في العمق

بقلم
فوزي أحمد عبد السلام
نظرات في أحاديثنا مع أولادنا الشباب في البيوت
 بين نمو الجسم واضمحلال التفكير
حين يكبر فيك كل شيء: الجسم والعمر والوظيفة والمكانة الاجتماعيّة، ولا يكبر فيك الإنسان، فقد خسرت كلّ شيء. وعندما ‏يكون جلّ حديث الأب مع ابنه بالعموميّات مثل أن يقول الأب لابنه: هل تعلم أنّ الجزء أصغر من الكلّ، يكون الحديث بلا فائدة ‏تذكر، وربّما يسقط عقل الأب من نظر ابنه، فالعموميّات هي رزق الله للعقل عند نموّه في محيطه الإنساني دون مجهود يذكر ‏تقريبا، فالإنسان الذي تربّى وسط الغابة بين الحيوانات فقط، لا أظن أنّه أدرك كلّ العموميّات الإنسانيّة ‏‏(راجع قصة حي بن يقظان)(1)‎‏. فمن خلال وجوده في المحيط الإنساني، يدرك الإنسان العموميّات بأقل جهد كأنّه تجلٍّ ‏لمبدأ «أقلّ جهد، أقل فعل» في الطّبيعة  الذي صاغه الفيزيائي والرياضي الفرنسي «لاجرانج»The least action principle) ‎‏)، فإدراك العموميات يحتاج إلى جهد أقل من الجهد الذي نبذله مثلا في عمليّة التّنفس أثناء النوم. 
عند تحدّث الأب مع ابنه بهذه العموميّات فكأنّه ‏يريه ما يراه بمجرد النّظر مبثوثا حوله في كلّ مكان دون جهد منه، وربّما دون الحاجة إلى جهاز للرؤية أصلا، ويسمعه ما ‏تسمعه أذناه تلقائيّا من كلّ شيء حوله يهتف به. لابدّ أن ينفق الأب من وقته وجهده لتحصيل شيء لا يحصل بمجرد النّظر ليحدّث ‏ابنه فيه، خصوصا إذا كان الأب ممّن يستطيع ذلك، فنحن لا نعيش في مجتمع بدائي، فقد تطورت المجتمعات بشكل جذري، وكشف ‏الإنسان اللّثام عن كثير من الأسرار التي أودعها الله في الطّبيعة وفي الإنسان، وحصل من العلوم التي كانت بمثابة الأساطير ‏في العهود السّابقة، ومع ذلك فما ‏أوتينا من العلم إلاّ قليلا. وينبغي علينا نحن المسلمين ألاّ نقسّم العلوم إلى علوم شرعيّة وأخرى غير شرعيّة، فهذه قسمة نكدة ضيّعت ‏علينا قرونا من عقول الشّباب الأذكياء النّابهين، فكلّ العلوم - وإن كانت ممّا يسمونها علوما غير شرعيّة - نستطيع أن نحصل بها ‏رضاء الله عزّ وجلّ، كما أنّ كلّ العلوم - وإن كانت ممّا يسمّونها علوما شرعيّةً - تستطيع أن تجلب لصاحبها غضبه عزّ وجلّ، كمن حفظ القرآن رياء ليقال عنه أنّه من حفظة القرآن أوأنّه عالم من علماء المسلمين. 
