قرأت لكم

بقلم
ناجي حجلاوي
أضواء على فجر التنوير العربي
 أصدر الأستاذ  «حفناوي عماريّة» عن مطبعة الأفـــق ببن عروس كتابا بعنــوان « فجر التنوير العربي الحديث: الصلات الثّقافيّة والفكرية بين تونس وأقطار المشرق 1846-1881.» وهو كتاب يعالـــج قضيّة يعدّها من القضايــــا المهمّة، طارحا السّؤال التّالي للأزمـــة في التّـــراث الأصيــــل أم في الرّافد الثّقافي الدّخيل؟. وإذا جاز لنا أن نشير إلى الطول الوارد في العنوان ممّا يتناقض مع فلسفــة العنوان المقتضية للقصر فإنّنا نشير إلى تنويه المؤلّف بدور تونس الرّيـــادي في إرساء التشّريعـــات وبعث المؤسّسات الجديدة مثل إلغاء العبوديّة بصورة نهائيّـــة في 1846 وبعث النّظام البلـــــدي في 1858 وسنّ دستـــور 1861 وتكوين المجالس التشّريعيّـــة والقضائيّـــة وتأسيس الطّباعــــة وإنشاء الصّحافة 1860 ممّا أثار إعجـــاب الغربيين وشجّعت بعض المفكّريـــن العرب على القـــدوم إلى تونس من أمثال «فارس الشّديـــاق» وقد أصدر كتابـــه « كشف المخبّأ عن فنون أروبا بتونس.» سنة 1864.
إنّ هذا الكتاب يتجـــاوز الحــــدود الفطريّــــة المزعومـــة من بعـــض السياسييـــن لبيان الأواصـــر الثّقافيّــــة بين أجزاء الوطــــن الكبير قوميّـــا وإسلاميّـــا، وقد اضطلعت الجرائد والصّحف أدوارا مهمّـــة في دعــــم هذه الأواصر الّتي تجاوزت التّنظيمات إلى إحـــداث حركة فكريّـــة وثقافيّـــة. ومن هذه الصّحف أصـــداء الحركات الاجتماعيّـــة والثّقافيّـــة في أنحــــاء البلدان العربيّـــة وانظر إلى تعليم البنــات المسيحيّــات وسوريا ولبنان ومصر ومدى تأثيره في بناء المجتمع التّونسي، إذ نادى الشّـــاب «الصّادق الزّمرلي» بالاستعانة بالمعلمـــة السّوريّــــة لتأسيس التّعليــــم النّسائي بتونس وهو مدخل كفيل بتحديث النّظر إلى موضوع المرأة. وقد كانت جريدة «الرّائد التّونسي» سبّاقة إلى ترويج الأخبار عن المؤلّفات العلميّة الّتي ينتجها الأساتذة الجامعيون وترسم الملامح العقليّة للتّيارات الجديدة. وقد عرفت تونس مجموعة جمعيات ثقافيّة قامت بدور التنوير الثقافي القائمة على الايديولوجيـــة البرجوازيّـــة. وإذا عرفت البلدان العربيّـــة ثلاث صحف فإنّ تونس كانت واحدة منها: «الوقائع» بمصر و«المبشر» بالجزائر و«الرائد التّونسي 1860» و«حديقة الأخبار» بلبنان، واللافت أن الرائد التّونسي قد أهتمت لا بالأقطار الأروبية فحسب بل اعتنت  بأخبار أمريكا وآسيا وتنوّعت محاور اهتماماتها بالجغرافيا والهجرة وأدب الرّحلة والتّخّلف الثّقافي والاكتشافات العلميّة.
وللمؤلّف إشارة مفيدة تتمثّل في أنّ النهضة في أوروبا قد سبقت تكوين الصّحف أمّا في البلاد العربيّة فقد تزامنت النّهضة العربيّة مع ظهور الصّحافة حيث اندمج الأدبـــاء مع العمل الصّحفي وخذ على ذلك مثال «محمود قبادو» و«حمزة فتح الله» و«محمّد سنوسي». والملاحظ أنّ البيئة الثّقافيّة التّونسيّة لم تعرف الحركات الاجتماعيّة الدّينيّة المتطرّفة كالوهّابيّة والسّنوسيّة، نظرا لاختلاف المعطيات كالعلاقة مع الثّقافة الغربيّة بالرّغم من سوء الأحوال أحيانا الّذي مسّ المناهج التّربويّة المتعلّقة بالتّعليم الدّيني خصوصا تحت تأثير الرّؤى الضّيقة والأخلاق المنغلقة كالحسد والكراهيّة.
