نقاط على الحروف

بقلم
عبد الله التركماني
قراءة متمعنة في الفكر السياسي للطيب تيزيني (2) ‏
 (3)  الدولة الأمنية ومرتكزاتها   ‏
‏ تعرّف موسوعة «ويكيبيديا» الدّولة الأمنيّة بأنّها «دولة تمارس فيها الحكومة إجراءات ‏قمعيّة صارمة ضدّ المجتمع، تتحكّم من خلالها في الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة ‏للشّعب. وغالبًا ما يتمُّ ذلك من خلال شرطة سريّة، تعمل عادة خارج الحدود التي تفرضها ‏الجمهوريّة الدّستوريّة. في الدّولة الأمنيّة عادة ما تظهر مظاهر الشّمولية والرّقابة الاجتماعيّة، ‏وعادة ما لا يوجد ما يميّز بين القانون وممارسة السّلطة السّياسيّة من جانب السّلطة التّنفيذيّة».‏
أمّا فقيدنا الطّيب تيزيني فقد أسقط هذا التّعريف العام على الواقع العربي، حيث قال أنّ ‏مشروع الدّولة الأمنيّة «بدأ مع مشروع الوحدة بين مصر وسوريّة، حيث كان الشّرط الأول ‏للانضمام إلى الوحدة إلغاء الأحزاب، بالتّالي إلغاء الحياة السّياسيّة». واليوم ها نحن نعيش ‏الحالة بامتياز فـ «الدّولة الأمنيّة، في معظم أرجاء عالمنا العربي، صادرت السّياسة ‏والدّيمقراطيّة، وابتلعت كلّ القوى التي كانت تتطلّع إلى بناء الأوطان. وفي طريق صعودها ‏ابتلعت ثلاث مرجعيّات: المرجعيّة السّياسيّة، والمرجعيّة الثّقافيّة، ثمَّ المجتمع ذاته» (21)‏.‏
وكثيرًا ما تحدّث عن النّظام الأمني، الذي رفع شعاره الشّهير «يجب أن يَفْسُدَ مَنْ لم ‏يَفْسُدْ بعدْ»، بحيث يصبح الجميع ملوّثين، ومدانين وجاهزين تحت الطّلب. وبذلك أضحى ‏المجتمع برمته خصمًا لهذا النّظام، بعد أن تمَّ تحويله إلى أداة أو إلى قطيع، من خلال إعادة ‏إنتاج الفساد والتخلّف، وتحويل المجتمع إلى حالة من «العقم التّاريخي»، الذي لا يحدث إنتاجًا ‏جديدًا لبشر جديدين بآفاق جديدة. وبحيث «يظلّ هذا المجتمع سائرًا في مسار واحد، فيعيش ‏حالة من القنوط والتخلّف والقسوة، في الإجابة عن مشكلات راهنة، ليجفّف كلّ ما يمكن أن يُنتج ‏حالة جديدة من الإبداع في الاقتصاد أو السّياسة أو الثّقافة أو القضاء. وهي ترى أنّ هذه الحقول ‏كلّها يجب أن يسودها حالة من الجفاف والقصور التّاريخيين، وحين ذلك تستطيع قيادة هذه ‏الدّولة الأمنيّة أن تبقى أبدًا، فلا معارضة ولا رأي آخر»(22)، وبذلك لا تبقى فئة تكون الحامل ‏الاجتماعي لعمليّة التغيير.‏
(4)  هفوات «تيزيني» تجاه المجتمع المدني والمعارضة السّياسية في سورية
عندما بدأت فعاليّات نشطاء المجتمع المدني، بعد توريث بشار الأسد وخطاب القسم ‏الذي بشّر بإمكانيّة بداية مرحلة جديدة عنوانها الإصلاح، اعتبر «تيزيني» أنّ أولئك النّشطاء « ‏يقلبون أولويّات العمل السّياسي في سوريّة، فيجعلون المجتمعيّة المدنيّة منطلق الشأن العام ‏ومآله، والدّولة تعبيرًا عنها في مستوى السّياسة»، إذ اعتقد أنّ « الأولويّة يجب أن تُعطى لبناء ‏الدّولة الوطنيّة التي ستبني المجتمع المدني، كما في تلك المنهجيّة السّتالينية السّاذجة»(23) ‏.‏
