الأولى

بقلم
م.فيصل العش
الكتاب والأمن القوميّ: حينما يكون الكتاب خط الدّفاع الأول
 1. الأمن القومي.. ومعركة الوعي والإدراك
لأنّ الصّراع انتقل من ساحات المعارك التّقليديّة إلى ساحات «الوعي» و«الإدراك»، لم يعد مفهوم الأمن القوميّ في القرن الحادي والعشرين مقتصراً على حماية الحدود الجغرافيّة، أو تكديس التّرسانات العسكريّة، أو تأمين منافذ الطّاقة والغذاء فحسب، بل تعدّاه ليصبح معنيّاً بتحصين الوعي الفردي والجماعي. وفي هذا السّياق، لم يعد «الكتاب» أداة للتّرفيه أو التّرف الثّقافيّ، بل أصبح ركيزة وجوديّة للأمم، وخطّ الدّفاع الأوّل الّذي إن سقط، تهاوت خلفه كلّ الحصون العسكريّة والاقتصاديّة. إنّ الأمّة الّتي لا تقرأ، لا تكتفي بتجهيل نفسها، بل تسلّم مفاتيح مصيرها لغيرها، وتدخل طواعيّة في نفق التّبعيّة المظلم. من هنا، يصبح الحديث عن الكتاب والقراءة حديثاً عن السّيادة، وعن البقاء، وعن المستقبل.
2. جدليّة الجوع والعبوديّة.. معادلة الأمن القوميّ
حين تتردّد المقولة الخالدة: «شعب يقرأ، لا يجوع ولا يُستعبد»، فإنّها لا تطرح شعاراً رومانسيّاً، بل تقرّر قانوناً تاريخيّاً واجتماعيّاً صارماً. هذه المقولة تختزل معادلة الأمن القوميّ في شقّيه: الاقتصاديّ (الجوع) والسّياسيّ (الاستعباد). فكيف يمكن لصفحات كتاب أن تحمي أمّة بأكملها من الجوع والاستعباد؟
1. الكتاب ضدّ الجوع (الأمن الاقتصاديّ): الجهل هو التّربة الخصبة لنموّ الفقر، والشّعوب الّتي لا تقرأ تعجز عن استثمار مواردها، وتعجز عن الابتكار، وتظلّ حبيسة الطّرق البدائيّة في الإنتاج والإدارة. ففي اقتصاد المعرفة اليوم، لا تأتي القيمة المضافة من الجهد العضليّ، بل من الجهد الذّهنيّ. الكتاب هنا هو وعاء الخبرة البشريّة؛ فمن يقرأ يتعلّم كيف يزرع بذكاء، وكيف يصنع بكفاءة، وكيف يدير المال بحكمة. وهذا ما أكّده المفكّر مالك بن نبي حين قال: «إنّ الأزمة الاقتصاديّة... ليست أزمة في الوسائل أو الموارد، ولكنّها أزمة في الأفكار... فالمال لا يصنع الحضارة، بل الحضارة هي الّتي تصنع المال»(1). لذا، فإنّ الشّعب الّذي يقرأ يمتلك مفاتيح الرّزق وأدوات تطوير واقعه المادّيّ، فلا يمكن أن يجوع لأنّه تعلّم كيف يصنع رغيفه بكرامة.
2. الكتاب ضدّ الاستعباد (الأمن السّياسيّ): لا ينمو الاستبداد، سواء كان داخليّاً أو خارجيّاً، إلّا في تربة الجهل. لذلك يخشى الطّغاة الكتاب أكثر ممّا يخشون الرّصاص، لأنّ الكتاب لا يبني إلّا «الفرد الحرّ» الّذي يعي حقوقه وواجباته، ويمتلك القدرة على النّقد والمساءلة. وهذا ما شخّصه بدقّة عبد الرّحمن الكواكبيّ حين أكّد أنّ المستبدّ: «ترتعد فرائصه من علوم الحياة... لأنّها تكبّر النّفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هو الإنسان» (2). ويبدأ الاستعباد حين يقتنع الفرد نتيجة جهله أنّه عاجز أو قاصر، لكنّ علاقته بالكتاب وبالتّالي بالقراءة تهدم هذا الشّعور بالنّقص، وتعيد بناء الثّقة بالذّات. فلا يُقاد القارئ كالقطيع، ولا يُخدع بالشّعارات البرّاقة، ولا يُرهب بالصّوت العالي. لذلك، تظلّ القراءة فعل «تحرّر» مستمرّ، وتمثّل المناعة الحقيقيّة ضدّ أيّ محاولة لتركيع الشّعوب.
