في العمق

بقلم
فوزي أحمد عبد السلام
الحياة رغم أنف المشنقة والمحرقة
 من يوليوس فوتشك إلي هاشم الرفاعي
إنّ من أعظم النّعم التي أنّعم الله بها علينا هي أن أخفى عنّا وعن أحبابنا ميعاد خروجنا من هذه الحياة، ومن ثمّ فلست ‏أدري بأيّ قلب تعيش أمّ وهي تعلم أنّ ابنها «الذي ودّع الطفولة من قريب واستقبل زهرة الشّباب» سيفارق الحياة في لحظة قريبة ‏جدّا بل ومعلوم ميعادها لها. يذكّرني ذلك في أدبنا العربي بقصيدة هاشم الرّفاعي الرّائعة التي كتبها من زنزانته إلي أبيه: ‏
أبتاه ماذا قد يخطُّ بناني       والحبلُ والجلادُ ينتظراني
في واحدة من أروع القصائد التي تصوّر الإنحطاط والغدر الإنساني الذي يسجن الحياة بل يسحقها في الدّرك الأسفل من ‏الحضارة الإنسانيّة «المسمّى بالمعتقلات السّياسية»، التي تحاول دوما أن تُسكت كلّ صوت حرّ، ويذكّرني بما كتبه أيضا «يوليوس ‏فوتشك» الشّاعر التّشيكي المجري الشّيوعي المناهض للهتلرية في محبسه بسجن «بانكراك» النازي بانتظار تنفيذ الحكم عليه بالإعدام ‏من قبل النّازيين أبياتا في غاية الرّوعة، يقول «فوتشيك»: تعودّت طوال حياتي أن أغنّي للحياة، ولا أدري لماذا يجب عليّ أن أتوقّف ‏الآن، إنّ إحساسي بالحياة يزداد. 
وفي نفس اللّيلة أيضا كتب يقول: لقد عشت للفرح، وفي سبيل الفرح أموت، ولسوف تسيؤون إليّ ‏لو وضعتم ملاك الحزن عند قبري. كانت هذه الأوراق التي تحوي مثل هذه الكلمات قد سرّبت لزوجة «فوتشيك» لتقوم بتجمعيها ‏ونشرها في كتاب « تحت أعواد المشنقة»(1)، يخلد مأساته بكلّ تفاصيلها،‎ ‎ليس هناك عذر للذين أدركوا الفكرة وتخلّوا عنها بعد ‏ذلك، إنّ من يعرف أين هو الشّر لا يحقّ له أن يخطئ، ولا يجوز له أن يخون نفسه، لأنّه سوف يخون الآخرين، عندما يقرّر ‏المرء موقفه مع أو ضدّ، ومتى تقرّر ذلك، فعليه أن يقف وراء يقينه حتّى النّهاية. 
هذا هو السّيناريو الذي يجري دوما بين ‏الدّيكتاتورية أينما كانت والمنادين بالحرّية، وهذين مثالين من الشّرق ومن الغرب ومن ثقافتين مختلفتين، كأنّها جزء من حركة الصّراع ‏والتّدافع بين الحقّ والباطل من الرّواية الكونيّة.‏
بين موت الإنسانيّة وإحيائها
أي ذنب اقترفه عبدا لله حتّى أفقده إنسانيته، فيسمع بأذنيه ما يدفع الاتهام عن هؤلاء الفتية الصّغار(2)، خصوصا عندما يتمّ ‏انتزاع الاعتراف تحت سطوة التّعذيب الرّهيب، هذا الاعتراف الباطل يأمل من خلاله هذا الشّاب المعذّب أن يجد نفسا يتنفّسه دون ‏تعذيب حتّى لو أفضى به هذا الاعتراف إلى الموت على أعواد المشانق، لكنّه ربّما حدّث نفسه أنّه موت دون موت، ربّما حدّث نفسه ‏أنّ الموت شنقا ينتهي في لحظات وهو أهون آلاف المرّات من الموت كلّ يوم تحت آلام التّعذيب، إنّه موت يريح من قسوة التّعذيب ‏الذي لا يتحمّله بشر. 
يسمع بأذنيه ما يوجب دفع الاتهام حتّى ولو بالشّبهات، ذلك لأنّ الأصل هو البراءة فلا يثبت إدّعاء بالشّبهة، ‏وقد استقر في الضّمير الإنساني أنّ الحدود تدرأ بالشّبهات، خصوصا حدّ القتل الذي يسلب الإنسان روحه، ماذا يحدث إذا تبيّن أن ‏الحكم عليهم كان خطأ وقد سلبت حياتهم، كيف يرجعونها إليهم، لذلك كان الخطأ في العفو أفضل بكثير من الخطأ في العقوبة. ففي ‏الحديث «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ ‏يُخْطِئَ في العقوبة»(3) وليس ذلك دعوة لإسقاط العقوبات، لكن زيادة في التّحري والتّدقيق إبراء للذّمة خصوصا في عقوبة كهذه‏‏ «الإعدام».
