همسات

بقلم
محمد كشكار
فكرة مخالفة للسائد: هل المرأة العربية المسلمة، ناقصة عقل و دين؟ 

 سؤال غريب أو إشكالية أغرب؟ و تزيد غرابة السؤال عندما يُطرح من قبل شخص يؤمن إيمانا علميا بالمساواة التامة والكاملة بين المرأة والرجل في الحقوق وفي القانون وأمامه أيضا حتى ولو اختلفت بينهما الواجبات وهذه الأخيرة مختلفة بطبيعتها حتى بين الرجال أنفسهم.

يبدو لي - و الله وأهل الذكر من علمائه في الدين والدنيا أعلم مني بذلك - أن المرأة العربية المسلمة وفي وضعها الحالي المتردي والمتوارث عبر الأجيال هي كائن ناقص عقل ودين! نقص مكتسب من الظروف الاجتماعية التي عاشتها و لا زالت تعيشها المرأة وليس نقصا حتميا قدريا إلاهيا أو نقصا متأصلا فيها جينيا وبيولوجيا.
أنا درست وعرفت واقتنعت أن الذكاء البشري، بغض النظر عن متغيّر الجنس، هو ذكاء موروث عن والدينا جينيا مائة بالمائة ومُكتسب اجتماعي مائة بالمائة أيضا وهذا هو موضوع أطروحتي لنيل شهادة الدكتوراه في علوم التربية. واختلاف حجم ووزن المخّ بين المرأة والرجل ليس ناتجا عن الاختلاف الجنسي بل لأن وزن المخ موازي لوزن الجسم رجلا كان أو امرأة. واختلاف وزن المخّ بين الرجل والمرأة أو بين الرجل العملاق والرجل القزم لا يؤدي بالضرورة إلى تفوق الأول عن الثاني في الذكاء والإدراك وإلاّ كان حوت العنبر العظيم أذكى المخلوقات، لأن هذا الأخير يتمتع بمخّ يزن عشرة كيلوغرامات وفي المقابل لا يزن المخّ البشري تقريبا إلا كيلوغراما واحدا وثلاث مائة غرام بما فيه مخّ العالِم العبقري الألماني الأمريكي إينشتاين.
اختلاف وزن المخّ بين المرأة والرجل لا يفسد للمساواة في الذكاء والحقوق قضية! و كما قال محمد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم ورددها من بعده بعشرة قرون الفيلسوف الفرنسي ديكارت، أن العقل هو الشيء الثمين الموزع بالعدل بين الناس. نرث بيولوجيا وجينيا مخّا بشريّا متطوّرا مقارنة مع باقي الحيوانات، لكن هذا المخّ الموروث لا يبقى على حاله جامدا بل يتأثر بيولوجيّا وفيزيولوجيّا بتجاربنا اليومية ومحيطنا الاجتماعي. تترك هذه التجارب المكتسبة بصماتها البيولوجية على الوصلات العصبية (وعددها يصل تقريبا إلى مليون مليار وصلة عصبية تتركب وتتفكك حسب المعيش اليومي بين مائة مليار خلية عصبية في المخ البشري). بأريحية علمية، نستطيع أن نستنتج من هذه المُسَلّمَة العلمية أن مخّ المرأة بصفة عامة لا يمرّ بنفس التجارب اليوميّة (المرأة: العمل داخل البيت وتقييد السفر والحد من الحرية وانعدام المساواة مع الرجل في الحقوق وفي القانون وأمامه ونقص التعليم والتثقيف) التي يمر بها مخّ الرجل (الرجل: العمل خارج البيت والسفر والحرية والمساواة وتوفر التعليم والتثقيف) لذلك يختلف الأول النسوي عن الثاني الذكوري في مجهريته وليس في تركيبته الشكلية العامة والظاهرة. لكن ومن حسن حظ المرأة عموما والمرأة العربية خصوصا، أن البصمات البيولوجية المكتسبة على مستوى الوصلات العصبية في المخ البشري ليست وراثية، فعند كل ولادة بشرية جديدة، ذكرية أو أنثوية، يعيد المخ البشري التجربة من جديد متأثرا بالجديد من المكتسبات الحضارية التي يستفيد منها الرجال أكثر من النساء. لذلك نستطيع أن نجزم أنه لو افترضنا جدلا أن فردا من العصر الفرعوني (سبعة آلاف سنة قبل ميلاد المسيح) خرج من قبره وعاش معنا اليوم لاكتسب نفس درجة الذكاء البشري في القرن الواحد والعشرين. لكننا في الوقت نفسه لا ننكر حسب نظرية التطور لداروين أن المخّ البشري تطوّر عبر العصور الجيولوجية حيث تكون الوحدة الزمنية المعتمدة هي مليون سنة وليست ألف أو مائة سنة.
