في العمق

بقلم
ناجي حجلاوي
رجال ونساء ...لاذكور وإناث
 إنّ الشّريعة هي أحكام الرّسالة الواردة في كتاب الله، والفقه هو اجتهادات الفقهاء في فهم هذه الأحكام. والملاحظ أنّ المرأة مهضومة الجانب في هذا الفقه نظرا لانتماء هذا النّمط من  التّفكير إلى أزمنة متقدّمة كانت فيها المعرفة تقليديّة تخضع إلى أنّ عناصر الوجود أربعة:  الماء والنّار والهواء والتّراب، وأنّ الأرض هي مركز الكون. والحال أنّ ماندليف اكتشف 92 عنصرا في الكون. وأنّ كوبرنيك اكتشف مركزيّة الشّمس في الكون. والمعارف كلّها تطوّرت فكيف لا يتطوّر فهم النّصّ؟
إنّ المرأة تتساوى مع الرّجل داخل المنظومة الفقهيّة القديمة في الجزاء والعقوبات «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1) « ، وكذلك» الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ  وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» (2).  ولا تتساوى مع الرّجل في الأعطيات وفي الإرث. ففقه المرأة حينئذ عيّنة حيّة ودالّة على أنّ الفقه تاريخي حلّ قضايا ندّت في عصر الفقهاء، وهو القرن الثّاني للهجرة، وقد كانت الحلول الّتي توصّل إليها الفقهاء مناسبة للقضايا المطروحة والموافقة لاقتصادهم واجتماعهم وثقافتهم وأرضيّتهم المعرفيّة. فالنّصّ في هذا الإطار وإن كان واحدا فإنّ التّعاطي مع فهمه وشرحه يتطوّر، وخذ مثال الفرائض الّتي هي جزء من الشّريعة  إلاّ أنّ علم الفرائض إنسانيّ وعمل بشري لابدّ أن يتأثّر بالرّياضيّات، فقد كانت الرّياضيّات محصورة زمن الفقهاء القدامى في أربع عمليّات الجمع والطّرح والضّرب والقسمة. أمّا اليوم فنحن إزاء نظريّة المجموعات ونظريّة الاحتمالات وغير ذلك كثير. وبما أنّ النّصّ وحي صالح لكلّ أهل الأرض ولكلّ التّاريخ فإنّه يتأثّر بالرّياضيّات الحديثة. وهكذا غدت المعرفة تتطوّر بالتّعليم والتّمييز وإنّ اللّه قد زاد المرأة تقليما وتميّزا بإسناد النّون إليها وسُمّيت بنون النّسوة « ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ» (3) وإذا كان القلم هو التّمييز فإنّ التّسطير هوّ التّصنيف « وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ»(4) .
وإذا كانت هذه الصّورة في القرآن بادية التّميز والاستقلال عن الرّجل فإنّ من المهمّ أن نلتفت إلى الإرث الثّقافي الّذي تتحمّله المرأة تاريخيّا.
لقد تعدّدت أسماء آلهات الموت وكثرت وكانت كلّها مؤنّثة وقد راجت الأساطير والخرافات حول المسوخ الأنثويّة، فالأمّ الغول تصوّر قديم قدم آكل لحوم البشر. وفي المقابل تتقلّص صور الغول الذّكر وقد انتشرت في الحضارات القديمة صور السّاحرات قاتلات الأطفال وتقديمهم إلى الشّياطين ذبائح، وعليه فقد ترسّخ في اللاّشعور قاتلات الأطفال الرّضّع في القرون 15 و 16 و 17، ولربّما كانت الآلهة الهندوسيّة –كالي- أمّ الدّنيا أعظم تصوّر طرحه الرّجال وهو أمر مدمّر عن المرأة. إنّها آلهة جميلة خطيرة متعطّشة إلى الدّماء والمسؤولة على اندلاع الحروب، ولا غرو في ذلك إذ أنّ الاعتقاد القديم يدور حول إغواء حوّاء لآدم في ارتكابه الخطيئة الأوّل وبه تحوّل المخيال أو بئر بلا محيط قاع تعوم في سطحه سفينة آدم الواهية. إنّ الفراغ هو الوجه الأنثوي للهلاك والمرأة قدر الرّجل المشؤوم لأنّها متعة بدلا من أن تكون مطلوبة لذاتها وهي كائن لا يهتدي لتحقيق روحانيّته أو يهتدي إلى درب الخلاص (5).  