إنّ الجدير بالذّكر هو أنّ فترة مـــا بين 1861 – 1864 هي فترة الوعي الدّستوري وتكوين المجالـــس. إنّها تجربــــة فريدة ومتقدمة في العالم الإسلامي دعّمهــا «فارس الشّدياق» الّذي وقف ضدّ «الصّادق بـــاي» وحكومته حين تراجعـــت عن المجالس، وهذا الأمر يثير انتبــــاه أهل النّظــر إلى الفكــــر المتيقّـــظ. يقول المؤلّف في هـــذا الصّدد: « لأنّ الفكر يصبح مؤثّرا بقدر ما يعبّـــر عن حاجـــات اجتماعيّـــة قائمة أو طموحـــات في حيّز الممكن بالنّسبـــة إلى الجماعــات البشريّـــة»  ومثال ذلك «ابن أبي الضّيــاف» المضطلع برسالـــة المثقّـــف فهو قد استفـــاد من التّراث وتجارب سياسيّة في بـــلاده، فنادى بتطبيق القانون وتقييد الحكم به وهو أحد الكتّاب في جريدة «الجوائب» الّتي يديرها «فارس الشّدياق» وهي المنادية بالفصل بين السّلط في تركيا ومصــر وتونــــس وقد هجت «محمود قبـــادو» وانتقدته لمّا تنكّر لمبادئه في مناصرة الدّستــور والعمل بالمحاســـن وقد شهدت الثّقافة الاجتماعيّة بتونـــس روافـــد تنويريّـــة من ذلك ما أوغر به «خير الدّين باشا» لصديقه شيخ الاجتماع بتونس «أحمد بلخوجة» ليفنّد مزاعم المتعصّبين وإظهار سمات الإسلام الصّحيحة المتمثّلة في التّسامح، وبالفعل ألّف فتوى مفادها أحقيّة تولّي غير المسلم مناصب مهمّة في دولة الإسلام، وهو أمر أفحم الرّأي السّياسي الغربي وأقنعه أنّ الإسلام دين متحرّر متحضّر من خلال ربط الفكر الإسلامي بالتّاريخ دون التّقيد المعرقل بالفكر الماضـــوي وانظـــر إلى الآية « فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» لا إلى غيرها.
وعلى أية حال فقد عالج الأستاذ «حفناوي عمايرية» قضايا الفكر النّهضوي في البلـــدان العربيـــة الإسلاميّـــة ولا سيما المنطلقات الثّقافيّة الكفيلـــة بتغيير الأذهان والأفهام والأذواق، إلاّ أنّ الأسئلـــة الّتي تظـــلّ مطروحـــة هـــــي: « هل تحقّقت النّهضـــة العربيّـــة؟ وهل يمكن لهـــا أن تتحقّق دون عقـــل ناهــــض؟ وهل النّهضـــة فعل منوط بالدّولــــة أم بالنّخبــــة؟ أم بمكوّنات المجتمــــع المدنــــي وهــــل من شــــروط تحقّقهـــــا أن تتجـــاوز الأذهـــان والعقـــول إلى مجريات الواقع ولا سيما أنّ من أبرز علاماتهـــا أن تمسّ جميـــع الجوانب المحيطة بالحياة كالمجـــال الاقتصـــادي والاجتماعي والثّقافي والنّفســـي؟ ومازالت الأسئلـــة تتلاحق وتتشعّب إزاء الحركة التّنويريّة والعمليّة النّهضويّة ولا سيما في ضوء الحراك الجديد الّذي شهدته بعض الأقطار العربيّة مؤخّرا.
-----------
-  شاعر وكاتب تونسي
neji.hajlaoui.1@facebook.com