نحو أفق جديد

بقلم
أ.د.عبدالجبار الرفاعي
الصّمت في العرفان الغربي
 في العرفان الغربيّ يبدو الصّمت لا كتمرين سلوكيّ أو تقنيّة تربويّة، بل كتجربة وجوديّة تعيد تشكيل الذّات من الدّاخل وتفتح أفقًا آخر للعلاقة مع الحقيقة. يتجلّى الصّمت في العرفان الغربيّ بوصفه تخليّة واعية عن الصّور الذّهنيّة الكابوسيّة الّتي تقتحم الوعي وتشوه صفاءه، وتحرّرًا من تمثيلات ذهنيّة مشحونة بالخوف والقلق، وتجاوزًا للوسائط اللّفظيّة حين تتحوّل اللّغة إلى حجاب يثقل التّجربة. في فضاء هذا الصّمت يخفت ضجيج الدّاخل، وتنسحب هيمنة المخاوف المتخيّلة، وينفتح القلب على حضور يتكشّف من العمق، حضور لا يُدرك بالمفاهيم ولا يُختزل بالعبارات، وإنّما يُعاش بوصفه خبرة روحيّة تعيد للإنسان سكينته، وتخفّف اغترابه، وتمنحه شعورًا بالأمان في أفق الصّلة بالمطلق.
الصّمت ليس غيابًا للمعنى بل شرطًا لانكشافه، إذ يتذوّق الإنسان المعنى حضورًا حيًّا ينبثق من القلب بوصفه موضع الإنصات والكشف، ويتجلّى في الحدس معرفة حيّة تولد في الذّات بعيدًا عن البرهان والجدل. الصّلة باللّه ليست موضوعًا للفكر بل حضورًا يُعاش ويُختبر في السّكينة. عند انحسار اللّغة وصفاء الوعي تتحوّل التّجربة الرّوحيّة إلى لقاء يعيد الإنسان إلى ذاته، ويحرّره من اغترابه، ويقيم صلته بالمطلق في أفق الصّمت لا في ضجيج الكلام. وهو ما يلتقي مع العرفان الإسلاميّ عند النّفّري والحلاّج حيث يصبح الصّمت مقامًا للكشف والإنصات، ولغةً أخرى للحضور، فيتجاوب العرفانان الغربيّ والمشرقيّ على اختلاف سياقاتهما في عدّ الصّمت شرطًا للمعنى وسبيلًا إلى الحقيقة.
يتجلّى الصّمت في العرفان المسيحيّ تجربة وجوديّة تعيد تشكيل الذّات وتؤسّس الصّلة باللّه في أفق الحضور والمعايشة. يتكشّف هذا المعنى في مسارات «يوحنّا الصّليب»، و«تيريزا الأفيليّة»، و«ماستر إكهارت»، على اختلاف أزمنتهم وتلاقي تجاربهم الرّوحيّة. الصّمت عند ماستر إكهارت (1260–1328) يغدو تخلّيًا واعيًا عن الصّور الذّهنيّة وتجاوزًا للوسائط اللّفظيّة، لينكشف الحضور الإلهيّ في القلب بوصفه موضعًا للإنصات والكشف، حيث لا يقوم المعنى على البرهان ولا على الجدل، بل يتجلّى معرفة حيّة.
أما «يوهانس تاولر» المتوفّى سنة 1361م، وتلميذ تقليد «إكهارت»، فيرى الصّمت تربية باطنيّة طويلة، ينسحب فيها الإنسان من ضجيج الذّات ويتهيّأ لتلقّي النّور الإلهيّ في الدّاخل، حيث تتكوّن الأخلاق بالتّهذيب والصّبر لا بالتّوجيه الخارجيّ ولا بالوعظ المباشر. ويجعل «هاينريش سوزو» المتوفّى سنة 1366م، الصّمت بعدًا ذوقيًّا عميقًا يقترن بالمحبّة والألم معًا، ويتعلّم فيه العارف أنّ الصّمت لا يمثّل راحة ولا سكينة، بل استعدادًا لتحمّل التّحوّل الذّاتيّ وما يرافقه من استعداد ونضج روحيّ. وتكشف تجربة «مرغريت بوريت» الّتي أُعدمت سنة 1310م، عن الصّمت بوصفه تعبيرًا عن فناء الإرادة في المحبّة الإلهيّة، حيث تصمت الذّات كي يتكلّم الحضور في داخلها من دون وساطة، ويتلاشى الصّوت الفرديّ لصالح حضور يملأ القلب، وتغدو الصّلة باللّه خبرة معيشة تتجاوز القول وتنفتح على حرّيّة داخليّة.