لقد قضى أحد الأمريكان 39 سنة في السّجون الأمريكيّة بتهمة قتل صديقته وطفلها الصّغير وظلّ طوال مدّة سجنه ينادي ببراءته، ولم تكن تحليلات الحامض النّووي منذ أربعين سنة على نفس الدّرجة من الدّقة التي ‏هي عليها الآن وظلّت المحكمة محتفظة بأحراز القضيّة طوال الأربعة عقود وعندما تقدّمت هذه البحوث في أيامنا هذه أعيد فحص ‏هذه الأحراز بالتّكنولوجيا الجديدة وكان محكوما عليه بالسّجن مدى الحياة، فإذا ببراءته تثبت للجميع بعد 39 عاما قضّاها بالسّجن ‏وتمّ تعويضه بواحد وعشرين مليون دولارا أمريكيّا. أنظر إلى الصّبر الطّويل من هؤلاء القضاة لسبر أغوار الحقيقة. بينما هؤلاء ‏الشّباب الذين حين احتجزتهم أجهزة الأمن كان بعضهم لايزال قريب عهد بالطّفولة وبعضهم في مقتبل العمر، تسمع الدّنيا آهات ‏التّعذيب الذي لا يتحمّلها بشر، فتتحرّك مشاعر الإنسانيّة فيهم، ولم تتحرّك لذلك الكائن الجالس على المنصة شعرة ويقول بأنّ تحت يده ‏اعترافا بارتكاب الجريمة!. أيّ نفس يحمل بين جنبيه ذلك الكائن الذي يشبه الإنسان وليس بداخله أيّ ذرّة من إنسانيّة. ماذا فعلت به ‏الديكتاتوريّة والفساد والاستبداد كي تجرّده من كلّ معاني الطّهر بل وتحرمه فرص التّطهّر. 
يذكّرني ذلك بحادثة على الضّد من ‏ذلك تماما «بين موت الإنسانيّة في حالة وإحيائها في أخرى» أي نفس عالية سامقة كانت تحتويها المرأة الغامديّة حين أعلنت على ‏الملأ أنّها قد زنت وأنّها قد أتت لتطهّر نفسها من دنس الخطيئة الإنسانيّة في مجتمع كان معروف للقاصي والدّاني بشاعة هذه ‏الخطيئة حتى أنّهم كانوا قبيل الإسلام يدفنون الأنثى حيّة، وفي مجتمعات مماثلة كانت من ترتكب مثل تلك البشاعات تدفن حيّة في ‏التّراب بل وفي الخفاء من قبل أهلها المقرّبين خوفا من الفضيحة، أيّ قربى بين الغامدية وبين الله يجعلها لا تخاف الموت بعد ‏الفضيحة لأهلها لا غير سوى الخلود في طهارة؟. 
أنا أعلم كيف يحصد الرّصاص الأرواح لكن لا مبرّر لمن وقع تحت سياط ‏الموت بأن يحافظ على دمه هو بهدر دم إنسان غيره، فليس دمه أزكى ولا أطهر من دم غيره. والأسوأ من هذا الكائن الذي قضى ‏بشنق هؤلاء، أولئك المثقّفون والمفتون الذين بدلا من تبيين الحقّ للنّاس، يلبسون الحقّ بالباطل لتظلّ الجماهير  تحت السّيطرة ‏كالحيوانات الأليفة. بين هذا المشهد وذاك ما بين طرفي النّقيض، إمرأة تحيي إنسانيتها بتسليم نفسها للموت تطبيقا لحدّ من حدود الله ‏وبين آخر يميت إنسانيته بالتّعلق بأيّ نوع - حتى ولو كان نجسا - من الحياة.‏
الحمل الثقافي الكاذب وفلسفة الخيانة
حين يتحدّث المسؤول: يقول لابدّ من الحفاظ على مقدرات البلد وهو يغوص من أخمص قدميه حتى هامته «إن كانت لديه ‏هامة» في سرقة مقدرات ذلك البلد، وحين يتغنّى الشاعر بالأمجاد السّرابية متراقصا على أشلاء ابن أبيه. وحين تجد المثقّف حاملا ‏من بطون الكتب حمل صدق يراد به تزوير الحقيقة بخطاب يبدو من خلاله أنّ المعاناة قد سلبته النّوم ليغوص في بطون التّجارب ‏والخبرات ليحللّ لنا واقعنا الأليم، وهكذا وكما تؤجر النّائحات «الندّابات» في المآتم «في تراثنا الشّعبي» يؤجّر المثقّفون الذين ‏توالدوا من عمليّة غير شرعيّة هي زواج السلطة الديكتاتورية من المثقف، يحملون منها حملا ثقافيا كاذبا يطوفون به علي سواد ‏الأمة لممارسة «الدجل» في طقس غسل البراءة عن وجوه الظّالمين، يحاولون جاهدين إبعاد النّاس عن الاقتراب من التّفكير ‏في الحقيقة على وجهها، يفلسفون الخيانة لأنفسهم لعلّهم يقتنعون بها أولا قبل بثّها ونشرها للفئة المستهدفة. وبدلا من ‏أن يستخدموا نعمة الله عليهم ليعبّدوا النّاس لله، أو بدلا من أن يعلّموا النّاس أنّ الحرية أفضل من الحياة، يعبّدونهم للمستبدين، «فأخوف ‏ما يخافه المستبدّون أن يعلم النّاس بأنّ الحرّية أفضل من الحياة»(4) ومن ثمّ يتولّون تأليه أرباب المال والسّلطة.
