دراسات

بقلم
عبير خلف الله
جدليّة الأخلاقي والسّياسي في فلسفة الفارابي (1-5) الأخلاق في ميزان الفلسفة: مقاربة في الجذور الإغري
 1. مفهوم الأخلاق في الفلسفة الإغريقيّة
إنّه لمن المستغرب حقّا ألاّ نجد تعريفا جامعا مانعا لمصطلح الأخلاق؛ إذ قد يخيّل للباحث المبتدئ أنّ تحديد ماهية «الأخلاق» أمر يسير، بوصفها أسّا من الأسس التّي تنهض عليها المجتمعات، بل المنظّم الرّئيسيّ للحياة الإنسانيّة جمعاء. بيد أنّ الحقيقة تتمثّل في كوننا بصدد البحث عن مقاربات تعريفيّة لنظريّة برمّتها، ألا وهي «النّظريّة الأخلاقيّة» التّي استقطبت اهتمام الفلاسفة، فأنتجت في رحابها مدوّنات شتّى، وأسّست في سبيل سبر أغوارها مدارس فلسفيّة متنوّعة.
1.1. الرّؤية الأخلاقيّة عند سقراط (470 ق.م - 399 ق.م)
يعدّ سقراط المعلّم الّذي رسم للفلسفة مسارا جديدا زاخرا بالأفكار والنّظريّات التّي هيمنت على الفكر اليونانيّ وتجاوزته لتظلّ مشعّة لقرون متوالية. فقد أضحى «الإنسان» محورا لفلسفة سقراط التّي تمركزت حول دائرة الأخلاق، باعتبارها أهمّ ما يستدعي نظر الإنسان. وهذا المعنى يتجلّى في مقولة «شيشرون» إنّ سقراط أنزل الفلسفة من السّماء إلى الأرض؛ أي أنّه حوّل مسار النّظر من الفلك والعناصر الطّبيعيّة إلى سبر أغوار النّفس الإنسانيّة. وتتمحور الأخلاق عنده حول ماهية الإنسان، إذ يقول: «الإنسان روح وعقل يسيطر على الحسّ ويديره، والقوانين العادلة صادرة عن العقل، ومطابقة للطّبيعة الحقّة، وهي صورة غير مكتوبة رسمتها الآلهة في قلوب البشر...»(1).
وترتبط الأخلاق عند سقراط بالعقل ارتباطا وثيقا؛ فعنه تصدر القوانين العادلة وبه تطاع، وهو الّذي ينظّم الأفعال الإنسانيّة الفاضلة التّي تقودنا إلى السّعادة متى سيطر العقل على شهوات الجسد وكبح جماحها. فقد ربط سقراط السّعادة بسيادة العقل على دوافع الشّهوة ونوازع الهوى، وردّ الإنسان إلى حياة الاعتدال. ومتى أدرك الإنسان ماهيته وعرف خيره أتاه لا محالة؛ لأنّ الفضيلة وليدة المعرفة، فمتى عرفت الخير حرصت على إتيانه، ومتى أدركت الشّرّ توخّت اجتنابه، إذ لا يصدر الشّرّ إلاّ عن جهل. وهكذا تتجلّى العلاقة الوثيقة بين الفضيلة والمعرفة(2).
وقد أصرّ سقراط على إرساء المبادئ الفاضلة، فاتّخذ من تعليم النّاس الحكمة أداء لواجب مقدّس كان يلبّي نداءه، فطفق يبشّر بالخير ويدعو إلى ممارسة الفضيلة، معلنا أنّ العدالة وسائر الفضائل تتلخّص في الحكمة، والحكمة هي معرفة الخير. وكأنّ دأبه تعليم الفضيلة بمعنى توليد الحقيقة في النّفس؛ لأنّ الفضيلة علم، ومن المحال أن يقترف الإنسان الشّرّ مختارا(3).
