في الصميم

بقلم
د.مصدق الجليدي
المكوّن القيمي في فروع العلوم المختلفة التي تدرّس في الجامعات (4/5) :المكوّن القيميّ في الجامعات الع
 في عام 2006م، نشر الباحثان فتحي حسن ملكاوي وأحمد سليمان عودة دراستهما التى حملت عنوان: «موقع القيم في التّعليم الجامعيّ»، وأكّدا فيها عدم «وجود أيّة برامج أو مواد دراسيّة محدّدة تتعلّق بتعليم القيم أو تقويمها» (1) . وهذا يعني أنّ قضايا القيم في الجامعة لم تتمكّن من تجاوز العتبة التّشريعيّة، والولوج -صراحة- إلى المناهج الدّراسيّة وغرف الدّراسة. وبالفعل، فقد «لوحظ أنّ قضايا القيم والأخلاق في التّعليم الجامعي تذكر [حصرآ] في سياقين، وكلاهما يتعلّقان بالنّصوص التّشريعيّة، الأوّل عند تحديد الأهداف العامّة للتّعليم الجامعي، وترد في نصوص عامّة إنشائيّة، والثّاني عند تحديد مواد الأنظمة والتّعليمات الخاصّة بالعقوبات والإجراءات التّأديبيّة المترتّبة في مخالفة الأساتذة أو الطّلبة لتلك التّعليمات، وتأتي في نصوص إجرائيّة محددة»(2).
والظّاهر أنّ الحال لم تتغيّر كثيرا منذ ذلك الحين حتّى وقتنا الحاضر، على الأقل في عدد من الجامعات العربيّة. ففي دراسة أنجزتها الباحثة سلوى محمد التّابعي الجريتلي من قسم أصول التّربية بجامعة بورسعيد في مصر، عام 2017م، وحملت عنوان: «دور الجامعة في تنمية وعي طلابها بالقيم»، انتهت في النّتيجة الخامسة لبحثها إلى: «اقتصار دور الجامعة على الجانب الأكاديميّ والتّدريسيّ، وإهمال الجانب الإنسانيّ والقيميّ والأخلاقيّ»(3).
وفي دراسة أخرى قريبة زمنيّا من الدّراسة السّابقة، عنوانها «دور جامعة طيّبة في تعزيز منظومة القيم الجامعيّة لدى الطّلبة»، أكّد الباحث أحمد قواسمة وجود اهتمام منظّم من الجامعة بمسألة القيم، عن طريق «مشروع تعزيز القيم الجامعيّة بجامعة طيبة لعام 1434ه»، وأنّ هذه القيم شملت خمسة مجالات قيميّة، وهي «قيم الولاء والانتماء، وقيم التّعاون والمشاركة، وقيم الاعتدال والتّوسّط، وقيم حماية البيئة، وقيم الجودة والتّميّز»(4).
 غير أنّه أوصى في نهاية الدّراسة بـ «ضرورة بناء المناهج والمقرّرات الدّراسيّة بصورة تتّفق مع القيم السّائدة في المجتمع»(5)، ولعلّه يقصد بها القيم الأصيلة كما يتصوّرها؛ ما يعني غيابها عن مناهج الجامعة ومقرّراتها الدّراسيّة، ويشي ضمنا بأنّ القيم الّتي تركّز عليها جامعة طيبة قد اختيرت مجاراة لموجة عالميّةٍ عوْلميةٍ، إلى جانب مواءمةٍ جزئيةٍ مع بعض المتطلّبات المحلّيّة. وهذه مسألة تحتمل أكثر من رأي؛ ذلك أنّ كلّ القيم الّتي تبناها مشروع تعزيز القيم بجامعة طيبة يمكن عدّها قيما أصيلة على أساس تصنيفها ضمن المقصد الثّالث من منظومة القيم الأصيلة، وهو مقصد العمران، وكذلك باعتبار إمكانيّة تأصيلها جميعا في القرآن الكريم والسّنّة النبوية. ويمكن -في المقابل- التّحفّظ على طبيعتها الانتقائيّة الّتي تجعلها -نوعا ما-  مدرجة ضمن مطلبين نفعيّين، هما: مطلب الولاء السّياسيّ، ومطلب الاستجابة لمعايير العولمة الاقتصاديّة، في سياق غير متجاهل أهمّيّة الحفاظ على البيئة (مثل أيام حكم الدّيمقراطيّين السّابق في أمريكا)، مع إهمال لقيم روحيّة وأخلاقيّة أصيلة عديدة، ربّما لتردّد صدى الإسلاموفوبيا داخل البلدان الإسلاميّة ذاتها.
