الإصلاح

لغتنا العربية

بقلم
سامي الشعري
العربية والفضاء الذي نتحرك فيه
 استضافتني احدى الاذاعات، ولكن نبهني بعضهم ممن تلاحقت لديه عبارة( ca va) على لسانه (وهو امر ذكرني بقصيدة لعبد الرحمان الابنودي معنونة بهذه المفردة، متحدثا فيها عن الرطانة الحاضرة في اللهجة الدارجة التونسية) ان اللقاء لن يتواصل اكثر من دقيقة او دقيقتين: هذه الحادثة يمكن ان نقرا من خلالها المشهد السائد في علاقته «بالعربية». انه معبأ اما بمعاد وقح للعربية حيثما حلت وكيفما ظهرت( وذلك يكون «قاطع طريق» او  احد مشتقات الاستعمار)، و تافه لا تعنيه المسالة، وهذا الاخطر، لان هذا الاخير يمكن ان يكون مجرد اداة يستخدم لصالح ميزان القوى السائد، والذي يكون في لحظتنا الراهنة لصالح راس المال المتحالف مع الشيطان. 
انه يراد لنا ان نتعامل مع الفكرة كما نتعامل مع بضاعة. الذي نسمي به الاشياء ونعرفها به يريدون ان يحولوه إلى وسيلة، يشتغل ضمن «مادة» تكون اداة عمل لهذا الاعلامي الذي لا ينتبه الا ل»البوز»، للايقاع والاثارة، لا للفكرة او القيمة. يلتقي في وضعنا المعادي و اللامبالي، ولكن «موقف اللامبالي» يرتد موضوعيا إلى المعادي، بحكم انه يترك المجال لعلاقات القوى السائدة التي يحكمها المستعمر وابناؤه. ان اللغة بهذا ارتدت إلى مجرد «الة» صماء نعبر عليها لكي نؤدي «مضمونا» قد يؤدّى افضل من ذلك بلغة أخرى «حية». انها اذا سطوة المال ولكن دون حروفه التي يظهر فيها، دون نطقه. انه الطبيعي المباشر الذي يابى ان يمر عبر الاسماء (هذه التي علمها الرب لاول مخلوق). لعل اخطر منطقة هي ليست اتقان او عدم اتقان الاستعمال للغة، ولا حتى الانزياحات الى لغة اخرى، طالما اننا بقينا ضمن مسطح المعنى. اما وان الازمة هي غياب هذا المسطح، بما اننا اصبحنا نستدعي «الاشياء»دون اعتراف بوجاهة «الواسطة اللغوية»(والتي هي ليست بواسطة وإنما هي وجود الشيء نفسه باعتباره وجودا يهم الانسان). ولكن لان من قضاء وقدر الاشياء الا تظهر الا في/ عبر الكلمات، فان نعرض عن هذه لا يؤدي البتة إلى نفيها نحو العدم، وإنما فقط –ضمن خطاطة علاقات القوى-ان نبقي على ما رسمه ويرسمه الاقوى ضمن استراتيجيات الصراع، وبالتالي إلى النزول –ولكن بارادة منا –على ما فرضه «الغير»في تحديد علاقة الدال بالمدلول، أي في تحديد دور اللغة العربية الذي لن يكون مبدئيا لصالح هذا الذي «تعود» ان يتكلم العربية. الانتباه للغة هو رفع لغشاوة، لوضع وجودي لطالما كان خزانا للاستبداد: نتحدث عن الفساد، (بمعناه المالي) ولكن ما موقع الخيانة؟ ما موقع استهداف الهوية وتجفيف منابعها؟ ما موقع تهميش اللغة؟ ما موقع اذابة الخصوصية؟ ما موقع التيه والضياع؟ ما موقع التبعية والاستعمار؟.. 
