فواصل

بقلم
ناجي حجلاوي
المطالب العالية : نتائج البحث 1-2
 لا ريب في أنّ كلّ بحث هوّ بالضّرورة عمل غائيّ يهدف عبر شقّيه التّحليلي والنّقدي إلى تحقيق بعض النّتائج البعديّة، وهي النّتائج الّتي تُفضي ‏إليها الحركة التّحليليّة والنّقديّة عبر مختلف فصول البحث. ففي شأن المعرفة الدّينيّة، كما تجلّت في ذهن المفسّريْن الطّبري والجبّائي ، نلاحظ أنّها تميّزت بالإطلاقيّة ‏بمعنى الجنوح إلى التّعالي عن النّسبيّة، وإن تبلورت معالمها تدريجيّا عبر حركة النّسخ والإثبات، وهي نقطة تكشف بوضوح عن قابليّة هذه المعرفة ‏النّابعة من القرآن بالفعل التّاريخي في تشكّله ثني الحركة التّاريخيّة.‏
وإلى جانب الرّغبة في الإطلاقيّة يتجلّى ميسم آخر هو القول بالاستمراريّة في الزّمان والصّلاحيّة إلى يوم القيامة، باعتبار أنّ القرآن هو ‏حامل الرّسالة الخاتمة، إلاّ أنّ تشبّث الطّبري باللّحظة الثّقافيّة التّأسيسيّة بطريقة حرْفيّة، أسانيد ومتونا، من شأنه أن يلغي أهمّيّة هذا الحسّ التّاريخي ‏وأن يتنكّر لآثاره الموضوعيّة في إنتاج المعنى وإعادة إنتاجه بمعزل عمّا قد قيل في أزمنة خلت. وما تنكّبُ الجبّائي عن هذا المسلك الارتدادي ‏بالثّقافة إلى منابعها الأولى، وإن جزئيّا، إلاّ محاولة لربط النّصّ بواقعه المعيش عبر تقليب المعنى بفضل إعمال النّظر وسلك سبل المجاز.‏
على هذه الشّاكلة يلفي الدّارس نفسه إزاء اتّجاهين في التّفسير يتضمّنان منزعيْن ينحوان منحى الاختلاف إلى حدّ الاستواء في ما يشبه ‏النّظاميْن المعرفيّيْن المتباينيْن، وإن انتميا إلى فضاء ثقافيّ واحد يجعلهما يشتركان في بعض المكوّنات كالإيمانيّة منها مثلاً، إلاّ أنّ هذا الاشتراك ‏لم يحجب عن الأعيان المنزع العقلانيّ البارز مقابل منزع آخر يمكن تسميته بالعقل الاتّباعي(1) ‏. وهكذا رام هذا البحث التّعرّف على مفهوم ‏العقل كما بدا من خلال التّراث التّفسيري، طالما سعى القرآن إلى وضع الأساس لاستعماله، واجتهد أهل الاعتزال في تقصّي تجليّاته عبر وضع ‏أصول المعرفة الدّينيّة والمبادئ الأخلاقيّة، ولا سيّما الجبّائي الّذي يسمّيها بالشّريعة العقليّة حيث رام تأسيس عقيدة تنهض على العقل الصّريح ‏وتكون مؤيّدة بالبرهان الصّحيح ممّا يدفع بنا إلى التّعرّف على مفهوم العقل كما تبلور في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة التّقليديّة وإلى الوقوف على ‏أهمّ تجلّياته.‏
إنّ المتتبّع للمعاني التّي أثارها الطّبري والجبّائي للآيات الّتي تتضمّن مادّة «ع ق ل» ‏يقف على اتّفاقهما حول المعاني التّالية: الدّلالة على المعنى الأوّل وهو الإمساك والإدراك ‏والفهم والفقه (2)، وهذا الفهم هو الوسيلة الضّامنة للإيمان واتّباع الرّسول فيما أتى به من أوامر ‏ونواه من ربّه، والتّعقّل هو العلم عند أبي عليّ الجبّائي(3)‏. وليس هذا الفهم مطلوبا لذاته، ولا هوّ ‏فهم مجرّدٌ، بل هو لغاية العمل والتّقرّب به إلى الله لجلب مصالح الدّنيا والدّين(4)، علما بأنّ هذه ‏العمليّة الإدراكيّة المتمثّلة في التّدبّر لغاية الاعتبار هي عمليّة نابعة من القلب(5) ‏. ويتأوّل الجبّائي الاستعمال الجاري في قول الله: « لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»(6)، بأنّ «لعلّ» تعني التّعليل «لتعقلوا» ‏فيصبح المعنى لتفهموا ولتعرفوا، وحينئذ يضحى المتعقّل لديه هوّ المتمتّع بالذّكاء (7).‏
إنّ المفسّريْن يتّفقان في أنّ العاقل هوّ الّذي يدرك الحُجج والأدلّة الّتي يقيمها الله ‏لعباده(8)‏. وفي المقابل يضحى الّذي لا يعقل أصمّ أبكم لا يتكلّم كالإبل والبقر والغنم لأنّها تسمع ‏الصّوت ولا تعقل ما يُقال لها من المعاني‏(9). ومن ثمّة يكذبون على الله ويفعلون المنكرات ‏ويستهزئون بالدّعوة إلى الصّلاة(10)‏. وهكذا يخلص الطّبري إلى أنّ الذّي لا يعقل هو الجاهل ‏بديـن الله(11)‏.‏