وفي عام 2018م، نُشِرت للباحث مساعد ضيف الله الحربيّ دراسة حملت عنوان: «القيم التّربويّة الممارسة لدى طلبة جامعة المجمعة في المملكة العربيّة السّعوديّة»(6) وتناولت أربعة مجالات قيميّة، هي: القيم الدّينيّة، القيم الاجتماعيّة، القيم المعرفيّة، القيم السّياسيّة. وقد انتهى في توصيته الخامسة منها إلى «ضرورة إدماج القيم التّربويّة في المناهج» وفق «الاتّجاهات المعاصرة في بناء المناهج»(7)وهذا يعني وجود تقصير واضح على هذا الصّعيد؛ لذا اقترح الباحث الحربيّ الاستئناس بتجارب الأمم المتقدّمة في هذا المجال(8).
وتوجد دراسة أخرى خاصّة بجامعة سعوديّة أيضا، اهتمت بنوع مخصوص من القيم، وهي القيم العلميّة، وقد أنجزها الباحث معن الشّيّاب(9). وما يهمّنا منها -في سياق بحثنا- هو درجة حضور القيم الّتي تناولتها الدّراسة في المناهج والمقرّرات الدّراسيّة بكلّيّة العلوم في جامعة طيبةبمدينة ينبع، وهي قيم حبّ الاستطلاع، والأمانة العلميّة، وقبول النّقد، والتّأنّي في الحكم، وأخلاقيّات العلم، والتّفكير العلميّ، وتقدير العلم والعلماء. وما أفادتنا به توصيات الباحث هو غيابها عن تلك المناهج والمقرّرات، لذا أوصى بـ:«تضمين المناهج والكتب الجامعيّة القيم العلميّة الّتي أشارت إليها الدّراسة[...]وزيادة المقرّرات الّتي تناقش القيم العلميّة في الجامعة، والعمل على تطبيق المنهج المتكامل في الموادّ الدّراسيّة الّذي يساعد على ترسيخها بشكل مباشر وغير مباشر»(10).
وفي دراسة حديثة أعدّها الباحث محمد حسين خطيب من جامعة الملك عبد العزيز بالسّعوديّة عام 2020م، وحملت عنوان: «دور الجامعة في ترسيخ وتعزيز قيم الانتماء والمواطنة لدى طلبتها في ضوء المتغيّرات الثّقافيّة» (11)، ذكر الباحث من بين معوقات ترسيخ القيم المذكورة لدى طلبة جامعته معوقين إثنين على صلة بالمناهج والمقرّرات الدّراسية، هما:
* ازدحام المقرّرات الدّراسيّة بالمحتويات الدّراسيّة (النقطة 3).
* تركيز المنهاج الدّراسي على الموضوعات التّخصّصيّة (النقطة 8) (12).
وهذا يتّفق مع ما لاحظه الباحثان ملكاوي وعودة (2006م) قبل أربعة عشر عاما من تاريخ نشر دراسة هذا الباحث.
وفي تونس، صدر عن الجمعيّةِ التّونسيّة للدّفاع عن القيم الجامعيّة عام 2017م  الميثاقُ الجامعيّ التّونسيّ(13)، وهو «مدونة سلوك متعلّقة بالمبادئ الأكاديميّة التي من بينها: النّزاهة، والشّفافيّة، والإنصاف، وحرّية التّفكير، وترسيخ ثقافة العمل والإبداع لدى مكونات المجتمع الجامعي» (14). 
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الميثاق ليس وثيقة رسميّة، لكنّه معروض على الجامعات لتبنّيه. والهدف منه هو تأكيد الحرّيات الأكاديميّة، والقيم الحداثيّة والمدنيّة؛ سدّا لباب التّطرّف الدّينيّ في الجامعة والمجتمع. وفي ما عدا هذا الميثاق، لا يمكن تأكيد وجود اهتمام منظّم بمسألة القيم في الجامعة التّونسيّة إلّا بشكل متناثر، بإدراج مادّة «حقوق الإنسان» ضمن مواد مختلف التخصّصات الجامعيّة؛ استجابة لاشتراطات خارجيّة منذ إصلاح عام 2002م. أو بشكل صريح أحيانا، وضمني في أحايين أخرى، ضمن مناهج الدّراسات الإسلاميّة بجامعة الزّيتونة، المتضمّنة -بالضّرورة- مباحث في التّوحيد، ومقاصد الشّريعة، والقيم الإسلاميّة. أو عن طريق التّشرّب العملي لأخلاقيّات المهنة في تخصّص الطبّ وأداء «قَسَم أبقراط»، الذي يتضمّن قيمَ توقير المعلمين، والنّزاهة في أداء الواجب الطّبيّ، وعدم التّلكّؤ فيه، وعدم التّدخّل في حالات مرضيّة لا يتقن الطّبيب علاجها، والتّغلّب على الشّهوات والنّزوات، والعفّة، واحترام المرضى، وكتمان السّـرّ، والأمانة والتّقوى. 