لابدّ من مساهمة فعالة في فهم وإنتاج المعرفة الحديثة وتدوير ذلك في البيت، وخصوصا مع الشّباب. لابدّ أن نحدّث أبناءنا عن حركات رفض الظّلم والاستعباد في العالم، والطّرق الجديدة التي أبدعها العقل الإنساني في مقاومة الظّالم، ‏ذاك ميراث المصلحين من البشر في رفض الظّلم والبغي، ولابدّ أن نحدثهم عن الرّأسمالية المتوحّشة وعن كفاح الحركات العمّالية لانتزاع حقوق العمال من الرّأسماليين الجشعين، ونحدّثهم أيضا ‏عمّا يبدو نقيض ذلك وهو ليس بنقيض، عن كيفية مراكمة رؤوس الأموال - دون اقتراض من البنك الدولي مثلا أو من بيوت ‏مال الرّأسمالية العالميّة المتوحّشة- اللاّزمة للصّناعات العملاقة، عن المجتمعات الصّناعية وارتباطها الوثيق بعلم اجتماع العمران، ‏وهل الحركات العمّالية حقّا مصهرة للأيدلوجيّات أم لا. لابدّ أن نحدث أبناءنا عن التقدّم الرّهيب، الذي يغزو كلّ شيء فينا وحولنا، ‏وينبغي ألاّ يكون حديث سرد للمسمّيات وانبهارا فقط لأنّ الاقتصار على ذلك يعقبه الانهيار، بل ينبغي أن يكون حديثا دقيقا ينفذ إلى قلب ‏الفكرة وطرق تنفيذها على أرض الواقع، وأن البحث العلمي ليس ترفا بل هو أصيل في طريق النجاة. لابدّ أن نحدثهم عن ‏الرّمزية في الأدب وكيف يُقاوم بها الطّغيان. فهل نحن بصدد فعل ذلك؟ لا أعتقد، لهذا يسلك أبناؤنا طرقا بعيدة عنّا فقد ملّوا تكرار الكلام، وفي المقابل ترانا نستغرب فرارهم منّا ونقوم بدور الشّرطة للبحث عنهم كفارّين.‏
شرطة منزلية تبحث عن فلذات أكبادها
بعد هروب الأبناء إلى عالم المجهول، والمجهول دائما يكون جديدا ومحبوبا وشيقا، لأنّهم –أي الشّباب- ملّوا من تكرار ‏الآباء لأنفسهم، حينئذ يمثّل الآباء دور الشّرطة للقبض على هؤلاء المارقين. ولو تصوّرت أنّي واحد من هؤلاء ‏المارقين لكتبت: كيف أنتظر من نفسي إذا علمت أن هناك أربع كاميرات «عيون أبي وأمي» تراقب كلّ حركة أقوم بها، ‏تلاحقني حتّى في أحلامي، وربّما تمّ تدجين كاميرات أخرى من عيون إخوتي على تفاصيل حياتي بالتّرغيب والتّرهيب، ولو جلس ‏أبي وأمي أمامي في البيت طوال الوقت، أو على الأقل، لو علمت وجودهما في البيت وقت مذاكرة دروسي دائما، ما فتحت كتابا، ‏وما تعلّمت الصّدق، بل ربّما كنت أقرب إلى الكذب منّي إلى الصّدق، لكن وفي المقابل إذا غاب الأب والأم من حياة أبنائهما تماما ‏تحت وطأة الأمور المعيشية الحياتية لكان الفساد أشدّ، فوجب مراعاة الحضور والغياب في حياة الأولاد، مثل حضور الشّمس ‏وغيابها في حياة الكائنات الحيّة. لكني وللإنصاف كـ«شابّ» يجب أن أتأمل في حياة أبي وأمي ولابدّ أن أعلم يقينا أنّه لا ‏يوجد في الدنيا كلّها - وربّما منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها وإلى أن تزول - من يفرح بفرح أحد أكثر من الوالدين، حتّى ولو ‏كان الفرح بطريقة خاطئة. ولو خطر ببالي عشر معشار ذلك لوجب عليّ مراجعة أحد الأطبّاء النّفسانيين. فلا يمكن لولد ‏أن يكافأ والديه إلاّ أن يجدهما مملوكين فيعتقهما لحديث النّبي صلّى الله عليه وسلّم «لا يَجزي ولدٌ والدًا، إلاّ أن يجده مملوكًا فيشتريه ‏فيعتقه»(2) ‎، لذلك يرجو كلّ الآباء والأمّهات رؤية أبنائهم سعداء، لكن كيفيّة الحصول على هذه السّعادة يتغيّر بتغيّر مفهوم السّعادة ‏لدى كلّ منّا. فمنهم من يرى السّعادة فقط في تحقيق الرّغبات المادّية لأولاده وهو يتعامل بذلك معهم كما يتعامل مع الجماد ‏أو مع الآلة، ومنهم من يتصوّر أنّ السّعادة تتحقّق عند تلبية رغبات الرّوح، وهذا مثل من حلق في الخيال فقط ويؤلمه جدّا حكاية الواقع، ‏ومنهم من جمع بين الرّغبات المادّية والروحيّة فخلط هذه بتلك وراعي بذلك إنسانيّة الأبناء. 