وفي تبريره لموقفه قال تيزيني: « عند الحديث عن المجتمع المدني، من الخطأ أن ‏نطالب بإنجاز مثل هذا المجتمع بصورة سريعة في مجتمع يعاني من إشكال العلاقات ‏الاجتماعيّة العشائريّة والطّائفيّة والإثنيّة، وإنّ دعاة المجتمع المدني كانوا يتحدّثون عن مجتمع ‏النّخبة، في حين أنّ الأمر الأكثر حسمًا في هذه المرحلة هو مَن المخوّل باكتشاف إشكالات ‏الواقع والعمل عليها»، معتقدًا أنّ ما نحتاجه هو « المجتمع السّياسي والملف السّياسي الثّقافي»‏ (23) ‏.‏
ومن مظاهر تناقض مواقفه بشأن المجتمع المدني أنّه وقّع على بيان الألف من نشطاء ‏المجتمع المدني، كما ساهم، في العام 2004، في تأسيس منظمة « سواسية» الحقوقية. ‏
وعندما أُعلن عن إنشاء « إعلان دمشق للتّغيير الوطني الدّيمقراطي»، في تشرين ‏الأول/أكتوبر 2005، باعتباره ائتلافًا عريضًا لقوى سياسيّة سوريّة، اعتبر «تيزيني» أنّ الإعلان « ‏جاء في مرحلة تاريخيّة يمكن القول عنها أنّها الأكثر مناسبة لمثل هذا الإعلان، ومن ثمَّ فإنّ ‏الشّرط التّاريخي لصدوره يفصح عن نفسه بوصفه حالة مناسبة جدًا، ممّا يؤكّد على مفهوم ‏الوعي المطابق الذي جسده هذا الإعلان. المرحلة التي يمرُّ فيها الوضع السّوري أصبحت ‏تستلزم وجود حركة سياسيّة وثقافيّة نشطة، تجد مهمّاتها في الإجابة عمّا يحدث في سورية، ‏والإجابة عن آفاق التحوّلات المحتملة سوريًا وإقليميًا ودوليًا». ولكنه استدرك ليقول «إنّ وجود ‏أخطاء في الإعلان إنّما هو أمر طبيعي، إذا ما وُضع في سياق عدّة عقود من سياسة الاستبداد ‏الرّباعي». وعندما وضع يده على «أخطاء» الإعلان لم يكن موفقًا، إذ قال « يفتقد الخطّ النّاظم ‏للفكر السّياسي السّوري، في نطاق كلّيته، وذلك على نحو جاءت فيه مسألتان اثنتان بصيغ ‏مضخّمة أكثر من اللاّزم، هما: المسألة الإسلاميّة والمسألة الكرديّة»، وهنا بدا «تيزيني» أقرب إلى ‏مزاج السّلطة السّورية، أكثر ممّا هو متفهّم لضرورة جذب الطّرفين، الإسلام السّياسي وممثلي ‏الأكراد، إلى العمل الوطني الدّيمقراطي العام. خاصّة أنّ مأخذه تجسّد بقوله « كان مناسبًا أن ‏يميز(الإعلان) بين الإسلام كمعتقد ديني والإسلام كمنطلق سياسي لحركة سياسيّة سوريّة، ‏تشتغل في نطاق ما يُطلَق عليه الإسلام السّياسي. ومن ناحية أخرى كان التّمثيل الكردي في ‏الإعلان قد جاوز ما ينبغي أن يكون عليه، وذلك من موقع ملاحظة أنّ ما طالب به الإعلان ‏إنّما هو أكثر ممّا ينبغي أن يتحقّق في إطار دولة جمهوريّة سوريّة موحّدة».       ‏
كما أخذ على الإعلان أنّه لم يتناول «الصّراع العربي الإسرائيلي، في إطار الصّراع مع ‏المشروع الأميركي الإسرائيلي العولمي». وكذلك قوله إنّ الإعلان « ترك مسألة العلاقة بين ‏الدّاخل والخارج مفتوحة، على نحو قد يعطي الانطباع بأنّ أمرًا ما، على هذا الصّعيد، لا يوجد ‏بوصفه عائقًا أمام الإصلاح الوطني الدّيمقراطي السّوري» (25)‏. وهنا نرى أنّ فقيدنا «تيزيني» قد ‏أخطأ البوصلة، ظنًا منه أنّ الإصلاح كان على أبواب دمشق، مما يعكس نزعات رغبويّة لدى ‏المفكّر، أكثر ممّا يعكس رؤية عميقة لبنية نظام الاستبداد.‏