أرجع إلى موضوعي الأصلي وأطرح السؤال من جديد: هل المرأة العربية المسلمة، ناقصة عقل و دين؟ نعم ناقصة عقل ودين، لكن ليست وحدها، فالرجال الذين عاشوا نفس ظروف المرأة الاجتماعية هم أيضا ناقصو عقل ودين، إذن نستطيع أن نستنتج من هذه المقاربة الشمولية المعقدة نسبيا أن أسباب النقص في العقل والدين ليست جنسية بحتة وليست بيولوجية جينية وراثية وإنما هي ناتجة عن أسباب مكتسبة غير وراثية وغير جينية و غير حتمية وتزول بزوال العنصرية الجنسية والحيف والظلم الاجتماعي المسلّطين منذ آلاف السنين من الرجل على المرأة أو من البورجوازي على البروليتاري أو من المثقف على الأمّي أو من الحاكم على المحكوم.
لذلك أجتهد شخصيا في تأويل حديث رسول الله "النساء ناقصات عقل ودين". و أستمد عذري منه هو نفسه علا شأنه في قوله "من اجتهد و أصاب فله أجران و من اجتهد و لم يصب فله أجر واحد" وأنا قنوع و يكفيني الأجر الواحد إن لم أوفّق في نيل الثاني وليعلم  أعداء الخطأ: أولا أن العلم مبني على الخطأ والصواب وأن الطفل يتعلم المشي من العثرات الكثيرة المؤلمة والمتتالية و أن الخطأ هو محرك القسم في التعليم وأن أكبر العلماء غير المعاصرين الغربيين والمسلمين ارتكبوا أخطاء لا يرتكبها اليوم تلميذ في الابتدائي وليعلموا ثانيا أن مزيّة الباحث العلمي - الذي يتبع منهجية ولا يصل إلى نتيجة إيجابية - على العلم أنه جنّب زملاءه تضييع الوقت في اتباع نفس المنهجية. وليعلموا ثالثا - تجنبا للمزايدة بالتعصب للدين الإسلامي - أنني مواطن تونسي مسلم والقرآن قرآني والسنة سنتي ولا أظن أن الله الغفور الرحيم يعاقب مسلما مجتهدا صادق النية، وثقتي في رسولنا كبيرة بأنه لن يسحب شفاعته عني يوم القيامة لمجرد أنني أخطأت في تفسير آية أو أسأت دون قصد مني في فهم حديث من أحاديثه الشريفة المقدسة. وألاحظ أولا وأسجّل لكن بكل احتراز علمي وعلى حد معرفتي المتواضعة بالقرآن: أن هذا الوصف للمرأة بالتحديد لم ينزل في القرآن (أنا أعي جيدا أن ما أعرفه من علوم دينية لا يكفي للمجازفة بالاجتهاد في تأويل القرآن أو الحديث، وعذري الشرعي الوحيد هو الصدق في القول والإخلاص في العمل: قرأت القرآن و قرأت بعض التفاسير وسمعته وحفظت جزءا منه في صغري وقرأت الكثير من أدبيات الإخوان المسلمين المصريين و استمعت إلى عديد المحاضرات الدينية ومنها على سبيل الذكر لا الحصر، محاضرات الشيخ محمد الغزالي في التلفزة الجزائرية كل يوم الإثنين مساء من 1980 إلى 1988، مدة إعارتي في الجزائر كأستاذ ثانوي متعاون) . ألاحظ ثانيا أن الرسول أصاب - و هو كبشر منحه الله العصمة من الخطأ، فقط في تبليغ الوحي لا غير - و وصف واقعا وصفا دقيقا وللأسف الشديد لا يزال هذا الوصف واقعيا إلى اليوم، لكن الرسول لم يقل أن هذا الواقع النسوي المتخلف هو حتمي وأبدي. لذلك يبدو لي أنه من واجب علماء الدنيا تجاوز النقص العقلي المكتسب في المرأة بتعليمها وتطوير عقلها ومن واجب علماء الدين تجاوز النقص الديني المكتسب أيضا في المرأة بهدايتها إلى استكمال دينها والدعاء لها بالصّلاح. و لو كان الرسول يرى أن هذا النقص متأصل في المرأة، لَما دعانا إلى استكمال نصف ديننا من عائشة زوجته. و قياسا على التدرج القرآني الكريم الذي لم يحرم العبودية مرة واحدة بل شجع على تحرير العبيد، يبدو لي أن الرسول في حديثه المذكور أعلاه لا يؤسس لتأبيد وضع المرأة المتردي بل يصفه فقط و يحدوني الأمل في أنه لا يعارض في الوقت نفسه طموح المرأة المسلمة إلى المساواة التامة و الكاملة في العقل والدين مع الرجل ومع المرأة الغربية المتعلمة.