نخلص إذن إلى أنّ سقراط هو أوّل من أرسى دعائم الفلسفة الإنسانيّة، جاعلا من الإنسان محورا لها، وموليا النّظريّة الأخلاقيّة اهتماما بالغا. فقد انتشل الأخلاق من مستنقع السّفسطائيّين الّذين جعلوا من المنفعة واللّذّة أساسين لها، ليصبح السّلوك الأخلاقيّ مع «أبي الفلسفة» مرتكزا على المعرفة والتّفكير العقلانيّ. وجعل من الفضيلة أسّا للعلم، كما جعل العلم مرتكزا للفضيلة، لتشهد فلسفة الأخلاق بذلك تحوّلا جذريّا؛ إذ ارتكزت على أسس ثابتة تنبع من العقل والمعرفة اللّذين يمثّلان جوهر الإنسان وحقيقته، بعد أن كانت عند السّفسطائيّين مجرّد قيم نسبيّة تتغيّر بتغيّر الزّمان والمكان وتخضع للمصالح والأهواء.
2.1. الرّؤية الأخلاقيّة عند أفلاطون (427 ق.م - 347 ق.م)
يعدّ أفلاطون تلميذ سقراط الوفيّ الّذي حفظ لنا أفكار أستاذه عبر العديد من المؤلّفات، أو بالأحرى «المحاورات» التّي دوّنها وأرّخها، مبرزا من خلالها قدرة معلّمه الفائقة على إفحام السّفسطائيّين وتفنيد ادّعاءاتهم.
ولئن شهدت فلسفة الأخلاق تطوّرا نوعيّا مع أفلاطون، فقد ظلّ سقراط الجوهر الملهِم لهذه الفلسفة التّي ارتقت بــ«النّفس» من مجرّد مبدأ حيويّ يضمن بقاء الجسد، إلى محور تدور حوله الفلسفة الأخلاقيّة اليونانيّة، والّتي تفرّعت عنها اتّجاهات فكريّة متعدّدة تصدّرها أفلاطون. فهل التزم التّلميذ بنظريّة معلّمه بحذافيرها؟ أم أنّه طوّرها وأضفى عليها بصمته الخاصّة ورؤاه الفلسفيّة؟
لقد قامت نظريّة سقراط الأخلاقيّة أساسا على دحض آراء السّفسطائيّين القائمة على مغالطات نسفت موضوعيّة الحقائق. وقد ساير أفلاطون أستاذه في موقفه من الاتّجاه السّفسطائيّ إبستمولوجيّا وأخلاقيّا؛ إذ ردّ السّفسطائيّون المعرفة إلى الحسّ، فأطاحوا بالحقائق الثّابتة في مجال المعرفة، وأبطلوا القول بالمبادئ المطلقة في مجال الأخلاق، ممّا ترتّب عليه القضاء على موضوعيّة الحقائق والقيم، لكونها تتوقّف عندهم على وجدانات الإنسان وانطباعاته(4).
وإلى جانب إبطاله لنظريّاتهم، أسّس أفلاطون نظريّته الأخلاقيّة على فكرة «الخير الأسمى» الّذي يمثّل الغاية النّهائيّة لكلّ فعل إنسانيّ. ويرى أنّ الفضيلة هي المفتاح للحياة السّعيدة، وأنّها تستوجب العيش وفقا لمقتضيات العقل والمعرفة. لقد ميّز أفلاطون بدقّة بين اللّذّة والألم من جهة، وبين الفضيلة والرّذيلة من جهة أخرى.