أمّا «تيريزا الأفيليّة» (1515–1582) فترى في الصّمت فضاءً داخليًّا يتيح للرّوح أن تدخل «القلعة الباطنيّة»، حيث تتدرّج المقامات الرّوحيّة نحو الاتّحاد باللّه، وتصبح السّكينة شرطًا للعبور من الطّبقات الخارجيّة إلى عمق الذّات. هكذا يلتقي هؤلاء في عدّ الصّمت شرطًا للمعنى وسبيلًا إلى الحقيقة، حيث يتحوّل من مجرّد امتناع عن الكلام إلى مقام أنطولوجيّ يعيد الإنسان إلى عمق ذاته ويحرّره من اغترابه، ويقيم صلته باللّه في أفق الحضور لا في ضجيج القول.
وعند «يوحنّا الصّليب» (1542–1591) يتّخذ الصّمت هيئة «اللّيل المظلم»، وهو طور وجوديّ تتجاوزه الذّات حين تنزاح اللّغة وتحتجب الصّور، لا بوصفه فقدانًا للمعنى، بل مسارًا تطهيريًّا يغتسل به القلب من التّعلّقات الحسّيّة والذّهنيّة ويهيّئه لشهود الأنوار، إذ يستنبط المعنى من السّكينة ويتأسّس الصّفاء الباطنيّ بالصّبر والإنصات.
يظهر معنى الصّمت بوصفه طورًا وجوديًّا للذّات في مسارات «يوحنّا الصّليب»، و«تيريزا الأفيليّة»، و«ماستر إكهارت»، على اختلاف أزمنتهم وتلاقي تجاربهم الرّوحيّة؛ أمّا «تيريزا الأفيليّة» فترى في الصّمت انخطافًا في المحبّة وانكشافًا للسّرّ الإلهيّ في تجربة داخليّة ملهِمة عذبة، لا تطلب الجمال من الصّور ولا من الزّينة الظّاهرة، بل تتذوّقه في المعاني الّتي تنكشف في القلب حين يطمئنّ، حيث ترتاض الأخلاق في التّجربة ويذوب الكلام أمام حرارة اللّقاء. وتنبثق المعرفة بصيرة صافية، وتتشكّل الأخلاق بالتّهذيب الدّاخليّ لا بالتّلقين، فيكون الصّمت قوّة روحيّة تحرّر الإنسان من اغترابه وتعيد صلته الحيّة بالمطلق. هكذا تتكامل هذه المسارات الثّلاثة لتكشف أنّ الصّمت ليس غيابًا للكلام، بل مقامًا أنطولوجيًّا يعيد الإنسان إلى عمقه، ويقيم صلته باللّه في أفق الحضور والشّهود، حيث يتجاوز العرفان المسيحيّ حدود البرهان والجدل ليجعل من السّكينة لغة أخرى للحقيقة.
لا تقف تجربة الصّمت في العرفان الغربيّ عند «ماستر إكهارت» و«يوحنّا الصّليب» و«تيريزا الأفيليّة»، بل تمتدّ إلى مسارات عرفاء مسيحيّين، جعلوا من الصّمت أفقًا للمعنى وطريقًا للبصيرة الرّوحيّة. ففي كتاب «سحابة اللّامعرفة» (The Cloud of Unknowing)، وهو نصّ كلاسيكيّ في العرفان المسيحيّ، كُتب بالإنجليزية الوسطى في أواخر القرن الرّابع عشر على يد مؤلّف مجهول الهويّة، ويعدّ من أبرز الأعمال الّتي بلورت أفق اللّاهوت السّلبيّ في الغرب المسيحيّ. يرى هذا النّصّ أنّ اللّه لا يتحقّق بالمعرفة العقليّة، ولا يُحاط به بالمفاهيم أو الصّور الذّهنيّة، بل يتحقّق بالمحبّة الخالصة والصّلاة الصّامتة، إذ يرى أنّ كلّ محاولة عقليّة لمعرفة اللّه تُحجب بسحابة من اللّامعرفة، ولا يمكن اختراق هذه السّحابة إلّا بالحبّ الّذي يتجاوز الفكر والكلام. من هنا يغدو الصّمت موقفًا روحيًّا ومعرفيًّا، يحرّر الإيمان من وهم الامتلاك، ويحوّل المعرفة من تعريف ذهنيّ إلى حضور روحيّ، ومن يقين لغويّ إلى تجربة تنضج في السّكينة، ليصير الإيمان علاقة حيّة. لذلك ظلّ هذا الكتاب مرجعًا أساسيًّا في تقاليد التّأمّل المسيحيّ، ولا يزال يُقرأ حتّى اليوم بوصفه دليلًا على طريق التّجربة الرّوحيّة العميقة.