(5) الاندراج في فعاليات الثورة السورية 
اتسمت مواقف «الطيب تيزيني» من سلطة الاستبداد في سورية بـ « الاستمراريّة والتّواصل ‏‏»، أكثر من ميله إلى الحديث عن «القطيعة والتّفاصل». وعليه، كان حريصًا على أن يحافظ ‏على « شعرة معاوية» مع هذه السّلطة. ولكن، في أغلب الأحيان كان «منفصلًا» عنها، بل ‏منتقدًا لها، إلى درجة أثارت حفيظة رجالاتها في أكثر من مناسبة. وفي الواقع فإنّ تواصله مع ‏السّلطة بدأ يتلاشى – شيئًا فشيئًا - بعد توريث السّلطة لبشار الأسد، ومن أدلّة ذلك حديثه ‏الدائم عن «قانون الاستبداد الرّباعي»، و«الدّولة الأمنيّة» التي حوّلت المجتمعات إلى «الحطام ‏العربي». ومع بداية الثّورة السّوريّة بدا لتيزيني أنّ هذا الحطام قد « أصبح حطامًا مفتوحًا على ‏احتمالات عديدة».‏
وعلى الرّغم من تأييده الكامل والصّريح للثّورة السّورية، فإنّه « ظلّ يرفض المواجهة ‏الصّدامية الكاملة مع السّلطة الأسديّة، ويأمل بأن تصلح هذه السّلطة نفسها بنفسها، وتخضع ‏لمطالب الثّائرين. وعلى هذا الأساس، سعى إلى تشكيل (مجلس الحكماء)، وبلغت آماله درجة ‏المراهنة على إمكانيّة وجود حكماء في هذه السّلطة. ومع خبوّ هذه الآمال وازدياد ضعفها لاحقًا، ‏ازدادت مواقفه جذرية وانفصالًا عن السّلطة، وظهر ذلك في انتقاده الشّديد لما أسماه بـ (الأبديّة ‏الأسديّة)» (26)‏.‏
‏ وفي الواقع أخذت مشاركاته في الشّأن العام، منذ توريث السّلطة لبشار الأسد « طابع ‏النّقد الحادّ لتركيبة النّظام وسياساته وممارساته، وترافق ذلك مع دعوته المستمرة إلى الإصلاح»(27)‏. ومنذ بداية الثّورة السّورية، في آذار/مارس 2011، كان للطّيب مواقف مشرّفة، كلّفته ‏مضايقات واعتداءات ومشاكل عديدة، خاصة مشاركته في الاعتصام أمام وزارة الدّاخلية، في 17 ‏آذار/مارس 2011، حيث تعرّض للأذى من قبل عناصر الأمن السّوري. كما شارك في ‏اعتصام السّاعة في حمص، في 18 نيسان/أبريل 2011، وروى كيف قتل النّظام 1300 ‏صبية وشابًا في ذلك الاعتصام وبكى، في لقاء تلفزي، بكاءً حادًّا.‏
ومن أبرز الأمثلة على مواقفه المتميّزة ما طرحه في مؤتمر الحوار، الذي دعا إليه ‏النّظام في 10 تموز/يوليو 2011، بحضور فاروق الشّرع. حيث أكّد على أنّ اللّجنة ‏التّحضيريّة للمؤتمر كان يجب أن تتشكّل من السّلطة والمعارضة، كما طالب بتفكيك الدّولة ‏الأمنيّة، باعتباره حجر الزّاوية في الحلّ، وحينها سيكون في مقدور سورية الخروج من الحطام ‏المتراكم. وفي حوار مع فضائية «الميادين»، ذات الميول الإيرانية، في 3 تموز/يوليو 2012 « ‏لم يبرّر تيزيني للنّظام خياره الأمني في مواجهة الثّورة، ولم يندّد بالمعارضة والثّورة، على الرّغم ‏من محاولات المحاور إلى دفعه نحو ذلك، بل قال: لماذا لا تكون الممانعة والمقاومة مع ‏الدّيمقراطية؟ لماذا تكونان ضدها؟»‏ (28).‏
