في الإصلاح التربوي

بقلم
مصدق الجليدي
كلية علوم التربية بتونس تصور عام: الحاجة إليها والإعداد لها

 تعد تونس اليوم، من الدول القلائل، إن لم تكن الدولة الوحيدة في العالم التي لا يوجد فيها كليةعلوم تربية. هذا في الوقت الذي ما ينفك المسؤولون المتعاقبون على وزارة التربيـــة يؤكــــدون إن صدقا أو دعاية وادعاء على أهمية كسب رهان الجودة التربوية ”بعد كســب رهـــان الكـــم“. ولكن الغريب والعجيب هو أنه لم يقع التفكير بجد في توفير الشروط المؤسسية لهذه الجــــودة المنشــودة، وهي المتمثلة في مؤسسة جامعية متخصصة في التكوين العلمي التربوي توفر مختلف احتياجات المنظومة التربوية، وتغني عن الالتجاء التّبعي المزمن إلى الشركات الدولية المتخصصة في تسويق النظم التربوية الجاهزة للتطبيق بعد إجراء بعض ”الرتوشات“ الشكلية والتقييمات التجريبية المتسرّعة السطحيّة والتكييفات الديماغوجية عليها. وتواصل الأطراف ذات المصلحة المرتبطة بدوائر الرأسمال العالمي في البلاد التحفظ على بعث كلية علوم تربية، بحجـــة عـــدم الحاجـــة إلى تخريج مدرسين للتخمة التي تعانيها سوق البطالة من أصحاب الشهائد العليا (الإجازات في الآداب والعلوم والتقنية والاقتصاد والتصرف) فضلا عما جادت به سجون بن علي من معلمين وأساتذة معارضين سرّحوا بعد سنين طويلة من الاعتقال. وبحجة أن كلية علوم التربية ليس من مهامها تخريج المدرسين وإنما أصناف أخرى من الفاعلين التربويين.

 
ونحن نرد على الحجتين بما يدحضهما، لا رغبة منا في الجدال والسجال، وإنما حرصا على التبصرة بما يفيد المنظومة التربوية في هذا الظرف العصيب الذي تمر به وتيسيرا لها ولأبنائنا التلاميذ على معانقة أفق النجاح والتميز!
 
أولا: ماذا توفر كلية علوم التربية للمنظومة التربوية الوطنية؟
 
نذكّـــر بدايـــة أن علـــوم التربيــــة مـــن الناحيـــة التاريخيــــة قـــد ظهـــــرت بفرنســـا منـــذ سنة 1967 علـــــى يـــــــد ثلـــّـــة مـــــن التربوييـــــــن أمثـــــــال
«M.Debesse»,«G.Mialaret»,«J.Witter»  
 
وموريس دوباس هو الذي اقترح تغيير عبارة بيداغوجيا بعبارة علوم تربية، وذلك لا لمجرّد تجاوز لفظي ولكن لتحقيق تجـــــاوز ابستيمولوجــي مزدوج، تمثل أساسا في استبدال أحادية التناول بتعدديته، واستبدال تصفيفية العلوم التربوية والإنسانية بتفاعلها وتداخلها وتكاملها (الجليدي، في علوم التربية، 2002 ). وقد تم استقدام علوم التربية إلى تونس سنة واحدة فقط بعد ظهورها بفرنسا، حيث بعثت الأستاذية في علوم التربية عوضا عن الإجازة في علم النفس التربوي، ولكنها لم تعمر طويلا. ولم تعد إلى الظهور بتونس إلا سنة 1997 في إطار ما يعرف بفتح الآفاق للمعلمين بالمعهد الأعلى للتربية والتكوين المستمر، وكان لي شـــرف الانتمـــاء لأول دفعــة في هذا الاختصاص والتحصل على أول دكتورا في علـــوم التربيــة من بين الذين درسوها فــــي فتــــح الآفـــاق للمعلميــن، ولكن ذلك تمّ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس، وقد أغلق قسم المرحلة الثالثة لعلوم التربية بهذه الكلية منذ سنوات عديدة.
 
هذا وقد أحصينا لعلوم التربية سبعة عشر علما متفرعة عن هذا العلم التعددي التفاعلي (الجليدي،2002 )، مثل فلسفة التربية، وعلم نفس التربية، وعلم اجتماع التربية، وتاريخ التربية، واقتصاد التربية، وأنطروبولوجيا التربية، وعلم التعليم، والديداكتيك بأنواعها، والبيداغوجيا، وعلم النفس الاجتماعي التربوي، وعلم نفس المعلم...الخ. فهي تقارب موضــوع التربيـــة فائـــق التعقيد من مداخل متعددة ومتداخلة.
 