فحين يربط الأب مثلا مستقبل ابنه بالتّحصيل ‏الدّراسي فقط، تكون الكارثة. وحين يهتم الأب بتثبيت المرجعيّة عند أبنائه من خلال خياراته الأيدولوجيّة يكون الأمر أشدّ كارثيّة، ‏فالخيارات الأيدولوجيّة لا تتكوّن إلاّ بعد اكتمال آلة التّفكير المنطقي أي بعد بلوغ  العقل درجة الحرّية في خياراته. أمّا فرض ‏الخيارات الأيدولوجيّة فهذه مهنة البوليس كما يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش. وحين يظنّ الوالدان أنّهما قادران على فعل كلّ ‏شيء تجاه أبنائهما تكون الكارثة أشدّ فداحة، فالأبناء ليسوا ذرّات جامدة والوالدان ليسا مجالات مغناطيسيّة تجبر الأولاد على السير في ‏الطّريق الذي يحدّده القانون الذي أودعه الله في المغناطيسيّة. فلو تصوّر المغناطيس أنّه يستطيع أن يسيّر كلّ الجسيمات في فلكه، ‏لاصطدم بمعارضة الجسيمات المتعادلة كهربيّا. وإن كان القانون الطّبيعي وضع ليتبع، فإنّ القانون البشري «حتّى المستمدّ من ‏الدّين» لم يوضع ليطبق حرفيّا وإنّما وضع ليراعي كروح حيّة نتسامح به في عدم اكتمال معرفتنا في المختلف فيه حتّى نضمن عدم استنساخ ظلم الظّالمين (حديثا استبداد الدّولة) داخل بيوتنا.‏
خيارات مستقبل الأولاد في ظل الاستبداد ‏
حين تكون النّظم الحاكمة في الدّولة مستبدّة وفاسدة، تصعب جدّا مهمّة تربية الأولاد، ويختار الآباء الذين يريدون أن ‏ينأوا بأولادهم عن الفساد والمفسدين، والاستبداد والمستبدين، الاستثمار في تعليم أولادهم المهن التي تضمن لهم قدرا معيّنا من القيمة الاجتماعيّة والاستقرار المالي، وهذا يحطّم المهارات ويقتل الإبداع ويدفن الملكات، ويجعل المجتمع يدور في فلك ‏من الاختيارات التّقليدية التي كانت براقة في زمن سابق، حتّى تختفي الفروق الجوهريّة بين المهندس والمقاول، أو بين المهندس ‏والحرفي، أو بين الطّبيب والحلاق، أو بين الكيميائي والعطار. 
بعض ذلك يحدث فعلا، لآنّ الدّولة المستبدّة الفاسدة قد رفعت يدها ‏عن مثل هذه الملفّات الهامّة (الضمان الاجتماعي، تقدير ساعة العمل، التأمين الصحي، التعليم الجيد، رعاية المسنين والمعاشات) ‏فيلجأ الآباء لمثل هذه الخيارات التي غالبا ما تعبّرعن حالة الخوف والقلق من المستقبل غير المضمون. وربّما يرى ‏الأبناء أنّ هذه المهن وإن كانت الآن معقولة القدر، قد تفقد قدرها نتيجة لجوّ الاستبداد، ‏وأنّ هناك مهنا تحقّق ضمانا أسرع وأحسن واستمرارا أكبر من تلك التي يريد أن يفرضها الآباء. فيرى الولد مثلا أنّ الالتحاق بركب من ‏يمتلكون السّلطة أكثر ضمانا وأسرع تحقيقا لحاجاته وضروراته المستقبليّة، ذلك أنّه سيكون على الأقل في مأمن من لدغاتهم بالدّخول معهم في ‏جحورهم، وسيكون دخوله ذاك «دخولا مع الفئات الآمنة إلى يوم الدين»، على حدّ قول خالد صالح في بداية فيلم «فبراير الأسود»(3)‏. ‏
غياب القوانين الفعالة
لا يعاقب الإنسان نفسه غالبا إذا أجرم في حقّ غيره، خصوصا إذا كان غيره هذا ممّن لا يستطيع أن يأخذ حقّه منه. من ‏ذلك مثلا إذا غاب تفعيل القوانين في حقب الفساد والاستبداد، فلا  قانون يردعك إذا أسأت تربية أولادك صغارا، ولا قانون يردع ‏الأولاد إذا عقوا والديهم كبارا، ويصير الوالدان قضاة وجلادين في آن واحد. ويصير الأولاد «فئران تجارب» لدى الآباء والأمهات ينفّذون عليهم تجاربهم وما عليهم إلاّ السمع والطّاعة، لهذا لا تجد من الوالدين إلاّ التبرم والغيظ الشّديد عند تكرار أبنائهم لكلمات الاستفسار عن الأشياء والأفعال «لماذا، كيف، غير مقتنع، اقنعني .... إلى ‏آخره» ظنّا بأنّ واجب الولد الاقتناع بخيارات والديه، وخاصّة الأب الذي لا يشكّ في أنه مقنع في كلّ الأحوال وأنّه أكثر إدراكا من ولده، ربّما لأنّه يشعر نتيجة الفارق العمري بينه وبين ولده أنّ إبنه مازال طفلا ولم ينضج بعد حتّى وإن تقدّم كثيرا في السنّ.
