تزكية

بقلم
أ.د. ناصر أحمد سنه
الإسلام، والصّحة النّفسيّة المجتمعيّة
 1. مفهوم الصّحّة النّفسيّة المُجتمعيّة
هي حالة أو مناخ عامّ من السّواء (الخلوّ والبُرء من الانحرافات والاضطرابات النّفسيّة والعقليّة، وخاصّةً محاولات الانتحار)، يكون فيها المُجتمع مُتّزناً ومُتوازناً ومُتوافقاً ومُتكاملاً وآمناً، وقادراً على توفير الحاجات الفسيولوجيّة، والحاجة إلى الأمن (بكافّة صوره)، والحاجة إلى التّقدير، والحاجة إلى توكيد الذّات وتحقيقها والتّعبير عنها، والحاجة إلى الانتماء، والشّعور بالرّضا والسّعادة. كما تشمل كذلك القدرة على مواجهة ضغوط الحياة ومخاوفها (الخوف من الجوع ونقص الأنفس أو الموت، والخوف من الفشل ونقص الأموال أو الفقر، والخوف من حدوث المرض والمصائب، والخوف من ارتكاب المعاصي والشّعور بالذّنب). وفضلاً عن ذلك، يكون المُجتمع قادراً على تحقيق ذاته، واستثمار قدراته وإمكاناته مع الإحساس الإيجابيّ العامّ بالرّضا والكفاية..
يقول ابن القيّم رحمه الله -فيما يُمكن وصفه بتعريف الصّحّة النّفسيّة-: «فإنّ صلاح القلوب أن تكون عارفةً بربّها وفاطرها، وبأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وأن تكون مُؤثِرةً لمرضاته ومحابّه، مُتجنّبةً لمناهيه ومساخطه، ولا صحّة لها ولا حياة ألبتّة إلّا بذلك، ولا سبيل إلى تلقّيه إلّا من جهة الرّسل، وما يُظنّ من حصول صحّة القلب بدون اتّباعهم؛ فغلط مِمّن يظنّ ذلك، وإنّما ذلك حياة نفسه البهيميّة الشّهوانيّة، وصحّتها وقوّتها، وحياة قلبه وصحّته وقوّته عن ذلك بمعزل. يعني: أنّ طبّ غير الأنبياء يُمكن أن يُعالج النّفس الشّهوانيّة والجسد الحيوانيّ، لكنّ القلب عن ذلك بمعزل؛ لأنّه لا يُعالجه إلّا القرآن»(1).
2. سُلّم تلبية الحاجات والضّرورات
لقد امتنّ الله تعالى على قبيلة «قريش» بتوفير حاجاتهم الأساسيّة، وكذلك بنعمة الأمن العامّ من جيش «أبرهة» حين قدم لهدم الكعبة: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾(قريش: 3-4). وفي موضع آخر يُقدّم القرآن الكريم نعمة الأمن على الرّزق: ﴿ وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص: 57)، ويقول تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾(البقرة: 126).
لذا، فإنّ إشباع الحاجات الفسيولوجيّة (طعام، وشراب، وملبس، ومأوى)، والحاجة إلى الأمن والأمان يُحرّر المُجتمع من أهمّ أسباب الاضطرابات النّفسيّة. ويتمّ ذلك على مُستوى الأُسرة عبر: السّعي لطلب الرّزق، والاستقرار الأُسريّ، والعدالة بين الأولاد، وغرس التّعاليم الدّينيّة فيهم منذ نعومة أظفارهم، والتّعامل معهم بمودّة وإرشاد ونُصح وتوجيه سليم، واستخدام الوسائل التّربويّة في الثّواب والعقاب.
3. المُعالجة الإسلاميّة للضّغوط والمخاوف
تهتمّ شريعة الإسلام بالمُجتمع ككلّ (مُعظم الشّعائر تُؤدّى «جماعيّة»)، على عكس النّظم الغربيّة الّتي «تُقدّس» الفرد والفردانيّة. وقد قصدت الشّريعة إلى وقاية المُجتمعات مِمّا قد يجعلها «مريضةً» لا تُحقّق وسطيّتها وخيريّتها، ولا تنهض بدعوتها ورسالتها، ولا تُحقّق هدفها وغايتها. لذا، اعتنت عنايةً خاصّةً بالصّحّة النّفسيّة والعقليّة، وجعلتها من «الكُلّيّات أو الضّرورات الخمس» الّتي ينبغي الحفاظ عليها: الدّين، والنّفس، والمال، والنّسل، والعقل.