3. سيادة الكتاب.. معركة استقلال العقل 
تقول القاعدة الاستراتيجيّة للأمن القوميّ المعرفيّ: «من لا يصنع كتابه، يُصنع وعيه من الخارج». فنحن نعيش اليوم عصر «هندسة العقول»، إذ لم يعد الوعي يتشكّل تلقائيّاً عبر الأسرة والمسجد والمدرسة المحلّيّة كما كان، بل تحوّل إلى صناعة ثقيلة تديرها إمبراطوريّات إعلاميّة ودور نشر عالميّة. وهذه التّبعيّة المعرفيّة ليست وليدة الصّدفة، بل هي خضوع لقانون اجتماعيّ صارم ذكره العلّامة ابن خلدون، الّذي يرى أنّ استيراد أفكار الآخر وعاداته هو نتيجة حتميّة للشّعور بالهزيمة النّفسيّة، حيث يقول:«إنّ المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده»(3). فعندما تستورد أمّة ما كتبها، ونظريّاتها، وقصص أطفالها، ومناهج تفكيرها من الخارج؛ فهي -تصديقاً لابن خلدون- تستعير «نظّارة» الغالب لترَى بها نفسها، وترى بها العالم، وحينها تفقد السّيطرة على عقلها الجماعيّ.
1. الاختراق النّاعم: إنّ خطورة عدم «صناعة الكتاب» محلّيّاً تكمن في تسلّل مفاهيم وقيم قد تتعارض مع هويّة الأمّة ومصالحها العليا إلى وعي المتلقّي دون أن يشعر. وهذا ما يسمّى بـ «الغزو الثّقافيّ» أو القوّة النّاعمة. وهي معركة وجوديّة لخّصها إدوارد سعيد حين نبّه إلى أنّ: «القوّة على السّرد... تشكّل عنصراً حاسماً في الثّقافة والإمبرياليّة»(4). وتتجسّد هذه الحقيقة بوضوح في المثل الإفريقيّ البليغ:«حتّى تمتلك الأسود مؤرّخيها، سيظلّ تاريخ الصّيد يمجّد الصّيّاد». فحين لا تكتب تاريخك بيدك، سيكتبه الصّيّاد؛ وحينها سيحوّل أبطالك إلى قتلة، ومقاومتك إلى إرهاب، وحقوقك إلى أوهام.
2. الاستقلال المعرفيّ: صناعة الكتاب الوطنيّ من حيث المضمون هي إعلان استقلال، بمعنى امتلاك القدرة على تشخيص مشاكلنا بأدواتنا، واقتراح حلول تناسب بيئتنا، ورسم مستقبلنا بأيدينا. والأمّة الّتي تعتمد على «استيراد الحلول المعلّبة» عبر كتب الآخرين ستظلّ دائماً تابعة، تدور في فلك المنتج الأصليّ، عاجزة عن الفكاك منه. وهذا ما حذّر منه علي شريعتي بوضوح حين اعتبر أنّ: «التّقليد ليس طريقاً للتّقدّم، بل هو طريق إلى «المسخ»... فمن يرى نفسه بنظّارة غيره، لن يرى إلّا ما يريد الغير له أن يراه»(5). فالأمن القوميّ يقتضي أن نكون منتجين للمعرفة لا مجرّد مستهلكين لها، لأنّ المستهلك دائماً خاضع لشروط المنتج.
4. «القابليّة للاستعمار» وتحصين الجبهة الدّاخليّة
تحضرنا هنا بقوّة رؤية المفكّر مالك بن نبي، الّذي ربط بين الثّقافة والاستعمار ربطاً عضويّاً. فالأمن القوميّ لا يتهدّد فقط بوجود «مستعمِر» على الحدود، بل بوجود داء باطنيّ أخطر هو «القابليّة للاستعمار». وقد شخّص بن نبي هذه الحالة بدقّة حين قال: «إنّ الاستعمار لا يسلّط سلطانه إلّا على الشّعب الّذي يحمل في داخله «القابليّة للاستعمار»... فتصفية الاستعمار هي قبل كلّ شيء تصفية هذه القابليّة» (6).
