وجهة نظر

بقلم
مصدق الجليدي
مجالات التربية وتدرجها من منظور قرآني استخلافي

 بدأ حضور الإنسان في العالم بتكوينه المادي (من طين ومن صلصال من حمإ مسنون ثم من ماء مهين) ثم سوّي ( وهب القدرة على المشي المستقيم وتكوّن لديه عضو التفكير وهو الدماغ وكل الجهاز العصبي ومختلف الملكات النفس-جسدية كالإدراك الحسي بأنواعه وغيره) ثم نفخ الله فيه من روحه (أصبح كائنا حيا وكائنا روحيا وثقافيا إلى جانب كونه جسديا). قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ،ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (السجدة: 6-9(

إن نفخة الروح الإلهي (بما فيها من تكوّن الملكة الجمالية لدى الإنسان) هي التي جعلته قادرا على تعلم الأسماء كلها (تكون الوظيفة الرمزية واللغوية) وبها أ صبح بمقدوره استعمار الأرض والاضطلاع بوظيفة الاستخلاف بالانتفاع من كل ما سخره الله عزّ وجلّ له والتحكم فيه مفهوميا (بالعقل العلمي والتقني) وماديا. وهذا التمشي الاستخلافي هو الذي يجب احترامه في التربية. أي اتباع المراحل التالية:

1. الاعتناء بالصحة البدنية والنفسية (الوجدانية) للولد مع بداية تحسيسه بقيمة النظافة وتدريبه عليها (المرحلة الطينية والمائية الحيوية أو مرحلة الحضانة الجسمية والوجدانية(

2. تعليمه لغويا والشروع في تربيته عقليا وقيميا (التسوية ونفخة الروح وظهور الإدراك الحسي والعقلي: الحياة والوعي والقدرة الرمزية التواصلية(

3. الشروع في تربيته إيمانيا(مع سن التمييز[1]) والشروع في تنمية ذوقه جماليا وتحريره إبداعيا (تربية الأفئدة المختلفة أي الملكات الجمالية والإبداعية وغيرها(

4. إعداده لخوض معترك الحياة نفس-اجتماعيا ومهنيا وتوعيته بيئيا.

5. إضفاء معنى سام على كل أعماله بتربيته روحيا (مرحلة الشكر (لقوله تعالى: ﴿قليلا ما تشكرون﴾) والشكر معناه الاعتراف للمنعم والإقرار للربوبية، وينقسم إلى شكر باللسان وهو اعترافه بالنعمة بنعت الاستكانة، وشكر بالبدن والأركان وهو اتصاف بالوفاق والخدمة، وشكر بالقلب وهو اعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة)2(

6. من مجمل هذا التكوين يشرع المتعلم المتخرج في ممارسة وظيفته الاستخلافية بشكل متكامل أوّلي.

بعد ذلك ينخرط المتخرج في تمشي تجويد أدائه لتلك الوظيفة بمزيد تنمية تكوينه الروحي والجمالي والإبداعي والوجداني والعقلي والقيمي والمهني بشكل يتواصل مدى الحياة في تناسق تام مع المهام النشوئية التي يتحملها. فهنالك من يركز أكثر على الإبداع الفني وهناك من يهتم أكثر بالترقي العقلي وهناك من يعمق أكثر تجربته الروحية أو الجمالية أو من يفرغ جزءا من وقته للقضايا الاجتماعية...الخ.

مع ملاحظة أن كل مرحلة جديدة لا تلغي المرحلة السابقة بل تدمجها فيها بشكل مختلف بحسب متطلبات تلك المرحلة الجديدة وتزيدها تعميقا وتطويرا في مسار لولبي متصاعدفحضور البعد الوجداني في تربية الشباب لا يغيب ولكن لن يعود له نفس نوع الحضور في مرحلة الطفولة الأولى أو الثانية. والتربية العقلية التي يشرع فيها مبكرا لا تتوقف مدى الحياة (طلب العلم من المهد إلى اللحد) ولكن ترتقي صعدا نحو مستويات أعلى فأعلى، وهكذا الأمر بخصوص بقية المجالات التربوية باتجاه حضور أقوى لإرادة الفهم والنجاعة والجمالية والمشاعر الإنسانية والروحانيةونحن هنا إزاء ترابط احتوائي وظيفي للمجالات التربوية المختلفة، بداية من التربية الروحية وانتهاء بالتربيات الحضارية والمدنية والمهنية.

كل هذه المجالات التربوية تتنزل ضمن الوظيفة الاستخلافية للإنسان. ولذلك فهي تمثل دائرتها الأوسع والأشمل. وبما أن البداية التأسيسية للجنس البشري كانت بنفخة الروح الإلهي  وبما أن الروح هي البداية وهي الغاية، فقد جاءت دائرتها لتعبر عن أوسع المجالات التربوية. فكل نشاط تربوي يجب أن يضع نصب عينيه المبدأ والغاية الروحيين لهأما الجمالية فهي المعبّر الذوقي الأول والأوسع عن الروحانية. والجمالية الروحية هي أرقى أنواع الجماليات والجمال المطلق هو لله عزّ وجلّ. فأي نشاط تربوي يخلو من جمالية ما تصبو في النهاية إلى الروحانية، فهو نشاط بائس ويائس. والجمالية تحضر فيما هو عقلي وفي ما هو عاطفي وفي ما هو حسي وفي كل مناحي النشاط الإنساني. أما القيم فهي القوامة على كل ما دونها. والرسول الأكرم إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق. وكل نشاط تربوي يستبطن بالضرورة قيمة أو مجموعة من القيم. والمطلوب هو أن تكون تلك القيم ذات خلفية جمالية وروحية ساميةأما الإيمان فهو قيمة إجرائية تربط بين ما هو روحي وقيمي من جهة وبين ما هو  وجداني وحسي وسلوكي من جهة ثانية. الوجدان مثلا يجب أن يخضع خضوعا تلقائيا مستقلا للإيمان، حتى لا يكون هوى أحدنا (وجدانه) إلا تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. والإيمان يستوجب العبادة والعبادة تستوجب الطهارة، وبما أن الطهارة لها مفهوم معنوي روحي ومفهوم مادي فإنها تنخرط بكل يسر ضمن دائرة الإيمان الجامع بين الاعتقاد والعمل، ومن هنا تأتي التربية الصحية والبدنية والبيئية. والبيئة هي المحيط الأوسع لصحة الأبدان، بصفة مباشرة وغير مباشرة: وجود الجسم في محيط نظيف به هواء نقي وفضاء طاهر (طهارة الفناء التي أكد عليها الحديث النبوي الشريف) وتغذيه من منتوجات البيئة الطبيعية التي يجب أن تكون خالية من المواد الضارة والإشعاعات المؤذية أو القاتلة.

هكذا إذن نحقق معنى التربية الأصيلة بمعنيي الأصالة: الأصالة الطبيعية التكوينية الأولى (الخلق) والأصالة  الثقافية التكوينية الثانية  (التخلق(

 -------

 

 

 

[1] إن التربية على الإيمان تبدأ منذ الطفولة الأولى في الأسرة بشكل عفوي وضمني، ولكن الحديث هنا عن التربية في الوسط المدرسي بشكل منظم. مثل تعليم الشهادتين وقواعد الإسلام وأركان الإيمان وصلة الإيمان بالعمل...الخ.

[2] الحفني، عبد المنعم، معجم مصطلحات الصوفية، دار المسيرة، بيروت، ط.2، 1978، ص.141.