أرجو من أصدقائي اليساريين وقرّائي الكرام أن لا يصنفوني بسرعة وتسرّع ضمن أعداء المرأة أو ضمن خصومها أو حتى الكارهين لها. أنا أحب وأعشق وأحترم وأجل وأقدر المرأة عموما ولن أنسى فضل أمي في حنانها وفي تربيتي ورعايتي بعد وفاة أبي وأنا طفل في سن الخامسة عشر. وأعترف بوجود نساء في حياتي، هنّ أكمل مني عقلا ودينا وأخص بعضهن بالذكر والتبجيل و الاحترام مثل الأستاذات اللواتي تتلمذت على أيديهن في الجامعة والثانوي، تونسيات وفرنسيات، واللواتي عاشرتهن أخيرا في النادي الثقافي النقابي، نادي جدل بالاتحاد الجهوي للشغل ببن عروس، مثل الشاعرة العظيمة فاطمة بن فضيلة والدكتورة في الشريعة وأصول الدين حياة اليعقوبي والصحفية هدى الدغاري.
لقد أسس حزب العمال التونسي منظمة نسوية في داخله. أتساءل هنا: لو لم تكن وضعية المرأة التونسية الحالية متردية وناقصة، لَما خصها هذا الحزب اليساري بمنظمة ترعى شؤونها وتسهر على تدارك النقص المكتسب في عقلها مقارنة مع الرجل ويا ليته فعل نفس الشيء ولنفس الشيء للرجل التونسي اليساري، باستثناء اليساريات المتعلمات المثقفات بطبيعة الحال، وهؤلاء الأخيرات قد يشاركن في تثقيف زميلاتهن في الحزب ويثبتن لهن أن نقص العقل النسوي ليس حتمية ولا قدرا بل شيئا مكتسبا يسهّل إزالته لو تحققت المساواة الكاملة والتامة بين الرجل والمرأة في الحقوق وفي القانون وأمامه مع الإقرار بالاختلاف البيولوجي والمحافظة على الاختلاف في الواجبات مع الإشارة الهامة أن الاختلاف البيولوجي الموروث موجود أيضا بين الرجل والرجل وبين المرأة والمرأة ويجب أن لا يؤدي هذا الاختلاف البيولوجي بالضرورة إلى عدم المساواة في الحقوق أو عدم المساواة في اكتساب الذكاء واستكمال العقل والدين ومن وجهة نظر غير مختص، لا في علوم الاجتماع ولا في علوم الدين، يبدو لي أن المساواة التامة بين المرأة والرجل لا تتنافى، لا مع العلم ولا مع الدين الإسلامي.
ملاحظة عابرة، أوردها و أمضي دون تعليق و المسكوت عنه أبلغ: ألاحظ تواجدا مكثفا للعنصر النسائي في قيادات حزب حركة النهضة ذو المرجعية الإسلامية (عشرات العضوات في المجلس التأسيسي) وفي المقابل ألاحظ نقصا واضحا وفادحا في عدد النساء في قيادات الأحزاب اليسارية الكبرى الثلاثة ذات المرجعية الماركسية اللينينية الستالينية (حزب العمال و حزب وطد الموحد و الحزب الاشتراكي الثوري (وطد سابقا)، مع العلم أن النهضة لم تؤسس لقيادياتها منظمة نسوية خاصة بهن داخل الحزب.
——————————