1.2.1 ثنائيّة النّفس والجسد: سار أفلاطون على درب معلّمه في الفصل بين النّفس والجسد، معتبرا البدن عرضا وسجنا يقيّد حريّة النّفس ويحول بينها وبين «عالم المُثُل» الّذي انحدرت منه وتسعى جاهدة للعودة إليه. وتتلخّص نظريّته في أنّ النّفس كانت لها حياة سابقة في عالم الآلهة والحقائق (عالم المُثُل)، ثمّ عوقبت لسبب ما فحلّت في جسد في هذا العالم الأرضيّ الّذي ليس سوى ظلال لعالم المُثُل، فأصبح هذا الجسد حاجزا كثيفا بين النّفس والفضائل(5). إنّ حياة الفضيلة المقترنة بالمعرفة هي السّبيل المثاليّ للتحرّر من الرّذيلة. 
ويتمّ توليد الحقائق الأخلاقيّة عند أفلاطون عبر «الجدل» (الحوار)، وهو طابع غلب على كتاباته. وطريق السّعادة والحكمة عنده يقوم على نبذ المظاهر المحسوسة والفوضى الماديّة والجسديّة، بغية العودة بالرّوح إلى طبيعتها الأصليّة، وتحقيق السّيادة الدّاخليّة والاجتماعيّة للفضيلة، التّي ليست سوى انعكاس للمقاييس العلويّة المتمركزة حول مثال الخير والّتي ينظّمها مثال العدالة(6). ولكن، هل يتّفق أفلاطون مع معلّمه في أنّ الحكمة والمعرفة هما السّبيل الأوحد لتحقيق الفضيلة؟ يكمن تحقيق الفضيلة في إخضاع البدن لسيادة النّفس والانصياع لأوامرها، حتّى تتّحد مع عالم المُثُل حيث السّعادة الأبديّة، متحرّرة من قيود الجسد. غير أنّ أفلاطون ينتقل بنا من النّفس السّقراطيّة البسيطة إلى نفس ثلاثيّة القوى: العاقلة، والغضبيّة، والشّهوانيّة؛ وهي قوى ثلاث لنفس واحدة.
2.2.1 الفضيلة: تبعا لتقسيمه قوى النّفس، قسّم أفلاطون الفضائل الإنسانيّة، فجعل «الحكمة» فضيلة للقوّة العاقلة لتدرك الحقّ، و«العفّة» فضيلة للقوّة الشّهوانيّة لتلطّف الأهواء وتترك النّفس هادئة والعقل حرّا، وتتوسّطهما «الشّجاعة» كفضيلة للقوّة الغضبيّة، تساند العقل ضدّ الشّهوة فتقاوم إغراء اللّذّة ومخافة الألم(7). وتتربّع الحكمة على هرم الفضائل لتدبّر بقيّة قوى النّفس؛ ولولاها لوقع الإنسان ضحيّة لغرائزه وانفعالاته. إنّ الحياة الفاضلة هي المعراج نحو عالم المُثُل والخلود. وللوصول إلى الكمال الرّوحيّ، اعتمد أفلاطون منهجا إبستمولوجيّا يُعرف بـ «الجدل الصّاعد».
وعلى منوال معلّمه، يرى أفلاطون أنّ ممارسة النّفس للفضيلة وتوقها للخلاص من براثن المادّة هو السّبيل الأمثل لتحقيق السّعادة. وإذا كان الفرد محورا للأخلاق الأفلاطونيّة، فإنّ «العدالة» تمثّل جوهر فلسفته السّياسيّة. فالأخلاق عنده تتلخّص في تحقيق الفضائل الأربع (الحكمة، الشّجاعة، العفّة، والعدالة) عبر انسجام قوى النّفس بقيادة العقل. ولا تقتصر الأخلاق على الأفراد، بل تتّسع لتشمل الدّولة بكيانها لتحقيق العدالة الاجتماعيّة.
