في النقد الأدبي

بقلم
ناجي حجلاوي
الأقنعة الفنّيّة والدّروس التَّاريخيَة في مسرحيَة شمتو لطارق العمراوي(2/2)
 المعمار 
تنهض هذه المسرحيّة على فصلين: الأوّل منهما يتكوّن من ثلاثة مشاهد: يدور المشهد ‏الأوّل في موطن العمل حيث يشتهد العمّال. وتدور أحداث المشهد الثّاني بالمقطع الرّخامي. ‏وأمّا الثّالث فهو أيضا بالمقطع ولكنّ أحداثه تتطوّر بمجيء الكاهن المزكّي للعمل ‏والمشجّع عليه. أمَّا الفصل الثّاني فيتضمّن أربع مشاهد꞉ يدور الأوّل في ذات الإطار المكاني ‏الحاوي للعملة المنهمكين في شغلهم، حيث الأسرى والعبيد ينهمكون في العمل. والمشهد الثّانيّ ‏إطاره الخمَّارة في المدينة، حيث الغناء والرّقص والشّرب. وتدور أحداث المشهد الثّالث في ‏كهف جبلي، حيث يختبئ الثّوار. وأمّا المشهد الرّابع والأخير فيعود بالمشاهد إلى مقطع الرّخام ‏حيث الإشتغال بالعمل و الانهماك فيه تحت الحراسة. و الحاصل أنَ المسرحيَة تتشكَل من ‏فصلين اثنين ومن مشاهد سبعة. فهل للازدواج ولعدد سبعة دلالة مخصوصة؟
لربّما أحال الازدواج في عدد الفصول على أنَّ الزّوج هو الحدّ الأدنى في الاكتمال لإحداث ‏العضويّة والحيويَّة في الطّبيعة. ولربّما أحال عدد السّبعة على إحالات عديدة منها الواقعي ‏ومنها الأسطوري. وتجدر الإشارة إلى ما حفّ بالرّقم سبعة من القدسيّة في الثّقافة الإسلاميّة، إذ ‏تحتلّ في الوعي الأسطوري دلالات مخصوصة، فوهب بن منبّه يقول: «كادت الأشياء أن تكون ‏سبعا، فالسّماوات سبع، والأرضون والجبال سبع، والبحار سبع، وعمر الدّنيا سبعة آلاف، ‏والأيّام سبعة، والكواكب سبعة، وهي السّيارة، والطّواف بالبيت سبعة أشواط، والسّعي بين الصّفا ‏والمروة سبعة، ورمي الجمار سبعة، وأبواب جهنّم سبعة، ودركاتها سبعة، وامتحان يوسف عليه ‏السّلام سبع سنين، وإيتاؤه ملك مصر سبع سنين وكرامة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم سبع، ‏والقرآن سبعة أسباع وتركيب ابن آدم على سبعة أعضاء، وخلقه على سبعة أشياء ورزق ‏الإنسان وغذاؤه من سبعة أشياء، وأمر بالسجود على سبعة أشياء.» والزّقّورة كانت في حدّ ذاتها ‏جبلا كونيّا ذا طوابق سبعة تُمثّل السّماوات السّبع، وهي الّتي كان يتسلّقها الكاهن حتّى يبلغ قمّة ‏الكون (1).‏ ‏ ‏
القضايا المطروحة:‏
وما من شكّ في أنّ صاحب النّصّ المسرحي حينما يكتب يكون منشدّا إلى ‏سياقات اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة توجّهه إلى معالجة مسائل يرتئي أنّها حارقة تستأهل ‏التّناول والمعالجة ولعلّ من أبرزها قيمة العمل التّي تتحوّل إلى مقياس يُضبط به التّطوّر ‏والتّقدّم لدى الشّعوب:«العمّال منهمكون في العمل.»[شمتو: ص9]‎‏. فمن ثمّ تقاس أوقات ‏النّاس وتحدّد بساعات العمل وما سوى ذلك يسمّى بالرّاحة:«إنّها الرّاحة.» [ص9]‎‏. ‏فالشّعوب النّاهضة إنّما حقّقت نهضتها بتنظيم الوقت واستغلاله بطريقة راشدة في الإبداع ‏والاختراع داخل المصائغ والمعامل والمخابر ولذلك دارت أغلب المشاهد في المقطع ‏الرّخامي الذّي هو الإطار الأوفى للنّهوض بمهمّة العمل واستخراج المادّة اللاّزمة للرّخام.‏
