القلم الشاب

بقلم
مالك الشعبوني
مراجعات التشريعية
 ها قد ذهب الشعب إلى صناديق الإقتراع التي لم توحده كما فعلت يوم 23 أكتوبر 2011، بل قسّمته قبل ظهور النتائج، فمنه المقاطع، ومنه «الأغلبية الصامتة»، ومنه مواطنون أرادوا الإنتخاب ولم يكونوا مسجلين، ومنه الناخبون.
الفريقان الأول والثالث جديدان في ثقافتنا الإنتخابية. مفهوم المقاطعة لم يكن موجودا إلاّ عند قلّة من الأوساط الإسلامية في 2011. أمّا الأن فقد توسّع ليشمل عددا أكبر من الإسلاميين المغادرين لصفّ حركة النّهضة، وأطرافا من أقصى اليسار، إضافة إلى جزء لا يستهان به من الشباب السّاخط و اليائس من الساسة. أمّا النّاخبون فقد قرّروا أن يعيدوا التّجمع إلى الحكم من الباب الواسع عن طريق وريثه. واختاروا كذلك حزب «توة» وريثا شرعيّا برجوازيّا للعريضة الشعبيّة الشعبويّة في السياحة النّيابية، في حين عاقب المشاركين في الحكم شرّ عقاب.
هزيمة القوى الوسطية
إذا استثنينا الحزبين البرجوازيين : الحزب الرياحي وحزب الهوريزون، اللذان قد يمثّلان تمشّيا وسطيّا و لكنّهما لا يمثّلان حتما الأحزاب الوسطيّة الثوريّة التي نتحدث عنها، إذا إستثنيناهما، فإنّ كل أحزاب الوسط المتبقيــة، سواء شاركت في الحكم الإنتقالي أم لم تشارك، لم تحقّق في المجمل النتائج المتوقعة أو المرجوة منها. النّاخبون الذين إنتخبوا المؤتمر والتكتل والديمقراطي التقدمي في 2011  قد انقسموا عموما إلى أربعة أقسام : أولها بقي على إختياره، وهو الشّق الأقل عددا، ثانيها إنتقل إلى التّيار الديمقراطي، المفاجأة السارة في الانتخابات، وثالثها ارتمى في احضان التّجمع بصفته يتنكّر في عباءة الوسطية ويمتاز بالقوّة اللاّزمة لمقارعة النّهضة، أمّا رابعها فقد قاطع لأنّه لا يريد تكرار سيناريو 2011.
أسباب الهزيمة قد تتعدد، و لكن الواضح أنّها مجتمعــــة في عدم وجود البديل في ذهن النّاخب. تلك القوة التي انتظرناها أن تظهر فترث المؤتمر والتكتل وتمثل الخيار الثــالث. لا شك ولا اختلاف في أن الخطأ الأكبر الذي قامت به النخبة السياسية الثورية هي القطيعة مع الشّارع وعدم الإصغاء إلى طموحات شباب الثورة طيلة 3 سنوات. الأمر نفسه تواصل في الإنتخابات فأسفر عن شتات للخيار الثالث بين المؤتمر وفروعه، وفروع التقدمي، والإصلاح والتنمية، والبناء الوطني، وغيرهم من الأحزاب والقوائم. لعلّ هاته الأحزاب قد كرّرت أخطاء اليسار التونسي في 2011 عندما دخل الإنتخابات مشتّتا. لم يكن المطلوب تكوين حزب سياسي موحّد. كان المطلوب تكوين جبهة إنتخابيّة تفتح المجال لمنافسة الإستقطاب الثنائي وكسره. لو حصل هذا لخرجت « الأغلبية الصامتة» من عزلتها، ولعاد جزء من الثقة للمقاطعين، ولما ذهبت أصوات مشحونة بالخوف إلى أحد القطبين سدى. لو أعاد السّاسة الأمل بالتّوحد في خيار ثالث، لتغيّر الحقل المغناطيسي بأسره. ولكن هيهات، فقد خسرنا المعركة.
الدروس و الإستشراف
خروج الخيار البديل من قارات الخارطة السّياسية اليوم يعدّ العنوان الأبرز في الإنتخابات. التيار الديمقراطي والمؤتمر، قد حسما موقفهما من المشهد منذ البداية، فهما سيقفان في المعارضة. هذا الموقع هو الأنسب لكل نفس ثوري في المجلس. ولكن دروس إنتخابات 26 أكتوبر تلزمهما بتكوين كتلـــة نيابيـــة مشتركـــة لربّمــا مع عدد من الشخصيات أو الأحزاب الأخـــرى. نفس الدّروس تلزم كل القوى الثورية بالتّرفع عن الخلافات الجانبيّة من أجل الدفاع عن أخر المعاقـــل، رئاســة الجمهوريــة، والتي ستكون ضمانا لإستمرارية المكاسب البديهية للثــورة وسدّا منيعا ضدّ أي محاولة للتفرد بالحكم. على السّاســـة أن يجتمعوا ويتفقوا على مرشح موحد لينتفــض الشــارع دعما له في حملته الإنتخابية. أمّا الدخول في الرئاسيّة دون توحيد للجهود، وسيناريو التشريعية في البــال، فقد يخسرنا اياها من الجولة الأولى لفائدة مرشحي النظام البائد. ليس من المجدي ذكر المرشح الأقرب لهاته المهمّة، فالشخصنة قد تبعدنا عن التشخيص، فقط وحّدوا الصفوف يرحمكم الله. الشوط الثاني قــــادم، ولن تنتهي المباراة قبل التسعيـــن، ولن تنتهي البطولة بعد المباراة.
-------
-  طالب
chaabouni.malek@gmail.com