3.1. الرّؤية الأخلاقيّة عند أرسطو (384 ق.م - 322 ق.م)
يعدّ أرسطو أوّل من صنّف في علم الأخلاق بوصفه مبحثا مستقلاّ بموضوعه ومنهجه. ويرى أنّ الحياة الطّيّبة هي الحياة السّعيدة؛ فالسّعادة في نظره هي غاية الغايات. وعلى النّقيض من الطّابع المثاليّ لأستاذه أفلاطون، يبحث «المعلّم الأوّل» في السُّبل العمليّة لجعل النّاس سعداء. لقد سعى إلى توجيه الإنسان نحو «الخير الأقصى»، إذ يقول: «كلّ الفنون، وكلّ الأبحاث العقليّة المرتّبة، وجميع أفعالنا، وجميع مقاصدنا الأخلاقيّة يظهر أنّ غرضها شيء من الخير يرغب في بلوغه، وهذا هو ما يجعل تعريفهم للخير تامّا إذ قالوا: إنّه هو موضوع جميع الآمال»(8). فهذا الخير إذن هو غاية الغايات، يُطلب لذاته لا لغيره، ويقصد به أرسطو «السّعادة». وترتكز الأخلاق الأرسطيّة على الفضيلة بوصفها أداة لتحقيق السّعادة النّهائيّة، وتعتمد على ترسيخ العادات الفاضلة والعيش وفقا لملكة العقل التّي تميّز الإنسان.
1.3.1 طرق تحصيل الفضيلة عند أرسطو: تجدر الإشارة أوّلا إلى أنّ الفضيلة مكتسبة؛ إذ لا يقول أرسطو بفطريّتها، بل يقسّمها إلى: فضائل عقليّة تُكتسب بالتّعليم والتّلقين، وفضائل أخلاقيّة منبعها المراس والاعتياد. ويرتبط معنى الفضيلة الأرسطيّة بوظيفة الإنسان (الفعّاليّة العقليّة) وإتقانه لها، في مواجهة نوازع الطّبيعة البشريّة الميّالة إلى الانفعال والشّهوة. فأن تكون فاضلا معناه أن تنتهج سبيل «الوسط الذّهبيّ» لبلوغ السّعادة.
2.3.1 الفضائل الأخلاقيّة ونظريّة الوسط
إنّ الفضيلة الأخلاقيّة على وجه الإجمال هي، بحسب تعبير أرسطو: «وسط بين رذيلتين؛ إحداهما بالإفراط والأخرى بالتّفريط.»(9) وبالرّغم من تحليل أرسطو لمجموعة كبيرة من الفضائل، إلّا أنّنا سنكتفي بالحديث عن أهمّها (العدالة والصّداقة):
* فضيلة العدالة: هي نتيجة للحفاظ على ما أسماه «المعلّم الأوّل» بـ «التّناسب الهندسيّ»، الذي يقرّه العدل القانونيّ القاضي بمنح كلّ فرد مستحقّاته حسب عمله، وطبقته، ومكانته في المجتمع. كما تحدّث أرسطو عن «عدالة حسابيّة» تقوم أساساً على المساواة بين الأفراد؛ والمقصود هنا هو محاسبة الجاني، وإنصاف المجنيّ عليه، مهما كانت صفة أو الطّبقة الاجتماعيّة لكلّ منهما.
* فضيلة الصّداقة:  يجعل أرسطو من الصّداقة فضيلة في غاية الأهميّة؛ حيث يعتقد أنّه لا يمكن للإنسان أن يعيش دون صديق يشجّعه، ويحبّه، وينصحه، ويرشده إذا ما مال عن الصّراط. بل إنّ أرسطو يعتبرها الفضيلة التي تطمح إليها كلّ قوانين الأرض بهدف تحقيق الاستقرار. 
3.3.1 الفضائل العقليّة
تمثّل كمال الجزء العاقل من النّفس، وتتفرّع إلى:
* فضائل العقل العمليّ: وتتمثّل فضائل هذا العقل في الفنّ، والتّدبير، والتصرّف بحكمة.
* فضائل العقل النّظريّ: يربط أرسطو سعادة الإنسان بالتأمّل النّظريّ، وإدراك حقيقة الوجود، وفهم الأشياء الجميلة والقدسيّة. كما يقرن فيلسوفنا اللّذّة بالسّعادة، بيد أنّه لا يقصد اللّذّة المتعارف عليها، وإنّما هي لذّة عقليّة طاهرة.