‏ وليس خافيا أنّ نجاعة هذه القيمة تحتلّ كلّ الأذهان. فرجل الدّين بدوره يقتنع بجدوى ‏العمل ولذلك يشجّع العمّال على مواصلة البذل والاجتهاد في العطاء:«يتقدّم الكاهن نحو ‏العملة وهو يحثّهم على العمل، ويزكّي ما يقومون به.»[ص29].‎‏ وبناء على هذه التّزكية ‏يشعر العمّال بدفق في الطّاقة والجهد فترى:«الأسرى والعبيد في مقطع الرّخام يعملون ‏بحزم.»[ص41]‎‏. والمجتمعات التّي يُراد لها أن تُشلّ وتُقعد يُبادَر إلى ضرب قيمة العمل ‏فيها. فترى الإنهاك يدبّ في اقتصادها. ويفتّ من عضد عراها الاجتماعيّة.‏
‏ لقد ألحّ المؤلّف على هذه الفكرة إلحاحا مباشرا يدلّ على مركزيّة هذه الفكرة في ‏المسرحيَة. واسمع لقوله في [ص75]‎‏:«العبيد والأسرى منشغلون في العمل يحرسهم ‏جنود رومان.» ‏
‏إنّ المسرحيّة وإن أحالت على زمن العبيد فلأنّها مسرحيّة تاريخيّة. وإذ كانت ‏الإنسانيّة تتحوّل نحو التّحرّر، فقد كان لها ذلك، «لقد أصدرت الأمم المتَحدة في منتصف ‏القرن العشرين البيان العالمي لحقوق الإنسان تجلَّت فيه سواسية النَاس وتعارفهم‎‏‎» ‎وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ» وحريَّة اختيارهم وحقوقهم في التَّعبير و الدَفاع عن النَّفس و التَّشريع والانتخاب والطَّبابة والتَّعليم. وأصبحت حقوق الإنسان ‏من أهمّ المقاييس الَتي يُقاس بها رقي الأنظمة السّياسيَّة وتقدّم الأمم في مضمار ‏الحضارة ‎‏»(2).‏‏ والمهمّ أنّ العبيد والأسرى قد كانوا يمثّلون قوّة عمل رئيسيّة في إنجاز المهام ‏الصّعبة والاضطلاع بأشقّ الأعمال وقد حلّت الآلة محلّهم وخطت الإنسانيّة خطوات مهمّة ‏نحو السّيطرة على الزّمان والمكان تذليلا للصّعوبات وتحقيقا  لأهداف التّقدّم والتّحضّر.‏
‏والجدير بالملاحظة أنّ القضيَة الجوهريّة الثّانية تتمثَل في شرف التّعلّق ‏بالأرض ومحبّة الوطن إذ الولاء الحقيقيّ إنّما يكون للأرض صانعة المجدّ يقول دابار وهو ‏العامل النّوميدي:«هذا ما أردته، إنّها عظيم وإنّه لشرف لنا أبناء نوميديا أن نقدّم عربون ‏محبّتنا.» [ص10]‎‏. والملاحظ أنّ علامة هذا التّعلّق بالوطن إنّما تبدو في التّفاني في العمل ‏من أجل النّهوض بأوضاع هذا الوطن ومصداق ذلك قول أسبار المتعلّق بشرف العمل ‏وضرورة مكابدة إرهاقه وأتعابه والفناء فيه [ص11]‎‏. كما أنّ دابار يعلن عن هذا التّعلّق ‏بالأرض ومحبّة إجلالا في قوله:«يلتحق بنا ابني الاكبر ويعمل معي جنبا إلى جنب.» [ص12]‎‏.‏ ‏ويبدو التّعلّق بالأوطان باديا في تخليد زعمائها وعظمائها والاحتفاء بخصالهم ‏وانتصارهم.‏