الصّمت في حياة الرّاهب التّرابيستيّ 
«الرّاهب التّرابيستيّ» راهب مسيحيّ كاثوليكيّ ينتمي إلى رهبنة السّيسترسيّين ذوي المراقبة الصّارمة، ويعيش الصّمت لا بوصفه امتناعًا عرضيًّا عن الكلام، بل نمط حياة متكاملًا يعاد فيه ترتيب العلاقة بين اللّغة والوعي والزّمن. الرّهبنة السّيسترسيّة (Cistercians)، تأسّست سنة 1098م على يد «روبرت من مولسم»، متأثّرة بقانون القدّيس «بندكت» في القرن السّادس. الرّاهب التّرابيستيّ ظهر في فرنسا على يد الرّاهب «آرمان-جان دو رانس» (Armand-Jean de Rancé) بإصلاح دير «لا تراب» (La Trappe) في نورماندي، مشدّدًا على الزّهد، الصّمت، والعمل. أمّا كلمة «ترابيست» فجاءت من اسم الدّير الّذي انطلقت منه الحركة الإصلاحيّة. الإصلاح الصّارم تبلور تدريجيًّا خلال ستّينيّات وسبعينيّات القرن السّابع عشر، واشتدّ بعد 1664 لا فيها حصرًا.
يلتزم هذا الرّاهب، في أغلب الأديرة التّرابيستيّة، ألّا يتجاوز كلامه ثلاثمئة كلمة في اليوم، أيّ ما يعادل أقلّ من عشرين دقيقة صوتيّة، وغالبًا أقلّ من ذلك بكثير. هذا التّحديد لا يأتي من هوس عدديّ، بل من وعي عميق بأنّ كثرة الكلام تشتّت الانتباه، وتستنزف الحضور الدّاخليّ، وتحجب الإصغاء العميق لما يجري في النّفس والعالم. يتكلّم الرّاهب عند الضّرورة فقط: في الصّلاة الجماعيّة، أو في العمل حين يقتضي التّنظيم، أو في الإرشاد الرّوحيّ المحدود، في حين تمتدّ ساعات يومه الأخرى في صمت واعٍ يمارس فيه العمل اليدويّ، والقراءة التّأمّليّة، والصّلاة. الصّمت هنا ليس فراغًا لغويًّا، بل امتلاء ويقظة، إذ يتعلّم الرّاهب أن يجعل الكلمة ثمرة نضج لا ردّ فعل، وأن تكون اللّغة امتدادًا للسّكينة لا قطيعة معها. لذلك يتوالد كلامه بطيئًا مقتصدًا دقيقًا، كلّ كلمة فيه تحسب في ميزان الوعي. في هذا الأفق، يتحوّل الصّمت إلى مدرسة لتربية النّفس، وضبط للأنا، وتحرير الإنسان من فائض الألفاظ، فيغدو الكلام القليل جسرًا إلى المعنى، لا عبئًا يثقله، وأن يمنح الكلمة وزنها الوجوديّ. كلّ كلمة تقال بعد اختبار، وتحمل مسؤوليّة، لأنّ الزّمن الصّوتيّ المحدود يضفي عليها كثافة خاصّة. هكذا يتحوّل الصّمت إلى مدرسة لتربية الرّوح والأخلاق، وضبط الأنا وتحرير الإنسان من كابوس الضّجيج، ويغدو الكلام القليل جسرًا إلى المعنى، واستثناء تفرضه الضّرورة لا عادة يستهلكها التّكرار.