إن الفضاء مؤثث بمعالمه الثقافية والسياسية والايديولوجية ضمن خطوط المواجهة (لاننا دائما ضمن وضعية): الوضعية هي خطوط التقابل بين الخنادق، بين الاطراف في تعاملهم مع «العربية». لسنا في ارض عذراء، وإنما هي «ارض» متكلمة هي ايضا: كل المكان يشي بمعارك رمزية سابقة، واخرى عملية تحكمها معقولية المغالبة، معقولية «علاقات القوى» كميزة للحقل  السياسي. في احدى الجلسات، قلت للكاتب العام لجمعيّة «مداد»: افتح «محضر بحث» (عوضا عن محضر جلسة). كل هذا المبحث يشي بالسياسي (روسو). ما كان هذا المبحث ليفتح في زمن سابق الا باعتباره مشغلا مهنيا قطاعيا «نرتزق» منه. انه يشي من داخله انه يذهب بعيدا جدا، حيث يعيد تنظيم الاشياء –لا الكلمات فقط- وحيث يعيد تنظيم المواقع والمواقف من شرعية قيمومة هذه اللغة اوارتفاع ذلك. انا الآن في مكتبة «ساقية الزيت» اعد المقال، ولكن لمن لا يعلم المكان هي إحدى المعتمديات الشماليّة لولاية صفاقس التونسيّة والمكتبة مجاورة للطريق الرئيسية رقم1. هل تتصورون انه بامكاننا ان «نفكر» في هذا المشكل بهذه الضوضاء؟ اليس ذلك وضع يشي بامتهان الآداب والانسانيات وكل من يشتغل على الرموز اللغوية؟
اللغة من حيث هي كذلك غريبة في وضعها، والغريب من هو في غربته غريب، فابعد من تهميش «العربية» هو تهميش اللغة في موطنها و مقامها الانطولوجي، بحيث لم تعد مشكلا وانما فقط ما قد يلتفت اليه بين الفينة والاخرى (كما نفعل اليوم) لنرفه به النفس ونروح بها عنها من ضغط الحياة اليومية، بحيث يصير الامر لا مطلبا في حد ذاته وانما لقصد ابعد منه. هكذا اذا يظهر عوضا عن ذلك «اللحم»، سواء كان سلعة حيوانية يسال دائما عن سعرها، او «لحما مكشوفا» يصير سلطة للاغراء (كاسيات عاريات)، او حتى استعادة وتاسيسا نظريا عبر استمداده نظريا لاستبعاد «المورائي». 
ان المشهد الان، اليومي السائد او الاعلامي (وكلاهما يشتغلان على نفس الصعيد)، هو ما قبل اللغة، حيث يطلق عليه البعض «لغة الجسد» او «البطن»، وحيث يصير «الحديث» (لا التفكر)حول القفة والتهميش والتشغيل هو الخطاب الذي يستحوذ على كل المشروعية . ماذا بقي للرمز آنذاك سوى انه «رمزي»، بالدلالة التي حُشر هو ذاته فيها، والتي يصير بموجبها المكمل واللاحق وما ياتي بعد. ان من اخبث الوسائل ان تقرن اللغة بالمصلحة: لكي يتسنى لك النجاح –وبالتالي المرور إلى سوق الشغل- فعليك ان تتعلم ما هو مقرر دون سؤال: ما هو مقرر ليس امرا ازليا، وانما هو امر رتب و تكوّن في احداثية سياسية وثقافية ما. لكن بين السائد وبين الانتباه لذلك انه «لزمن طويل» و مضيعة للوقت، فالمهم هو الوصول و لا تهم طريقة فعل ذلك: علي ان امر حتى ولو كانت اللغة المستعملة هي «العبرية». ان طرح هذا «الأمر» لن يكون بحال اذا –ضمن معقولية ما يسري- مجرد مشغل نظري، حيازة ذهنية، وإنما هو رغما عنا منطقة احراج لهذا «السائد»، اي الذي ساد ويسود اي يهيمن. اننا قبل ان نتفكر اللغة وجب ان نفكر في شروط امكان ذلك. نحسب ان اولى معالم الازمة هو عدم الانتباه لهذه اللحظة النقدية، بل والاصرار –حتى بنية حسنة-على تلمس حل في وضع يشي انه غير قادر على توفير هذا الامكان.