في الإصلاح التربوي

بقلم
مصدق الجليدي
تربية أفضل/ مستقبل أفضل

 تربية أفضل/ مستقبل أفضل: هذا هو رهاننا في تونس الثورة وتونس ما بعد الثورة. وهـــــذا ما أثبتتــــه حتى تونس ما قبل الثورة من خلال بعض المناهــــج في مجال الفلسفة والتربيــــة المدنيـــــة والتربيــــة على حقوق الإنسان وكذلك المعلوماتية. مما حدا ببعض مراكز الدراسات الأجنبية إلى اعتبار الثورة التونسية ثورة كتـــب مدرسيـــــة. والمقصــــود بذلك ما تضمنه إصلاح سابـــق من قيم كونية وحداثيــــة ومن تأكيد على حقوق الإنسان والديمقراطية، بالرغم من انتهاج هذا الإصلاح سياسة منهجية لتجفيف منابع الاعتزاز بالهوية(1)، ثم كيف حصل وعي بعد ذلك لدى الشباب المتخرج المعطل عن العمل بعد انتهاء دورة كاملة من تطبيــــق ذلك الإصـــــلاح، حصل لدى هذا الشباب وعي بمدى اختلاف الواقع المرير المتّسم بالحيف الاجتماعي وانسداد آفاق التشغيــــل والحــــق في العيش الكريم مع شدّة عسف ودكتاتورية النظام السابق وخنقه لكل صوت حرّ مطالب بحقه في ذلك العيش الكريم، اختلاف ذلك الواقع اختلافــــــا كاملا عما تعلمه هذا الشباب فـــــي المدرســـــة والجامعة من حقوق إنسان وحرية وحقوق مدنية وسياسية واجتماعية. فساعدته مهاراته الفنية في مجال المعلوماتية واستخدام إمكانيات الفضاءات الافتراضية الاجتماعية التواصلية على إبلاغ صوته وتبادل المعلومة مع أمثاله من الشباب وفضح ممارسات النظام السابق الفاسدة وسياساته القمعية، فكان كافيا أن يحرق البوعزيزي رحمه الله نفسه ليتفجّر بركان الغضب وينتشر أثره في الفايسبوك ويسري الوعي الثوري بسرعة فائقة في أعداد متزايدة من الشعب على مختلف أجياله وفئاته في الشارع التونسي. والدليل على أن حادثة البوعزيزي لم تكن إلا مجرد شرارة أوقدت نار الثورة الملتهبـــــة تحت الرمــــاد، هو أن الشباب كان قبل هذه الحادثة بأشهر عديدة يُعِدُّ العدة ليقطع نهائيا مع نظام المخلوع بن علي، وأنشأ برلمانا افتراضيا تم التصويت على عضويته بطريقة ديمقراطية، وشرع هذا البرلمان في فتح عدة ملفات وطرح عدة قضايا وطنية بالغة الأهمية، قبل أن يأتي طوفان الثورة ويدفع بأعداد أخرى هائلة من الشباب المتعلم للانخراط في مسار التغيير الثوري. 

 
رهانات الإصلاح التربوي في تونس ما بعد الثورة 
 
إن المكاسب التي تحققت لتونس خلال العقود الماضية في المجال التربوي والتعليمي لا تحجب عنا عديد النقائص التي يجب تلافيها في المستقبل، فقد جـــــاء في كلمة السيد حمادي الجبالي رئيس الحكومة التونسية لدى افتتاحه للندوة الوطنية حول منهجية الإصلاح التربوي التي انعقدت منذ حوالي شهر ونصف(تونس، 29-31 مارس 2012) قولـــــــه: "إن النجاحات التي حققتها منظومتنا التربوية منذ الاستقـــلال، وهي نجاحات كمية ونوعية، لا يمكنها أن تحجب عنا سلبيات كثيرة ومشاكل عديدة أصبحت هذه المنظومة تعاني منها. وهناك في بلادنا ما يشبه الإجماع لدي المربين والباحثين والأولياء والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، على أن منظومتنا التربوية تشكو عللا تحتاج إلى علاج ينبغي أن يكون عميقا مدروسا بعيدا عن التوظيف السياسي وتلميع الصورة...". انتهى كلامه.