الصّمت في دير رهبنة الكلاريس 
القدّيسة «كلارا الأسيزيّة» (1194–1253) ولدت في «أسيزي» بإيطاليا لعائلة نبيلة لكنّها تخلّت عن الغنى لتتّبع القدّيس «فرنسيس الأسيزيّ» (1181/1182–1226م)، الّذي كان مصلحًا روحيًّا إيطاليًّا ولد في نفس المدينة، وعاش في شبابه حياة ميسورة، ثمّ مرّ بتحوّل روحيّ عميق دفعه إلى التّخلّي عن ثروة أبيه، واختيار الفقر الطّوعيّ، وحياة التّجوال، وخدمة الفقراء والمنبوذين. أسّست «كلارا الأسيزيّة» أوّل دير لرهبنة الكلاريس في «سان داميانو»، حيث وضعت بنفسها قانون الحياة الرّهبانيّة، لتصبح أوّل امرأة تكتب دستورًا رهبانيًّا في الكنيسة الكاثوليكيّة. وقد جسّدت في حياتها الفقر الإنجيليّ والصّمت التّأمّليّ، إذ كان الصّمت عندها قاعدة يوميّة في الدّير لا يسمح بالكلام إلّا للضّرورة، وتحوّلت هذه السّكينة إلى إنصات لكلمة اللّه وتأمّل عميق في أسرار الإيمان، فكان صمتُها لغةَ حبّ وحوار داخليّ مع المسيح، وجعلت من حياتها شهادة حيّة على إمكانيّة الاتّحاد باللّه بالسّكينة الدّاخليّة.
يسود الصّمت في «دير الكلاريس» في الفيّاضيّة ببيروت، المعروف باسم «دير سيّدة الوحدة»، وهو دير لراهبات الكلاريس المتوحّدات التّابع للرّهبنة الفرنسيسكانيّة الّتي أسّستها القدّيسة «كلارا الأسيزيّة» في القرن الثّالث عشر، ويتميّز بطابعه التّأمّليّ الصّامت حيث تكرّس الرّاهبات حياتهنّ للصّلاة والعمل اليدويّ البسيط. يعدّ الصّمت في هذا الدّير جزءًا جوهريًّا من الحياة الرّهبانيّة، إذ تلتزم الرّاهبات بفترات طويلة من الصّمت خلال النّهار واللّيل، فلا يسمح بالكلام إلّا عند الضّرورة، ولا ينظر إلى الصّمت بوصفه امتناعًا عن الكلام فقط، بل حياة روحيّة تنفتح فيها الذّات على الإنصات الدّاخليّ لكلمة اللّه والتّأمّل العميق في أسرار الإيمان. وهو بذلك حوار داخليّ مع اللّه ولغة روحيّة تغني حياة الجماعة وتعمّق رسالتها التّأمّليّة.
صلة الصّمت باللّاهوت السّلبيّ 
هناك صلة بين الصّمت واللّاهوت السّلبيّ (Negative Theology) تقوم على إدراك عميق بأنّ شهود اللّه يتجاوز اللّغة. اللّه لا يمكن الإحاطة به بالوصف ولا تتّسع له الكلمات ولا المفاهيم، لذلك يغدو الصّمت امتدادًا للتّنزيه لا فراغًا في المعنى، إذ يعلّق الإنسان ادّعاء المعرفة حين يعترف بحدود عقله ولسانه، ويتجلّى اللّه لقلبه من دون استعمال اللّغة. في اللّاهوت السّلبيّ لا يراد بالصّمت إنكار الكلام، بل تحرير الإيمان من وهم امتلاكه بالكلمات، لأنّ كثرة الكلام عن المطلق تغري بإسقاط المحدود عليه، فيما الصّمت يفتح أفق الإنصات، ويحوّل المعرفة من تعريف ذهنيّ إلى حضور حيّ، ومن يقين لغويّ إلى تجربة روحيّة مشبعة بالسّكينة. هكذا يصير الصّمت موقفًا روحيًّا وأخلاقيًّا يصون مقام المطلق، ويمنح الإنسان تواضعًا معرفيًّا يتيح له أن يكون في حالة شهود من دون أن يدّعي القبض على الأسماء والصّفات والتّعبير عنها باللّغة، فيتحقّق الإيمان بوصفه صلة حيّة بالمطلق لا كلامًا مكتفيًا بذاته.