والمتأمّل في هذيْن التّفسيريْن، وبالتّحديد في مستوى تناولهما لمادّة «عقل» في القرآن، ‏يخلص إلى عدّة ملاحظات، نذكر منها: إنّ العقل المُشار إليه هو عقل عمليّ يؤمن بالفاعليّة ‏وجدوى التّطبيق منضبط بالتّعاليم والتّوجيهات الحاصلة نتيجة الفهم والتّدبّر للآيات، ولذلك بدا ‏منخرطا في الواقع، وهو على حدّ عبارة محمّد أركون:« يغلي كما الحياة، وليس أبدا عقلا باردا ‏تأمّليّا، أو استدلاليّا برهانيّا»(12)‏. ثمّ إنّ لفظة عقل لم ترد بصيغة المصدر ولم يجر بها ‏الاستعمال في النّصّ القرآني، وإنّما المستعمل من مادّة «ع ق ل» الفعل المنصرف مع ضمائر ‏متنوّعة(13).‏
ومن الملاحظات أيضا أنّ ما اتّفق فيه الشّيخان المدروسان من الآراء وما كانت آراؤهما ‏فيه حذو النّعل بالنّعل ممّا أسميناه بدوائر الائتلاف فذلك دليل إثبات للرّأي القائل إنّ التّفكير ‏السّني كما المعتزلي ينتميان إلى نظام في المعرفة واحد. وأمّا ما تباينت فيه أفكارهما في ‏مستوى دوائر الاختلاف فمن شأنه أن يطرح السّؤال التّالي: إلى أيّ حدّ تمثّل مخالفة الجبّائي ‏للطّبري خروجا عن البناء الثّقافي الموحّد؟
إنّ ما حاولت هذه الدّراسة إبرازه من معالم تفكير أبي عليّ الجبّائي كالتّخفيف من وطأة ‏النّقل ولو كان عن عائشة ذاتها(14)‏ وتغليب النّظر المولّد للعلم واعتماد التّفكير المبنيّ على ‏العليّة والتّخفيف من النّزعة القصصيّة، فكلّ أولئك لا يعدو أكثر من تنويع وتلوين داخل ‏المنظومة المعرفيّة الواحدة زد على أنّ النّسق الّذي اجترحه الجبّائي لنفسه كما بدا من خلال ما ‏نُسب إليه من تفسير لا يبدو مفارقا للأرضيّة الفكريّة الّتي تأسّست عليها فرقة المعتزلة. وهي ‏الأرضيّة الّتي تشكّلت من الأصول الخمسة، وقد يتفرّد الشّيخ ببعض الآراء الخاصّة به في ‏بعض المسائل الكلاميّة، ولربّما وافق بعضا من شيوخ المعتزلة في رأي وتميّز عنهم، في ‏نطاقه، بدليل أو بحجّة، ومصداق ذلك ما نطالعه من آرائه المماثلة لآراء الزّمخشري أحيانا ‏والمتقاربة معها أحيانا أخرى.‏
ومن هذا المنطلق بدا الخطاب الدّيني النّابع من القرآن في تفسير الجبّائي منفتحا على ‏قدر غير يسير من الإيحائيّة، وذلك يعود إلى أمريْن : الأوّل طبيعة الخطاب المدروس المتمثّلة ‏في الرّمزيّة، والثّاني يتمثّل في تركيز المفسّر على الطّاقة المعنويّة الكامنة في المجاز. وما ‏ذلك إلاّ سعي وراء تحقيق التّنزيه بما هو مقولة أساسيّة في علم الكلام. ونحن إذ نسجّل أنّ ‏الجبّائي ليس بدعا من بقيّة المعتزلة في كلّ ذلك كما صوّرته كتب التّراجم والموسوعات، فإنّنا ‏نشير إلى أنّ الخطاب ذاته بدا في تفسير الطّبري مؤكّدا النّزعة الإيمانيّة في صفائها متّجها ‏صوب الجوانب العمليّة الّتي ستنبثق عنها الأحكام القضائيّة والفقهيّة والّتي سيضيق بمفعولها ‏تدريجيّا فضاء اللّغة القرآنيّة الواسع.‏
لقد عمّت اللّجاجة الأوساط الثّقافيّة الدّينيّة في الأخذ بالرّوافد الثّقافيّة الوافدة سواء من ‏الّذين سبقوا الإسلام وتُرجمت مؤلّفاتهم أو من الأقوام الّتي أسلمت وأدخلت معها أعرافها ‏الثّقافيّة، وكانت المعتزلة أكثر الفرق انفتاحا على الموروث الأجنبيّ، فتشكّلت بذلك رؤى ‏عديدة ومختلفة تغلّبت فيها الأفكار الدّاعية إلى التّكلّس بمقتضى التّقليد والانغلاق على الذّات. ‏وفي هذا الفضاء يندرج ما ذهب إليه محمّد أركون من أنّ العقل في القرنين الثّالث والرّابع ‏للهجرة لم يكن يجهل السّؤال المعرفي، إذ كان العقل الأرسطي متاحا للعلماء إلى حدّ بعيد، فهم ‏لا يستغنون عنه بداهة، إلاّ أنّه بدلا من تعميق المناقشات وإغنائها، قصد إجراء مواجهة ‏مفتوحة بين عقل فلسفي وعقل لاهوتي، فقد تمّت المسارعة إلى إدانة المناقشة اللاّهوتيّة حول ‏القرآن المخلوق(15)‏.‏