وفي سياق المقابلة نفسها أكّد « كانت المطالب في البدايات سلميّة، وقد رأيتها في ‏حمص ودمشق، وكان جميلًا لو أنّ هؤلاء، الذين خرجوا ليعلنوا عن مطالبهم، أن يُسمَع إليهم، ‏وحين ذلك ربّما كان الأمر سهلًا جدًا، لكنّني أرى في الرّصاصة الأولى حالة مأساويّة أتت بما ‏أتت به لاحقًا، ونحن الآن نعيش حمولات هذه الرّصاصة الأولى بصيغة مأساويّة، ومع ذلك ‏أقول إذا حدث الآن أن صدر قرار من أعلى سلطة في سورية من الرّئاسة بوقف العنف، بشرط ‏أن يقف العنف كلّه، فإنّ هذا في ظنّي سيكون مسألة تاريخيّة هائلة بأهميتها». ‏
بل أنه في حديث خاصّ مع موقع فضائية «المنار» الإلكتروني، أشار إلى أنّ « الثّورة ‏السّوريّة ماضية حتّى تحقيق النّصر» (29) ‏. ‏
لقد انشغل تيزيني بتحوّلات الثّورة السّوريّة، ولم يخلُ أي حديث معه أو محاضرة له عن ‏ذكر «التّراجيديا السّوريّة»، وقد فسّر تمرّد الجيل الشّاب بقوله «هؤلاء شعروا بالإذلال نتيجة ‏البطالة والإقصاء، والإهمال، فاختزلوا كلّ الطّبقات والفئات، وأعلنوا عن ذواتهم على نحو باغتنا ‏جميعًا، لذلك فنحن أمام خريطة فكريّة جديدة، سبق إخراجها بيولوجيًا من السّاحة الثّقافيّة ‏والسّياسيّة، والآن أتى دور الأبناء والأحفاد كي يبلوروا رهانات أخرى تطيح المسارات الثّابتة»(30)‏.‏
وعندما سُئل عن توصيف ما حصل في تونس ومصر وسوريّة أطلق عليه «هبّة أو ‏انتفاضة»، ويمكن أن «تكون الثّورة قادمة فيما إذا سارت هاتان – أي الهبّة والانتفاضة – في ‏سياقهما التّاريخي وسارتا بنجاح»، إذ إنّ العملية مركّبة «تندرج في مهمّة واحدة هي إعادة بناء ‏المجتمعات العربيّة، بما يحقّقه من كرامة وكفاية مادّية وحرّية»(31)‏. وعمّا إذا كان ينطبق ما يجري ‏في سوريّة، من عمليات عنف وقتل مدعومة من الخارج، تسمية «الثّورة»، أجاب «إنّ ما يحدث ‏ليس ثورة، بكلّ ما للكلمة من معنى، ولكنّه مهيأ لأن يكون ثورة، هو حالة انتقاليّة». وحمّل ‏النّظام مسؤوليّة الحوادث الأمنيّة، وقال « فلنسأل من الذي بدأ بسفك الدّماء»، وأنّ «الظّرف اليوم ‏يتطلّب من الدّولة أن تقوم بواجباتها وإلاّ فلترحل»‏(32). وفي المقابل أشار إلى أنّ «الكتلة البشريّة‏‏» السّوريّة، التي تحرّكت من أجل الحرّية، هي «الحامل الاجتماعي لهذه اللّحظة التّاريخية». إذ ‏إنّ خطاب الحراك الشّبابي كان وفيًّا للحظة الرّاهنة والمستقبل «الرّفض العارم للدّولة الأمنيّة ‏المتوغّلة في التّوحّش، والتّركيز على ما من شأنه المضي قدمًا بالشّعب السّوري نحو دولة ‏المواطنة، قبل أن ينفتح الحراك على جحيم طائفي أوقده نظام غولي وتوحّش إسلاموي، منبتّين ‏عن الحياة ويتغذيان معًا على أسوأ ما أنتجه الماضي من أحقاد». وهنا أكّد أنّ النظام قد استغل ‏بعض الشّعارات ذات الصّبغة الدّينية الشّعبية، في المرحلة السّلمية للثّورة، لـ «يخرجها عن ‏سياقها، ويسرع بدفعها إلى خانة الإرهاب والطّائفية، حتّى يسوّغ لنفسه باستعمال السّلاح ضدّها‏‏»(33)‏. ‏
