الإصلاح

نفحات

بقلم
عبد الله الرحيوي
الإنفاق سبيل إلى تربية النفس
 الناس في التعامل مع المال صنفان؛ صنف يبني مشروعه الدّنيوي على البذل والعطاء وقضاء حوائج النّاس وينشرح صدره بما تنفق يمينه، وصنف آخر يظلّ يمدّ يده، ويأخذ ولا يعطي ولا يملّ من جمع المال وكسبه من أي طريق كان. فهذا الذي يأخذ ولا يعطي، ويكسب ولا ينفق يرمي نفسه إلى الهلاك. يقول سبحانه: « وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»[1]. فعدم الإنفاق يؤدّي إلى الهلاك، والإنسان مطالب بأن يطهّر نفسه من الشّح لتكون قادرة على البذل والعطاء، يقول الله تعالى: «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»[2] .
رغم أنّ الفقير لا يملك إلاّ قوت يومه، فقد أمره الله تعالى وهو على هذه الحال من قلّة اليد أن يتصدّق ولو بالشّيء القليل من ماله، أمّا صاحب المال فهو أولى بالإنفاق، يقول عزّ وجل: «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا»[3]، فقد يتصدّق الرّجل مع  قلّة ماله أو جَهد المقل ابتغاء ما عند الله، وبما يسمح به رزقه، ويريد أن يطهّر قلبه من الشحّ  ويدرّبها على قيمتي الصّبر والإنفاق، يقول الله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا»[4]. فالصّدقة تطهّر النّفس من الأمراض المعنويّة العالقة بها، ومن دنس المعايب، فترقى بها عن دنايا الدّرجات إلى الصّفاء الرّوحي. والمال الذي بين يدي الإنسان مستخلف فيه من قبل الله تعالى ومستأمن عليه، يقول الله تعالى: «وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ»[5]. وجيء بالموصول في قوله: «مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ» دون أن يقول «وأنفقوا من أموالكم أو ممّا رزقكم الله» لما في صلة الموصول من التّنبيه إلى غفلة السّامعين عن كون المال لله جعلَ الناسَ كالخلائف عنه في التّصرف فيه مدّة من الزّمَانٍ فلما أمرهم بالإنفاق منها على عباده كان حقا عليهم أن يمتثلوا لذلك كما يمتثل الخازن أمرَ صاحب المال إذا أمره بإنفاذ  شيء منه إلى من يعيِّنه»[6] . 
والإنفاق دليل على الإيمان، فقد وصف الله تعالى أهل الكفر والنّفاق بعدم إنفاق المال في الوجه الذي يريده الله ويرتضيه، وأنّهم ينفقون أموالهم في الصدّ عن ذكر الله تعالى، يقول الحقّ سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ»[7]. وكم من النّاس للأسف الشّديد يعتبر المال حكرا على الذّات فيفعل به ما يشاء، ويُنفقِه في غير طاعة الله تعالى، سواء كان هذا الإنفاق تبذيرا أو أن يضعه في غير محلّه  فيتجاوز الحدّ إلى تقوية الباطل وإشاعة الفاحشة بين النّاس بأيّ وسيلة من الوسائل بالتّردّد على حانات الخمر والمقامرة ودور الملاهي، وإنشاء الملاهي للشّباب.  ينفقون أموالهم، ثمّ تكون عليهم ندامة لأنّهم من جهة لم يحسنوا التّصرف في الأمانة التي وكّلت إليهم، ومن جهة جعلوا المال سببا في الإفساد في الأرض.
كم من النّاس منَّ الله عليهم وفتح عليهم الدّنيا، ولربّما كانوا من أهل الصّلاح فقست قلوبهم، وجعلوا المال منتهى غايتهم وآمالهم فتنافسوا فيه وأخذوا يجمعونه من غير أبوابه المشروعة، فاسودّت قلوبهم «فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً» [8]، وعلا عليها الرّان كما بيَّن النّبي صلّى الله عليه وسلم،  فأصبحت لا تنكر منكرا ولا تعرف معروفا، «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» [9]، فيصبح عبدا للدّرهم، ولا يجد  متعته إلاّ في اكتنازه والسّهر في عدِّهِ والاطمئنان عليه، فتشتعل نفسه حرارة في امتلاكه والاستزادة من رصيده. هذا الصّنف من النّاس الذي وصل بهم الحال إلى خشية الفقر بالرّغم من كثرة المال ووفرته، يعيش الفقر الحقيقي معنى وحسّا، ويُحرم من أداء واجبه نحو ما استخلفه الله تعالى فيه، فيكون عليه حسرة في الدّنيا وفي الآخرة، ويَعَضّ على يده من نار لظى، فتُكوى به مواضع استكباره من جسده على الخلق في الدّنيا، يقول الله تعالى: «فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ»[10]. فمن استطاع منّا أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فليفعل. وإنّ مال الإنسان في الحقيقة هو ما يقدّمه لنفسه ذُخْرًا بين يدي الله تعالى.  