وإذا كانت الحكمة ضالّة المؤمن(16)، فإنّ ذلك أمر ظلّ نظريّا يتعارض مع الممارسة ‏في الواقع الّتي طُرح فيها بقوّة السّؤال الدّائر حول تحديد النّصيب الّذي يؤخذ من تلك الثّقافات ‏والمقدار الّذي يُرفض منها، والّذي يدعو إلى مثل هذا الافتراض وهذا التّساؤل هو انفتاح تفكير أبي عليّ الجبّائي على المنطق ‏اليونانيّ واستفادته من أدواته في الإقناع والبرهنة والجدل بمفعول المثاقفة الّتي حصُلت عبر حركة التّرجمة، وقد بدا ذلك في مستوى محاور ‏عديدة من تفسيره.‏
ولمّا كان مصطلح العقل غائبا في النّصّ القرآني ومفهومه غير مقصود لذاته في الأثرين المدروسيْن، فإنّنا نعمد، توسّعا في البحث، ‏إلى الوقوف على حدود هذا المفهوم عند من عرّفه ممّن جايل الطّبري والجبّائي كالقاسم الرّسّي ( ت. 279 هـ/ 892م) والحارث المحاسبي.‏
لقد ذهب القاسم الرّسّي في تعريفه للمعقول أنّه ما أجمع عليه العقلاء ولم يختلفوا فيه، وأنّ الحجج المبرهنة على العبادة هي العقل ‏والكتاب والرّسول، فالعقل هو الّذي يؤدّي إلى معرفة الله بعدله وتوحيده وصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز، والكتاب حجّة دالّة على الأوامر ‏والنّواهي، والرّسول حجّة ثالثة يمدّ بالكيفيّة والطّريقة، فالعقل أصل لأنّ بقيّة الحجج تعرف به ولا يُعرف بها(17)، ولربّما تظافرت الطّرق الموصلة ‏إلى اكتناه الأصول ومقاصدها وهي العقل واللّسان والأخبار. فبالنّظر يقع الاستدلال على حجّيّة الكتاب، وإذا تضمّن الكتاب الأحكام والأدلّة، ‏فالعقل هو الّذي يُميّز بينها، ولولاه ما عُرف الخطأ من الصّواب، ولذلك رُفع الحرج على من لا عقل له (18) ‏.‏
وأمّا المحاسبي فيعرّف العقل بكونه غريزة تُعرف بأثرها في القلب والجوارح وهو جوهر لا جسميّة له وصفوة الرّوح ولبّ كلّ شيء ونور ‏في القلب كالبصر الّذي هو نور في العين(19)‏. ومن السّمات الّتي تنطبع بها هذه القدرة العاقلة هي أنّها قابلة للاتّساع كلّما اتّسعت دراية المرء ‏بالأسباب الكامنة وراء الظّواهر، وهي دالّة على المعرفة التّي تزيد بالعلم المكتسب الّذي بواسطته يدرك الإنسان المنافع والمصالح ويدرأ بها ‏المضارّ، وللعقل علامات منها اتّساع الفهم لبيان المعنى وتبيينه ومنها احتباس حقائق الأشياء والتّيقظ الّذي لا يحصل إلاّ بإدامة النّظر والتّفكّر، ‏فالّذي تتعاظم حيرته يكثر همّه الدّاعي إلى التّفكّر. والمتفكِّر يُعمل نظره، والنّاظر لا محالة مبصر، وحينئذ يضحى العقل، بهذا المعنى، هو ‏فيصل التّفرقة بين العاقل وغير العاقل فيكون الاهتداء إلى الحقيقة عبر تظافر الخبر القاهر والعيان الظّاهر وله مستويان أوّلهما نظريّ، يدرس ‏مباحث العقائد كالعدل والتّوحيد والذّات، والصّفات كالعلم والقدرة والحياة وهي ما يسمّيها الجبّائي بالاعتبارات العقليّة(20)، وثانيهما عمليّ يهتمّ ‏بالجوانب السّلوكيّة والأخلاقيّة كالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والمنزلة بين المنزلتين.‏
وليس خافيا ممّا سبق أنّ تعريف العقل ينطبق إن جزئيّا أو كلّيّا على الخلفيّة النّظريّة الكامنة وراء صاحبيْ التّفسيريْن المدروسيْن طالما ‏كانا معاصريْن للمحاسبي وللرّسي وهم ينتمون جميعا إلى حقل معرفيّ واحد. ومن خلال دراسة الأثريْن بدا واضحا أنّ مفهوم العقل ينطلق من ‏أرضيّة أخلاقيّة أساسها الدّين الّذي يلحّ على الرّبط بين القول والعمل والنّظر والتّطبيق، وهكذا يخرج هذا المفهوم لديْهما من حيّز التّنظير المجرّد ‏المطبوع بالمنطق الصّوري كما كان عليه في الحضارة الإغريقيّة، إلى حيّز النّفعيّة العمليّة وإن بدا العقل عند الجبّائي متميّزا بكونه ملكة فطريّة ‏أوتيت أدلّة صريحة وضروبا من الاستدلال المقنِع أو قل قواعد الكلام المنطقيّة، ومن ثمّ ظلّ المعيار الدّال على أنّ أصحاب النّظر العقليّ هم ‏الأقليّة المضطلعة بتعميق النّظرة إلى التّفكير الدّيني إذ اعتبروه في نموذجه الأوفى مجازا قائما على قياس الغائب على الشّاهد، فبدا النّظر قائما ‏بطبيعته مستوفيا لشروطه الأساسيّة كبذل المجهود من أجل تحقيق الاستدلال والنّتائج المقتضية للبراهين والمقدّمات.‏