فالحدس والتأمّل هما سبيل الفيلسوف إلى إدراك مبادئ الوجود الحسّيّة، وبالتّالي طريقه إلى نيل السّعادة القصوى. كما دافع أرسطو عن مسألة توحيده بين السّعادة، والفضيلة، واللّذّة؛ حتّى أنّه جعل من التأمّل السّبيل الأسمى لذلك. فهذه الحياة التأمّليّة في نظر فيلسوفنا هي الحياة الشّريفة التي تشبه في جوهرها حياة الآلهة؛ إذ يتميّز الإنسان عن سائر الكائنات بعقل يجعله قادراً على إدراك الغايات والغوص في معاني الأشياء، وبالتّالي تحقيق غايته؛ ألا وهي السّعادة القصوى المتمثلة في حبّ الآلهة، فالآلهة تحبّ الحكماء وتغدق نعمها عليهم.
4.3.1 الفضيلة وحريّة الإرادة 
أشار أرسطو، منذ بداية اشتغاله بمصطلح الفضيلة، إلى أنّها -أي الفضيلة- ليست فطريّة في الإنسان، بل هي فعل إراديّ حرّ مرتبط برغبته؛ أي إنّها اختياره لأفعاله عن «معرفة ونزوع».
إذن، فالأخلاق في نظر أرسطو هي علم يدرس الفضيلة، وهي الوسيلة لتحقيق الغاية الأسمى للحياة الإنسانيّة، ألا وهي السّعادة؛ غاية الغايات وأسمى الأهداف. ويرى «المعلّم الأوّل» أنّ الأخلاق تهدف إلى تحقيق الخير، وهو الحياة الفاضلة التي تتناغم مع الطّبيعة العقلانيّة للإنسان.
ختاماً، نقول إنّ الأخلاق في الفلسفة اليونانيّة هي نظام قيميّ يهدف بالأساس إلى تحقيق السّعادة الأبديّة من خلال الفضيلة. وقد أجمع فلاسفة اليونان على أنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياة أخلاقيّة إلّا إذا وازن بين رغباته، وحقّق انسجاماً داخليّاً وخارجيّاً..
4.1. مفهوم الأخلاق في الفلسفة الرّواقيّة
تتأسّس الأخلاق الرّواقيّة على تحقيق الانسجام بين الإنسان والطّبيعة، من خلال العيش وفق العقل الّذي يمثّل النّظام الكونيّ. فالرّواقيّون يرون الفضيلة خيرا أسمى، والسّعادة تتحقّق حصرا بالحياة الفاضلة بمعزل عن المكتسبات الخارجيّة.
1.4.1 مكانة الأخلاق عند الرّواقيّين 
تحتلّ الأخلاق مركز الصّدارة في الفلسفة الرّواقيّة؛ فهي في صميمها مذهب أخلاقيّ، فلا رواقيّة حيث تكون الأخلاق معطّلة(10). «والواقع أنّ تعريفات الرّواقيّين للفلسفة تدلّنا على أنّ الأخلاق فيها المكان الأوّل... وقال سنكا: الفلسفة منهج مستقيم في الحياة...»(11). فالأخلاق لديهم نظام عمليّ يوجّه الإنسان للتّناغم مع العقل الكونيّ عبر الرّضا بالقدر. وهو ما يؤكّده «ماركوس أوريليوس» في قوله: «وإنّني اكتسبت صورة واضحة وثابتة عمّا تعنيه الحياة وفقا للطّبيعة...»(12)، ممّا يبرز دعوتهم للتّأمّل في الطّبيعة بوصفها مرشدا لتحقيق السّكينة.
