حديث في الثورة

بقلم
مصباح الشيباني
ثورة "الرّبيع العربي" من المقدّس إلى المدنّس

   لا شكّ أنّ ثورة " الرّبيع العربي" التـــــي انطلقت من تونس ومازالت مشتعلة في عديد الأماكن العربية، تؤكّد جميعها على أنّ الأمّة العربية مازالــت حيّــــة على الرّغم من النّكبات التاريخية التي لحقت بها، وعلى أنّها مازالت تتطلع إلى تحقيق مستقبل أفضل. وأنّه مهما استبدّ حكامنا العرب وتجبّروا، فإنّهم يظلون فاقدين للشّرعية و لا يمثلّون شعوبهم. فالشّعب العربي مازال يمتلك من الحيوية والإرادة ما يمكّنه من الثّورة ورفض الخضوع إلى الاستعمار وإلى الحكومات العربية اللاّوطنية. ومازال هذا الشّعب على الرّغــــم من النّكبات والنّكسات المتلاحقة يتطلع دائما إلى تغيير واقعه ومحو آثار السّياسات التي اعتمدتها الحكومات السّابقة في الإفساد والفساد الممنهجين اللّذين شملا ثقافته ودينه وتعليمه واقتصاده..الخ.  

 (1) الحكومة الانتقالية من "الشرعية الثورية" إلى فقدان"السّيادة الوطنية"
 
 في ظلّ الحراك السّياسي الجديد الذي تمرّ به بلادنا، بات من الواضح أنّ الحكومة الانتقالية في تونس بقيادة حزب "حركة النهضة" ليست لديها الرؤية والكفاءة والحافزّية اللاّزمة والصّادقة أيضا، لتغيير مسار البلاد اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وفق أهداف الثّورة. مازالت هذه الحكومة عاجزة على أن تتعامل بكفاءة ومسؤوليّة في طرح حلول واضحة حول قضايا التنمية في البلاد أولاً، كما أنها لم تنتهج في وضع سياساتها الاقتصادية والاجتماعية الأسس العلمية والخطط والبرامج المضبوطة والمحدّدة وفق مفاهيم "استقلاليّة القرار" و"السّيادة الوطنية" من أجل تحقيق التّغيير الحقيقي وضمان الانتقال بالمجتمع التّونسي من حالة الوهن إلى مرحلة جديدة تكون أفضل في المستقبل ثانيًا. 
  لذلك، فإنّ إحدى أبعاد أزمة الحكومة المؤقتة تكمن في غياب استقلالية قرارتها في السياسة الداخلية وكذلك في نظام علاقاتها الخارجيــــة. وهـــو ما أدّى إلى ظهور مشهد تفكيكي لبنيان الدولة المؤسّساتي والسّيادي، وأصبحنا نعيش حالة من الهلامية لمؤسسة الدولة. وهذه الحالة التي يمكن أن نطلق عليها عبارة "الوهن السّيادي" يصعب فيها بناء نظام سياسي يكون مقتدرا وقادرا على حفظ تماسك مؤسّسات الدولة والمجتمع معا. فجميع المواقف والقرارات السياسية والعلاقات الدّيبلوماسية تمّت برمجتما وهندستهـــــا من خارج مؤسسّة الدولة وليس مــــن داخلهــــــا، وهو ما زاد الأمر تعقيدا وخطورة على مستقبل البلاد.