نعود الآن، بعد هذه اللمحة التاريخية والابستمولوجية عن علوم التربية، إلى الإجابة عن سؤال: مـــــاذا توفر كليــة علوم التربيــة؟ إنّها توفر أغلب حاجات المنظومة التربوية المنهاجية، وهي التالية:
◄ متخصصون في بناء وتقويم النظم التربوية.
◄ متخصصون في بناء المناهج التربوية.
◄متخصصون في المقاربات التربوية العامة وفي الطرق البيداغوجية.
◄ متخصصون في التقويم التربوي.
◄ متخصصون في منهجيات التأليف المدرسي.
◄أساتذة علم النفس وعلم الاجتماع التربوي.
◄ أساتــــذة وباحثـــون فـــي تعليميــات (أو تعلميـــات المــــواد) أو ما يعرف بديدكتيات المواد.
◄ احتياجات الإدارة التربوية البشرية.
◄ الأساتــــــذة المكونـــون فـــي المركـــز الوطني لتكويـــن المكونين في التربية.
◄ باحثون في المركز الوطني للتجديد البيداغوجي والبحوث التربوية، الذي من المنتظر أن تتســـع احتياجاتـــه وتتنــوع وظائفــه أكثر فأكثر. وهذا يعني امتداد الدراسة في كلية علوم التربية على كل مراحل  التعليم العالي من الإجازة إلى الدكتورا.
ويمكن إلحاق عدد من المجازين في الآداب والعلوم والتقنية والاقتصاد والتصرف والفنون الجميلة، بهذه الكلية للتكون في فلسفة التربية وتاريخ التربية لاكتساب عمــق فـــي التصـــور لموضـــوع التربيـــة، وعلى طرق التدريس (الديداكتيك) وعلم النفس التربوي وعلم النفس الاجتماعي التربوي وعلم نفس المراهقة.
 
هذه حجة أولى نسوقها لصالح التفكير الجدي في بعث كلية علوم التربية بتونس، أما الحجة الثانية التي نرد بها على وجود أعداد غفيرة من الشبـــاب المعطليــن عن العمل والمسرّحين مــــن سجـــون الديكتاتوريــة من أصحاب الشهائد العليا أو المهن التربوية السابقة، هو أن كل من يرغب من هــــذه الطاقــــات البشريــة في الالتحاق بمجال التدريس، هو في حاجـــــة ماســـة إلى التكوين البيداغوجي لتأهيله أو لإعادة تأهيله لمهنة التدريس. ولذا يمكن توجيه الشبـــاب المعطـــل عن العمل منهم لاجتياز مناظرة للتكوين مـــدة سنتيـــن في كلية علوم التربية على تدريــــس مــادة اختصاصه. أما النـــوع الثانـــي من الطاقـــات البشريــــة المعطلة عن العمل والتي التحقت فعلا بالتدريس بعد أن ابتعدت عنه لسنوات طويلة، فهي لا تقـلّ حاجة عـــن الأوائــل، إن لم تكن بحاجة أكبر للتأهل لهذه المهنة الخطيرة على مستقبل أبنائنا. هؤلاء يمكن تنظيم دروس ليلية لهم بكلية علوم التربية، أو بشكل افتراضي، إلى جانب مواكبتهم لحلقـــات تكوينيــة مكثفـــة مـــع المتفقديــن ومع أساتذة علوم التربية.
 
هذا وتجدر الإشارة أننا مستعدون لتقديم تصور مفصل عن عشرات الملفات الأساسية والفرعية التي يجب إعدادها لبعث كلية علوم التربية، والتعاون في مزيد تفصيلها وتعميقها مع زملائنـــــا الباحثيــن والخبـــراء في علوم التربية.
 
كما أننا نقترح تنظيم ندوة دولية حول وضع علوم التربية في العالم، وتخصيص ورقة علمية أو أكثر لتقييم وضعها بتونس، لتفنيد الزعم القائل بانتهاء علوم التربية في العالم (انظر مثلا أعمال الندوة الدولية: أربعون سنة من علوم التربية: هل هو زمن النضج؟ كاين، 20- 22 فيفري، 2007 )
 
 « 40 ans des sciences de l’éducation. L’âge de la maturité ? Questions vives, Actes du colloque de Caen (20-22 février 2007) publiés sous la direction d’Alain Vergnioux. Coédition PUC – CRDP de Basse-Normandie ».   
 