‏ومن القضايا المهمّة المطروحة في هذه المسرحيّة هو التّساؤل إزاء النّظام ‏السّياسي والاجتماعي اللذين يجب أن يقوما على أسس قوميّة كالانتباه إلى المشورة ‏باعتبارها قيمة مهمّة في سلّم القيم والدّيمقراطيّة الّتّي هي أداة تنفيذيّة تساعد على تحقيق ‏العدالة والمساواة. يقول ديدي في هذا المجال:«أنا أعرف أنّ عدّة قرارات ملكيّة تؤخذ ‏دون مشورة أحد.»[ص17]‎‏.‏
إنَ الَذي تستتبعه المشورة في المجالين الاجتماعي والسّياسي، هو مسألة المولاة والإقرار ‏بالفضل. فلربّما تفانى جيل في تحقيق انجازات لا تكون بالضّرورة ضامنة لاستمرار ذكر ‏الأجيال السَابقة لولا جيل لاحق يعترف بالفضل. يقول ديدي نفسه في [ص23]‎‏: «عندما يبني ‏ملوكنا مدافن عظمى لآبائهم أو معابد تخلد ذكراهم. ألا يفكّرون في حاضرهم؟ أهم على ‏ثقة بموالاة أبنائهم لهم إلى هذا الحدّ؟ ومن ثمّ يصبح الحاضر محتلاّ للقيمة القصوى، إذ ‏هو المجال الحيوي المعيش والمقصود أصلا من القراءة التّاريخيّة للأحداث التّي قضت ‏وانتهت. فالمعالجة التّاريخيّة للقضايا الحاضرة تطرح من الاسئلة ما يعجز عليه التّناول ‏المباشر. فالتّاريخ مجال رحب يهيئ لطرح الأسئلة المحيّرة والمحرجة يقول باروسوس: «صرت تقلقني حقّا،أسئلتك محيّرة، ‏أفاق تفكيرك رحبة.» [ص24]‎‏. ‏
ولمّا كان منطلق المسرحيّة يستند إلى أرضيّة تاريخيّة فإنّ المرام الذّي يستهدفه ‏هو المجال السّياسيّ في أجلَ مظاهره وأجلاها إذ الحكم الرّشيد لا يكون رشيدا إلاّ إذا كان ‏مقترنا بالمسؤوليّة. يقول باروسوس: «إنّ عائلتنا الحاكمة لها مسؤوليّات ضخمة في الحكم ‏وهو ما خول لها في السّنوات الأخيرة.» [ص26]‎‏.‏
‏ومن القضايا المهمّة التّي تطرّقت إليها المسرحيّة نذكر قضيّة الخيانة. وسواء ‏كانت هذه الخيانة من رجال الدّولة المسؤولين أو من المساعدين الذّين تمّ ائتمانهم، فإنّ ‏النّتيجة واحدة. ولعلّ أصدق ما قيل في الخيانة هو ما أشار إليه نجيب محفوظ في روايته ‏‏ «اللَص والكتاب»  من أنّها أسمج خطيئة على وجه الأرض. ومصداق هذه الأصداء هو ما ‏أشار إليه باروسوس من أنّه: «يشتمّ خيانة عظمى، عاقبتها وخيمة.»[ص33]‎‏. فالتّاريخ كما ‏صرّحت به ذات الشّخصيّة كثيرا ما علم النّاس أنّ المقرّبين من الملك هم الّذين ينقلبون عليه. ‏وكم من كاهن أو وزير أو مقرّب انقلب على ملكه وولي نعمته:«أو قل كم من وزير أو ‏قائد للجند أحدث الفوضى والفتنة بعد أن أقسم وشهد هذه الاحتفالات؟» [ص37]‎‏. ومن هذا ‏المنطلق يتّضح للدّارس أنّ أسباب الانهيارات المتلاحقة تعود بالأساس إلى أسباب ذايقة ‏ومؤامرات داخليّة تعبّر بوضوح عن هشاشة الوعي السّياسيّ النّاهض على نوازع ذاتيَّة ‏ومصالح ضيّقة، حيث تكثر الوشاية والسّعابة والرّشوة . ‏