لقد تجلّى النّظر والاستدلال في تفسير الجبّائي بالقدر الّذي توضّح اعتماد الأثر والخبر في تفسير الطّبري الّذي عزّت فيه مواطن ‏النّقد المتعلّقة بالمرويّات، وطغى فيه التّعويل على المأثور واستهجان العمل بالرّأي ممّا غيّب فيه روح الابتكار بمفعول الضّغط الّذي يسلّطه ‏التّجميع والرّغبة في الإحاطة بكلّ ما قاله السّلف، ممّا ضخّم جانب المخيال فيه. وفي هذا الإطار يندرج قول محمّد أركون: «إنّ تجميع الرّوايات ‏في تفسير الطّبري يعكس بطريقة أمينة عملها الأساسي أثناء نقلها الشّفوي من الوعّاظ والمحدّثين، إذ انتقالها إلى المكتوب لم يغيّر علاقة العقل ‏بالعلامات اللّغويّة. إنّه عقل لا ينفصل عن المخيال المنفتح عن العجيب»(21)‏.‏
ولقد بدا العقل في كليهما مؤمنا حثيث الطّلب وراء المعرفة بإيمانه ساعيا وراء العمل بمعرفته وإن اختلفا في تعريفه، وإن جزئيّا، فعند ‏الطّبري يتمثّل في اتّباع السّنّة والائتمار بأوامر القرآن والانتهاء عن نواهيه واعتماد القياس والإجماع، وبالنّسبة إلى أبي عليّ الجبّائي هو عمليّة ‏ذهنيّة تتجلّى في الاستنباط والاستدلال لإحداث التّطابق النّظري مع الأصول الخمسة، فالفعل العقلي المقصود ممّا أنجزه الطّبري والجبّائي يعني ‏التّفكّر بالحقائق الّتي جاء بها الوحي وأمدّ الإنسان بها وليست بحثا عن حقائق مفقودة يجتهد الإنسان إلى إيجادها عبر ‏‎السّعي المستمرّ في اتّجاه متطلّع إلى الأمام (22) ‏.‏ ‏ ‏‎ 
إنّ النّظر بما هو وظيفة متولّدة عن العقل يعني الاضطلاع بوظيفة التأمّل في شيء موجود وليس استنباطا لشيء منشود، فالحقيقة ‏بهذا المعنى تظلّ كامنة وراءه وليست أمامه، رغم ما يضطلع به النّظر من إخراج النّصّ من مجال التّفسير إلى حيّز التّأويل حيث تتعدّد وجوه ‏الدّلالة عبر التّرحال من الحقيقة إلى المجاز.‏
ولئن حضر الإنسان في ذهن ابن جرير الطّبري مجرّد مُخاطَب بالوحي معنيّ بالتّكليف، فقد بدا بالنّسبة إلى الجبّائي مبحثا في مستوى ‏التّعريف والتّوصيف، فبدا الإنسان خالقا لأفعاله مسؤولا عنها قادرا مختارا، ولا سيّما في اعتباره أنّ الفعل المتولّد عن المسؤوليّة الّتي يتحمّلها ‏الإنسان(23)‏ رغم ما يُتّهم به علم الكلام من لاهوتيّة أوتيها من دفاعه المستميت عن قضايا العقائد والألوهيّة وكلّ ما يتعلّق بالعوالم الغيبيّة ‏المتعالية.‏
ومن النّتائج التّي يمكن التّوصّل إليها من خلال هذه المقارنة أنّ أبا عليّ الجبّائي يعمد إلى التّأويل الّذي ينبع من اللّغة موضوعا ‏مركزيّا حاويا لمنعطفات معنويّة فهو يعتمد اللّغة أداة بها يؤوّل المعنى، وبالمحصلة تتجسّد رحلة التّأويل لديه من اللّغة أداة وموضوعا إلى ‏الدّلالة. وأمّا ابن جرير الطّبري فالعمليّة ذاتها جارية لديه من الآثار المرويّة وصولا إلى المعنى في تحفّظ وحذر بادييْن من مجانبة الموروث أو ‏حتّى مخالفته، وإذا لم يعدم الطّبري الاهتمام بالشّواغل اللّغويّة فإنّها لم تمثّل بنية مستقلّة بذاتها ضمن استراتيجيّة تفكيره التّأويلي طالما تراكبت ‏القصص وطغى عليها التّكرار، ممّا يُخوّل لنا الخلوص إلى القول إنّ القراءة، بما هي مدخل لغويّ لدى الجبّائي أقرب إلى أن تكون وصفيّة تحيل ‏على ذاتها عكس ما هي لدى الطّبري تحيل على النّصوص المجاورة وإن كانت خادمة للتّفسير شرحا وتوضيحا، فإذا بعمل الجبّائي يحيل على ‏الدّلالة وعمل الطّبري يحيل على المعنى.‏