جزء من الحلّ: تفعيل القوي العاطلة في الشّباب
إنّ أول خطوات بناء الذّات هي الاعتماد على النّفس لهذا لا أدري لماذا لا ندفع بأولادنا الذين صاروا شبابا في طريق بناء أنفسهم، فيتعوّدون على الاستقلال مادّيا ولو جزئيّا، بالاعتماد على النفس في التكسّب من عمل نافع وجاد، ومن ثمّ الإنفاق على حاجياته وضروراته. وليس بالضّرورة أن نتركهم بلا سند، بل نقف على مسافة لنراقب آداءهم، ونقدّم الدّعم في لحظات الضّعف، ونناقش في حالة الحيرة والاضطراب. أمّا أن يبقى الولد مرتبطا مادّيا بوالديه،فذلك يمثل ‏عبئا مادّيا ومعنوّيا ثقيلا على الأسرة. 
كما أنّ التأهيل لأسواق ‏العمل الحديثة يتطلّب توفّر مهارات كثيرة، تزداد يوما بعد يوم، وتحتاج إلى وقت وجهد ومال، لهذا فإنّ المطلوب هو ابتكار طريقة يُختصر بها الزّمن في التّعلّم، ليتخرّج الشّاب بين الثّامنة عشرة والعشرين وقد حصل القدر الكافي من العلوم والمهارات التي ‏تكفيه لأن يكون رياضيّا أو فيزيائيّا أو طبيبا أو مهندسا إلخ...،  فيكون صاحب الابتكار قد قدّم ‏خوارزميّة جبارة لتفعيل القوى العاطلة في الشّباب.
وفي انتظار تلك المقاربة، لابدّ أن نعلم أنّ الشّاب بعد البلوغ يمثل ‏مشروع إنسان بدأت تتجلّى فيه أرقى مظاهر الإنسانيّة: العقل، التفكير، الحيرة، الألم غير المادي، العاطفة، فينبغي أن يكون للشّاب حصنا ذاتيّا يعصمه من الاستجابة الفورية للتّغيرات دون نقد وتمييز، وإلاّ صار ريشة في مهب الرّيح، تحركه التّيارات ذات ‏اليمين وذات الشّمال دون معرفة لماذا تحرّك هنا أوهناك، وفي تلك الفترة من العمر يسعى الشّاب إلى الاستقلال باختياراته الفكريّة التي قد تكون بعيدة نوعا ما عمّا يراه الوالدان صوابا، لذلك تراهما يتدخّلان في أدقّ التفاصيل في الوقت الذي ‏ينبغي أن يخرجا منها، أي خروجا جزئيا من حياة الولد. 
 ينبغي على الوالدين إدراك أنّ كلّ المنظومات الفكريّة بما تمتلك من قراءات ‏تأويليّة وتطويرها لطرق لحلّ المشكلات لها مساحات وأزمنة من الفاعليّة، ومساحات وأزمنة أخرى من الفشل، ولا شكّ أن تلك المساحات تختلف من زمن لآخر، فربّما تصبح القراءة التي كانت ذات بريق في زمن سابق عائقا في طريق حلّ المشكلات، لذا وجب احترام طرق تفكير الشّباب فربّما تكون أفضل وأكثر فاعليّة في هذا الزّمن. 
المراجع
(1) قصة حي بن يقظان، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، رقم إيداع15279/2012، جمهورية مصر العربية. متاحة مجانا ‏علي الرابط :   ‏https://www.hindawi.org/books/90463596/‎
(2) حديث شريف من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه مسلم، كتاب العتق، باب فضل عتق الوالد، (2/1148)، برقم: ‏‏(1510).‏
(3)  فيلم «فبراير الأسود»، صدر في ‏‎6 ‎‏ مارس ‏‎ 2013‎، تأليف وإخراج محمد أمين، بطولة خالد صالح، توزيع وإنتاج الشركة ‏العربية للإنتاج والتوزيع السينمائي.‏