نقاط على الحروف

بقلم
خالد بنات
إملاءات البيئة على الفرد و مؤثراتها على استعداده للحوار مع الذات و الآخر

 يقول الله تعالى في كتابه الحكيم :﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُــمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾  [الحجرات:13] 

هذا هو ما فرض الله سبحانه وتعالى وهو واقع الحال الذي يحتم علينا بما كان، أمرين هاميــــن تنطبـــق على سائر العباد في هذا الكون عبر ممارسات وتجارب فعّالة. تجارب المكان والزمان، مع الذات والآخرين، ومع فرص الحياة وأخطارها، والتي نتقاسمها نحن العنصر البشري بجميع أجناسنا وجنسياتنا:
أولاهما: إما أن يكون الكل، دون استثناء، القوي والضعيف سواء كان أفـــرادا أو جماعـــات أو دولا، في حوار متوازن يلعب دورا أساسيا في البناء وتحديث الأفكار وفي مسار متوازن مع تحديث التكنولوجيا ووسائل الأعلام والإتصالات، لخلق أجواء للتعايش السلمـــي في بيئة تضفي على المجموع روح المغامرة والقوة والمتعة والنمو والقدرة والشفافية في تحوّل أنفسنا والعالم.
ثانيهما: أي في الوقت نفسه، أن نحمل عبيء التهديد بتدمير كل مـــا لدينــــا من إنجازات وكل مــــا نملكه من معرفة.
وهنــــا  يبـــرز الضعـــف  أو عدم القدرة على الحوار مع ”الذات  و الآخر“ ببروز المتغيرات التي طالبت بها شعوب الربيع العربي في الآونة الأخيرة  والتي قلبت كل سياسات المنطقة العربية  ليفرض عليها واقعـــا من نوع خطير تتقدمه إملاءات خارجية تضيق الخناق على شعوب المنطقة من جديد وخاصة عن طريق لقمة العيش لتكون غير مؤهلة  لفرض الإصلاح وغير قادرة على ارساء ديمقراطية  حقيقية  توجب الحوار ما بين الحاكم والمحكوم، حيث  تصاغ للمنطقة إملآت من نوع معهود طوال سنوات الاستعمار ولكن بدعم تحالفات  وتمويلات محلية والأسباب أختزلها  في التالي:
 
(1). إملاءات البيئة:
 