    لا يتسع المجال لتعداد كل نقائص وسلبيات المنظومة التربوية التونسية كما وكيفا، لذلك نكتفي بالإشارة إلى بعضها فقط. فهنالك من الناحية الكمية على سبيل المثال نسبة انقطاع مدرسي تبلـــغ الآن في نهاية المرحلة الإعدادية 8 بالمائة وفي نهاية المرحلة الثانوية 10 بالمائة. هذا الانقطاع يهدد أعدادا غفيرة من أبنائنا وبناتنا بالارتداد إلى الأمية التي نقدر نسبتها ب 20 فاصل 3 بالمائة وإن كانت قد انخفضت كثيرا منذ الاستقلال إذ كانت في سنة 1956 في حدود 84 فاصل 7 بالمائة". أما من الناحية النوعية، ولعلها الأهم، فإن الرهانات عديدة ولكننا نكتفي في هذه العجالة بالإشارة إلى أهمها لدينا في تونس:
◄ مصالحة النشء والشباب ومن خلالهم كامل الشعب مع ذاته الحضارية وهويته الثقافية، ببلورة مقاربة تربوية أصيلة وحداثية في الآن نفسه، وهو ما نسميه بالحداثة الأصيلـــــــة. فالحداثــــة هي مستقبل أمتنا من دون شك وعليها أن تجد الطرق المناسبة لتتعرف على ذاتها من خلال نماذج تربوية وثقافية ومجتمعية وسياسية حداثية أصيلة لا تجعل من الثقافة والدّين عائقين أمام التقدم بل داعمين له، ألم يردنا قوله تعالــــــى: "لمن شاء منكــــم أن يتقدم أو يتأخر"، حاثا إيانا على التقدم وممارسة التجديد المتواصــــل أســـــــــوة بربنــــا عـــــزّ وجـــــــل الــــذي "كل يوم هو في شان" (الرحمان).
◄ وضع أسس منظومة تربوية لبناء إنسان المستقبل، باعتماد مقاربة بنائية في التعليم والتعلّم، بنائيّة سوسيوثقافية، تأخذ بعين الاعتبار السياق الاجتماعي والثقافي الذي تتنزل فيه الوضعيات التربوية.
◄ ملاءمة مناهج وبرامج المنظومة التعليمية مع احتياجات البلاد التنموية الشاملة دون الوقوع في مقاربة أداتية براغماتية فجة   instrumentalist على حساب التكوين الشامل للفرد، أي دونما التضحية بالتكوين الفلسفي والإنساني والديني والمدني لهذا الفرد. لأن التنمية هي تنمية للإنسان في كل أبعاده وليس في بعده المادي الاستهلاكي فقط.
◄ أن تستوعب منظومتُنا التربوية القيم الكونيــــــــة وأن تكون في انسجام مع الأبعاد الكونية للتربيـــــة التي يجب أن تتضمنهــــا كل المنظومات التربوية في العالم، الذي هو الآن فضاء موحد للإنسانية وللعيش المشترك شئنا أم أبينا. يمكن أن نُجمل هذه القيم في الديمقراطية والإنصاف والعدالة الاجتماعية والسلام ومحبة الإنسانية والتناغم مع البيئة الطبيعية.