والكتاب هو التّرياق الفعّال لهذه القابليّة، إذ تنقّي القراءة الواعية العقل من شوائب الشّعور بالدّونيّة، وتُحرّره من الخرافات الّتي تعيق الحركة، ومن الجمود الّذي يقتل الإبداع؛ وبذلك يحوّل الكتاب «الكتلة البشريّة» الخاملة إلى «مجتمع» حيويّ وفاعل. وفي سياق متّصل، ينسج الكتاب خيوط «اللّحمة الوطنيّة»؛ فالثّقافة المشتركة، والتّاريخ المقروء، واللّغة المصانة، هي العناصر الّتي تصهر الأفراد ليصبحوا «شعباً» واحداً يصعب تفكيكه. وفي المقابل، فإنّ تآكل هذا الوعي الجامع يضرب الأمن الوطني والقومي في مقتل، ويدفع المجتمع حتماً إلى التمزّق؛ وهي الحالة الّتي رصدها عالم النّفس الاجتماعيّ مصطفى حجازي بعمق حين ربط بين غياب الأمن والرّدّة القبليّة قائلاً: «في غياب الأمن الوطنيّ والقوميّ، يرتدّ الإنسان إلى العشيرة أو الطّائفة... فتصبح العصبيّة هي الملاذ، وهي البديل عن القانون وعن الدّولة»(7). فالمعرفة، إذن، هي الماء الّذي يطفئ نيران الفتنة قبل اشتعالها، لأنّها تخلق هويّة جامعة تسمو فوق الهويّات الفرعيّة، بينما يظلّ الجهل هو الوقود الأمثل للحروب الأهليّة.
5. نوعيّة القراءة.. بين التّحرير والتّخدير 
ليست كلّ قراءة تصنع وعياً؛ فالقراءة الّتي تكتفي بمراكمة المعلومات دون فهم، أو تلك الّتي تغذّي الأنا والانعزال دون حسّ اجتماعيّ، قد تكون خطراً أشدّ من الجهل ذاته. لقد أدركت الدّول النّاهضة أنّ «القراءة المحرّرة» ليست تلك الّتي تخدّر الشّعوب، بل هي الّتي تنمّي التّفكير النّقديّ، وتدرّب العقل على طرح الأسئلة الجريئة، وتحثّ على تحليل الواقع ومواجهته بدلاً من الهروب منه. وهذا ما أكّده باولو فريري حين حذّر من خطورة حشو الأدمغة بالمعلومات المجرّدة قائلاً: «إنّ المعرفة الّتي تُفرض على المتعلّم دون مشاركة نقديّة منه، لا تنتج إلّا «اغتراباً»... فالقراءة الحقيقيّة ليست مجرّد المشي على الكلمات، بل هي إعادة كتابة الواقع» (8).
وهنا يبرز «كتاب الطّفل» كأخطر جبهات هذه المعركة. ففي المجتمعات المتقدّمة، لا يعامل كتاب الطّفل كأداة للتّسلية البريئة أو كمنبر لـ «الوعظ المباشر»، بل هو «معمل لصناعة المواطن القادم». لذا، نجد لديهم سلاسل قصصيّة مصمّمة بذكاء لتدرّب الطّفل على مهارات حلّ المشكلات، وتزرع فيه قيم العمل الجماعيّ وقبول الاختلاف، وتعالج قضايا عميقة كالقلق، والهويّة، والتّعامل مع الفشل والنّجاح. إنّها معركة الوعي المبكّر الّتي كُسبت هناك بجدّيّة، ولا تزال تُهمل هنا بسطحيّة.