إن البيئات وعبر التجارب التي تعمل على تطور الحضارات والذات والحداثة، ليس لها حدود جغرافية تقف عندها ولا هي مؤطرة لأمم دون أخرى، مهما كانت هذه الأمـــم ومــا تتبنـــى من أفكـار ايديولوجية أو من معتقدات أو أديـــــــــان. ولا مجال هنــــا للشكّ بأن التطور الفكري والأيديولوجي والتطور التقني والحداثة والتحديث من العناصر الأساسية في توحيد البشرية كلها.
ليطرح نفسه السؤال، عن ماهية هذه الوحدة؟ وفيما إذا كانت وحدة إشكالية بمعنى وحدة اللاوحدة؟ أهو كذلك؟ فنكون  قد اخذنا بعين الاعتبار تعدد الآراء ودوامات التحلل والتجدد، الصراع والتناقض، الغموض والألم الشديد وبصورة أبدية.
هنا تبدو الخطورة، فالأجيال المتعاقبة ستجد نفسهـــا أكثر فأكثــــر في قلب هذه الدوامات معتقدة أنها الوحيدة التي تمرّ بها. وسأتوقف عند بعض الأمثلة الواقعية من التناقضات المتعــــددة، وفي كثيـــر من الأحيان والأماكن وفي أوروبا على وجه التحديد والتي يعيش فيها عدد كبير من المهاجرين لأسباب عدة، هروبا من واقعهم الذاتي المرير إلى واقع غريب وربما يكون مريرا لمعطيات أخرى مختلفة. هنا يفقدون، بسبب قوانين تجور عليهم ولا تنصفهم، الحق في العلم والعلوم، يفقدون الانتماء والهوية والأخطر أيضا أنهم يفقدون ”مفهوم الذات“.
ينظر معظم الأوروبيين للغرباء نظرة فوقية ويصفونهم، ولو بصفة غير مباشرة، بالتخلف وعدم الاستعداد والفهم. وبهذا تفقد حلقة حوار مهمة جــــدا لكونهـــا من المفروض أن تكون الحلقة الأمثل في ميدان الحوار بعينه. فالكثير من المهاجرين يعيشون في أوضاع مزرية متردية فاقدين هويتهم وثقافتهم مما يفقدهم القابلية للتأقلم  في مجتمع يرون فيه تناقضات متعددة مع تطلعاتهم. وهنا يبرر الاضطهاد من الطرف الآخر لفشل الطرفين في إدارة حوار مثمر. ومن المفهوم  أن لا فرص لحوار مع فرد وصل به المطاف إلى ظلام  يفقده مفاهيم الحوار ذاته لأن ”فاقد الشيء لا يعطيه“.
و كم لعبت تأثيــــرات ”العوامل الداخليــــة“ دورا في إعاقة الحوار مع الآخر والوصول مرحليا وتاريخيا إلى ضوابط وحلول للمشكلات والقضايا العالقة التي تتصل بمفهوم ”تحديد الذات“ كمستقبل يشكّل قطبا موازيا في الحوار مع الآخر. ففهم ”الذات“ مهم جدا للحوار. ومن الجدير بالذكر هنا أن الطبقة المثقفة والعديد من الأكاديميين الذين يعيشون بعيدين عن  أوطانهم، يغتربون مرتين في  آن  واحد، ”غربة الذّات وغربة الحوار المفقود“. وبهذا الحال يطرح السؤال: من أين سيأتي الحوار في غياب من يفترض أنهم أطراف الحوار. وهل يحاور من في الضياع  (غربة الذات ) من هم  في مهجر الوطن  ومهجر  الذات (غربة الحوار )؟
أما ”مفهوم الذات“ في تحديد الولاء، والاستعداد للهجرة عنـــه، فهو غالب بين فئات المجتمع، (بما فيهم النخب الفكرية). ومن هنا تتحدد من خلال إنجازات الطبقة السياسية المسيطرة  في الحفاظ على الهوية التي تكون المنطلق الأساسي فـــــي تحديــــد ”الذات“، من أجل حوارها في اتجاه الانطلاق للآخر لحواره وتحديد حدّة الاصطدام معه.
إن معرفة الذات النسبية تؤدي غالبا إلى ”هجرة الفكر والفكرة والمفكرين“ ومن هنا تنبت مفاهيم  ”الإغتراب“عن الذات الأساسية والبيئة المستجدة أو المستحدثة التي يطمح للوصول إليها كمدخل رئيسي لإيصال مفهوم ”الذات“ من خلال الحوار إلى الآخر بهدف خلق ”بيئة منسجمة“ تؤدي بكل التداخلات إلى  ديناميكية بناءة  تخدم  في المحصلة جميع المشاركين مع مراعاة الفوارق الدرجية بين الأطراف المتعددة والمتنوعة وتشكل في فوارقها وتعددها وتنوعها  وحدة هامة تخص الجميع. 
تزداد في هذا العصر مرادفات الحداثة وتتسارع  التطورات  التكنولوجية ومجالات الاتصالات والرقابة على البشــر والحجـــر من كل حد وصوب لتخدم خطر العولمة الذي يرتبط مجددا ليس بمفاهيم التطور الفكري والنوعي  للإنسان، بل ولا يقتصر على عبودية من نوع خارق للإنسان  ومن يحكمه حتى يبرر  للحاكم ضعفه أمام المحكوم وتقطع أي صلة للحوار وتستبدل هذه الكلمة بكلمة ”الإذعان“. وهنا يكمن الخطر المحدق المهدد لأدياننا وتقاليدنا وتراثنا وتاريخنا وترابنا ويُقسم المجتمع إلى قسمين:”المصنع“ و”المستهلك“. أما ”المصنع“ فهو مرتبط بأصحاب القرار وأما ”المستهلك“ فيكون في مجتمعاتنا المرتبط  بمخزونات خامية أساسية للإنتاج يقدمها الحاكم  مقابل البقاء في السلطة وبدعم شكلي كمساعدات للدول القائمــــة علــــى إذعــــان شعوبهـــا المبنّجة القدرات  والمبتورة الآراء والتي لا تملك إلا ”ك.ك“ أي  ”كسرة  أو كرباج“ .
وكم كان أسلافنا يطمحون بأن تكون مسيرة التحديث الطويلة كفيلة بتطوير تاريخ غني بالرغم من الخطر المحدق بوصف الحداثة نفسها لسرعة التطور التكنولوجـــي والاكتشافــــات المتسارعـــــة في العلوم الفيزيائية التي ما زالت تضع تصوراتنا عن الكون وعن مكاننا فيه في طريق آخـــــر ولكن البوصلـــــــة قد حُرّفت وتحولت المعارف العلمية إلى تكنولوجيا للهيمنة على الشعوب وخلق بيئات انسانية جديدة ويتم تدمير أخرى لأنها تملك وسائل إنتاج ومواد خام.
تتسرع وتيرة الحياة بكل اشكالها الجديدة من الطاقة المنسقة ويزداد الصـراع الطبقــــي و”يستكلـــب“ على تثبيت مفهوم”العولمة الجديد“،(الهيمنة على الشعوب عن طريق توظيف الحكام بمفهوم ”ديموقراطية الرجل الواحد“ و هنا ليس المقصود شخص بعينه، بل حزب قوي لا يقف أمامه أحد إلا عبثا. وهنا يولد بشكل مقصود مصطلح قديم يُستحدث لقضم كل المفاهيم وللغاية نفسها، ألا وهو الصراع الطبقي).
 