 لقد كنّا ننتظر من هذه الحكومة "الشّرعية" أن تعتمد في وضع برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على مبدأ التوافق والتشاور مع مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية التي شاركت جميعها في هذه الثورة، لكن نتيجة عدم إدراكها وعدم اقتناعها بالمقاربة التّشاركية في الحكم، اعتمدت من خلال تشكيلتها على منطق المحاصَصة الحزبية، وعلى المنطق الإقصائي والانفرادي بالرّأي، لذلك، كانت جميع قراراتها وسياساتها الدّاخلية والخارجية محدودة ودون فاعلية، خاصة لمّا ارتضت الاسترشاد والارتماء في أحضان أعداء الثورة العربية. وهل هناك بعد ثورة " الرّبيع العربي" منكر أشــــدّ من السّقوط في التبعية إلى الأعداء والتنكّر إلى دماء الشّهداء؟
  إنّ الدّفع بمؤسّسات الدولة ـ السياسية والاقتصادية والتشريعيةـ إلى تشريك الغرب في وضع الدّستور وبناء الهياكل السيادية الأخرى في البلاد، وعدم تشريك مؤسّسات المجتمع المدني والمعارضة وعدم الاستماع إلى صوت الشّارع "شرّعت" به هذه الحكومة عبر مفهوم "الشرعيّة الإنتخابية" الجديدة إلى فرض منطـــق جديـــد من الوصاية والاستعمار الجديدين ولو تمّ ذلك بلبـــــوس ثـــوري. إنّ حضارتنا العربية التي أثمرتها وأغنتها الشّريعــــة الإسلاميــــة، قد وضعت سُنّة التعدّد الدّيني والعرقي والسياسي في الممارســـة في إطار منطق التكامل وليس التنافر. لهذا يجب أن نعمل جميعنا مهما كانت معتقداتنا الدينية أو أصولنا الاجتماعية وخلفياتنا الأيديولوجية بالقاعدة  الربّانية التي وردت في قوله تعالى" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين"(الممتحنة، الآية8).
    نعتقد أنّ أهداف الثّورة الحقيقية تتمثل في التخلّص من الإستعمار الغربي لبلادنا أو التبعيّة إلى الخارج بشكــــل عـــام. ومن أهداف هذه الثورة كذلك، وضع الإصلاحات واعتماد المقاربات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تكفل مفاهيم العدالة الاجتماعية وتحدّ من ظواهر التّهميش  وتقلّص من طوابير العاطلين عن العمل، وترفع من مستوى معيشة المواطن التونسي وتقضي على مواطن الاستغلال وغلاء الأسعار والمضاربات والخوصصة للمرافق العمومية. 
  إنّ جميع قرارات الحكومة الانتقالية في تونس أصبحت على المحكّ نتيجة فشلها في وضع برامج اقتصادية واجتماعية مقنّعة لدى العامة والخاصّة. ولقد أقرّت من خلال مشاركتها في مؤتمر "دافوس" ومؤتمر "التّعاون الأوروبي" والاتفاقيات الثنائية مع المانحين الأوروبيين والخليجيين، أنّها وفيّة لاعتماد التوجّه النّيوـ ليبرالي الجديد من خلال مزيد تحرير المبادلات وتشجيع الاستثمارات ورفع القيود على المستثمرين الأجانب. ونحن نعرف أنّ هذه السّياسة تقتضي أولاً تقليص دور الدّولة في توجيه الاقتصاد، وتدعو إلى "تدويل" البرامج التنموية للدّولة ثانياً. ونستطيع أن نعدّد عشرات المواقف والقرارات الارتجالية التي تؤكّد فقدان هذه الحكومة إستقلالية قراراتها وتبعيتها إلى الإستعمار. ومن اللاّفت أنّ هذه القرارات لا علاقة لها باستحقاقات المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها البلاد، ولا علاقة لها بأهـــــداف الثـــــورة، بل تحمـــل من عوامل التفكيك والنّزاع الداخلي أكثر مما تحمل من عوامل الوحدة والاندماج الوطني الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه اليوم. فهل ستأتي رؤوس الأموال الأجنبية من أجل تحقيق التنمية لهذا الشعب أم من أجل استغلاله؟
 فالرّهان على "سياسة النهب الخارجي" الذي اعتمدته الحكومة الانتقالية لن يفض إلا إلى توطين التبعية وتعفّن المناخ الاجتماعي والاقتصادي أكثر في المستقبل. لقد أنتجت هذه السّياسة الليبرالية المتبعة في بلادنا منذ نصف قرن، نموذج  "مجتمع المناولة" الذي تشرّع فيه عبوديّة الإنسان اقتصاديّا وثقافيّا واجتماعيّا وحقوقيّا. لذلك بقي المناخ الوطني في مختلف مستوياته متأزّما نتيجة غياب سياسيّة وطنيّة واضحة تقوم على رؤية استراتيجية حقيقية تقوم على الحوار الوطني من أجل اقتراح الحلول لجميع المشكلات المستعجلة والمؤجّلة. فجميع القرارات والبرامج التي اعتمدتها الحكومة الانتقالية لم تشمل جوهر القضايـــا التـــي انتفــــض من أجلها الشّعب، بل ازدادت المسافات تباعدا بينها وبين أهداف هذه الثّورة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية واستقلالية القرار الوطني...الخ. 