وإذا كان كلّ تفسير يعكس فهم صاحبه بحسب وعيه وحاجاته الفكريّة، فإنّه بإمكاننا في منتهى هذه الدّراسة أن نزعم أنّ التّفكير الدّيني ‏على يد المعتزلة، وعلى رأسهم أبو عليّ الجبّائي، قد استطاع أن يتحلحل عن منهج السّلف القائم على الاحتكام بدغمائيّة إلى النّصّ، وإن جزئيّا، ‏نحو اتّباع منهج النّظر العقلي بما فيه من نزعة إلى النّقد وميل إلى التّمحيص، وهو في كلّ ذلك لم يخرج عن الإطار العامّ الّذي رسمه شيوخ ‏المعتزلة.‏
ويبدو أنّ الخلفيّة النّظريّة لدى الطّبري هي الّتي ستمثّل الأرضيّة الّتي اعتمدت عليها مقولة: « لا اجتهاد مع النّصّ»، في حين أنّ ‏نمط التّفكير لدى الجبّائي هو الّذي سينتهي إلى أنّ الاجتهاد إنّما يكون مع النّص وفي النّصّ بل إنّ فوائد هذا الاجتهاد ومظاهر صلاحه أكثر ‏وضوحا ممّا هي عليه في النّصوص ولا سيّما الغامض منها والخفيّ، ودون ذلك يضحى هذا النّصّ متحجّرا تحجّر القوالب الجاهزة والقواعد ‏الثّابتة، ومعناه أنّ الاجتهاد لا ينحصر في الدّوائر المعنويّة الّتي لا نصّ فيها، بل يكون كذلك في تحديد دلالة النّصّ وفي إنتاج معانيه انطلاقا ‏من ضبط طبيعته بين عامّ أو خاصّ، مقيّد أو مطلق، حقيقيّ أو مجازي، ناسخ أو منسوخ، وهو سبب كاف لتعدّد التّفاسير واختلاف الرّؤى وتنوّع ‏الآراء(24)‏‏.‏
ثمّ إنّ للقاضي عبد الجبّار رأيا طريفًا يذهب به قُدُمًا في اعتباره أنْ لا مانع يحول دون أفضليّة العلم المكتسب الّذي منه الاجتهاد على ‏العلم الضّروري الّذي يؤخذ بالطّبيعة، يقول:« لا يمنع في الاجتهاد أن يكون أصلح من النّصوص. وفي النّص الخفيّ أن يكون أصلح من الجليّ ‏والأمر في ذلك موقوف على الدّلالة»(25)‏.‏
إنّ الواقع التّاريخيّ قد أثبت أنّ الاجتهاد لم يكن إلاّ في المنصوص عليه، ومظاهر الاختلاف الدّالة على إعمال النّظر قد انطلقت من ‏النّصوص وحامت حولها (26)‏، وتبعا لهذا المنهج الاجتهادي الجبّائيّ، أصبح النّظر فيما نطقت به الدّيانات وما جاءت من أجله الشّرائع واجبا ‏عقليّا لأنّها هي الّتي تتضمّن الطّريق الموصلة إلى معرفة الله وهي المخلّصة للإنسان في العالمين عالم الغيب وعالم الشّهادة، وإذا قدّم الله أهل ‏العلم ورفعهم به درجات فلكونهم أصحاب عقول لا لكونهم كثرة وجماعة أو حفظة يردّدون ما لا يفقهون أو يقلّدون علماءهم في أحسن الأحوال، ‏وقد أشار محمّد أركون إلى هذا العقل بقوله: « إنّ العقل في القرون الوسطى كان يعمل من أجل التّوصّل إلى استقلاليّته الذّاتيّة، ومسؤوليّته ‏الفكريّة والأخلاقيّة والسّياسيّة في الوقت الّذي يقبل بأن يندمج داخل الفضاء المحدّد والمحصور من قبل الوحي »(27)‏.‏
ولقد بان من خلال هذا البحث اتّجاهان في التّعامل مع النّصّ القرآني وتجلّت معالمهما من خلال آليّتهما في إجراء التّفسير أحيانا ‏والتّأويل أحيانا أخرى: الأوّل اتّجاه يغلب عليه المنزع العقلي، فالعقل يُحكّم في الأمور إلى أن يرد الدّليل النّقلي، والثّاني اتّجاه يرفض هذا التّوجّه ‏على اعتبار أن لا حكم للعقل في ما أتى به الشّرع ونصّ عليه ويجد أنصار الاتّجاه الأوّل حججا يدعّمون بها أطروحتهم منها أنّ الرّسول قبل ‏البعثة كان على شريعة العقل (28)‏ ‏.‏