‏ولعلّ من أجلّ القيم الّتي أثارتها هذه المسرحيّة، هي قيمة التّضحية من أجل ‏الوطن المقدّس. فالأبطال يموتون قربانا له من أجل أن يحيا الوطن حرّا عزيزا. فالاستعباد ‏في كلّ حالاته مهين مدمّر للذّوات ومحطّم للكيان. يقول أقاسيس: «هبّوا نموت فقد مُلّ ‏الهوان،لا نرضى بالعيش مع المغتصب الأصمّ،يا شمسنا الحمراء في ذاك الافق ‏لا تغربي إلاّ وجيش روما قد ذهب» [ص47]‎‏. ‏فرجال النّوميديا كلّهم على قلب رجل واحد ضدَّ الاستعمار الرّوماني من أجل غراسة ‏مقدّسة لشجرة الحريّة النّبيلة. ولا أدلّ على ذلك من قول أقاسيس:«نعم أنتظرُ موتة ‏تشرّفني كنوميدي قاوم الرّوم.» [ص50]‎‏.‏
‏ فالسّنن الطّبيعيّة والصّراع بين المغتصِب والمغتصَب،  تقوم بالضّرورة على التّدافع ‏المشدود إلى الرّغبة في الغلبة والانتصار من جهة التّشبّث بالأحقّية في الحياة الحرّة ‏والعيش الكريم. فكارينوس القائد العسكري الرَوماني رمز الظّلم يقول:«بلى في سبيل ‏روما يهون كلّ غال ونفيس» [ص58]‎‏. رغم إدراكه مناوئة البعض للعائلة المالكة ومعرفته ‏بتغوّل أفراد الحاشية والوزراء. ومن ثمّ نرى أّنّ جوفيان ينبّهه إلى الدّروس التّي لا ينفكّ ‏التّاريخ يسوقها ويعلَمها لمن ألقى السّمع وهو الشّهيد. أمّا الغافلون عن هذه الدّروس فلا ‏يعتبرون بشيء ولا يفقهون أمرا حتّى يلاقوا مصيرهم المحتوم. واسمع إلى قول كاروس ‏حين يصدع بالقول:«وسيذكرنا التّاريخ، نحن أدرى بالتّاريخ إنّه يحترم المدافن عن الحريّة ‏والعدالة والقيم» [ص64]‎‏. ‏
ثمّ إنّ المسرحيّة لم تغفل عن أهميّة الوحدة وجدواها في تعزيز الصّفوف الوطنيّة وتقوية ‏الشّوكة الدّاخليّة تعزيزا لكرامة الشّعوب. وفي هذا الصَّدد يقول زرجاس: «يوم نجتمع على ‏كلمة واحدة وراية واحدة ونكون عدديّا متقاربين وقتها فقط ستكون هذه الأرض مقبرة ‏الغزاة.» [ص ص 71،72]‎‏.‏‎ ‎
‎   ‎‏وما من شكّ في أنّ هذه القوّة المتولّدة عن الوحدة إنّما تظلّ في مرمى الضّعف ‏والأغلال بمجرّد أن يدبّ الفساد في أوصال الأمّة. وقد أشار زرجاس القائد النّوميدي بما ‏لا يحتاج إلى تأويل حين قال إنّه إذا دبّ الفساد فإنَّ النَتيجة لا بدَّ أن تكون كارثيَّة:«وسيطوي التّاريخ صفحتها فاتحا صفحة أخرى.» [ص ص 73،72].
والمؤسف هو أنّ رجال السّياسة قليلا ما يعتبرون بالدّروس الّتي يسوقها التّاريخ. ومن هذا ‏المنطلق يستحيل التّاريخ إلى مدرسة لا تخفى دروسه عن كلّ ذي لبّ. ويبدو أنّ أكبر ‏الدّروس وأهمّها وأكثرها جدوى هو أنّ الاستبداد بالرّأي واغتصاب حقوق النّاس وأوطانهم ‏وممارسة أبشع أنواع التّعذيب والتّنكيل بالقدر الّذي تعوّد الغاصبون على اتيانه إلى زوال لأنّ الحقّ ‏يعلو ولا يعلى عليه، وإرادة الشّعوب لا يهدأ لها بال حتّى وإن طال صوت القمع وعمّ ‏الاغتصاب. يقول ألسطاس:«أجلدوه حتّى الموت أمام عيون زوجته وأقاربه وكلّ متساكني ‏شمتو من النّوميديين.»[ص92]. ‏