ومن أهمّ ما يحفظ على المُجتمعات توازنها وصحّتها وعافيتها: 
* فهم رسالتنا في الحياة ومعرفتها، وتنفيذ الحكمة والغاية من خلقنا، والمُداومة على اللّجوء إلى الله تعالى طالبين منه العون والسّداد على أداء هذه الرّسالة على خير وجه. فرِضانا عن طريقنا إلى الله تعالى يُضيء نفوسنا، فتُضيء لنا الحياة، فنسعد وننهض.
* التّقوى والإيمان بالقضاء والقدر: التّقوى حائط منيع، ووقاية قلبيّة ضدّ كلّ ما هو مُحرّم، وهي المخرج من كلّ مصيبة وضيق، وجالبة كذلك للرّزق: ﴿...وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾(الطّلاق: 2-3)، أي يرزقه صحّةً وعافيةً وطمأنينةً. 
* ومِمّا يُوفّر الرّاحة النّفسيّة، ويُجنّب الصّراع والتّوتّر والقلق النّفسيّ: الإيمان بالقضاء والقدر:﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾(التّوبة: 51). وعن أبي العبّاس عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النّبيّ ﷺ يوماً، فقال: «يا غلام، إنّي أُعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأُمّة لو اجتمعت على أَن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلّا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء، لم يضرّوك إلّا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصّحف»(2).
*القناعة والصّبر: كذلك القناعة بما وهب الله الإنسان من قدرات وإمكانيّات. يقول الرّسول ﷺ: «من أصبح منكم آمناً في سربه، مُعافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا»(3). وقد يكون الفقر خلوّاً من المال، لكنّ أقبحه الخلوّ من العافية. وقد يكون الغنى امتلاك الدّنيا، لكنّ أحسنه الهناء في الدّنيا. ومن الهناء النّفسيّ: الإيمان والعمل الصّالح والتّواصي بالحقّ والصّبر: ﴿ وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ *إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾(سورة العصر). إنّ الهلع عند البلاء يجعل الولدان شيباً. والصّبر -حبس النّفس عن الشّكوى والجزع والتّسخّط- يُوفّر بيئةً نفسيّةً داخليّةً تجلب صلوات الله ورحمته وهدايته تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾(البقرة: 155-157). ولِمَ الجزع والهلع عند البلاء؟! وهو يُسفر عن صفحة نقيّة من الخطايا، فعَنْ أَبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا يَزَال الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤمِنَةِ في نَفْسِهِ وَولَدِهِ ومَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّه تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»(4). فلا ينبغي على المُجتمع المُسلم القنوط من رحمة الله، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(الزّمر: 53).
4. العبادات والدّعم المُجتمعيّ
ولا يخفى ما للعبادات وبخاصّة الصّلاة من أثر إيمانيّ كبير وملموس على الصّحّة النّفسيّة والبدنيّة في آن معاً:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(البقرة: 153). ففيها ترسيخ لحاجة الإنسان إلى مدد من السّماء يُعينه على غربته الحياتيّة ويُقوّيه على مواجهة أمواج الحياة العاتية، إنّها ارتقاء إلى مدارج السُّمُوّ، فيها يُحسّ الإنسان بإنسانيّته، كما يُحسّ بقدره وقيمته وبأنّه غير مُستطيع أن يعيش دون فيض ربّانيّ، ونور إلهيّ، ومدد سماويّ يبعث في نفسه الرّاحة. وبالصّلاة يجتنب الإنسان الفواحش والمُنكرات، ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ..﴾(العنكبوت: 45)، ويُفضي ذلك إلى سلوك يوميّ يشمل الفعل والقول، ومعنى ذلك أنّ الصّلاة يمتدّ مفعولها وتأثيرها إلى تهذيب اللّسان والقلب وما يرتبط بهما. والصّوم أحد أرقى العبادات، به تُروَّض النّفس الحَرون وتُلجَم، ويتحقّق الصّفاء النّفسيّ النّاتج عن راحة المَعِدة والقلب، وما يتبعه من تخلّص الجسم مِمّا هو مُضرّ. والصّوم أكثر العبادات تحقيقاً للرّاحة النّفسيّة وتكريساً لخُلق الصّبر والقناعة والإحساس بالآخرين لمن صام تعبّداً لا عادةً، إنّه عيادة مجّانيّة ورياضة نفسيّة.