ولقد استقرّت عند بعض الأصوليّين أنّ الرّسالة عندما دعت إلى إعمال الرّأي فهي قد ضمنت للعقل قيمته الّتي تليق به فعُدّ أصلا من ‏أصول التّشريع فيما لم يُنزّل به تنزيل(29)‏، وحينئذ وجد أهل السّنّة كما أهل الاعتزال مبرّرا لإعمال الرّأي، إلاّ أنّ هذا الرّأي غير عند أهل السّنّة ‏مسيّجا بالنّصّ مدلّلا عليه بالحوادث والأحاديث والأخبار والآثار كحادثة معاذ بن جبل (30)‏ ، في حين أنّه بدا عند أهل الاعتزال مسترشدا بالنّصّ ‏القرآني وما ثبت تواتره من السّنّة دون غيره وقد فهموا النّصوص الدّينيّة فهما مخصوصا، وأمّا الأحاديث فأغلبها أخبار آحاد وسبيلها ليست سبيل ‏العلم لديهم فضلا عن الآثار وبقيّة المرويّات، فللمعتزلة احتراس باد من الحديث لأنّه يحتوي على الغثّ والسّمين ولذلك اتّخذوا من القرآن معيارا ‏تعرض عليه الأحاديث لاختبار صحّتها، يورد القاضي عبد الجبّار أنّ الرّسول قال:« سَيَأْتِيكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ مُخْتَلِفٌ فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اَللهِ تَعَالَى أَوْ ‏سُنَّتِي فَهُو مِنِّي، وَمَا كَانَ مُخَالِفًا لِذَلِكَ فَلَيْسَ مِنِّي»(31)‏، ولذلك اعتبروا أنّ أحاديث الآحاد هي دون أدلّة العقل.‏
وإذا كان الرّسول قد ثبت عنه العزوف عن قراءة القرآن الّتي تخلو من التّدبّر والتّفكّر، فمن باب أولى وأحرى أنّ يتمّ النّظر في ‏الحديث، وقد سُلّط التّجريح في أصحاب الحديث لقلّة تمييزهم وفساد آلتهم. فشملت الكراهة بعضا من الصّحابة أنفسهم والأخذ عنهم مثل أبي ‏هريرة، فقد رُوي عن شعبة أنّه قال: « لا تكاد تجد أحدا فتّش هذا الحديث تفتيشي وقد نظرتُ فيه فوجدتُ لا يصحّ منه الثّلث »(32)‏‏ فالمكثر من ‏الحديث قد يضعه في موضعه وقد لا يضعه ومن ثمّة يجمع بين الصّادق والكاذب ولذلك كان الرّواة طبقات (33)‏ ‏.‏
وما من شكّ في أنّ الحركة التّاريخيّة قد جعلت المسلمين أمام مستجدّات جعلتهم في حرج مردّه أنّ النّصوص الّتي بحوزتهم لم تعد ‏كافية للإجابة عمّا طرحته الأيّام عليهم من أسئلة فتعاظمت الحاجة إلى القياس بأنواعه وإلى المقارنات وضروب الاجتهاد وكلّها مجالات يتجلّى ‏فيها إعمال الرّأي والتّعقّل، ولأنصار العقل حجّة تكمن في تطابق القيل القرآني مع الدّليل العقلي لأنّهما مخلوقان لخالق واحد(34)‏، وهذه القوّة ‏المدرِكة تدور في فلك الكون تفكّرا وفي فلك النّصّ تدبّرا، والقرآن نفسه قد حثّ على النّظر، فالّذي يتفكّر يزيد اعتباره والّذي يعتبر يزيد علمه، وفي ‏مجال التّفسير يُقصد بالمنهج العقلي اعتماد المفسّر على الفهم المعمّق لمعاني القرآن للوقوف على دلالة ظاهر كلّ آية وباطنها، ولإصابة ‏هذا القصد وإدراكه يقع التّوسّل بمعاني الألفاظ وتفهّم مدلول العبارات القائم على كنه اللّسان العربي ‏وأساليبه في التّعبير ووجوه استعمالاته، وآلة هذا النّوع من التّفسير هي علوم الاستنباط وأصول التّشريع(35)‏، إلاّ أنّ الرّؤية الاعتزاليّة تربط التّفسير ‏بنسقها النّظري العامّ إذ أنّ أهمّ ما يضطلع به المفسّر تبعا لهذا المنزع لا يقتصر على عمليّة الشّرح ومجرّد بيان المعنى بل هو التّمتّع بقوّة ‏منطقيّة ومقدرة عقليّة لبلوغ آفاق يتبلور فيها ما يجوز على الله وما لا يجوز ومن أجل هذه الغاية تصبح اللّغة مجرّد معبر وأداة فلا يكفي حينئذ ‏في المفسّر أن يكون عالما باللّغة العربيّة ما لم يعلم معها النّحو والرّواية والفقه الّذي هو العلم بأحكام المشرّع وأسبابها ولن يكون المفسّر فقيها ‏عالما بأحكام الشّرع وأسبابها إلاّ وهو عالم بأصول الفقه الّتي هي أدلّة الفقه والكتاب والسّنّة والإجماع والقياس والأخبار وما يتّصل بذلك ولن ‏يكون عالما بهذه الأحوال إلاّ وهو عالم بتوحيد الله تعالى وعدله وما يجب له من الصّفات وما يصحّ وما يستحيل وما يحسن وما يقبح(36)‏‏.‏
وعموما فإنّ التّفسير بالعقل هو التّفسير بغير النّقل. ولا ريب أنّ أبا علي الجبّائي قد انحاز إلى هذا المنهج في التّفسير رغم ما ساد في ‏عصره من تفاسير تعتمد على النّقل الّذي انحاز إليه الطّبري. فما هي معالم التّفسير بالنّقل؟ هذا ما سنتعرّض إليه في العدد القادم.