2.4.1 مبادئ الأخلاق الرّواقيّة:
* العيش وفق الطّبيعة: الطّبيعة الكونيّة يحكمها العقل، وعلى الإنسان أن يتناغم مع هذا النّظام. وبناءً على ذلك، كان «زينون» - في كتابه «عن طبيعة الإنسان»- هو أوّل من نادى بأنّ: «الغاية المرجوّة هي العيش على وفاق مع الطّبيعة»، وهو ما يرادف الحياة على وفاق مع الفضيلة؛ وذلك لأنّ الطّبيعة توجّه خطانا وترشدنا إلى الفضيلة.(13).
* السّيطرة الدّاخليّة (أو السّيطرة على العقل):  وهو مبدأ أساسيّ في الفلسفة الرّواقيّة، حيث يقول «إبكتيتوس»: «..فلتقضِ في نفسك إذن على كلّ رهبة من الأشياء التي ليست في قدرتك اجتنابها، على أن تلجم في نفسك كلّ رغبة في اللّحظة التي أنت فيها؛ ذلك لأنّك لو رغبت في أيّ من الأشياء التي ليس في قدرتنا، فمن المحتّم أن يخيب أملك، وأنت لم تنل بعد تلك الأشياء التي في قدرتنا والتي هي جديرة بالرّغبة. ولكن استخدم فقط ملكة النّزوع المناسب (إلى) الشّيء و(عنه)، وحتّى هذه استخدمها بقدرٍ وبلطفٍ وتحفّظ.»»(14). فالفكرة المركزيّة هنا هي توظيف العقل لترويض الانفعالات، وتحقيق (الأباتيا) أي الخلوّ من الاضطراب، وعدم التّعلّق بما يخرج عن دائرة إرادتنا.
* الفضيلة والسّعادة: السّعادة هي حالة تحقيق الفضيلة، وهي مستقلّة عن الظّروف الخارجيّة. أمّا الفضيلة فهي أساس تحقيق السّعادة، ويعرّفها الرّواقيّون بأنّها الحياة المتوافقة مع الطّبيعة والعقل، حيث يدرك الإنسان ما هو خير حقيقيّ ويتصرّف بناءً عليه. كما يذهب (كليانثيس) إلى أنّ الفضيلة عبارة عن نزعة تناغميّة، وأنّها خليقة بأن تُختار لذاتها، لا من أجل خوف أو أمل أو أيّ دافع خارجيّ. وفضلاً عن ذلك، فإنّ السّعادة تكمن في الفضيلة؛ لأنّ الفضيلة التي تتغلغل في الرّوح تكون مصوغة على نحو يهدف إلى جعل الحياة بأسرها متناغمة. وعندما يضلّ الموجود العاقل أو ينحرف عن المسار الصّحيح، فإنّ ذلك يكون ناجماً عن تضليلٍ تسبّبت فيه عوامل خارجيّة، وأحياناً عن تأثير رفقاء السّوء، حيث إنّ الطّبيعة لا تمنح سوى منطلقات خالية من الضّلال والإفساد.(15).
3.4.1 أهمّ الفضائل الرّواقيّة:
* العقل أو الحكمة (حكمة العقل): يلعب العقل دوراً مهمّاً وأساسيّاً في التّفريق بين ما هو صالح وما هو غير صالح، والسّيطرة على النّفس، وعدم انجرارها وراء الشّهوات؛ بل إنّ الحكمة هي الفضيلة الرّئيسيّة لفهم مبدأ الكون وتنظيمه.
* العدالة: وهي انعكاس وتجسيد للسّلوك الأخلاقيّ السَّويّ، الذي يضمن التّعامل المنصف مع الآخرين، بناءً على مبدأ العيش في انسجام مع الآخر ومع المجتمع.
* الشّجاعة: وهي القدرة على مواجهة التحدّيات والمصاعب دون خوف، والمحافظة على التّوازن والاتّزان، ورباطة الجأش في مواجهة الصّعوبات.
