في العمق

بقلم
فوزي أحمد عبد السلام
الربيع العربي أجنة ثورات مهددة
 تأمل فيما مضي
في ذكري بدايات إندلاع الثّورات العربيّة التي كانت فاتحتها من تونس أما خاتمتها فلم تظهر بوادرها بعد، مازلنا بعيدين جدّا عن التّقييم الإجمالي وإنّما تقييم لمشهد قصير من التّدافع بين القوى «الثّورية» ومنظومات الاستبداد التي جرفت الأوطان من كلّ شيء نافع وجميل. ولد الرّبيع العربي كأجنّة ثورات لم تكتمل، واحتواها مجهّضوها. لكنّه أحيانا يقدر لأنوية الثّورات أن ترى النّور دون ترتيب سابق لها ودون قيادة تحدّد بوصلتها لتصل بعض حجّة الله على خلقه ولتعلم الشّعوب المقهورة أنّ للشّعوب بأسًا من الممكن أن يزلزل عرش الطّواغيت. كسّر الرّبيع العربي جدران الخوف السّميكة التي تحاول مجدّدا أنظمة الاستبداد بناءها أغلظ من ذي قبل. بفضل الرّبيع العربي أصبح لدى الذّاكرة العربيّة نقطة قريبة جدّا يتذكّر بها العرب الحرّية. لم تنتصر الثّورات بعد، لكن منظومات الاستبداد التي تصدّت لها لم تنتصر أيضا، ففي مكان حوّلت المطالب السّلميّة الجزئيّة إلى حرب مسلّحة مفتوحة، دمّرت فيه جغرافيا الوطن وتاريخه وثرواته، وفي مكان آخر دمّرت النّسيج والسّلم الاجتماعي، ولعلّه يكون كالتّرياق الذي يعطي للجسد ليقاوم ما هو أشدّ منه مستقبلا، وفي مكان ثالث ولدت حالة من السّيولة وفراغ في السّلطة المركزيّة وباتت كلّ السّيناريوهات مفتوحة في مساحة جغرافيّة واسعة تهدّد بوضع جدران كثيفة بين غرب الوطن العربي وشرقه، وفي مكان آخر توافق فريق عريض من الثّوار مع من ثاروا عليهم بحجّة أنّه لا يمكن المرور بالوطن إلى برّ الأمان بدونهم «وتلك فكرة جدليّة تحتاج إلى نقاش عميق». كلّ ذلك يتمّ تنفيذه بأيد قوميّة وتحالفات إقليميّة تدفع فاتورة الصّراع وبتحالف دولي ينفخ في ناره بحيث لا ينتهي. 
استبداد واع واستبداد متخلّف
بعد اندلاع الثّورة في تونس أعلنت السّلطات المصريّة «أنّ مصر ليست كتونس» في حركة استباقيّة لحركة الشّعب المصري في 25 يناير/جانفي 2011 وهذا إن دل على شيء فإنما يدل علي استبداد متخلف منقطع النظير، على خلاف ما تعامل به  استبداد آخر واع وخارج الحدود الجغرافية للمنطقة وهو الصّين «ففي اليوم الثّالث للثّورة المصريّة أقدمت السّلطات الصّينية على تعطيل البحث عن كلمة «مصر» في المدوّنات الصّغيرة من خلال بوّابات البحث الصّغيرة. كما حظرت المشاركات التّفاعليّة في الحدث المصري، وكلّها إجراءات تعكس خشية السّلطات الصّينية من امتداد لهيب الثّورة المصريّة إلى الصّين ... والتزمت الصّين الصّمت بذريعة عدم التّدخل في الشّؤون الدّاخلية، وبعد سقوط مبارك عبّرت الصّين عن احترام خيارات الشّعب المصري، وفي زيارة لوزير الخارجيّة الصّيني ولقائه رئيس المجلس العسكري لوحظ حرص المسؤولين الصّينين علي عدم تقديم التّهاني علي انتصار الثّورة المصرية»[1]. تخاف السّلطة الصّينية من الثّورة المصريّة وتعد أنّ أوجه الشّبه كثيرة بين البلدين مثل الاكتظاظ السّكاني ومعظم السّكان يعيشون حول حدّ الفقر وفي ظلّ سلطة مستبدّة قاهرة، ممّا يمكن أن تستنسخ الثّورة في ظروف مشابهة. لكن مع القواسم المشتركة الكثيرة بين مصر وتونس أكثر بكثير ممّا بين مصر والصّين مثل القوميّة الواحدة واللّغة الواحدة والدّين والعادات والإقليم بل والحركة السّياسية المؤثّرة تكاد أن تكون قد خرجت من رحم واحد ومع ذلك يقول «أنّ مصر ليست تونس» وهذا الاستبداد المتخلّف من المفترض أن يسقط سريعا، فإن دام زمنا أكثر ممّا ينبغي دفعنا ثمنا أكبر في إزالته، ودلّ ذلك على عدم النّضج والوعي السّياسي للنّخب السّياسية الفاعلة.