ولإثبات الحاجة إليها فــي بلادنــــا بطريقـــة منهجيـــة وعلمية.
 
ثانيا: ملفات الكلية التي يجب إعدادها
 
يمكن الإعداد خلال سنتين لبعث كلية علوم التربية، ونقدم فيما يلي أهم الملفات التي يجب إعدادها للغرض، من قبل لجنة وطنية مختصة، تضم باحثين وخبراء في التربية.
 
أ- فلسفة تأسيس الكلية وسياستها العامة
 
1. التسمية وفلسفتها.
2. الرؤية
3. الرسالة:
4. القيم الجوهرية
5. الأغراض
6. الوسائل العامة
7. ملامح المتخرج من الكلية بوجه عام
...
 
ب - نظام الدراسات والإشهاد والتقييم
 
8. المراحل التعليمية: جذع مشترك + شعب تخصصية: إجازات.
9. المواد
10 . ملامح المتخرج من كل إجازة:
11 . الوحدات التعليميّة: - الوحدات التعليميّة المشتركة + الوحدات التعليميّة الأساسيّة الخاصّة بإجازة ما المستجيبة لمتطلّباتها التكوينيّة الأساسيّة + الوحدات التعليميّة الاختياريّة.
12 . ا.الات التربوية.
13 . المراحل الدراسية.
14 . نظام الإشهاد.
 
ج - الهيكلة والتنظيم
 
15 . هيكلة الكلية
16 . إدارة المؤسسة بمرحلتيها وكتابتها وموظفوها وعملتها وكيف يتم انتدابهم؟
17 . ما هي مهام إدارة القطاع الجامعي العاجلة والآجلة؟
18 . ما هي مهام عميد الكلية؟
19 . ما هي مهام الأستاذ؟
20 . المجلس العلمي: ممن يتكون وكيف يتكون (قانون الانتخابات) وما هي مهامه؟
 
د- مسائل تربوية وتعلمية تطبيقية
 
21 . المناهج الخاصة بكل مجال تربوي وبكل وحدة دراسية: المقاصد الخاصة بكل مجال وبكل وحدة- الأهداف- وسائل تحقيق تلك المقاصد والأهداف- المحتويات- توزيعها الزمني.
 
ه- الإطار التعليمي
 
22 . آلية انتداب الأساتذة  والمتعلمون (طلبة الكلية)
23 . شروط قبول الطلبة: كيف يتم اختيارهم واستقطابهم للكلية
24 . نظام الصفوف الطلاّبيّة:
25 . النظام الداخلي للكلية الخاص بالطلبة
26 . الصحة البدنية والنفسية للطالب.
 
ز- الحياة الجامعية
 
27 . البحث العلمي الجامعي: فلسفته وأغراضه وقيمه؟
28 . الندوات العلمية- منشورات الكلية.
29 . النشاط الثقافي والرياضي للطلبة.
 
ح- نظام العلاقات في الداخل ومع الخارج
 
30 . المناخ العلائقي العام وأخلاقيات التعامل بين الزملاء داخل الكلية: العلاقات الوظيفية داخل الكلية: بين أقسامها- مع ا.لس العلمي- مع المكتبيين وعمال الطباعة وموظفي التوثيق.
32 . علاقة الكلية بمحيطها المحلي والعالمي الثقافي والعلمي والمهني والاجتماعي والسياسي.
 
 
ط- البنية التحتية
 
32 . أين ستقام الكلية (المدينة- الحي) وعلى أي أرض وما هي مساحتها؟
33 . فضاءات الكلية وظيفيا وجماليا.
34 . التجهيزات.
35 . الوسائل البيداغوجية.
 
هذه إذن ملامح عامة عن مسألة بعث كلية علوم تربية بتونس، يمكن توسعتها والتعمق فيها من قبل من سيعهد إليه بذلك. ولا تنقصنا الخبرات والكفاءات حتى نجعل من هذا الحلم الواقعي واقعا معيشا بالفعل ! فهل من مصغ من أولي الأمر في بلادنا إلى هذا النداء التربوي الوطني الصادق؟