وفي اليهوديّة يُمنع على المرأة الصّلاة في المعبد وأن يشاركن الحاخامات في شؤون الدّين وأعمالهم ازدراء لصورة المرأة باعتبارها الزّانية السّامريّة. وأمّا المسيحيّة فهي تنادي بخضوع المرأة للرّجل خضوعا كاملا كخضوع الكنيسة للمسيح وكخضوع المسيح إلى ربّه (6). 
إنّ الرّجل على صورة الإله تمام والمرأة على صورة الإله في الرّوح فقط، تقف دائما في وجه العقل وبما أنّه دون الرّجل فلابدّ أن تخضع له. انظر موقف القدّيس أوغسطين. وموقف توما الاكويني في كتاب «تبعيّة ومساواة انكادور» (7). ويعدل الرّجال لذلك عن الزّواج فالمرأة سُمّ وإن كانت جميلة فالجمال والفضيلة لا يلتقيان أبدا. (8)  ويُعتقد أنّ للمرأة تسعة طبقات من الجلد وهي خائنة بصورة عامّة. ولقد ورد في كتاب قامونين ص 14 ما يلي: «اجعلها تكنس البيت، واجعلها تغسل وتنخل البيت، اجعلها تعمل بحقّ السّماء وتسهر على الأطفال لكي لا تسكنها الرّغبات لا تترك لها فرصة الرّاحة، فمادمت تحاصرها بالأعمال فلن تجد فرصة للرّاحة والوقوف على الشّرفة». وعموما فإنّ التّصوّر الغالب هو أنّ المرأة خادمة عبادة الأوثان تدفع بالرّجل إلى الفساد والخروج عن دينه مستشهدين بالنّبيّ  سليمان الّذي له 70 زوجة ملكات و300 جارية محضيّة. وقد سرى التّصوّر في اعتبار أنّ كلمة féminin إلى أنّ FE تعني إيمان و MINUS  تعني أقلّ، أي أنّ المرأة إيمان أقلّ وذلك كانت محلّ النّفاق والكذب والضّعف والسّلوك المشين والمكر وصحبتها قاتلة (9).  
إنّ العالم، في هذا التّصوّر المسيحي، لو تخلّص من مكر النّساء لتحرّر من أخطار لا تحصى وهي حسب رؤى يوحنّا أكثر مرارة من الموقف من الشّيطان الّذي يُعتبر بدوره موتا. وقد ذهب الحكماء أنّ الرّجل الّذي يطيل الكلام مع المرأة تتسبّب في هلاك نفسه إذ تغيب عنه حقائق السّماء. ورد في سفر الجامعة أن جوْر الرّجل خير من صلاح المرأة. فالمرأة كائن كئيب المزاج مائعة ضعيفة وعاجزة وقد تردّد أفلاطون في تصنيف المرأة أيضعها في عداد البشر أم في عداد البهائم. إنّ المرأة لا تقوى على تحمّل العقاب وهي لا تستحقّه (10) .
وهكذا فإنّ الرّجل الّذي يريد الله به خيرا يخلّصه من زوجته. والمثل الشّعبي يقول: «إنّ الحزن على المرأة الميّتة لا يتخطّى عتبة البيت»، وقد تكدّست السّلطات في النّظام البورجوازي وحرّمت الأمّ من ذلك، وقد توطّدت سلطة الأبوّة والذّكوريّة في الدّيانة اليهوديّة وكذلك في الكنيسة، وهو تجسيد لما لوّح به أوغسطين من أنّ النّظام الطّبيعي عند البشر أن تكون النّساء خاضعات للرّجال. والأولاد للأهل فمن العدل والإنصاف أن يكون العقل الأضعف خاضعا للعقل الأقوى. (11) وليس ذلك ببعيد عمّا صاغه سقراط من أنّ البيت للنّساء والسّياسة للرّجال (12). وقد ذهب نابوليّون فيما يتعلّق بالمِلكيّة والإرث أنّ زنا الزّوج لم يكن ينطوي على أيّ محظور باعتبار الحفاظ على أيّ ميراث، في حين أنّ زنا المرأة قد يتسبّب في إقحام وريث أجنبي عن السّلالة (13). وقد استمرّ ذلك في قوانين فرنسا إلى حتّى سنة 1975.