لعلّ النّتيجة الوحيدة التي تحققت بعد الثورة في تونس هي أنّها فتحت على الملأ ملفّات الفساد وحقوق الإنسان والظلم والتخلف..الخ، لكن مازالت هذه المشاكل قائمة وسياسات الحكومة المؤقتة لم تبرح الأوراق والأدراج ولم تخرج من دائرة الوعد بالإنجاز حتى أصبح الشّعب يفقد الثقة فيها كما في أحزاب المعارضة. وفقدان الشعب الثقة في مــــن ائتمنهــــم على تحقيق أهداف ثورته يعتبر أهم معضلة أو أكبر تحدّ سوف تواجهه أي حكومة في المستقبل.
 فالأمّة التي يفتقد فيها الأفراد والمجموعات القدرة على إعمال العقل وتطوير طرق التعامل في ما بينهم في إطار الوحدة والمشاركة السياسية والانخراط الفعلي وتحمل المسؤولية في إدارة الشأن العام، سوف يبقى وضعها المجتمعي العام ميزته القصور الذّاتي وغياب الوعي السّياسي والتفكّك المؤسّساتي للدّولة وللمجتمع وقد تعود سريعا إلى الحالة البربرية أو"الفوضى الخلاقة".
   (2) المشهد الثّوري العربي
والأخطاء القاتلة 
  
  لقد قام الشّعب بثورته من أجل أن يستعيد قداسة وطنه ولغته ودينه، وثار من أجل أن يعيد السّيادة لدوله على أرضه وثروته، لكن ما نعيشه اليوم، يؤكد أنّه لم يعد لدى البعض من الحكومــــــة والمعارضـــة على حد السّواء فــــرق أو مسافــــة تفصـــل بين ما هو مقدّس وما هو مدنّس، أو ليس هناك فرق عندها بين مفهوم الثورة ومفهوم الاستعمار. لقد اختلطت هذه المفاهيم عندها منذ أن رفعت شعار "التضامن العربي" من أجل تدنيس الأرض العربية والتّشريع لعودة الاستعمار بهدف إعادة تفكيك وحدة الأمة: الجغرافية والثقافية والدّينية. ويبـــــدو أنّنـــا دخلنــــا  في مرحلة تاريخية جديدة أصبحت تسود فيها منظومة سياسية وقيمية جديدة  منذ أن دفعت بعض الدول العربية والحكومات والأحزاب السياسية بالشباب العربي والمسلم الثائر ضد الفقر والتهميش والاستبداد والتبعية للغرب الاستعماري إلى أن يحطّم نفسه بدعوى الجهاد ضد "الاستبداد"  ويقتل أهلنا في بلادنا وبأموالنا! 
  إنّ الفعل الثوري الناجز لا يمكن أن يأتي من الخـــارج، بل لابـــدّ أن يصدر من الدّاخل. والثورة الحقيقية لا يمكن أن يُخطّــــط لهــــا من الخارج لأنّه مهما توفّرت لها من إمكانيــــات ماديــــة ومعنويـــة لا يمكن أن تنجح في الدّاخل وستظل جسما غريبا عن المجتمـــع الذي لم يستبطن قيمها ولم يشارك في وضع آلياتها. وفي هذه الحالة عوض أن تتغيّر الأوضاع القديمة السّيئة والمتهالكة في الدّاخل، فإنّها سوف ترسّخها  وتجعلها متعفّنة أكثر.