 هناك بلدان يتجنّب ‏النّاس فيها انتقاد سياسة الحاكم خوفا، لأنّه تمّ بالفعل إخافتهم – بالقوّة النّاعمة والخشنة على حدّ سواء – منذ زمن بعيد. فقد تمّت إخافتهم من ‏التّعرّض بالنّقد لسياسة الحاكم، فنبتت بالفعل في نفوسهم نبتة تأليه الحاكم، فنرى مثلا مصطلحات من زمن بعيد تملأ فراغ ‏العقول لدى الجماهير من أمثال «الخروج على الحاكم حرام»، وإطلاق فعل الطّاعة له، ولو أنصفوا عند ذكر الطّاعة في كلّ مرّة ‏لذكروا قيود تلك الطّاعة حتى لا يتسرّب في النّفوس أنّها طاعة مطلقة، لكنّك لا تسمع مثلا كلاما عن خروج الحاكم على الأمّة، كأنّ الخطأ ‏مكتوب على الأمّة غير مكتوب على الحاكم. 
إنّ مرض تنزيه أصحاب السّلطة عن الخطأ هو مرض إنسانيّ خطير ‏موجود حتّى في الحركات الجماهيريّة الكبيرة التي لا تستطيع التّفريق العمليّ بين مبدأ الطّاعة وحرّية النّقد البنّاء، فتراها تهدم ‏كل فكر معارض يخرج عن النّسق.
يسوق هؤلاء المثقفون الكاذبون ألف حجّة وحجّة لدفع التّهمة عن الظّلمة وتثبيتها في وجوه ‏المظلومين. كيف بهؤلاء إذا فارقوا الحياة غدا أو بعد غد والتقوا في دار الحقّ بالذين شنقوهم بالأمس، وعقدت المحكمة في ‏دار الحقّ والقاضي هذه المرّة هو الحكم العدل الحقّ والسّجن هو جهنم، والنّبي صلّى الله عليه وسلّم يقول في الحديث المرفوع  «إذا ‏عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها أو قال «أنكرها» كان كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن ‏شهدها»(5) والحديث المتّفق عليه «إِنَّ اللَّه لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»(6) فما بالنا بالذي نفّذها كاملة الأركان.‏
ثم تفاجئنا المحرقة
مصيبة أخرى تقتحم علينا حياتنا أيام قلائل بعد إعدام الفتية التسعة، يتفحّم فيها أجساد الفقراء في ‏هذا الوطن في محرقة مكثّفة جدّا (7)، ففي لحظات وجيزة سقط أكثر من عشرين مصريّا قتيلا بأبشع أنواع القتل «الموت حرقا»، والحقيقة أن السّواد ‏الأعظم من هذا الشّعب بل وربّما من الأمّة، يتفحّم جسده رويدا رويدا في محرقة الغلاء، ويتفحّم عقله في محرقة الغباء، واللّتان ‏تتكثّفان يوميّا من أرباب المال والإعلام، والحقّ أن أرباب المال هم أصحاب المنظومة الإعلاميّة أيضا وهم الذين يدجّنون النّخبة ‏المثقّفة ليكونوا كهنة «طقس غسل البراءة» في معبد الاستبداد والدّيكتاتورية. والغريب أنّ حصول مثل هذه الحوادث في كل عهود ‏الفساد والديكتاتوريّة تلقي مسؤوليتها الجنائيّة على أضعف حلقة وتلقي مسؤوليتها السّياسية على الوزير الذي يغادر مكانه ‏دون أدنى محاسبة في الغالب، وربّما يوضع في ثلاجة الحزب ليعود لوزارة أخرى في وقت لاحق، وتلقي مسؤوليتها الأدبيّة على طرف ‏آخر جعلته هي عدوّا لتزكّي نار الحرب عليه، في معرض ذلك يقول واحد من هؤلاء المثقّفين