ومن باب تأديب النّفس وتزكيتها المبادرة إلى الإنفاق في سبيل الله تعالى، وفي حال الاطمئنان على الحياة وطول البقاء أفضل لقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح تَخشى الفقر وتأمُل الغِنى، ولا تُمهل حتّى إذا بلغت الحلقوم قلتَ: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان»[11]  ثم يتصدّق  من ماله وهو لا يخشى الفقر، لعِلمه أن الله تعالى يخلفه، بل يتمتّع باليقين فيدخل في تجارة رابحة مع الله تعالى وصفقة ليس بعدما  خسارة، وليست فيها مغامرة فهي مضمونة من طرف الله تعالى، فيُؤَمِّنُ الإنسان دنياه بربح وافر بأضعاف مضاعفة، ويُؤَمن آخرته، يقول الله تعالى: «وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ»[12]، أي: «مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدّنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثّواب»[13]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: قال الله تعالى: أَنْفِق يا ابن آدم أُنْفِق عليك»[14]، ويكفي أنّ الله تعالى وّكّل ملكين حيث يصبح العباد من الدّنيا «فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا؛ وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا»[15].
إنّ السّهم الذي نقرضه لله تعالى يُربِّيه الله تعالى فنبلغ به أسهما مضاعفة، يقول الله تعالى:«مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» [16] ، وينبّه النّبي صلّى الله عليه وسلّم ويشير إلى أن تكون الصّدقة من أصل طيّب، لأنّ الله لا يقبل إلاّ طيّبا، فيقول: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِها كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَل»[17].
فصاحب الهمّة العالية ينفق ماله ليطهّر قلبه من الوساوس ويدفع عنه ميتة السّوء والأدران العالقة به، فيُوجه ماله في طاعة الله تعالى، ويرقى به أعلى الدّرجات من الدّنيا، فيجد من نفسه طمأنينة وراحة في الضّمير. ثمّ إنّه يسترضي بها الله تعالى في حال زلّة القدم، يقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الصّدقةَ لتُطفِئ غضبَ الرّب، وتدفعَ ميتةَ السّوء»[18]. أمّا الذي ينفق ماله في غير طاعة الله ويستعين به على معصيته؛ وإن كان من كسب طيّب؛ وينفقه في الصّد عن منهج الله تعالى وعن سبيله، فويل له ممّا كسبت يداه، يقول الله تعالى: «إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ»[19]. وليس أحد يكون له مال ثم يجعل يده مغلولة، فيمنع صاحب الحاجة من ماله إلاّ ويسأل الله الرّجعة عند الموت، لأنّه حَرَم نفسه فضل الصّدقة، ولِما يرى من هول الموقف، يقول الله تعالى: «وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ»[20]، لكن هيهات هيهات حيث لا ينفع النّدم وتستحيل الرّجعة، يقول الله تعالى: «وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا  وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» [21].
إنّ تربية النّفس تُنال بإخراج المحبوب من المال وإنفاقه، يقول الله تعالى: «لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» [22] . ولمّا سمع الصّحابة رضي الله عنهم هذه الآية تنافسوا في إخراج أحبّ الأشياء إليهم حتّى تصدّق الفقراء منهم ممّا يملكون، «فجَاءَ زَيْد بِفَرَسٍ لَهُ يُقَال لَهَا: «سَبَل» إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذِهِ يَا رَسُول اللَّه! فَأَعْطَاهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْنَه أُسَامَة بْن زَيْد بْن حَارِثَة، فَقَال: يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا أَرَدْت أَنْ أَتَصَدَّق بِهِ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ قُبِلَتْ صَدَقَتك»[23]. فكان الرّجل يجدُ من إعطاء ما يحبّ رضًى في النّفس وتهذيبا لها، ولا يجد فرصة للإنفاق إلاّ ويستعين بها على طاعة الله تعالى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رجلا أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فبعث إلى نسائه فقلن: ما عندنا إلاّ الماء! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «من يضيّف هذا؟» فقال رجل من الأنصار أنا: فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: ما عندنا إلاّ قوت الصّبيان، فقال: هيّئي طعامك وأصلحي سراجك، ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، ففعلت، ثم قامت كأنّها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنّهما يأكلان، فباتا جائعين، فلمّا أصبح غدا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: عَجِبَ اللهُ من فِعالِكما: فأنزل الله تعالى: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»[24].
إن الإيثار على النّفس في حال الحاجة والفاقة لا ينال درجته أو يتبوأ منزلته إلاّ من أيقن بعطاء الله تعالى وفضله، وأنّه سبحانه يضاعف الصّدقة فيُربّيها لصاحبها، ويحتاج الإنسان إلى أن يقي قلبه من الشّح، فقد جاء رجل إلى النّبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ، فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ»[25].
الهوامش
[1] سورة البقرة الآية 193
[2] سورة الحشر الآية
[3] سورة الطلاق الآية 7 
[4] سورة التوبة الآية 103
[5] سورة الحديد الآية 8 
[6] التحرير والتنوير للشيخ الطاهر بن عاشور،27/369 
[7] سورة الأنفال الآية 36