الهوامش
(1) يقول محمّد أركون في هذه النّقطة المتعلّقة بالطّبري إنّه: يمثّل نقطة انطلاق لموقف معيّن للعقل أو لنمط من المعقوليّة والفهم، أو لنظام معرفي خاصّ. انظر محمّد أركون، الفكر الأصولي ‏واستحالة التّأصيل نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي، ص130.‏
(2) الطّبري، جامع البيان، مج1، ص 371. والجبّائي، ت2 ، ص86.‏
(3) الطّبري، جامع البيان، مج1، ص495. والجبّائي، ت2، ص94.‏
(4) الطّبري، جامع البيان، مج2، ص ص 1425-1426.‏
(5) الطّبري، جامع البيان، مج 7، ص5870.‏
(6) سورة يوسف - الآية 2.‏
(7) الجبّائي، ت2، ص 477 وص 786.‏
(8) الطّبري، جامع البيان، مج9، ص7895. والجبّائي، ت2، ص786.‏
(9) الطّبري، جامع البيان، مج1، ص833. والجبّائي، ت1، ص ص 93-94.‏
(10) الطّبري، جامع البيان، مج 4، ص ص 2937- 2938، وص ص 3073- 3074.‏
(11) الطّبري، جامع البيان، مج 9، ص 7526.‏
(12)  محمّد أركون، قضايا في نقد العقل الدّيني، تعريب هاشم صالح، ص284.‏
(13) وردت عقلوها مرّة واحدة، وتعقلون أربعا وعشرين مرّة، ونعقل مرّة، ويعقلها مرّة، ويعقلون إثنتيْن وعشرين مرّة، فيكون مجموع ذلك تسعا وأربعين مرّة. انظر محمّد فؤاد عبد الباقي، المعجم ‏المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مادّة «ع ق ل»، ص ص 594-595.‏
(14) انظر الجبّائي، ت 1، ص 110.‏
(15) Mohamed Arkoun, Lectures Du Coran, ‎p148‎
(16) ورد في صحيح التّرمذي ج5، ص51، رقم2687، الحديث التّالي: « الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ ‏بِهَا».‏
(17)  انظر القاسم بن إبراهيم الرّسّي، رسائل العدل والتّوحيد، تحقيق محمّد عمارة، ص ص 124-125.‏
(18) انظر القاضي عبد الجبّار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيّد، ص 139. وقد نوّه أهل الاعتزال بفضل أهل العقل وهم مستعملو النّظر والاستدلال في الإقناع ‏بأطروحاتهم وتقدّمهم على أهل النّقل والرّواية، ومن ذلك ما يذكره أبو الحسين الخيّاط أنّ بعض ملوك الهند كتب إلى الرّشيد أن يوجّه إليه رجلا من علماء المسلمين كي يعرّفه الإسلام بحضوررجل لديه يناظره. ولمّا وجّه شيخا عالما خاف الهنديّ أن يكون متكلّما فتحسّس أخباره سرّا ولمّا وجده صاحب حديث سُرّ بذلك. وفي المناظرة قال الهنديّ: ما الدّليل على أنّ دينك حقّ؟ فقال له ‏المحدّث: حدّثنا سفيان الثّوري وحدّثنا شعبة بكذا، وحدّثنا أبو عون بكذا. فأكثر من رواية الحديث والهندي ساكت. فلمّا أتى على ما ورد قال له الهندي: من أين علمت أنّ هذا الرّجل الّذي رووا لك ‏عنه هذه الرّوايات صادق فيما ادّعاه من النّبوّة؟ فتلا عليه آيات من القرآن، كقوله تعالى» مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ». ( الفتح48/ 29) فقال له الهندي: من أين علمت أنّ هذا الكلام جاء من عند الله، ‏ولعلّ صاحبك عَقَلَهُ ووضعه؟ فلم يدر ما يقول وسكت. عندئذ بعث الملك إلى هارون كتابا مفاده أنّ الّذي وجّهه إليه لا يصلح لما أراده منه فوجّه إليه من أهل النّظر أبا كلدة فاختبره أهل الهنديّ ‏سرّا ولمّا وجدوه متكلّما دسّوا إليه السّمّ فقتلوه قبل وصوله خوفا من أن يبكت صاحبهم. م.ن، ص269. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الرّواية لم ترد في كتاب الانتصار لأبي الحسين الخيّاط. ويرجّح ‏القاضي عبد الجبّار أنّها إمّا أن تكون من كتاب له آخر، أو هي من مشافهاته المعتادة في إملاء الكتب. وعموما فإنّ المنتصف الثّاني من القرن الثّالث للهجرة قد شهد بداية رواج علوم النّظر ‏والجدل على يدي ابن كلاّب والحارث المحاسبي.‏