المدجّنين «الإخوان يحاولون ‏صرف الانتباه عن الإنجازات»، ولا تعليق على هذا الهراء، ولو أنصف من نفسه هذا المثقّف المدجّن لاستمع إلى قصة الفرعون ‏الذي قال للحكيم المصري «أنظر إلى النيل يجري بعدلي، وإلى الشّمس تشرق بحكمتي، ولولا رحمتي ما ملأ الخير جنبات الوادي» ‏فرد عليه الحكيم المصري في عبارة وجيزة جدّا ومعبرّة أشدّ التّعبير «إنك تتفوّه كذبا، فالشّعب يجوع» ولو حضر الحكيم المصري ‏بيننا لقال «إنّكم تتنفّسون كذبا وتشعّون دجلا». في حين كانت تحدث حوادث مشابهة في عهد المنتخب ديموقراطيّا يحمّلونها له ‏جنائيّا وسياسيّا وبالعامية المعبّرة كانوا يهتفون في وجهه «طالما مانتش أد الشّيلة ماتشلش» وترجمتها إلى ‏الفصحي «إذا لم ‏تكن على قدر تحمّل المسوولية فاتركها» وننسى أو نتناسى في الحالتين المناقشة الموضوعيّة لأسباب مثل هذه الكوارث، وكيفيّة ‏علاجها، لأنّك إن لمست الجرح فستكون منظومة الفساد المتجذّرة التي ترعاها الرأسماليّة العالمية المتوحّشة ووكلاؤها في المنطقة ‏هي المسؤول الأول وهي نفسها التي وأدت أوّل نفس حرّية خالص منذ زمن بعيد، وهي نفسها التي تحاول أن تجعل المنطقة بأكملها ‏في أقلّ حالات التّطوّر البشري المستقرّ، لأنّهم يشعرون أنّ وجودهم سيكون مهدّدا لو تحرّرت هذه المنطقة وامتلكت زمام أمورها. ‏
كانت هذه الحوادث كفيلة بأن توقظ الضّمير الإنساني في هؤلاء، لكن لا حياة لمن تنادي فقد حدثت رابعة العدويّة وغنّوا لها على دماء وأشلاء إخوانهم، وأعدم الفتية التّسعة شنقا واعدم من قبلهم وقُتل النّاس داخل بيوتهم وفي مهاجعهم، ولم تستيقظ ضمائرهم. فكيف السبيل إلى إيجاد حلّ نحيي به ضمائرنا ‏أوّلا؟ وكيف يمكن أن نعيش سويّا داخل وطن واحد، في ظل اتفاقاتنا أو اختلافاتنا؟ المهمّ ألاّ يطعن بعضنا بعضا غيلة، نتّفق أونختلف لكن ‏ينبغي علينا أن نعمل عملا نافعا يبقى لنا ولأولادنا من بعدنا. ‏
الهوامش
‏(‏‎1‎‏) يوليوس فوتشك، « تحت أعواد المشنقة» ترجمة،‎ ‎تحقيق‎ :‎فارس‎ ‎غصوب، دار‎ ‎الفارابي، 1975. ‏
‏(‏‎2‎‏) الحديث هنا عن الفتية المصريين الذين حكم عليهم بالإعدام شنقا بتهمة اغتيال النّائب العام المصري سنة 2015. وتمّ تنفيذ الحكم على 9 منهم بتاريخ الأربعاء 20 فبراير/شباط 2019.
‏(3) الحديث رواه الترمذي مرفوعا وموقوفا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا‎.‎
‏(4) عبد الرحمن الكواكبي، «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» بتصرّف .‏
‏(5)  الحديث رواه أبوداود عن العرس بن عميرة الكندي وله طرق وقد حسّنه الألباني رحمه الله.‏
‏(6)  حديث شريف متّفق عليه من حديث أَبي موسى الأشعري رضي الله عنه‎ ‎‏.‏
‏(7)  حادث القطار الذي وقع في محطة القطارات المركزية في القاهرة، وتسبب في مقتل وإصابة العشرات يوم  27\2\2019