2. إملاءات الصراع الطبقي: 
 
لا أريد هنا الخوض ولا المقارنة بين فقير وغني، رأسمالية وإشتراكية، دول غنية ونامية، بل أريد إعادة صياغة معروفة لدى العالم والأمثلة حدّث ولا حرج وهي موثقـــة في العديد من إحصائيات المنظمات العالمية القائمة على إدارة الصراعات الساخنة منذ ولادة عصبة الأمم وإلى ما يبحث اليـــوم في أروقة الأمم المتحدة. يتم الصراع الطبقي ويستغل لتفتح الشهية على أفكار الهيمنة وبهذا تتبدل السبل لتحل الهيمنة مكان الحوار... هنا نرى المخططات المتسارعة للهيمنة على العالم العربي قاطبة وبشكلين: الأول هو السيطرة الناعمة بحجج الصداقة ودعم الشعوب والثاني هو الانقضاض الوحشي  بحجة الخطر المحدق وإعادة البناء وفي هذه الحالة نكون أمام أمرين أحلاهما مرّ:
تأتي إملاءات جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة كالفيسبوك وغيره  وتنفجر عيون الربيع وهي ثورات ديموغرافية (سكانية هائلة) تقتلع ملايين البشر من مسقط رأسهم ومواطن آبائهم، ليلقى بهم في الشتات في أرجاء الدنيا الغريبة وفي رقع وحياة لا يعرفونها وفي مخيمات لا كرامة لإنسان فيها تزيدهم غضب وعنف وشقاء وتغير أطباع أبنائهم فتصير إلى صفات غير معهودة وها هي فلسطين بشقاء 66 عاما والعراق بعد لبنان واليمن ثمّ سوريا الآن و..و...ولا يقتصر ما ذكرناه على العرب بل شمل الشيشانيين والصوماليين والأفغان وغيرهم.
أما في مناطق النمو الحضري فتبلغ  سرعة الوحدة أو التقارب  الجديدة  و بصورة جائحية ومفاجئة أغلب الأحيان ذروتها، فنظم الاتصال الإلكترونية والتكنولوجيا المتطورة  بين مكونات المجتمع قاطبة تكون ديناميكية في تطورها وشاملة لأكثر الشعوب والمجتمعات  تباينا  واختلافاتها في اللغة  تربطها ببعضها (السوق الأوروبية المشتركة- ثم  الشنغن)، على عكس الدول ذات الطابع  القومي، اللغوي وحتى الديني والتي  تزداد  قوة بإضطراد، مستندة  إلى  بيروقراطية تحدد  لها مجال عملها وهنا تسعى إلى نمط جديد مؤثر على قدرة الفرد واستعداده للحوار هي:
 
إملاءات النفوذ و السلطة:
 