‏‏V. Claude Gilliot, Exégèse langue et théologie en Islam, p 235. ‏وسيمثّل القرن الثّاني والثّالث للهجرة حسب ڤي مونو العصر الذّهبي للجدل الدّيني من خلال ما رسمه من جداول بيانيّة.‏ ‏V .Guy Monnot, Islam et religions, p 44
(19) انظر الحارث المحاسبي، العقل وفهم القرآن، ص204.‏
(20)  الشّهرستاني، الملل والنّحل، ج1، ص64.‏
(21)  ‏Mohamed Arkoun, Lectures Du Coran, p146
(22)  ناقش محمّد أركون هذه الفكرة في كتابه «معارك من أجل الأنسنة في السّياقات الإسلاميّة»، ترجمة هاشم صالح، هامش رقم 16، ص 258.‏
(23)  ألّف الجبّائي كتابا أسماه بـ «ـالإنسان» وقد عرّفه بكونه صورة وبنية بشرط اللّحميّة، يقول عليّ فهمي خشيم معلّقا على هذا التّعريف في كتابه «الجبّائيّان»، ص183 فيه: طرافة وواقعيّة، إذ هو ‏يخالف ما سبقه من التّعريفات ويبرز الجانب الحسّي عن طريق هذه الصّورة والبنية اللّتين اشترطهما فيه، ممّا يبعده عن طريق التّجريد ويدخله في دائرة المفكّرين الحسّيين الواقعيّين ».‏
(24) إذا اشترك الطّبري مع الجبّائي في اعتماد هذه التّصنيفات النّصّيّة باعتبارها تسميات لغويّة، فإنّ الفارق بينهما يكمن في الأداء: الأوّل يخرجها مخرج الأثر المروي فيكون الاتّباع، والثّاني يخرجها ‏مخرج النّظر العقلي، فيكون الاجتهاد.‏
(25) ‏ القاضي عبد الجبّار، المغني، ج20، الإمامة، ص ص 313-314.‏
(26) ‏ يقول ابن حزم في هذا الاتّجاه: « وما اختلف اثنان قطّ فصاعدا في شيء من الدّين إلاّ في منصوص بيّن بالقرآن والسّنّة. فمن قائل: ليس عليه عمل، ومن قائل: هذا تلقى بخلاف ظاهره، ومن ‏قائل: هذا خصوص. ومن قائل: هذا منسوخ، ومن قائل: هذا تأويل» الإحكام في أصول الأحكام، مج7، ص126.‏
(27) محمّد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السّياقات الإسلاميّة، تعريب هاشم صالح، ص191.‏
(28)  انظر الشّوكاني، إرشاد الفحول، ج 1، ص399.‏
(29) انظر مصطفى عبد الرّازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة، ص156.‏
(30) ‏ تتمثّل هذه الحادثة في أنّ الرّسول لمّا بعثه إلى اليمن قال له: كيف تصنع إن عُرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنّة رسول الله صلّى ‏الله عليه وسلّم. قال: فإن لم يكن في سنّة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب بيده في صدري، وقال: الحمد لله الّذي وفّق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله، ذكره ابن عبد البرّ ‏‏(ت. 463 هـ/ 1070م) في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»، ج2، ص 846. ومن الأخبار الدّالّة على هذا المنحى أنّ عمرا لما بعث شريحا على قضاء الكوفة قال له: انظر ما يتبين لك ‏في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتّبع فيه سنة رسول صلى الله عليه وسلّم وما لم يتبيّن لك فيه السّنة فاجتهد فيه رأيك. كما رُوي عن عمر أنّه كتب إلى  أبي ‏موسى الأشعري: اعرفْ الأشباه والأمثال ثمّ قس الأمور. ابن القيّم  الجوزيّة، إعلام الموقعين، ج1، ص 68.‏
(31)  القاضي عبد الجبّار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيّد، ص ص 193-194.‏
(32)  م.ن، ص 193.‏
(33)  يُذكر أنّ أصل التّسمية بالحشويّة يعود إلى أنّ أناسا حضروا مجلس الحسن البصري وقد كانوا من رعاء الرّواة ولمّا تكلّموا بالسّقط عنده. قال: ردّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة أي جانبها. انظر ابن ‏عساكر، تبيين كذب المفتري، ص11.‏
(34)  الحارث المحاسبي، العقل وفهم القرآن، ص218.‏
(35)  انظر البغويّ، مقدّمة معالم التّنزيل، ج1، ص ص 10-11.‏
(36) انظر نصر حامد أبو زيد، الاتّجاه العقلي في التّفسير، ص165.‏