نفحات

بقلم
د. عبد الفتاح أبوماضي
بين منطق القوّة وحكمة العدل: مقارنة تأصيليّة بين الميكافيليّة وفلسفة الحكم في الإسلام
 1. التّأصيل الفلسفي للفكر السّياسي الإسلامي
1.1.  مقاصد الحكم في الإسلام: من الأنطولوجيا إلى السّياسة
يقوم التّصوّر الإسلاميّ للسّلطة على أصلين وجوديّين: 
1.1.1 الأصل الأوّل: الاستخلاف: فالإنسان خليفة الله في الأرض، والخلافة أمانة لا تشريف، ومسؤوليّة لا امتياز.
قال تعالى: ﴿..إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..﴾(البقرة: 30)، فالسّلطة هنا تكليف إلهيّ يخضع للمساءلة الأخرويّة قبل الدّنيويّة. 
2.1.1 الأصل الثّاني: العدل كغاية وجوديّة:  ليس العدل خيارًا أخلاقيًّا، بل ضرورة تكوينيّة يقوم بها نظام الكون. والسّلطان العادل يمثّل حكم الله في الأرض، أي أنّ شرعيّة الحكم تتوقّف على تحقّق العدل لا على مجرّد الإمساك بالسّلطة. وهو ما تنعكس مؤشّراته جليًّا في آليات الحكم وغائيته.
2.1.  آليات الحكم : الشّورى والبيعة والمساءلة
لا تقوم النّظريّة السّياسيّة الإسلاميّة على الفرد المؤسّس، بل على الأمّة مصدرًا للشّرعيّة. فالشّورى ليست نافلة سياسيّة، بل فريضة قرآنيّة: ﴿ ..وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ..﴾(الشورى: 38). والبيعة عقد بين الحاكم والمحكوم، متى انتهكه الحاكم سقطت طاعته. وقد تجلّت إمكانيّة الفعل والتّطبيق من خلال سيرة الخلفاء الرّاشدين، إذ جسّدوا هذا التّنظير عمليًّا في أمثلة عديدة، منها: ما أعلنه أبو بكر في خطبة تولّيه: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم». وقول عمر بن الخطّاب: «متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارًا؟». وقول عليّ بن أبي طالب: «لا رأي لمن لا يُطاع». وهذا ما يسمّيه الفلاسفة «الشّفافيّة التّداوليّة» قبل قرون ممّا يسمّى بـ«الحداثة».
3.1.  غائية الحكم: بين المصلحة العامّة والضّوابط الأخلاقيّة
لا تنفي الشّريعة فكرة «المصلحة»، لكنّها تضعها في سياج محكم من الضّوابط: فلا مصلحة تُبنى على إفساد الأخلاق، ولا استقرار يُشترى بالظّلم. وهنا يبرز التّمايز الجوهريّ؛ فالوسيلة في الفكر الإسلاميّ المنضبط مشروطة بغايتها، والغاية لا تبرّر الانحراف. 
2. الميكافيليّة: أنثروبولوجيا القسوة وفقه البقاء
1.2. الإنسان كائن أناني الجبان
تستند نظرة الممارس السّياسيّ (الميكافيلّيّ) للإنسان إلى الرّؤية التّشاؤميّة التي انطلق منها ميكافيلي في كتابه «الأمير»؛ حيث يصف الإنسان بأنّه كائن: «جاحد، ومتقلّب، وكذّاب، وجبان». ووفقًا لهذا التّصوّر، يرى ميكافيلي أنّ الحاكم الحصيف هو من يتعامل مع رعيّته بمنطق الخوف لا الحبّ، وبالغدر لا الوفاء؛ وهي نظرة أنثروبولوجيّة تُسقط تمامًا أيّ مساحة للفضيلة في الممارسة السّياسيّة.
2.2. السّلطة كفن البقاء لا كرسالة:
وفقًا لهذا المنظور، يُجرّد السّاسة الممارسة السّياسيّة من أيّ بُعد أخلاقيّ، ليحوّلوها إلى ما يشبه «البيولوجيا السّياسيّة» التي تحكمها قاعدة: «البقاء للأصلح» في غابة الصّراع السّياسيّ. وبناءً على ذلك، تصبح العبرة بخواتيم الأعمال ونتائجها لا بصدق النّوايا، ويُعدّ الخداع براعةً ومهارةً تُحمد لا عيبًا يُذمّ. أمّا القسوة، فإن أُحسن توظيفها في الوقت المناسب، غدت بمنطقهم المعكوس ضربًا من الرّحمة؛ لتُختزل الفضيلة في النّهاية في مجرّد القدرة الميكافيلّيّة على اقتناص الفرص، بعيدًا عن أيّ التزام بالتّخلّق بالأخلاق. 
3.2. الأسد والثّعلب: 
وهي استعارة أخلاقيّة ساقطة، يُرمَز بها إلى الحاكم النّاجح؛ فيُشبَّه بالأسد (للتّعبير عن القوّة المخيفة) والثّعلب (للتّعبير عن الدّهاء المخادع). وهذا الجمع بين القهر والمكر هو جوهر سياسة الغالبيّة من الحاكمين. فالحاكم المثاليّ هو من يستطيع خداع الجميع؛ لأنّ الجميع -كما يعتقد- بسطاء يسهل خداعهم.