ومن دعائم العافية النّفسيّة المُجتمعيّة أن يكون الأفراد مُتوافقين مع أنفسهم، ومُتوادّين، ومُتراحمين، ومُتعاطفين، مِمّا يُوفّر دعماً لبعضهم البعض في مقابل الابتلاءات والأزمات. قالَ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»(5). كما أنّ الصّدقة تحمل معاني التّراحم والتّكافل، وتُقوّي الرّوابط الاجتماعيّة، وتغرس في القلب الرّحمة، وتُحارب صفة البُخل والمنع الفطريّة. وتُخلّص الصّدقة النّفس من مرض الأنانيّة، وتُقوّي الإحساس بالغير، وهو ما يُحقّق عمليّة التّطهير: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(التوبة: 103)، وكلّما تطهّر المرء من أمراضه القلبيّة سما وزكا وصحّ.
والدّعاء والذّكر -وأفضله قراءة القرآن- شعيرة يوميّة يُمارسها المُسلم. وهي بلسم شافٍ للنّفوس والقلوب المُرهقة من تعب الحياة: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرّعد: 28). وذكر الله استشعار دائم لمعيّة الخالق الدّائمة، وطلب المدد منه في كلّ لحظة. والإعراض عن هذا الذّكر يُسبّب قسوة القلوب، وتجهّم الوجوه، وغِلظة الطّباع: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾(طه: 124).
ولقد حثّ أطبّاء حضارتنا العربيّة الإسلاميّة على الصّحّة الوقائيّة الشّاملة لعافية النّفس والبدن معاً، فقالوا: «أربع تُفرح: النّظر إلى الخُضرة، وإلى الماء الجاري، وإلى المحبوب، وإلى الثّمار، وأربع تزيد في بهاء الوجه وجماله وبهجته: التّقوى، والكرم، والمُروءة، والوفاء، وأربع تهدم البدن: الهمّ، والحزن، والجوع، والسّهر،وخمس يُذبن البدن ويُذهبن باللُّبّ: قِصر ذات اليد، وفراق الأحبّة، وتجرّع الهموم والمتاعب والمصاعب، وردّ النُّصح، وضحك ذوي الجهل بالعقلاء، وراحة الجسم في قِلّة الطّعام، وراحة القلب في قِلّة الاهتمام، وراحة اللّسان في قِلّة الكلام، وراحة النّفس في قِلّة الآثام».
5. ختاماً
إنّ علاقة التّديّن الصّحيح (لا المغشوش) بالصّحّة النّفسيّة المُجتمعيّة علاقة طرديّة إيجابيّة: «حسبنا من المُتاجرة مع السّماء بضاعة من الإيمان الّذي لا غشّ فيه، ومن المُتاجرة مع الأرض بضاعة طيّبة من النّيّة الّتي لا دنس فيها، وربحنا من كِلتا البضاعتين أن يُلقي الله علينا محبّةً منه وتأييداً وسكينةً، وهل السّعادة إلّا ذلك»(6). فكلّما كان تديّن المُجتمعات ناضجاً ومُعتدلاً وسليماً كانت صحّتها النّفسيّة جيّدةً، والعكس بالعكس. إنّ نظام الدّين والتّديّن لا يحصلان إلّا بنظام الدّنيا، وسياستها الشّرعيّة. لذا، يبقى أنّ «العاصم من قواصم» الأزمات النّفسيّة المُجتمعيّة هو إشاعة مناخ عامّ يسوده التّديّن الصّافي، وقيم الحقّ، والعدل، والعدالة، والخير، والتّراحم، والتّكافل، والتّعاون، والإحسان، إلخ
الهوامش
(1) ابن قيّم الجوزيّة: الطّبّ النّبويّ، بيروت دار الفكر، (د. ت.)، ص: 3
(2) رواه التّرمذيّ وقال: حديث حسن صحيح
(3) رواه التّرمذيّ 
(4) رواه التّرمذيّ وقال: حديث حسن صحيح
(5) رواه البخاريّ من حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه
(6) بتصرّف من كلام الرّافعيّ: كتاب المساكين، دار الكتاب العربيّ، ط 10، 1982