مسار ما عرف لاحقًا بـ «اللّاهوت السّلبيّ» أو «اللّاهوت التّنزيهيّ»، لم ينشأ من فراغ، بل تبلور في سياق روحيّ عريق متّكئًا على ميراث الأفلاطونيّة المحدثة، لا سيّما فكر أفلوطين (204–270م) الّذي شدّد على أنّ «الواحد» يتجاوز كلّ تحديد لغويّ وكلّ إطار مفهوميّ. في المسيحيّة مثّل «أوغسطينوس» (354–430م) مرجعًا مبكّرًا لهذا الاتّجاه، حين أكّد أنّ اللّغة البشريّة عاجزة عن الإحاطة بحقيقة اللّه، وأنّ المعرفة تبدأ من الاعتراف بمحدوديّة العقل وحدوده. وشدّد «ديونيسيوس الآريوباغي» نحو (480–520م) على أنّ الصّمت هو الطّريق الأسمى للقاء اللّه، لأنّ كلّ قول يظلّ قاصرًا أمام سرّ المطلق، فدعا إلى الصّمت بوصفه طريقًا لشهود اللّه خارج الأسماء والصّفات، ورأى أنّ أقرب السّبل إلى المطلق تمرّ عبر نفي الصّور والمفاهيم، والعيش في سكينة تتجاوز القول والفهم، حيث يتهيّأ القلب لانكشاف لا تحتمله اللّغة.
وفي الفلسفة اليهوديّة بلور «موسى بن ميمون» (1138–1204م) هذا المنحى بوضوح منهجيّ في «دلالة الحائرين»، رافضًا قبول الصّفات الثّبوتيّة للّه، ومؤكّدًا أنّ الطّريق الأسلم للحديث عنه يمرّ عبر النّفي، حفاظًا على وحدانيّته المطلقة. وأنّ التّنزيه لا يكتمل إلّا بالصّمت الّذي يحرس وحدانيّة اللّه من إسقاطات الخيال البشريّ واللّغة، إذ إنّ كثرة الكلام عن الصّفات تغري بالتّمثيل والتّشبيه.
وفي الفلسفة الإسلاميّة في إيران عبّر «الملّا رجب علي التّبريزيّ» (ت 1080 هـ / 1669 م) عن رؤية معرفيّة وروحيّة متّصلة بهذا الأفق، حين أكّد أنّ الذّات الإلهيّة تتعالى على المفاهيم والحدود، وأنّ المعرفة الحقّة تنكشف في التّجربة والذّوق لا في التّعريفات النّظريّة. هكذا يتكشّف «اللّاهوت السّلبيّ» بوصفه مسارًا إنسانيًّا عابرًا للأديان والثّقافات، يلتقي فيه الفلاسفة والمتصوّفة واللّاهوتيّون على وعي يرى: أنّ اللّه يحضر في العمق الّذي تعجز اللّغة عن احتوائه، وأنّ الصّمت ليس نقصًا في القول بل تواضعًا معرفيًّا، وفتحًا لأفق التّجربة الرّوحيّة، وحراسةً للغيب من إسقاطات اللّغة البشريّة وضيق وعائها.
الكبّاليّة (القبّالاه أو الكابالا، Kabbalah) هي تيّار صوفيّ باطنيّ في اليهوديّة يهدف إلى تفسير العلاقة بين اللّه والكون والإنسان من خلال رموز وتأويلات روحيّة ولاهوتيّة. لا تعدّ دينًا مستقلًّا بل منهجًا لفهم الباطن في التّوراة والتّقاليد اليهوديّة. يحتلّ الصّمت موقعًا مركزيًّا في التّقاليد الكبّاليّة بوصفه شرطًا للإنصات للحضور الإلهيّ. في الكبّالا المبكّرة، وخاصّة في نصوص سِفر يتصيرا (سِفر التّكوين/Sefer Yetzirah)، الّذي هو أحد أقدم النّصوص الصّوفيّة في التّراث اليهوديّ، ويعدّ من النّصوص المؤسّسة لما عرف لاحقًا بالقبّالاه (التّصوّف اليهوديّ)، مع أنّ مضمونه أسبق تاريخيًّا من القبّالاه الكلاسيكيّة. يرى العارف الصّمت مقامًا للتّلقّي الأوّل، إذ لا ينكشف الإله في الضّجيج، بل في السّكينة الّتي تسبق القول وتتقدّمه. في القرن الثّالث عشر ظهر الزّوهار (Zohar، أي: الضّياء أو الإشراق)، وهو النّصّ المركزيّ في القبّالاه، ويعدّ من أبرز الأعمال الصّوفيّة لديهم، لما ينطوي عليه من رؤية رمزيّة للكون، واللّغة، والإله، والإنسان.