الوعي والثورة
حين تسير الدولة ممثلة في «سلطتها» في واد النّعيم المحرّم، وتجبر الجماهير على السّير في واد الجحيم، حين تعني حياة الجماهير الهروب من السّلطة لإمساك الحياة بداخلهم، وحين تعني حياة القائمين على السّلطة والمقرّبين منها سرقة حياة الجماهير لزيادة فائض النّعيم المغموسين فيه. حين يسود الإحساس الجمعي بالظّلم وبالقهرالمتفشّيين في كلّ القطاعات التي لا يكاد يسلم منها أحد، بل وفي نقطة اللاّعودة، حتّى يرى النّاس الظّلم رؤيتهم للشّمس في رابعة النّهار، وحتّى يستوي عند مفجّرها أو مفجّروها تكلفة القيام بها مع تكلفة القعود عنها، أو كما قال صلاح عبد الصّبور في قصيدته الرّائعة «يوميات نبي مهزوم»: 
يا أهل مدينتنا انفجروا أو موتوا 
رعبٌ أكبرُ من هذا سوف يجيء..
عندئذ تنفجر الثّورة لكن بشرط أن يصبح درجة وعي الجماهير «وبالأحرى نخبته غير المدّجنة» أكبر بكثير من درجة وعي السّلطة بضرورة التّغيير السّلمي. هذا «الوعي» ضروريّ جدّا لنضج الثّورات، فالأحداث الكبرى تقيّم بقدر ما تترك لنا من تراث ثقافي ومفاهيم جديدة في شتّى فروع العلم والمعرفة، والتّاريخ خير شاهد. فعندما بدأت الثّورة العلميّة تنفجر في أوروبا في أوائل القرن السّابع عشر، كان الوعي الأوروبي يشتعل في كلّ مجالات المعرفة من علوم طبيعيّة وإنسانيّة وفنون، وبعد أن بلغت درجة الوعي درجة لا تستطيع سلطة الكهنة والملوك مسايرتها اشتعلت الثّورة الإنجليزيّة كأوّل ثورة أوروبيّة 1688م وبعدها بقرن تقريبا اندلعت الثّورة الأمريكيّة 1773 ضد المستعمر البريطاني، ثمّ الثّورة الفرنسيّة 1789 ثم ثورات بقيّة أوروبا التي أطلق عليها ربيع أوروبا القومي في القرن التّاسع عشر. وإذا اندلعت ثورة بغير هذا الشّرط فربّما كانت تشنّجات جسد يعالج نوبات الموت، لكن ربّما يولد من رحم هؤلاء الموتى جيل يؤمن برفض الظّلم ويبدأ العمل الجادّ المنظّم ومن ضمنها انتزاع حرّيته من المستبدّين. الثورة إذن ليست تذمّرا وليست هبة وليست مظاهرة تطالب بتحسين ظروف العبوديّة والقهر. وصف ماركس هذه الأشياء بـالجَيَشان الثوري، الذي يجعل القوى الثّورية تتلقّى هزائم متلاحقة تطيل عمر الثّورة المضادّة: «وحالما كان يعتري أحدى الفئات الاجتماعيّة الكائنة فوقها جيشان ثوري، كانت البروليتاريا تدخل في حلف معها وهكذا كان لها نصيب في جميع الهزائم المتوالية التي منيت بها الأحزاب المختلفة. بيد أنّ هذه الضّربات التي تلت كانت تضعف بقدر ما كان سطح المجتمع الذي تتوزّع فوقه يتّسع»[2].