6. نحو استراتيجيّة وطنيّة: 
من «العزلة المؤسّساتيّة» إلى «أمّة تفكّر، فتعمل، فتنتج»
سيظلّ شعار «نريد أمّة تفكّر، وتعمل، وتنتج» حبراً على ورق ما لم نعالج الخلل الهيكليّ الأكبر في منظومتنا المعرفيّة، ألا وهو: غياب الرّؤية الموحّدة والتّشتّت المؤسّساتيّ. نحن نمتلك المكوّنات، ولكنّنا نفتقد «الرّابط». فلدينا جامعات تخرّج الآلاف بعد إنجاز بحوثهم، ومخابر بحث تنتج دراسات لا يقرؤها أحد، ووزارات ثقافة وتربية تعمل كلّ واحدة في فلك منفصل، ومساجد تعظ بمعزل عن واقع النّاس، وإعلام يغرّد خارج السّرب ودور للنشر تصدر الكتب وتسوّقها. كلّ طرف يعمل في «جزيرة منعزلة»، ممّا يجعل الكتاب والمعرفة في حالة يتم وغربة. وللخروج من نفق التّبعيّة، يجب أن ننتقل من «العمل الفرديّ» إلى «الشّراكة الوطنيّة»، بحيث يُدار ملفّ الكتاب والنّشر داخل «مجالس الأمن القوميّ» وخطط التّنمية، وليس كملفّ ثانويّ، وذلك وفق خريطة طريق عمليّة تتسلسل كالتّالي:
1.6. المرحلة الأولى (التّأسيس: الكتاب كسلعة استراتيجيّة): 
تنطلق هذه المرحلة بتكريس فكرة الكتاب كسلعة استراتيجيّة (المدخلات)، فلا يمكن أن يبدأ أيّ إصلاح من الفراغ؛ فالكتاب هو المستودع الّذي ننهل منه. لذلك لا يكفي أن ترفع دولنا شعار «نحن أمة تقرأ» في الخطب، بل يجب أن تمارسه في السّياسات. وذلك عبر جعل الكتاب جزءا من المنظومة التّعليميّة منذ الطّفولة المبكّرة، ومكوّن أساسي في بناء المواطن القادر على التّفكير والنّقد،وركيزة من ركائز الاقتصاد الإبداعي والأمن الثّقافي. ولهذا لا يُترك الكتاب كسلعة توجّهها دور النّشر الدّاخلية والخارجيّة وتتحكّم في مضمونها، ولا يُختزل في معارض موسميّة أو مبادرات مناسباتيّة.
وتتطلّب هذه المرحلة تدخّلاً جذريّاً يبدأ من اعتبار الورق والمطابع سلعاً استراتيجيّة لا مجرّد بضائع تجاريّة، وهو ما يستوجب تقديم إعفاءات ضريبيّة حقيقيّة لدور النّشر الجادّة لتشجيعها على تبنّي «مشاريع تنوير» بدل الغرق في الرّبحيّة البحتة. وبالتّوازي مع ذلك، لا بدّ من إطلاق حركة «توطين للمعرفة» عبر مشاريع ترجمة ضخمة للعلوم الحديثة -على غرار التّجربة اليابانيّة- هدفها الفهم ثمّ البناء لا الاستهلاك المجرّد. ولكي تؤتي هذه الجهود أكلها، يجب دعم الكتاب مادّيّاً في مراحل إنجازه وطباعته ليصبح سعره موازياً لسعر «رغيف الخبز»، مع ضمان وصوله إلى كلّ مواطن عبر تعميم المكتبات العامّة في كلّ حيّ وإطلاق المنصّات الرّقميّة الوطنيّة.
2.6. المرحلة الثّانية (أمّة تفكّر : هندسة العقول): 
القراءة وحدها لا تكفي، خاصّة إذا كانت تلقيناً. فالهدف منها هو خلق «إنسان يفكّر» عبر تكامل الأدوار بين ثلاثة أطراف: المشرفين على التّربية والتّعليم والجامعة ومخابر البحث والإعلام. حيث يتكفّل الطّرف الأول بنسف مناهج التّلقين واستبدالها بمناهج «التّفكير النّقديّ»، لتهيئة جيل يقرأ ليفهم، ويفهم لينقد، وينقد ليطوّر؛ فيكون حصناً ضدّ التّطرّف والتّلاعب. ويتمثّل دور الطّرف الثّاني في وجوب مغادرته «برجه العاجيّ» فيقوم برصد مشاكل المجتمع الحقيقيّة (الصّناعيّة والزّراعيّة) وتحويلها لأسئلة بحثيّة، لتكون الكتب الصّادرة عنها «حلولاً» لا مجرّد «أوراق». فيما يتحوّل الطّرف الثالث وهو الإعلام من التّرفيه السّطحيّ إلى شريك يروّج للأفكار، ويصنع «نجوماً» من المفكّرين بدلاً من نجوم التّفاهة.
3.6. المرحلة الثّالثة (أمّة تعمل :من النّظريّة إلى السّلوك):  
في هذه المرحلة يجب تحويل المعرفة إلى سلوك حضاريّ وتطبيقيّ، فالفكر الّذي لا يتحوّل إلى عمل هو ترف ذهنيّ. هنا يأتي دور المسجد والمنابر الدّينيّة في إعادة الاعتبار لقيمة «اقرأ» كقيمة تعبّديّة تدفع لإتقان العمل، والنّظام، واحترام الوقت، من جهة. ومن جهة أخرى يتمّ دمج مخرجات البحث العلميّ (الكتب) في المصانع والإدارات، فتتحوّل القراءة إلى «مهارة»، والمهارة إلى «قيمة مضافة» ملموسة في الاقتصاد.