3. الممارسة السّياسيّة المعاصرة: عصر الميكافيليّة الصّامت 
إذا تأمّلنا واقع السّياسة اليوم، نجد أنّ مبادئ ميكافيلي أصبحت الضّمير الخفيّ للسّاسة في الشّرق والغرب، وإن تزيّوا بثياب الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان. وتتجلّى هذه الصّورة من خلال ملامح هذه الممارسة، ومنها: 
1.3. فصل الأقنعة عن الجوهر
يتحدّث السّياسيّ بلغة الحقوق والعدالة في الحملات الانتخابيّة، فإذا استلم السّلطة عمل بقوانين الطّوارئ، وقمع المعارضة، ومرّر القوانين لصالح النّخبة. هذا هو «التّمسرح الميكافيلّيّ»: إظهار خلاف الإبطان (نفاق). 
2.3. تبرير القسوة باسم «مصلحة الدولة»
الاعتقالات خارج إطار القانون، والتّعذيب في السّجون السّرّيّة، والتّجسّس على المواطنين؛ كلّها ممارسات تُبَرَّر تحت عنوان «الأمن القوميّ» أو «محاربة الإرهاب». وهذه ليست سوى «القسوة المحسوبة» الّتي نصح بها ميكافيلي. 
3.3. الغدر بالحلفاء عند تغير المصالح
تُعقد التّحالفات الدّوليّة وتُنقض في لحظة، وتُمنح الوعود وتُخلف دون حياء. فالسّياسة الخارجيّة أصبحت لعبة محصّلتها صفر، حيث إنّ «الغاية تبرّر الوسيلة» هي القاعدة الذّهبيّة. 
4.3. استغلال الخوف كأداة إدارة
تُخوّف الأنظمة شعوبها من عدوّ خارجيّ (إرهاب، هجرة، جار شرّير) لتصرف الانتباه عن الفساد الدّاخليّ. فالخوف يجعل الجماهير أكثر طاعة وأقلّ مساءلة – وهو درس ميكافيلّيّ بامتياز. 
5.3. صناعة «العدوّ» لتوحيد الصّفّ
يقول ميكافيلي: «من الذّكاء أن يصنع الأمير عدوًّا ليوحّد صفوف رعيّته ضدّه». واليوم نرى ذلك جليًّا في خطاب الكراهية الإعلاميّ ضدّ دول، أو أقلّيّات، أو مذاهب، كوسيلة لتعزيز الولاء للسّلطة القائمة. 
4. لماذا الفلسفة الإسلامية أسمى وأعمق؟
1.4. الأخلاق ليست أداةً بل جوهر
في الإسلام، لا تُعدّ قيم العدل والصّدق والأمانة مجرّد تكتيكات للبقاء، بل هي قيم وجوديّة. فالحكم الظّالم يسقط حتّى لو استمرّ ظاهريًّا؛ لأنّه قائم على فساد جوهريّ.
2.4.  الإنسان ليس أداةً بل غاية
كرامة الإنسان خطّ أحمر لا تبرّر المساس بها أيّ مصلحة. فلا يوجد «خير وهميّ» يتحقّق على جثث الأبرياء؛ لأنّ الغاية لا تبرّر الوسيلة الفاسدة أبدًا.
3.4.  الاستقرار الحقيقيّ بالعدل لا بالخوف
يشهد التّاريخ أنّ الدّول الّتي قامت على الخوف والغدر تنهار عند أوّل هزّة، بينما الدّول الّتي أسّست للعدل والشّورى تعمّر قرونًا. فالخوف يولّد الكراهية، والكراهية تلد الثّورة.
4.4.  المساءلة ركن وجوديّ
إنّ غياب المساءلة في النّموذج الميكافيلّيّ هو سرّ فشله الأخلاقيّ والعمليّ. أمّا في الإسلام، فالحاكم محاسب أمام الله ثمّ أمام النّاس، وهذه الرّقابة المزدوجة هي الضّمانة الحقيقيّة ضدّ الاستبداد.
5. أي إرث نختار؟
لقد أثبتت التّجارب الإنسانيّة أنّ الميكافيلّيّة، وإن كانت وصفًا واقعيًّا لكثير ممّا يحدث، لا يمكن أن تكون وصفة للمجتمع الفاضل. فالسّياسة الّتي أُفرغت من الأخلاق تحوّلت إلى سرقة مقنّعة، والدّولة الّتي بُنيت على الخوف تنتظر ساعة الانهيار. 
في المقابل، يقدّم الإسلام رؤية أعمق: حكم يؤسّس للعدل، ويقيم الشّورى، ويحاسب الحاكم، ويصون كرامة المحكوم. ليس هذا مثاليّة ساذجة، بل تجربة تاريخيّة نجحت في زمن الخلفاء الرّاشدين، ويمكن أن تعود إذا امتلكنا الإرادة لتحرير السّياسة من براثن منطق الأسد والثّعلب. 
فأيّ الإرثين نختار لأجيالنا؟ إرث ميكافيلي الّذي يجعل السّياسة سوق نِهاب، أم إرث الإسلام الّذي يجعلها رسالة رحابة وعدل؟
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى: 39-40)