وكذلك يجوز أن تحضر بعض القيم بصفة ضمنيّة في بعض الاختصاصات، مثل: الصّدق في الرّياضيّات، والدّقّة في التّكنولوجيا، والنّزاهة والأمانة في العلوم، والجودة والفاعليّة والفعّاليّة في الاقتصاد، والعقلنة في الإدارة(15). وهذا غير كاف بطبيعة الحال في ضوء ما يشهده مجتمعنا من تفاقم رهيب لظواهر الغشّ والخداع والفساد، بما في ذلك في قطاع التّربية نفسها.
وفي المغرب، صدر عام 2017م أيضا التّقرير الأوّل للمجلس الأعلى للتّربية والتّكوين والبحث العلمي المغربي الذي حمل عنوان: «التّربية على القيم بالمنظومة الوطنيّة للتّربية والتّكوين والبحث العلميّ». وبالرّغم من أنّ هذا التّقرير لم يفرّق بين مختلف المستويات التّعليميّة، لا في تقييمه للمكتسبات الحاصلة والنّقائص المرصودة، ولا في توصياته لتطوير واقع التّربية على القيم في التّعليم المغربيّ، بحيث لم نعرف تحديدا نصيب الجامعة المغربيّة من التّربية القيميّة؛ فإنّه يستشفّ من مضمون تلك التّوصيات وجود نقص واضح في حضور المكوّن القيمي في المناهج التّعليميّة بالمغرب، وإنّ أغلب المحاور القيميّة التي أدمجت في المناهج تأتي -على ما نُرجّح- استجابة لمعايير مشترطة من مؤسّسات دوليّة؛ بغية جعل المغرب أهلا لشراكات اقتصاديّة متقدّمة معها (حقوق الإنسان، ومكانة المرأة، والمساواة بين الرّجال والنّساء، والمواطنة، واحترام البيئة)(16). 
في حين ظلت مجموعة القيم الأصيلة التي نصّ عليها الميثاق الوطني للتربية والتكوين المغربي حبيسة هذا الإطار النظري العام؛ إذ صيغت بعبارات مستمدّة من السجل القيمي المعاصر، وبما يتوافق -في نهاية المطاف- مع روح العولة، وقيم السوق. «مبادئ العقيدة الإسلامية، وقيمها الرامية لتكوين المواطن [...] المطبوع بروح المبادرة الإيجابية والإنتاج النافع» (17). 
وأوصى التّقرير في قسمه الثّاني الخاصّ بــ «آفاق التّغيير والتّطوير» بــ «ضرورة إيلاء التربية على القيم العناية المستحقّة في بناء المناهج والبرامج، منذ المراحل الأولى للتّعليم، وحتّى المراحل العليا منه، وتوضيح مختلف الخيارات المتبنّاة في إدماج مواد التّربية وأنشطتها على القيم ضمن المنهاج المدرسي العام» (18) 
وبطبيعة الحال، فإنّ كلّ توصية وتأكيد بأمر، من جهة وطنيّة عليا خاصّة، إنّما يكشف عن غياب ذلك الأمر في الواقع، أو محدوديّته، أو وجوده على غير الحالة المرغوب فيها. وفي ما يخصّ وضعية الترّبية على القيم في الجامعات الجزائريّة، فقد أوضحت دراسة تالي جمال من جامعة جيجل، عنوانها: «التّغيير القيميّ في الوسط الجامعيّ»(19)ضعف تأثير الجامعة في التّأهيل القيميّ للشّباب أمام موجة العولمة، وتراجعَ القيم الدّينيّة والتّعليميّة لديهم لصالح القيم الاقتصاديّة المرتبطة بالعولمة؛ ما أدّى إلى ترسيخ صيغة هجينة من الازدواجيّة الثّقافيّة والقيميّة(20)
والخلاصة أنّ المكوّن القيمي في فروع العلوم المختلفة التي تدرّس في الجامعات العربيّة؛ إمّا أنّه غائب غيابا كاملا، وإمّا أنّه حاضر حضورا جزئيّا في بعض الجامعات على مستوى بعض المناهج،وفي تخصّصات، مثل: الدّراسات الاجتماعيّة، والدّراسات الدّينيّة، ولكن في مستوى تصميمٍ منهاجيٍّ دون المأمول، أو أنّه مكرّسٌ لترسيخ منظومة قيم ليبيراليّة موصى بها من الخارج في سياق النّشر المنظّم لموجة العولمة، مثل: قيم حقوق الإنسان، والمساواة بين الرّجال والنّساء،والقيم الاقتصاديّة، مثل الجودة، والابتكار، والحوكمة.