في ظل انعدام الديمقراطية الحقيقية (أي ديمقراطية الرجل الواحد أو الحزب الواحد) تقيد الحريات فتتلاشى عوامل الحوار أو تضعف  إلى حدها الأدنى وغالبا ما تنطلق هبات كنتاج لتوسع السلطات من نفوذها وبالمقابل حركات جماهيرية متحدية لحكامها السياسيين والاقتصاديين في محاولة لتغيير النمط في الرؤى والأفكار المتنوعة التي ترقم إلى جعل الناس أدوات للتحديث وموضوعات له في الوقت نفسه.
ففي حال  بروز التكامل ( بناء المجتمع الديمقراطي الحقيقي)  وعلاقات  الفعل  وردّ الفعل ( أخذ القرارات أو رفضها جماهيريا)  في  آن  واحد  من مظهرين  متناقضين  هنا ينفي أحدهما الآخر ”مظهر يملك القرار“ (الحكومة/الحزب الحاكم)  ومظهر ”لا يتقبل القرار“( الشعب  و/أو المعارضة)  فتضعف من خلاله  لغة”القواسم   المشتركة“ وهنا اختصر في النقاط التالية ما يضعف لغة الحوار:
- مظهر الأزمة ذاته،
- الترهل الإداري،
- الوساطة، المحسوبية و الرشوة،
- الفساد الإداري، السرقات و ما شابه ،
- الإستبداد و التسلط  مع كل أسبابها و ملحقاتها...
إملاءات وسائل الإعلام  و وسائل العولمة:
 
الإعلام هو تمحور العولمة، لما تساهم فيه من تداعيات على المجتمعات الإنسانية وخصوصياتها الثقافيــــة. تلك التجليات ترســــخ معنــــى الولاء إلـــى العالــــم وإلى الفضاءات التي يتيحها تصور العولمة كما أنها تخلق مشهدا ثقافيا تتقاطع فيه الأصوات والهويات وتتشكل كمجتمع مفتوح على الاختلافات وعلى قيم جديدة مكتسبة تطرح للنقاش صور الذات في البنوراما العالمية... وهي بذلك تطرح العديد من التحديات وربما يأتي في مقدمتها تصور شمولي ( بما يعنيه من إغفال للخصوصيات وإهمال للحدود) التي تبني الوعي بالآخر، بل بالعالم ومعرفته.
فالعولمة تجد دعامتها من خـــلال وسائـــل الأعـــلام، من جانب، لترسخ بذلك نموذجا يسعـــى بالأســـــاس إلى جعل السياسة لا قيمة لها لصالح الفائدة الاقتصادية ولتعدد نماذج الإنتاج. ( فتدعّم - في إطار تدويل المال وتوسيع التجارة العالمية لتصبح أكثر قدرة على كسب أســواق لا حدود لها - محاولة تعميم نموذج مغاير لمفهوم المواطنة والحد من حريات الدول في إتباع سياسات وطنية مستقلة أي لا سيادة للدول إلا ضمن رقع جغرافية ضيقة وبالتالي اعتماد الاستهلاك كتوجّـــــه في إطار الثقافة بما يعنيه مــــن هيمنــــة على شبكات التعامل التجاري، أو بوسائل الأعــــلام التــــي تخلــــق الحاجــــة والنمـــوذج، أو بإكراهـــــات الاتفاقــــات والالتزامــــات مع المؤسســــات الماليـــة، أو المعاهدات بين الأقطار والمجموعات)
الإعلام هو وسيط حاسم في تكريس ”القيم الجديدة“ المرتبطة بـ”الإطار“ المقترح  لـ”العولمة“. فالإعلام قد أصبح سلطة جديدة تتحكم في كيفية توزيع المعرفة وتؤثر على مجمل التغييرات ذات العلاقة السياسية والتعاملات الاجتماعيـــة والثقافيـــة. يضاف إلى ذلك أن الإعلام قد أصبح مسلكا استراتيجيا للتداول الموسع للمعلومات من أجل تجديدها والإفادة من فائض قيمتها بالاستغلال والاحتكار والتوزيع و نقلها للآخرين.
وهنا نتساءل عن ماهية الأفعال وردود الأفعال تجاه العولمة في السياق العربي خاصة و هل تعتبر تحديات فعليّة  أم لا؟ وهل لها أن تمثل مؤشرا على وعي آخر بالذات والآخر .....فهل من مجيب؟
 
إملاءات المجتمع الحديث:
 