وإجمالا فإنّ نظريّة النّموّ الأعمى والتّطوّر الاقتصادي قد جعلا المرأة من أكبر الضّحايا إذ تضاعفت مآسي النّساء خارج المنزل وداخله، أمومة ومهنة. وليس اضطهاد المرأة وكبتها مقصورين على اليهوديّة فحسب أو الكنيسة فقط. وإنّما طال التّفكير الفلسفي، يقول نيتشه: «إذا قصدت امرأة أو النّساء فخذ معك صوتك» والمرأة عند فرويد هي رجل ناقص. ولا تفوت الإشارة إلى أنّ هذه الرّؤية المتمثّلة في ازدراء المرأة قد بدأت تتغيّر نسبيّا مع «أراغون» . إذ قال ليست المرأة مستقبل للرّجل فحسب بل إنّه يتعيّن على الرّجال اليوم أن يدركوا أن لا مستقبل للإنسانيّة قاطبة دون تأنيث الجميع (14). ومع ذلك تظلّ قولة فلين ريد: إنّ المرأة طبقة شاهدة على تاريخ الاضطهاد (15).
وأمّا فرانتز فانون فيقول :«هي المنطقة من اللاّكيان، إنّها منطقة عميقة مجدبة، واد قاحل تماما. ويمكن أن ينطلق منه ميلاد حقيقيّ.» (16) ولا سيّما أنّ المرأة قد نشأت مضطهدة، وانظر إلى أنماط الزّواج في الجاهليّة يتزوّج الرّجل أكثر من إمرأة إمّا لشهوة أو سعيا وراء هوى جنسيّ أو لسبب سياسيّ لأن تتّحد القبائل في شمل واحد وإمّا لإكثار البنين. وقد عرفوا أوّلا زواج الصّداق: وهو الّذي يدفع فيه الخطيب صداقا محدّدا، وثانيا زواج المتعة وهو تزويج المرأة إلى أجل يدفع صداق معيّن، والأولاد لنسب الوالد و ثالثا زواج السّبي وهو أن يتزوّج الرّجل إحدى مسبياته دون صداق، ورابعا زواج الإماء وهو أن يتزوّج الرّجل أمته والأبناء عبيد وهو زواج دون صداق، و خامسا زواج المقت وهو أن يتزوّج الرّجل بزوجة أبيه للاستيلاء على الميراث (17).  
وكانت النّساء في مكّة على عاداتهنّ وتقاليدهنّ الرّيفيّة البدويّة البدائيّة الّتي يغلب عليها الحياء المتتبّع في الأسر والعائلات، وعلى خلاف ذلك كان العُرف في المدينة مخالفا. تقول عائشة: «نعم النّساء نساء الأنصار لم يمنعهنّ الحياء أن يتفّقهن في الدّين.»(18)  
ولا تفوتنا ضرورة الوقوف على أن حضور المرأة في الفقه يُعدم الحرّيّة والاختيار إذ لا توجد في حضنه إلاّ وهي مكرهة. ولا عجب فقد أخرجتها المنظومة التّقليديّة من دائرة النّاس ولم تعتبرها إنسانا من الأصل وإنّما هي شيء ومتاع. وانظر إلى ما ذهب إليه المتلاعبون بالتّفسير على حدّ عبارة ابن الجوزي في كتابه نواسخ القرآن.