وبعد عسكرة الثّورة، أشار «تيزيني» إلى خصائص الحراك الثّوري ومعوّقاته «غياب الكتلة ‏التّاريخية والحامل الاجتماعي وعنف النّظام وتحالفه مع الخارج وضبابيّة مطلب القطيعة مع ‏الماضي». إضافة إلى «عدم وجود إجماع دولي على طبيعة التّغيير في سوريّة، وعدم أخذ ‏العامل الإسرائيلي في الحسبان، ورخاوة تحالف أصدقاء سوريّة، وتناقض أجنداتهم، وصراعات ‏الفصائل المسلّحة وارتباطاتهم الخارجيّة، والمراهقة السّياسية لعقليّة بورجوازيّة صغيرة وفلاحيّة ‏أسلمت الثّورة الوطنيّة، مقابل صلابة حلفاء الأسد الذين لولاهم لكان النّظام في خبر كان»(34)‏.‏
وفي تطور دراماتيكي، مناقض لمشروعه الفكري القائم على رفض الهيمنة الغربيّة ‏والأجنبيّة، دعا «تيزيني» إلى «تدخل أجنبي إنساني فوري لإنقاذ الشّعب السّوري من المذبحة، التي ‏يتعرّض لها على يد نظام بشّار الأسد. المساعدات الإنسانيّة أصبحت ضرورة قصوى لإنقاذ ‏الشّعب السّوري، فهناك غياب شبه كامل للمواد الأساسيّة التي يحتاجها المواطن. والتّدخل ‏الأجنبي أصبح ملحًّا. فسورية وقّعت على عدد من الاتفاقيات الخاصّة بحقوق الإنسان ‏والمساعدات الدّولية، ومن ثمّ فهي دعوة في المقام الأول لوقف العنف وتخفيف الوطأة على ‏الشّعب، ويمكن بعد ذلك التّأسيس على عمليّة بناء جديدة لا تقوم على الثّأر وإنّما على العدالة». ‏
وعندما بدأ الحديث يتواتر عن احتمال تفكك سورية، قال تيزيني «لقد أصبح البلد ‏مستباحًا، إنّه شيء مأساوي، البلد مستباح تمامًا من عصابات النّظام في سورية ومن القوى ‏الرّسمية، فالآخرون صاروا يشاركون بعد أن فقدوا القدرة على الوقوف في وجه الرّصاص»(35)‏.‏
وقبيل وفاته سُئل عن توصيف ما يجري في سورية، فأجاب « سورية الآن ساحة مبتذلة ‏للعالم، الكلّ يسعى لتحصيل موقع له فيها، وهي تعيش اليوم تمزّقًا هائلًا. بعضهم يريد أن يبقى ‏خمسين سنة، وآخر 25 سنة، وثالث يريد أن يبقى دائمًا، فالخلاف صار حول فترات البقاء ‏والتملّك في سورية، وهذا ينذر بأنّ سورية قد تمزّقت، لكنّ هذا لن يحدث. سورية في لحظة ‏واحدة يمكن اكتشافها متآخية حتّى الثّمالة، بحيث لا يستطيع هؤلاء الأغراب أن يأخذوا ما ‏يأخذون»(36)‏.‏
وممّا يُؤخذ على «تيزيني»، عند الحديث عن احتمال تقسيم سورية «أنّه ينزع عن الكورد ‏شعورهم الوطني، بتضادّ مع المجموعات الأخرى التي ترفض التّقسيم، نظرًا لمخزونها الوطني‏‏». وهنا يكشف هوشنك أوسي الافتراضات المسبقة التي « تشوب خطاب المفكر هنا، وارتهانه ‏لرؤية ميتافيزيقيّة تنأى عن الواقع وتقترب من الخطاب السّائد، الذي لم تنفك أدبيّات حزب ‏البعث عن تكراره.. وهذا الرّأي يقف بالضدّ من معطيّات التّاريخ الحديث لسورية، منذ تشكّل ‏الكيان السوري» (37) ‏.‏
ومن جهة أخرى، أكد أنّ سورية تحترق «في الماضي كان هناك صراع طائفي كامن، ‏لكنّ اليوم هناك من يتم جلبه إلى سورية، في مقابل إخراج السوريين من بلادهم بالملايين ‏وتوزيعهم على العالم»(38) ‏.‏
وعندما طرح النّظام دستوره الجديد في العام 2012، قال تيزيني « نحن فوجئنا أمامنا ‏بنسخة من دستور جديد، قد تكون فيه جوانب إيجابيّة جيّدة ومرحّب بها، لكنّه لم يأتِ في ‏السّياق المطلوب. كما أنّ هذا الدستور فيه جوانب ضعيفة مرفوضة، كأن يظل الرّئيس يحكم ‏لمدّتين هما 14 سنة، وكذا كان لابدَّ من البدء بانتخابات وطنيّة، كي نؤسّس لمؤتمر وطني ‏يضع الدّستور، لكنّ السّلطة وضعت الدّستور وطالبت السّوريين بإبداء الرّأي فيه، لقد وضعوا ‏الدّستور والقتال والقتل والقصف دائر في شوارع حمص وغيرها، ولذا فإنّ هذا الدّستور لا يعني ‏شيئًا، وهو حبر على ورق»(39) ‏.‏