النّتيجة الّتي توصّلنا إليها في هذا البحث تفرض علينا، بغية الإسهام في تدارك النّقص الملاحظ في حضور المكوّن القيميّ في فروع العلوم المختلفة الّتي تدرّس في الجامعات العربيّة تقديم تصوّرات مستقبليّة عن هذه القضيّة، مستندين في ذلك - على نحو تركيبيّ - إلى ثلاث مرجعيّات، هي :
* منظومة قيم النّظام التّربويّ المنشود، كما توصّلنا إلى رسم ملامحها في العنصر السّابق.
* الاستئناس بتصوّرات منظومات تعليميّة جامعيّة عالميّة في مجال القيم الجامعيّة، على أساس احتوائها على جانب إجرائيّ من القيم المتفرّعة عن مقصد العمران الّذي هو من مكوّنات منظومة القيم الأصيلة العليا.
* المنزلة المعرفيّة لمختلف فروع العلوم الّتي تدرّس بالجامعات ووظائفها العمرانيّة، الّتي تلائمها قيم معيّنة أكثر من غيرها.
الهوامش
(1)  ملكاوي، وعودة، 2006، مرجع سابق، ص. 72. 
(2) المرجع نفسه، ص. 73. 
(3)  سلوى محمد التابعي الجريتلي، «دور الجامعة في تنمية وعي طلابها بالقيم لمواجهة إشكاليات العولمة»، مجلّة كلية التّربية، جامعة بورسعيد، العدد الواحد والعشرون- يناير 2017، ص. 512. 
(4) أحمد حسن صالح قواسمة، «دور جامعة طيبة في تعزيز منظومة القيم الجامعية لدى الطّلبة»، المجلة التربوية الدولية المتخصصة، المجلد (5) العدد (12)، كانون الأول، 2016، ص. 219. 
(5)  المرجع السابق، ص. 225.
(6)  مساعد ضيف الله الحربي، «القيم التربوية الممارسة لدى طلبة جامعة المجمعة في المملكة العربية السعودية»، المجلّة الدّوليّة للأبحاث التربوية، جامعة الإمارات، المجلّد (42) العدد (2) أبريل 2018، ص. ص. 240 - 265. 
(7)  المرجع السابق، ص. 262. 
(8)  نفسه. 
(9)  معن الشياب، «درجة ممارسة طلبة كلية العلوم بينبع بجامعة طيبة السعودية للقيم العلمية من وجهة نظرهم»، مجلّة جامعة النّجاح للأبحاث (العلوم الإنسانية)، المجلّد 28 (3)، 2014، ص. ص. 547 - 570.
(10)  المرجع السابق، ص. 567. 
(11)  محمد بن شحات حسين خطيب، «دور الجامعة في ترسيخ وتعزيز قيم الانتماء والمواطنة لدى طلبتها في ضوء المتغيرات الثقافية»، المجلة العربية للنشر العلمي AJSP، العدد عشرون، 2 حزيران 2020، ص. ص. 149 - 168.
(12)  المرجع السابق، ص. 162.
(13) الجمعية التونسية للدفاع عن القيام الجامعية، الميثاق الجامعي التونسي، بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ الألمانية (RLS)، تونس، 2017، ص. 12. 
(14)  المرجع السابق، ص. 37. 
(15)   تنطبق أغلب هذه القيم في حقيقة الأمر على كل الاختصاصات المعرفية.
(16)  التقرير الأوّل لسنة 2017 (1/ 17) للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي المغربي، مرجع سبق ذكره، الفقرة 16، العنصر  ج، ص. 8. 
(17)   المرجع السابق، الفقرة 16، العنصر  ب، ص. 8. 
(18)  المرجع السابق، الفقرة 33، ص. 16.
(19)  تالي جمال، «التغيير القيمي في الوسط الجامعي: دراسة ميدانية على عينة من طلبة الإقامات الجامعية بجامعة المسيلة»، مجلة الدّراسات والبحوث الاجتماعية- جامعة الشهيد حمّه لخضر- الوادي، عدد 20، ديسمبر 2016، ص. ص. 83 - 95.
(20)  المرجع السابق، ص. 94.