 نعتقد أنّنا أصبحنا نعيش فــــي غمامـــــة شاسعــــة ومتنامية حتــــى أنّ مصطلح الثورة أصبح عند بعضنا مفهوما ضبابيــا. فكلّ ما نشاهده من ظواهر لا معيارية (عنف مادي وسياسي واقتصادي..) في الحراك المجتمعي،  تعبّر عـــــن غياب المقـــــدّس في معنى الثورة لدى أغلب النّخب السياسية والأحزاب في مجتمعنا. لهذا، فلا غرابة أن تفقد هذه الكلمة معناها ويفقد الإنسان العربي معها الثقة بالنّفس في التغيير. لقد الْتبست الأمور عنده واختلطت منذ أن أصبح التّلاعب بالأقوال والأفعال سمة المشهد السياسي العربي، فكانت النتيجة هي الإفلاس السياسي والتفكك الداخلي والهزيمة أمام الاستعمار الذي عاد من جديد إلى بلادنا وبلبوس ثوري. لهذا، لا بدّ أن نعطي لهذه الكلمة (الثورة) ولمعانيها قدسيتها وقوتها التعبيرية ومقامها وحرمتها أيضا في فكرنا وممارساتنا معًا.
 إنّ للفظة "الثّورة" قدسيّة في تاريخنا العربي وفي ذاكرتنا الجماعية. وتكمن قدسيّة مصطلح "الثّورة" في ثقافتنـــا العربيـــة في ما تعنيه من أفعال ايجابية وملموسة باعتبارها الحركة التي تدفع بالإنسان إلى العمل على تغيير واقعه نحو الأفضل. والثورة في بعدها الرّمزي هي من مقدّسات الأمة باعتبارها تعبّــــر عـــن ضميرهـــا أي "الضّمير الجمعي" حسب تعبير عالم الاجتماع الفرنسي "أميل دوركايم"(Emile Durkheim). والقداسة التي نتحدث عنها هنا في معناها الاجتماعي باعتبارها أساس هوية المجتمع التي تحفظ كرامة الإنسان وحرمة وطنه من الاحتلال الخارجي وتحمي جميع أفراد الشّعب وفئاته من الإقصاء والتهميش الداخلي.  إنّ لفظة الثورة التي كانت في الماضي القريب ذات قيمة رمزية في مخيالنا الاجتماعي والسّياسي، غدت اليوم مجرّد كلمة لا تعبّر عن معناها اللّغوي والاصطلاحي الأصلي. بل إنّ المجتمعات الملحدة لها أيضا مقدساتها، لأن المقدّس في بعده الاجتماعي هو كل شيء لا يسمح لأحد بأن يمسسه أو يعتدي عليه. ولكن بدأت القداسة في مجتمعنا العربي تفقد مكانتها حتى في مستواها الدّيني. فنحن نقدّس الرّئيس وشيخ القبيلة وقائد الحزب السّياسي أكثر من الرّسول(ص) أحيانا.
  ولقد أصبح الخطر الأكبر الماثل أمامنا عندما تنكرت "الحكومات الشرعية الجديدة" إلى الشعارات الكبرى أو الأهداف التي رفعها الشعب في مختلف السّاحات، وأغمضت عينيها عن الأعداء الحقيقيين لهذه الأمّة. وأصبح الوضع أكثر خطرا وأشدّ تدميرا عندما عبّرت هذه الحكومات من خلال مواقفها أنّها لا تؤمن بقداسة أرض الوطن واستقلالية قراراتها السّيادية. وهذه كلّها ممارسات وقيم ليست من الثّقافة العربية ولا الإسلامية ولا من المبادئ الإنسانية والثورية في شيء، لأنّه بكل بساطة لا يمكن الجمع بين الثّورة والاستعمار، كما لا يمكن الجمع بين المقدّس والمدنّس في سلّة واحدة.