     ولكن هذا الأمر لا يتوقف علينا فحسب بطبيعة الحال، بل أيضا على مدى استعداد الآخرين، وخصوصا القوى الكبرى في العالم للقبول بنموذج جديد في التنمية ليس فيه استغلال للشعوب وقهر لها وسرقة لثرواتها، وليس فيه تغاض عن الأنظمة الدكتاتورية عندما تقدّر-عن خطئ في معظم الأحيان- أنها موجودة في البلدان العربية وفي بلدان العالم الثالث عامة، لخدمة مصالحها. ولذا فنحن نقترح وضع ميثاق عالمي للتربية يجعل من الإنسان والإنسانية وإسعادها غاية الغايات، وأن يوسع مفهوم التربية باستدراج المحيط الحيوي الذي تتم فيه العملية التربوية الشاملة حتى يلامس دوائر القرار السياسي والتخطيط الاقتصادي والعلاقات الدولية وحقوق الإنسان، بحيث تكرس فيها جميعا مبادئ السلم الاجتماعي والسلم الكوني والأخوة الإنسانية والتعاون والتكامل والتضامن والشراكة والعيش معا بكرامة وبحُرية كما هو جدير للإنسان وللإنسانية أن تعيش.
◄ بناء على ما سبق وإضافة له، يجب أن تراهن منظومتنا التربوية على إمكانية بلادنا الذاتية، عندما يتم إصلاح ما أفسده النظام السابق، والذي كان كفيلا لو وجه الوجهة الصحيحة أن نكون في مسار التقدم الحقيقي، وأن تراهن كذلك على التعاون مع البلدان الصديقة والشقيقة في العالم الإسلامي وفي ما هو أبعد منه من بلدان إفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا وأستراليا، التعاون على جعل خريجي هذه المنظومة يتملكون ناصية العلوم الحديثة والتكنولوجيات الرقمية الأكثر تطورا وأن يتملكوا القدرة على مزيد تطويرها وعلى الانخراط في دورة الإنتاج المعرفي والعلمي العالمي. وهذا يتطلب شرطان أساسيان. أولهما معنوي وثانيهما مادي. الأول يتعلق بالثقة في الذات وبالتحلي بروح وطنية عالية وبتنمية الجانب القيمي والأخلاقي عامة. والثاني يهم البنية التحتية للمدارس التونسية وكل مستلزمات التعليم العصري. ولا نذيع سرا عندما نقول، إن الفساد المالي والإداري الذي ضرب بقوة الإدارة التونسية عامة والإدارة التربوية خاصـــــــة، قد حرم التلامذة التونسييــــن من الاستفادة من بعض الفرص الهامة التي كانت متاحـــــة لهم على هذا الصعيد. كما أن ديمقراطية التعليم لم تتجاوز مرحلة الشعار في حقيقة الأمر في بلدنا حيث ما زال تلامذة الأرياف على سبيل المثال يحشرون في جرارات فلاحية كالأكباش للتنقل إلى المدرسة، بالرغم من كل ما يقال عن نجاحات تجربة المدارس ذات الأولوية التربوية في بلادنا. 
لنفكر معا كيف تكون كل منظومة تربوية في أي بلد من بلداننـــــا في خدمة الإنسانية ولأجل بناء مستقبل أفضل لها، انطلاقا من بناء معاني الإنسانية لدى أبناء أوطاننا أولا وأن نبحث معا على صيغ تعاون ملموسة من أجل إنقاذ مصير الإنسانية من كل نزعة أنوية  egocentric وأنانية  egoist تسرع بها نحو الدمار والهلاك وأن نؤمن حقا بأن مصيرنا جميعا هو مصير واحد وأن نتعاون لأجل ذلك حتى نضمن لأبنائنا مستقبلا أفضل يقوم على قيم السلم والتعارف والتواصل والتعاون والتضامــــــن والشراكــــة والفهم العميــــق لما هو في صالح البشرية جمعاء. هذه وصية كل الأديان الكبرى للبشر وهذا هو عين ما يوصي به العقل الرشيد. لنفكــــر جميعا بصوت عــــــال في بعض شأننا التربوي الذي ينفتح بكل تأكيـــد على شأن تربية الجنس البشري ككل، فنحن نذكر من دون شك كلمة الحكيم الألماني فيلسوف التربية إمانويل كانط، عندما قال: "اعمل بحيث تكون مسلمتك الذاتية قانونا كليا عاما بمثل كلية قوانين الطبيعة!".