‏فللاستعمار لغة واحدة تعذيب وتحطيم وتدميرز وعلى الرّغم من ذلك تظلّ ‏قوانين الوجود واحدة. فكلّ قرية وهي رمز الصّوت الواحد تؤول بالضّرورة إلى العذاب ‏في الدّنيا والهلاك في الواقع المعيش قبل يوم القيامة. وتمضي الحضارة وينقضي ‏أصحابها. وتبقى العلامات الدّالّة والنّقوس الآثار. تقول جوليا:«فخارهم جميل عليه صور ‏وأشكال هندسيّة بديعة.» [ص 100]. ومن خلال ما سبق نخلص إلى القول، إنّ هذه ‏المسرحيّة بما تضمّنته من قيم وأفكار وقضايا تجعل منها أثرا فنّيا هادفا من مكتنزا بعبر ‏التّاريخ معلّم الإنسانيّة الأوّل. وإذا توسّل طارق العمراوي بالتّاريخ  وصاغ منه مسرحيّة ‏تنهض على معمار مخصوص ضارب في واقع حيوي وتاريخي معيش مستعينا بذلك على ‏تجسيد هذه الافكار والقيم بشخوص يضطلع كلّ واحد منهم بوظيفة تعبيريّة وتأثيريّة، فإنّ ‏ذلك كلّه اقنعة ورموز يتوسّل بها المؤلّف لمعالجة قضايا عصره ومقتضيات واقعه ‏الاجتماعي والسّياسي. ومن ثمّ تنخرط المسرحيّة في نقطة التّقاطع بين الرّمزيّة والواقعيّة: ‏واقعيّة تاريخيّة توهم بمحاكاة الواقع ورمزيّة بادية في الأقنعة العديدة ممّا يحيل على ‏شعريّة الرّمز. والّذي لا شكّ فيه هو أنّ التّاريخ يمثّل سيّد الأقنعة ورئيس الرّموز. ومازال ‏التّاريخ يصرّف أزمنته ويسوق عبره قصصا وأخبارا وأشعارا وأمثالا ومسرحا. وفي كلّ ‏ذلك تتجلّى حكمة الإنسان الخالدة ماثلة في صروح الحضارات الّتي أنشأها رغم الحيف ‏الّذي يبدو أحيانا ويطفو أحيانا أخرى في أشكال من العلاقات الجائرة. ومع ذلك تظلّ ‏تجارب الأوّلين مرايا المتأخّرين، يقرؤون ذواتهم فيها من خلال مآثر الأجداد تأسيا ‏ومثالبهم تجنّبا.‏
على سبيل الخاتمة
إنَ القصَة كلَها قد جرت في قرون سبقت ميلاد المسيح و تستلهم الأحداث الّتي كان لها ‏صدى زمن زعماء نوميديا وهم ماسينيسا [148-202]، وأبناؤه ميسيبسا [118-148]،غلوسا[148-145]‏، ماستانبال [148-14؟]، وابني ‎ميسيبسا هيمبسال الأول [118-117] وعزربعل النوميدي [118-112] و يوغرطة ابن ماستانبال [118-105] ‎وغودا [105-88] وهارباس [81 - ؟؟] 
وككلّ حكاية في السّياسة فإنّ هذه القصّة لم تخلو من مؤامرات ودسائس وخيانة من شأنها أنْ تودّي ‏بحياة أبطال ومناضلين وشرفاء وطنيين. وللقصّة وجه آخر في علاقة الأرض بمغتصبيها حتّى ‏أضحت نوميديا مقاطعة رومانيَّة. وطارق العمراوي إنّما استند على هذه الخلفيَّة التَّاريخيَّة لا لينْحصر ‏في مضيق الماضي وإنَّما ليستلَّ منه نصيبا من الوعي يدعّ به ما أفتقد من وعي وإحساس بالتَّاريخ و‏قيمه ودروسه وعبره. لقد ازدوجت الوظيفة في هذه المسرحيَّة. فهي بقدر إفادة القارئ فإنَّها تمتّعه. و‏ذلك هو شأن الأدب الهادف.‏
الهوامش: ‏
[1] انظر عرائس المجالس في قصص الأنبياء للثّعلبي، ص 11. ‏ ‎ ‎
[2] محمد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي꞉ أسس تشريع الأحوال الشَخصيَة꞉ الوصيَة، الإرث، القوامة، التَعدَديَة، الزواج، ملك اليمين، ‏الطَلاق، اللَباس، دار السَاقي، بيروت، ط4 ، سنة 2018 ، ص 383‏
[3] ‎ ‎أنظر ص 44.‏