| يشكّل التّداخل بين الأخلاقيّ والسّياسيّ إحدى أهمّ القضايا التّي استقطبت اهتمام الفكر الفلسفيّ والإنسانيّ منذ القدم؛ وذلك لأثرها المباشر في تشكيل طبيعة الحكم وتحديد غايات الاجتماع البشريّ. ولا تزال جدليّة الأخلاقيّ والسّياسيّ قضيّة متجدّدة عبر العصور، تذكيها حاجة الإنسان الفطريّة إلى الاجتماع وميله للعيش في كيانات جماعيّة، ساعيا دوما للارتقاء بها نحو مراتب المثاليّة، ضمن ترابط عضويّ يبلغ درجة التّمازج، وهو ما يتجلّى بوضوح في فلسفة الأخلاق والسّياسة عند الفارابيّ. ويعدّ «المعلّم الثّاني» الرّائد المؤسّس للفلسفة السّياسيّة الإسلاميّة؛ حيث أرسى دعائم دولة فاضلة مثاليّة، تجسّد تطلّعات الإنسانيّة على اختلاف شرائعها ومرجعيّاتها واقعا. فلم يفصل الفارابيّ بين تدبير المدينة وتهذيب النّفس، بل أحكم الرّبط بين السّياسة والفضيلة، جاعلا من السّعادة القصوى للإنسان غاية الغايات.
وقد سعينا في هذه الدّراسة، التّي ارتأينا تقسيمها إلى خمس حلقات، إلى تتبّع جذور مبحث «جدليّة الأخلاقيّ والسّياسيّ في فلسفة الفارابيّ» بدءا من مهدها الأوّل في الفلسفة الإغريقيّة. فانطلقنا من «سقراط»، مؤسّس فلسفة الأخلاق الملقّب بـ«أبي الفلسفة» وواضع اللّبنة الأولى للتّفكير الأخلاقيّ السّياسيّ، ثمّ واكبنا مسار تطوّر هذه النّظريّة مرورا بأفلاطون وأرسطو، وصولا إلى المدرسة الرّواقيّة.وتأسيسا على ذلك، أفردنا الحلقة الأولى لمقاربة مفهوم الأخلاق عند هذه المدارس، بينما خصّصنا الحلقة الثّانية لمفهوم السّياسة لديها، متجاوزين في مقاربتنا حدود التّحليل اللّغويّ الصّرف للمصطلحين. وانطلاقا من هذه الرّؤية التّأسيسيّة، توجّهنا نحو تبيان الأسس النّظريّة لعلاقة الأخلاقيّ والسّياسيّ في فلسفة الفارابيّ؛ فحلّلنا مفهومي «الأخلاق» و«السّياسة» في نسقه الفكريّ، وكشفنا عن التّلازم الحتميّ بين الفضيلة والسّلطة (في الحلقتين الثّالثة والرّابعة)، لنتوّج هذا المسار باستعراض تصوّره للمدينة الفاضلة، بوصفها النّموذج الحضاريّ الأرقى لتكامل القيم مع التّنظيم السّياسيّ (في الحلقة الأخيرة). |