وفي العام 2016، عندما انعقدت المفاوضات بين ممثّلي النّظام والمعارضة تحت سقف ‏الأمم المتحدة، ذكّر «تيزيني» بـ «مبادئ ميثاق شرف بين السّوريين»، الذي كان قد قدّمه في العام ‏‏2015، فقال « لقد أصبح من العار أن تستمر لعبة الموت في سورية». وتذكيرًا بهذه المبادئ، ‏طرح مجموعة نقاط تضبط العمل السّياسي، تتمثّل في « 1 – لا لتقسيم سورية أرضًا وشعبًا، 2 ‏‏– لا للطّائفية كحل سياسي أو مسلك اجتماعي وفكري، 3 – لا للثّأرية في مواجهة الفعل ‏السّوري، وخصوصًا بصيغة الانتقام، بل نعم لسيادة الآلة الاجتماعيّة والمساواة الإنسانية. 4 – ‏لا للإرهاب والتطرّف، بل نعم لتعدديّة ديمقراطيّة مفتوحة». كما تحدث عن حلقتين أخريين ‏لتأسيس عملية إعادة بناء سورية «إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين والمخطوفين في ‏سجون سورية، مع الدخول في عملية تفكيك الدولة الأمنية. ومن ثمَّ استعادة المهاجرين من كل ‏الدول والأطراف في الداخل والخارج، وكذلك إدخال الإغاثة غير المشروطة لكل النقاط المنكوبة ‏‏». وصولًا إلى مؤتمر وطني شامل «يواجه مسائل بناء النظام السياسي، والدستور، والمرجعيات ‏الثلاث: القضائية، والتشريعية، والتنفيذية، مع العمل على انتخابات برلمانية ورئاسية» (40)‏.‏
وهكذا، بقي تيزيني يطرق الأبواب لعلها تفتح على إصلاح حقيقي في سورية، وكان ‏تبريره لهذا الطّرق « ليست هناك بنية مغلقة على الإطلاق، فهذا غير موجود في سورية. لذلك، ‏كنت أفكر دائمًا أنني قادر على اكتشاف ثغرة في هذه البنية. لذا، كان مهمًا بالنسبة إليَّ أن ‏أستطيع فعل شيء، ولو كلمة»!! (41) ‏ ‏. وكان رهانه على الدّاخل السّوري « ننطلق من أولوية ‏الإصلاح الوطني الدّيمقراطي، وليس ممّا يقوله رموز في النّظام وفي المعارضة، أي من الخارج ‏الذي، كما يقولون، هو الذي يمتلك الأولويّة حيال مشكلاتنا الرّاهنة». وفي أكثر من محاضرة أو ‏مقالة أو مقابلة صحفية كان فقيدنا يؤكد على المشروع الوطني الديمقراطي للإصلاح والتغيير، ‏وكان يؤكّد أنّ «الملف السّياسي يمثل بداية الموقف، انطلاقًا من أنّ هذا الملف هو الذي ‏يؤسس للملفات الأخرى، حيث يقوم بإعادة الاعتبار للمجتمع السياسي وللأحزاب السياسية، ‏وبالتّالي للتّفكير العقلي الحاسم، وغير المراوغ، في استصدار قانون عصري ديمقراطي للأحزاب. ‏وقد تلكأ النّظام السّوري طويلًا في هذا الأمر»(42) .‏
خاتمة
مع انطلاق ربيع الثّورات العربيّة في العام 2011، بدا فقيدنا الطّيب تيزيني متفائلًا بأنّ ‏‏«الحطام العربي»  مفتوح على احتمالات عديدة، بما فيها إمكانيّة فتح الأفق على الإصلاح ‏والتّغيير. بعد أن تحدّث كثيرًا عن « تماهي» الدّولة والنّظام في أغلب الدّول العربيّة، خاصّة في ‏سورية، حيث تغوّلت السّلطة على الأرض والشّعب والمؤسّسات، وظهر ذلك جليًّا في خيارها ‏الأمني، منذ بداية الحراك الشّعبي السوري، ممّا رسّخ هذا التّماهي في ذهنيّة الموالين للنّظام، ‏وأيضًا لدى العديد من المعارضين.‏