يجعل «موسى دي ليون»، المتوفّى سنة 1305م الّذي هو أحد أبرز محرّري الزّوهار، الصّمت فضاءً داخليًّا يسمح بتذوّق أسرار التّجلّي الإلهيّ، حيث تنسحب اللّغة اليوميّة ويتقدّم الرّمز بوصفه لغة الرّوح، في أفق معايشة يقوم على الإصغاء والصّفاء لا على الشّرح والتّقرير. يغدو الصّمت شرطًا لفهم الصّلة العميقة بين العالم، وتجلّيات (السّفيروت، Sefirot) هي الانبثاقات الإلهيّة العشرة في القبّالاه اليهوديّة، الّتي تتجلّى بوصفها مقامات للفيض الإلهيّ ومسارات لحضوره في العالم، ومنها يتكوّن نظام الوجود وتتدرّج العلاقة بين الإله والكون والإنسان. لا تفهم السّفيروت كصفات جامدة أو كيانات منفصلة، وإنّما كتجلّيات حيّة يتكشّف فيها الإله بحسب مراتب الظّهور، وتنتظم بها حركة الخلق، ويجد الإنسان من خلالها سبيله لفهم المعنى وبناء صلته بالحضور الإلهيّ في أفق رمزيّ وتجريبيّ.
في مسار «إسحاق لوريا» (1534 - 1572)، يتّخذ الصّمت بعدًا كوسمولوجيًّا وأخلاقيًّا معًا، إذ يرتبط بفكرة الانقباض الأوّل، حيث ينسحب الحضور الإلهيّ ليتيح للوجود أن يكون، ويجعل «لوريا» الصّمت تخليّة داخليّة يهيّئ بها الإنسان ذاته للمشاركة في بناء العالم. ويؤكّد أنّ الأخلاق لا تقوم على الوعظ ولا على الإلزام الخارجيّ، بل تنبثق من بناء الذّات في سكينة وتأمّل، ومن إصغاء عميق يجعل الفعل الأخلاقيّ امتدادًا لتجربة روحيّة صامتة، لا استجابة لأمر مفروض ولا تكرارًا لقواعد جاهزة.
أمّا «بعل شيم طوف» (1698-1760)، مؤسّس «الحسيديّة، Hasidism»، الّتي هي حركة صوفيّة اجتماعيّة داخل اليهوديّة الأرثوذكسيّة، نشأت في أوروبا الشّرقيّة، فيعيد الصّمت إلى الحياة اليوميّة بوصفه إنصاتًا عميقًا للحضور الإلهيّ في كلّ شيء، حيث لا ينفصل الصّمت عن الفرح ولا يتعارض مع العيش، بل يفتح القلب على معنى القرب، ويجعل اليقظة الباطنيّة أسلوب حياة لا اعتزالًا. وتلتقي هذه التّجارب العرفانيّة مع نظيراتها المسيحيّة على أنّ الصّمت لا يدلّ على هشاشة وضعف، بل يمثّل قوّة روحيّة وشرطًا للمعرفة القلبيّة، ومسارًا لتحرير الإنسان من أسر المفاهيم وضيق اللّغات، وبناء صلة باللّه تقوم على الحضور والشّهود، حيث ينضج الإيمان في الصّمت ويتأسّس الفعل الأخلاقيّ في صفاء الدّاخل، ويغدو الصّمت لغة مشتركة بين التّقاليد العرفانيّة في سعيها الدّائم إلى المعنى.
تلتقي هذه التّجارب العرفانيّة المتنوّعة في الأديان على فهم الصّمت بأنّه قوّة روحيّة فاعلة لا انسحابًا من العالم، ومسارًا يحرّر الإنسان من وهم الامتلاك المعرفيّ، ويؤسّس صلة عميقة باللّه. في الصّمت ينضج القلب في السّكينة، ويتعلّم الإصغاء لما يتكشّف في العمق، وتتشكّل الأخلاق في التّجربة الحيّة لا في التّوجيه الخارجيّ، ويتحوّل الصّفاء الدّاخليّ إلى موقف وفعل ورحمة ومسؤوليّة. هكذا يصبح الصّمت لغة داخليّة تعيد للإنسان عمقه الوجوديّ، وتحرّره من ضيق المفاهيم وكثافة القول، وتعيد وصل ما انقطع بينه وبين المعنى، في أفق معرفة قلبيّة تنبثق من المشاهدة والتّذوّق لا من التّملّك، ومن الحضور لا من الادّعاء.