4.6. المرحلة الرّابعة (أمّة تنتج :السّيادة والرّيادة): 
عندما نقرأ (ندخل المعلومات)، ونفكّر (نعالجها)، ونعمل (نطبّقها)، فإنّ النّتيجة الحتميّة هي «الإنتاج»: إنتاج غذائنا، ودوائنا، وسلاحنا، ومعرفتنا الخاصّة. حينها فقط، نتحوّل من «مفعول به» في الجملة الحضاريّة إلى «فاعل»، ونبدأ في تصدير ثقافتنا للعالم بدل استهلاك ثقافة الآخرين.
7. خاتمة: الكتاب كسلاح استراتيجيّ
إنّ الفجوة الّتي تفصلنا عن العالم المتقدّم ليست فجوة في الموارد الطّبيعيّة، ولا في الذّكاء الفطريّ، بل هي «فجوة معرفيّة» بالدّرجة الأولى. فالغرب لم يتفوّق لأنّه يملك الذّهب، بل لأنّه امتلك «المعرفة» الّتي مكّنته من استخراج الذّهب من مناجم شعوبٍ حُجِبت عنها أسباب العلم. وعلى المنوال ذاته، لم يسلب الكيان الصّهيونيّ الأرض بالسّلاح فحسب، بل بسرديّة تاريخيّة -وإن كانت مزيّفة- روّج لها عبر الكتب والأفلام قبل أن يفرضها بالدّبّابات. لذلك، فإنّ العودة إلى الكتاب هي العودة إلى الحياة، وتحويله إلى «زادٍ يوميّ» هو السّبيل الأوحد لكسر طوق الجوع والعبوديّة؛ فحماية وعينا من الاختراق تتطلّب أن نكون نحن «المؤلّفين» لقصّتنا، لا «شخصيّات ثانويّة» في قصص الآخرين.
إنّ المعادلة بسيطة بقدر ما هي خطيرة: إمّا أن نتمسّك بالكتاب الجادّ، ونبدأ مسيرة «التّفكير والعمل والإنتاج»، وإمّا أن نهجره، فنظلّ جياعاً نستجدي رغيفنا، وعبيداً ننتظر قرارات أسيادنا. إنّ الأمن القوميّ الحقيقيّ يبدأ من الحرف الأوّل في الكتاب الأوّل الّذي يفتحه طفل في أقصى قرية نائية.. فهناك تُزرع السّيادة، وهناك يُصنع المستقبل
الهوامش
(1) مالك بن نبي،«مشكلة الأفكار في العالم الإسلاميّ». دار الفكر (دمشق). الطّبعة الحادية عشرة 2002، ص: 117.
(2) عبد الرّحمن الكواكبيّ ،«طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد». دار النّفائس (بيروت).2006،(الطّبعة الثّالثة). ص 45.
(3) ابن خلدون. عبد الله محمّد الدّرويش. دار يعرب (دمشق)، 2004 (الطّبعة الأولى)، ص: 196 (الفصل الثّالث والعشرون).
(4) إدوارد سعيد، «الثّقافة والإمبرياليّة»،ترجمة كمال أبو ديب، دار الآداب (بيروت)، 2014 (الطّبعة الرّابعة)، ص: 16 (في المقدّمة).
(5) د. علي شريعتي، «العودة إلى الذّات»، ترجمة إبراهيم الدّسوقي شتا، الزّهراء للإعلام العربيّ (القاهرة)،1986، ص: 42.
(6) مالك بن نبي، «شروط النّهضة»، ترجمة عمر كامل مسقاوي، دار الفكر (دمشق)،1986، ص: 58.
(7) د. مصطفى حجازي،«التّخلّف الاجتماعيّ: مدخل إلى سيكولوجيّة الإنسان المقهور». المركز الثّقافيّ العربيّ (الدّار البيضاء/بيروت). 2005 (الطّبعة التّاسعة). 137 (فصل التّفكّك الاجتماعيّ).
(8) باولو فريري،«تعليم المقهورين». ترجمة د. يوسف نور عوض).دار القلم (بيروت).1980 (الطّبعة الأولى). ص: 72 (بتصرّف).