هل نتلمس الطريق بيأس بما يشبه العمى؟ أم علينا التساؤل عن كيفية امتلاك قاموس ملائم من المفردات يعيننا على معرفة معنى المجتمعات الحوارية الحديثة؟
مجتمع يمكن أن يشكل دائرة فيها من يشارك في إيجاد هبات متفجرة في عصرنا الذي ولدت فيه ومازالت تلد فيه هبات متفجرة في جميع الميادين الحياتية الشخصية والاجتماعية والسياسية. فبالرغم من هيمنة القطب الواحد فقد بقي التوجه والإحســــاس بالعيش في عالمين مختلفين يعطي الأمـــل ببقــــاء التــــوازن وحتى لا تبقى الهيمنة على المستضعفين في الميدان.
هنا أود التذكير بالآية الكريمة الواردة في مقدمة المقالة والتي تبين الفروق ما بين العولمة الإسلامية المبنية على الحق وعدم التفرقة بين البشر وهو ما يظهر جليّا في حديث رسول الله محمد صلى الله عليه و سلم ”لا خير لعربي على عجمي إلا بالتقوى“.
فشتان ما بين معنـــى العولمــــة الدكتاتوريـــة الطابـــــع المسلطة على الشعوب بأدوات القتل الفتاكة وما بين والعولمة التي رسخها  التاريخ العربي الأصيل بالتجارة مع قاطبة الشعوب  ومنذ حضارة الأنباط التي ما زالت إمتداداتها  شاهدة على العراقة الممتدة عبر العصور لتحولها العولمة الحديثة إلى  تمثال مفتت الجنبات بدعـــم من أصحاب المصالح  الخاصة. ومنذ دخول الإسلام إلى التاريخ وبصدق التجار المسلمون  فقد  نشر الإسلام  وعولم الشعوب دون تمييز عبر المحيطات  وفي البعيد من دول العالم  ولم  تكن لديهم أدوات  قتل فتاكة ولا بوارج حربية أو حاملات للطائرات. إن القوة المهيمنة  قد كرست الأفكار والخلافات بين مجتمعاتنا لتبقيها بعيدة عن تاريخها وحضاراتها المعروفة على مد العصور. وهنا أود الاستفسار عن استيراد فكرة القومية العربية من إيطاليا، عن فكرة  البعثية التي جاء بها ميشيل عفلق من فرنسا وعن الماركسية اللينينية التي استوردت من  الدول الشيوعية وما هو الذي سيجعل العولمة الحديثة افضل مما سلف لشعوب منطقتنا التي تملك كل مقومات الحضارات المشتركة (التاريخ، الأديان الإلهية وعولمتها الحقة، البقعة الجغرافية الإستراتيجية المميزة وسط الكون وممر السماء الأول، اللغة المشتركة واللغات المحلية المرتبطة بالتاريخ المشترك وبكل المقومات البشرية  والاقتصادية )؟
 
إملاءات الجذور الإجتماعية:
 
نتيجة لكثرة الأزمات والجزع في عالمنا العربي، ظهرت عوامل تخص حياتنا المتوترة وظروفنا الاجتماعية وتطورات سياسية جاءت كصياغة جديدة. ومنذ أكثر من خمسين عاما أوضحت وبكل جلاء أن الجماهير وحدها هي القادرة على تحمـــــل كل الأعبــــاء على عتبات كل الهبّات المتلاحقة وفي كل الظروف ولا تفقد حيويتها وشفافيتها وتناغمها مع العمق الفكري ولا تؤثر سلبا على الاستعداد للحوار البناء. كما لا تفقد القابلية لتنظيم حياة إنسانية مع إعطاء معنى للحياة وهذا يتطلب من حكّام الأمة إنصاف هذه الشعوب المضحيّة لتكون القادرة على صيانة الأوطان ولا تفقد اتصالها بحضور الحوار مع ذاتها وغيرها.
أختم بقول للمارشال ”بيرمان“ في كتابه  ”كل ما هو صلب يتحول إلى أثير“ حيث يقول:
’’ من بين الأشياء التي تدهشني كلها ليس هناك ما يسند قلبي ولكنها مجتمعة تقلب مشاعري حتى أنني أنسى ما أكون وإلام أنتمي“
و أضيف أنا القول: ’’ إذا كنا نحن العرب نبحث في ذاتنا عن انفسنا و لم نجدها... فكيف لنا أن نجد في الآخر من يحاورنا؟،،
——————