والمهم هو الوقوف على معرفة حال هذا الكائن البشري ذي الأبعاد الإنسانيّة في الفكر الإسلامي. لم تسلم الثقافة الإسلامية من تأثيرات هذه الأفكار الّتي استبدّت بالثقافات السابقة إذ اعتبرت المرأة متاعا والمتاع شيء غير عاقل وهي غرض من الأغراض وهي متعة بل هي على رأس الشهوات لأنها أكثر فتنة وإثارة وأكثر قدرة على إتلاف عقل الرجل على حد رأي ابن كثير(19) وما كان لهذه الصورة القاتمة أن تسود وتتعمق في الفكر الإسلامي لو فهمت لفظة النساء في الآية من سورة آل عمران (20) على الوجه الصحيح المراد، إذ لا يعني هذا اللفظ جمع امرأة في كل وجوهه وإنما هو في هذا السياق من فعل نسأ وأنسأ أي أجّل وأخّر وإذا كانت النساء جزءا من النّاس فإنّ اعتبار النّساء جمعا للفظ امرأة يُخرج النساء من عالم الناس تماما.
وإذا كانت الشهوة تعني الإرادة الواعية بمفعول المعرفة فإنّ الشهوات المذكورة في الآية كلها مادّية وهي كالآتي كل موضة مستحدثة تأجّل اختراعها وكل بناء شاهق، إذا البنين في هذا المجال من مادة بنى يبني بنانة وبنانا وبنون، ثم الذّهب والفضّة والخيل الجيّدة والأنعام والحرث. والحرث يعني الغلّة والمكسب. وإذا وقعت الإشارة في آخر الآية أنّ كلّ ذلك متاع الحياة الدنيا فإنّ إخراج معنى النّساء من عالم المرأة إلى عالم المستحدثات يجعل المعنى أكثر انسجاما مع الأشياء المادّية وحاشا لله أن يعتبر أحد مخلوقاته متاعا وشيئا فضلا عن المصادرة المتمثّلة في أنّه زيّن للناس حب الشّهوات من الناس أو زيّن للنساء حب ّ الشهوات من النّساء.
وكل ذلك منجرّ مرة أخرى عن عقليّة الاتباع لما قاله السلف والحال أنّ هذا السلف يتمتّع بأرضيّة معرفية مغايرة لما نحن عليه الآن وأنّ إكراهات واقعهم الإجتماعيّة والسياسيّة ليست ملزمة لنا ولا هي جزء من الوعي الدّيني الصّحيح. 
الهوامش
(1) المائدة 5/38.
(2) النّور 24/2.
(3) القلم 68/ 1.
(4) القمر 54/53.
(5) نقد مجتمع الذّكور، ص 12.
(6) انظر رسالة الرّسول بولس إلى أهل أفسس الإصحاح 5/ الآيات 22/ 24.
(7) روجيه غارودي وبتّي فريدان وجان ديلومو وإفلين ريّد، نقد مجتمع الذّكور، ترجمة هزييت عبّودي، دار الطّليعة للطّباعة والنّشر، بيروت، ط1، 1982، ص 19.
(8) م.ن.
(9) انظر كتاب مطرقة السّاحرات لهاينريش كرامر ويعقوب سبرنجر ، ص 268.
(10) جان فيبر ، حكايات ومساجلات في خداع الشّياطين وكرهم» ترجمة مجمع الذّكور سنة 1885، ص 300 وص308.
(11) انظر نقد مجتمع الذّكور ، ص 58.
(12) م.ن، ص 66.
(13) م.ن، ص 92.
(14)  م.ن، ص 160 .
(15) م.ن، ص 159.
(16) فرانتز فانون، معذّبو الأرض، ترجمة سامي الدّروبي و جمال الأتاسي، منشورات دار الطّليعة، بيروت، ط5، 1984.
(17)  انظر الأب جرجس داود ، أديان العرب قبل الإسلام ووجهها الحضاري والاجتماعي المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع ، بيروت – لبنان، سنة 1988، ص 150.
(18) رواه البخاري ومسلم وابن ماجة.
(19) انظر تفسير القرآن العظيم.
(20) « زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ  ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّـهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ» آل عمران3، 14.
 
-----
- كاتب وشاعر تونسي 
hajlaoui.neji@gmail.com