ولأنّ الأخطاء، التي تُرتكب، في نطاق نظام ديمقراطي، يمكن تصويبها والتقليل من ‏مضّارها بالديمقراطية نفسها، فإنّ فقيدنا أدرك ثقل المسألة السّورية ومخاطر استمرارها، وضرورة ‏التّأسيس لعقد اجتماعي جديد بين كلّ السوريين، تتحدّد مهمته المركزيّة في إعادة بناء المجتمع ‏السّوري وفق معايير وآليات النّظام الدّيمقراطي
الهوامش
(21) حوار داليا عاصم مع الطيّب تيزيني، المرجع السابق.‏
(22)  حوار عبير يونس مع الطيّب تيزيني، صحيفة « البيان «، دبي 10 نيسان/أبريل 2011.‏
(23)  ميشيل كيلو، الطـيّـب تـيـزيـنـي أو فـيـلسـوف الـعـصـر!، صحيفة « النهار «، بيروت ‏‏22 آب/أغسطس 2003.‏
(24)  حوار مفيد نجم مع الطيّب تيزيني، الملف السياسي لصحيفة « البيان «، دبي 25 ‏تموز/يوليو 2003. ‏
(25)  حوار أبيّ حسن مع المفكر السوري الطيّب تيزيني، حاوره في القاهرة، صحيفة « المستقبل «، ‏بيروت 4 كانون الأول/ديسمبر 2005.‏
(26) حسام الدين درويش، من هو الطيب تيزيني؟ ملاحظات منهجية وإجابة أولية، الموقع ‏الإلكتروني لصحيفة « المدن «، بيروت 27 أيار/مايو 2019.‏
(27) فايز سارة، الطيب تيزيني في الكلام الهادئ، صحيفة « الشرق الأوسط «، لندن 22 ‏حزيران/يونيو 2019.‏
(28) عمار ديوب، الفيلسوف الذي أبكته الدولة الأمنية، صحيفة « العربي الجديد «، لندن ‏‏21 أيار/مايو 2019. ‏
(29) موقع فضائية «المنار» يلتقي المعارض السوري الطيّب تيزيني، صحيفة « الشرق ‏الأوسط «، لندن 2 تموز/يوليو 2012.‏
(30) حوار خليل صويلح مع الطيّب تيزيني، المرجع السابق.‏
(31) حوار راشد عيسى مع الطيّب تيزيني، المرجع السابق. ‏
(32)  موقع فضائية « المنار « يلتقي المعارض السوري الطيّب تيزيني، المرجع السابق.‏
(33) د. خالد حسين، ماذا في وسع الفيلسوف في لحظة الدم (عن حوار الحيرة ‏والاحتمال الذي أجرته مجلة « الجديد « اللندنية)، عن الموقع الإلكتروني « مدارات كرد «، 7 ‏كانون الأول/ديسمبر 2015. ‏
(34) حوار زهير توفيق مع الطيّب تيزيني، مجلة « الجديد «، عمّان 1 آب/أغسطس 2015.‏
(35) حوار حسن عبدالله مع الطيّب تيزيني، صحيفة « الوطن «، الكويت 24 ‏شباط/فبراير 2012.‏
(36) حوار سناء إبراهيم مع الطيّب تيزيني، صحيفة « الأخبار «، بيروت 6 ‏أيلول/سبتمبر 2017. ‏
(37)  د. خالد حسين، ماذا في وسع الفيلسوف في لحظة الدم...، المرجع السابق.‏
(38) صلاح الدين الجورشي: كلّ ما كتبته في محل إعادة نظر – صحيفة « العربي ‏الجديد «، لندن 2 شباط/فبراير 2017.‏
(39) حوار حسن عبدالله مع الطيّب تيزيني، المرجع السابق.‏
(40) د. الطيّب تيزيني، ميثاق شرف بين السوريين، صحيفة « الاتحاد «، أبو ظبي 21 ‏آذار/مارس 2016. ‏
(41) حوار سناء إبراهيم مع الطيّب تيزيني، المرجع السابق.‏
(42) حوار أبيّ حسن مع الطيّب تيزيني، المرجع السابق. ‏