* الاعتدال (التّعفّف): ويعني ضبط النّفس، والتحكّم في الرّغبات والشّهوات؛ لتجنّب الإفراط أو التّفريط.
وهذه الفضائل الأربع الرّئيسيّة متضافرة ولا تتجزّأ، وهي فضائل داخليّة، لا تعتمد على الظّروف الخارجيّة للإنسان، تهدف إلى تحقيق السّلام الدّاخليّ (الأنتاراكسيا). وقد فصّل «ديوجينيس اللاّئرتي» في تقسيماتها في كتابه «حياة مشاهير الفلاسفة» ً.
عموماً، فإنّ الأخلاق في الفلسفة الرّواقيّة تستمدّ أصولها من الفلسفة اليونانيّة، وتشترك معها في نقاط متعدّدة؛ لعلّ أبرزها الفضيلة بوصفها مفهوماً محوريّاً للأخلاق، وأساساً للسّعادة في كلتا الفلسفتين. كما يؤدّي العقل دوراً مهمّاً في مجال الأخلاق، باعتباره الوسيلة المُثلى لتحقيق الفضيلة وضبط الانفعالات؛ فهو مصدر للحكمة. أمّا السّعادة الحقيقيّة (أو «غاية الغايات» كما يسمّيها أفلاطون)، فهي انعكاس لحالة الاتّزان النّفسيّ النّاتجة عن تحقيق الفضيلة.
ختاماً، يمكن القول إنّ الأخلاق عند الرّواقيّين وفلاسفة الإغريق تقوم على العقل والفضيلة، بوصفهما سبيلاً لتحقيق الحياة الفاضلة والسّعادة.»
الهوامش
(1) غالب(مصطفى): سقراط، دار مكتبة الهلال، ط، ج 1989، ص29-30.
(2) الطّويل(توفيق): فلسفة الأخلاق: نشأتها وتطوّرها، دار النّهضة العربيّة، ط.4، س.ط:1979، ص:51
(3)  زيادة(معن): الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، معهد الإنماء العربي، ط1، س.ط:1986، ج2، ص964
(4)  الطّويل(توفيق): فلسفة الأخلاق: نشأتها وتطوّرها: ص73.
(5)  المنياوي(أحمد): جمهوريّة أفلاطون: دار الكتاب العربي للنّشر: ط1، س.ط:2010، ص:108
(6)  م.ن : ص:110
(7) كرم(يوسف): تاريخ الفلسفة اليونانيّة: مؤسّسة هنداوي للتّعليم والثّقافة، ط.1، س.ط:2012: ص: 115 
(8)  أرسطو(طاليس): علم الأخلاق إلى نيقوماخوس: تر: أحمد لطفي السيّد: مطبعة دار الكتب المصريّة بالقاهرة: ط.1، س.ط:1924، ج1،ص: 167-168
(9)  النشّار(مصطفى): فلسفة أرسطو والمدارس المتأخّرة: ط1، دت، ص223.
(10)  أمين(عثمان): الفلسفة الرّواقيّة: مطبعة لجنة التّأليف والتّرجمة والنّشر: القاهرة 1364ه- 1945م ، ص:157.
(11)  م،ن: ص: 157
 (12) أوريليوس(ماركوس): التأمّلات: تر: عادل مصطفى: مراجعة وتصدير: أحمد عثمان، رؤية للنّشر والتّوزيع. القاهرة، ط.1، 2010، ص40.
(13)  اللاّئرتي(ديوجينيس): حياة مشاهير الفلاسفة، تر: إمام عبد الفتّاح إمام، مراجعة: محمّد حمدي إبراهيم ، المركز القومي للتّرجمة، ط.1،2007، ج.2، ص: 178
(14)  إبكتيتوس: المختصر: تر: عادل مصطفى، مؤسّسة هنداوي، ط.1، س.ط:2019، ص:23.
(15)  اللاّئرتي(ديوجينيس): حياة مشاهير الفلاسفة: ج.2،ص: 179.