الفيروسات والمآلات
لدراسة مآلات الرّبيع العربي لابدّ من معرفة دقيقة بالفيروسات التي تهدّده وأخطرها على الإطلاق الجهل، لأنّه يسهل فيه توجيه دفّة الثّائرين باتجاه مستبدّين من الصّف الثّاني أو الثّالث دون علم الثّائرين عن هؤلاء شيئا. والفيروس الثّاني الخطير أيضا هو رغبة بعض الطّوائف المقهورة بالاستعجال في قطف الثّمار حتّى ولو على حساب الرّضا بقهر فريق آخر أو تخوينه أو حتّى محاربته على الهويّة أو ربّما تجريده من شرعيّة الوجود، أو بالتّوافق وعقد الصّفقات على من قامت عليهم الثّورة، هؤلاء يعملون في حانوت الثّورة ثوّارا نهارا وفي حانوت الثّورة المضادّة مستبدّين ليلا. فيروس ثالث هو سرعة اللّجوء إلى القاضي «صندوق الانتخاب» للفصل في خصومة غير محدّدة، فالمبادئ التي سيتمّ التّداول عليها بين الفرقاء السّياسيين لم تكن قد وضعت بعد. ثمّة فيروس رابع هو وجود نخب مدجّنة من كلّ الأيديولوجيات وظيفتها تزوير وعي الجماهير، تعمل كصمّام أمان للاستبداد. هذه الفيروسات وغيرها كثير جعلت مسارات الرّبيع العربي غير واضحة المعالم، ففي بعض بلدان الرّبيع كانت نخبة الثّائرين تنتظر بل ربّما تراهن على خروج شخصيّة مثل «سوار الذّهب» من رحم المؤسّسة العسكريّة ليحرّر إرادة الشّعب ومن ثمّ يسلّم السّلطة للمدنيين، وهذا مثل الذي ينتظر المهدي المنتظر ليحرّر الأقصى. والبعض كانت مراهنته على الخارج على أنّه المخلّص ويتغافل عن أنّ الغرب هو المنتفع الوحيد من خلال بحثه دائما عن نقطة استقرار الصّراع بشرط ألاّ يمتدّ لهيبه إلى جنّته.
استشراف اللّحظات الفارقة
على الأحزاب السّياسية ومن ضمنها الحركات الإصلاحيّة أن يكون لديها مشاريع وخطط تفصيليّة تستثمر فيها اللّحظات الفارقة ومنها «أنويّة الثّورات» بوعي وذكاء اجتماعي تستشرف المستقبل لتعلم متى تقع، وماذا تريد منها وكيفيّة التّعامل مع الطّغاة ومع المنتفعين من وجود الطّغاة بدرجاتهم المتفاوتة، ومع الفرقاء السّياسيين، وكيف تدار الثّورة من بدايتها حتّى تبلغ منتهاها في مؤسّسات تدير الدّولة ببرامج شاملة متخطية الأزمات التي توضع في طريقها. ويندر في العصر الحديث أن يتنازل ديكتاتور عن السّلطة طواعيّة، لأنّ الدكتاتورية في العصر الحديث لا تمثّل بفرد بقدر ما تتمثّل بتشابكات معقّدة من جماعات المصالح المتغلغلة داخل المجتمع بدءا من قمّة هرم السّلطة الديكتاتورية وانتهاء بأصغر منتفع منها ممّا يضع قيودا على سلوك الجماهير «فإمّا أن تثور وإمّا أن تعيش مقهورا» لذلك في أحيان كثيرة نجد أنّه لا بديل عن الثّورة، ورجاؤنا في الله أن يأتي التّغيير بالتّوافق وبطريقة سلميّة تصان فيها الدّماء، والأمل معقود على أبناء هذا الوطن الذي يجمعه حيز جغرافي واحد وقيم وعادات واحدة ولغة واحدة وتحركه ثقافة واحدة تحترم فيها الدّماء جدا، لكن له تجربة سابقة في الحرّية علّمته أنّ الأمر بيد الشّعب في تعيينه لحكامه وعزلهم وأنّ هذا الفعل أحد أسباب خيريّة هذه الأمة «...  إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا كُنْتُمْ إِذَا هَلَكَ أَمِيرٌ تَأَمَّرْتُمْ فِي آخَرَ، فَإِذَا كَانَتْ بِالسَّيْفِ كَانُوا مُلُوكًا يَغْضَبُونَ غَضَبَ الْمُلُوكِ، وَيَرْضَوْنَ رِضَا الْمُلُوكِ»[3]، كان الرّبيع العربي نواة لهذا الفعل لدرجة أنّ ما حدث من هروب بن علي وتنحّي مبارك في غضون أيّام قليلة من اندلاع الثّورات كان لا بد وأن يدرس درسا عميقا، هل هو ناتج للفعل الثّوري حقّا أم هو احتواء من قبل رعاة الاستبداد لئلا تسقط دولتهم ويسقطون معها جميعا. هذه النّواة الثّورية إن لم تستثمر بشكل جيد من قبل الثّائرين قامت عليها الثّورة المضادة فاكتنفتها وحولتها لصالحها.
الهوامش
[1] أحمد بهاء الدين شعبان ...(وآخ)، مباحث وشهادات 25 يناير، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تحرير عبد القادر ياسين، صفحة 264، بيروت (2013).
[2] كارل ماركس، «الثامن عشر من برومير ـ لويس بونابرت»، صفحة 11، هامبورج (1869).
[3] صحيح البخاري، حديث مرفوع رقم 4036 باب ذهاب جرير إلى اليمن.