، ومسجد الضّرار، وما وقع في تبوك وقبلها أمثلة حارّة على ذلك). هو مأمور قرآنا بجهادهم، ولكنّ جهادهم ليس كجهاد الكفّار المحاربين من خارج الصّفّ. أرأيت كيف ينصرف الأمر بين القرآن والسّنّة؟
خلاصة فقه التّمييز بين مختلف المقامات النّبويّة:
من أكبر ضوابط ذلك التّمييز رعاية أمور منها: هل الحديث موضوعه العادة أم العبادة؟ إذا كان موضوعه عادة فهو في العادة منتم إلى مقام غير تشريعيّ ملزم. هل الحديث موضوعه غيب أم شهادة؟ إذا كان غيبا فهو تشريعيّ ملزم، حتّى لو كان الإلزام هنا عقديّا لا عمليّا. هل الحديث له خصوصيّة جليّة به لا خلاف عليها من مثل عدد الزّيجات أو الوصال في الصّوم؟ إذا كان كذلك فهو خاصّ به فلا اتّساء فيه به.
إذا كان الحديث غير قاطع في دلالته -أو في سنده من باب أولى- قطعا لا يخترمه احتمال فيبطل به استدلال، فهو غير ملزم تشريعيّا، عدا فيما يجتهد فيه أهله فيكون مذهبا أو غير ذلك؛ إذ المختلف فيه أصلا -وليس تبعا أو فرعا- لا يصلح أن يكون مقاما تشريعيّا ملزما، وخاصّة إذا كان المختلف فيه مستحبّا وليس واجبا موجوبا أو فريضة مفروضة. هذا نوع آخر من المقامات قد يعالجه هذا الكرّاس، هذا يوعظ به وعظا وترغيبا، وليس يلزم به إلزاما.
إذا كان الحديث يحتمل لغة أكثر من مقام لسانيّ -لغة وشرعا وعرفا- فإن حمل على معناه الشّرعيّ فهو ملزم، وإلّا فهو غير كذلك في العادة. وقد مرّ بنا هل الحديث وسيلة أو غاية؟ الوسيلة متغيّرة غير ملزمة بخلاف الغاية. كما مرّ بنا أنّ الحديث قد يكون لطبيعته البشريّة أكلا وشربا وحاجات يوميّة ومثله التّداوي والاستشفاء. ومن أكبر ضوابط ذلك التّمييز كذلك: هل الحديث معلّل معقول مفهوم يحمل مقصدا وحكمة ومصلحة أم هو تعبّديّ خالص؟ ما كان تعبّديّا خالصا فهو ملزم شرعا لا محالة وبدون أيّ تمحّل فارغ، وما كان غير كذلك ينظر فيه لينزّل حيث يلبّي مقصده وحكمته ومصلحته؛ حتّى ينزّه الشّرع عن العبث. |




