الاولى
| بقلم |
![]() |
| م.فيصل العش |
| مَعَالِمُ التَّدَبُّرِ المُرَكَّبِ (5) (البعد البَيَانِيُّ - الجزء الثالث) جماليات البيان القرآني: |
1. عتبة الحلقة: البيان الذي يوقظ الحواس
يدرك المتدبّر البياني أنّ القرآن يصوغ الحقائق في صور تُرى بالبصيرة، وإيقاعات تُسمع بالقلب؛ فيتحول المعنى إلى مشهد شاخص، ويغدو الصوت جزءًا من التجربة الشعورية، وتتآزر الفكرة والصورة والنبض في بناء واحد.
ومن هنا تقوم هذه الحلقة على ركيزتين كبريين: معمار التصوير، حيث تتجسّد المعاني في مشاهد حيّة؛ وهندسة الصوت، حيث يتحوّل الجرس والإيقاع إلى قوّة وجدانية ترافق المعنى، وتعمّق أثره في النفس.
وتبرز قيمة هذا البعد في أنّ الجمال القرآني يؤدّي وظيفة هادِية، تتجاوز الإمتاع البلاغي إلى صناعة الأثر في الإنسان. فالصورة توقظ الخيال ليخدم الحقيقة، والإيقاع يحرّك الوجدان ليتهيّأ لتلقّي المعنى، والجمال في القرآن زينةٌ موصولة بالمقصد، وطريق من طرق التربية والتذكير. وبذلك يغدو التصوير والإيقاع جزءًا من منهج القرآن في بناء الإنسان؛ إذ يجعل الحقّ أقرب إلى النفس، وأشدّ رسوخًا في القلب، وأقدر على مقاومة الغفلة والجمود.
فالقرآن يخاطب الإنسان في كليّته: عقله، وسمعه، وبصره الداخلي، ووجدانه؛ فيوقظ جهاز التلقي كلّه، ويجعل الحقيقة تُرى، وتُسمع، وتُحسّ، ثم تتحوّل بعد ذلك إلى إيمان ووعي وسلوك.
2. معمار التصوير: تجسيد المعنى
التصوير هو الأداة الأولى في جمال البيان القرآني؛ إذ يتحوّل المعنى المجرّد إلى مشهد حيّ ينبض بالحركة، وتستحيل الفكرة الذهنية إلى لوحة شاخصة تُشغل الحواس. ويتجلّى هذا الإعجاز التصويري عبر أبعاد متداخلة: بناء المشاهد الحركية، وتشخيص الطبيعة، وتجسيد المعاني المصيرية، وتوزيع الضوء والظلال.
وقد تنبّه الإمام عبد القاهر الجرجاني (تُوفّي سنة 471هـ/1078م) إلى أثر التمثيل في نقل المعنى إلى مجال الشهود، فقال: «أنَّ ممَّا اتَّفقَ عليهِ العُقلاءُ، أَنَّ التَّمثيلَ إِذا جاءَ في أعقابِ المعاني.. أخرَجَها من خَفيٍّ إلى جَليٍّ، ومِن مَعقولٍ إلى مَحسوسٍ.. فإِذا مُثِّلتْ لكَ صُورةٌ مرئيَّةٌ، كانَ أوقعَ في نفسِكَ وأشدَّ تأثيرًا في قلبِكَ»(1). فالصورة هنا تؤدّي وظيفة بيانية عميقة؛ تثبّت المعنى في القلب عبر الحسّ والخيال، وتمنح الفكرة حضورًا مشهودًا يوقظ الوجدان ويعمّق الأثر.
وفي العصر الحديث، بلور سيد قطب (تُوفّي سنة 1386هـ/1966م) هذه الرؤية في كتابه التصوير الفني في القرآن، وجعل التصوير قاعدة أصيلة في التعبير القرآني، فقال: «التَّصويرَ هو الأداةُ المُفَضَّلةُ في أسلوبِ القرآنِ؛ فهو يُعبِّرُ بالصُّورةِ المُحَسَّةِ المُتَخَيَّلَةِ عن المعنى الذِّهنيِّ، وعن الحالةِ النَّفسيَّةِ.. ثم يرتقي بالصُّورةِ الَّتي يرسمُها حتَّى يمنحَها الحياةَ الشَّاخصةَ، أو الحركة المتجدّدة. فإِذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسيّة لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حيّ، وإذا الطبيعة البشريّة مجسّمة مرئيّة..»(2).
وقد رسّخت بنت الشاطئ (تُوفّيت سنة 1419هـ/1998م) هذا المنحى في منهجها البياني، إذ كانت تقرأ الآيات بوصفها مشاهد حيّة تتحرّك أمام المتلقّي. ففي تفسيرها لسورة العاديات تقول: «وإنما هو مشهد مثير، لغارة مفاجئة تصبح القوم بغتة على غير انتظار. وموقف المباغتة، يلائمه قصر الآيات بما فيه من حسم، وسرعة الانتقال، وتلاحق الأحداث ما بين العدو، وإيراء القدح، وإثارة النقع، إلى توسط الجمع...» (3).
ومصطلح التصوير الفنّي، وإن شاع حديثا مع سيد قطب، فإنّ روحه حاضرة في التراث البلاغي والتفسيري تحت مسميات مثل التشبيه التمثيلي وتمثيل الهيئة. وقد كان ابن عاشور (تُوفّي سنة 1393هـ/1973م) من أبرز من التفتوا إلى هذا البعد البصري في التّحرير والتنوير، حيث كان يفكّك الآيات كأنّها لوحات مشهدية مركّبة، تتجاوز العرض التقريري إلى بناء الصورة والحركة والأثر.
3. مشاهد النّور والظلمة في سورة النّور
ندخل الآن إلى معرض البيان التطبيقي، فنقف أمام إحدى أعظم اللوحات القرآنية في تصوير خيبة الأمل المطلقة. ففي سورة النور، يتحوّل بطلان أعمال الكافرين إلى مشهدين مزلزلين: سرابٍ في فضاء مكشوف لاهث، وظلماتٍ في بحر عميق خانق.يقول تعالى في المشهد الأول:﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: 39]. يبني القرآن هنا فضاءً مشهديًّا قائمًا على الخداع البصري: سراب في قيعة، أي في أرض منبسطة تزيد التيه امتدادًا. وفي قلب هذا الإطار يتحرّك الظمآن، وقد بلغ به العطش حافة الهلاك؛ يطارد أملًا كاذبًا، حتّى ينهار الوهم كلّه عند قوله تعالى: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، ثم تنكشف الحقيقة الكبرى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾.
وقد انتبه ابن عاشور إلى هذا التجسيد الفني، فقال: «شُبِّهتْ حالةُ كدِّهم في الأعمالِ وحرصِهم عليها، بحالةِ ظمآنٍ يرى السَّرابَ فيحسبُهُ ماءً فيَسعى إليهِ.. واعلمْ أَنَّ الحالةَ المُشبَّهةَ مركَّبةٌ من مَحسوسٍ ومَعقولٍ، والحالةَ المُشبَّهَ بها حالةٌ مَحسوسةٌ، أَي داخلةٌ تحتَ إدراكِ الحواسِّ»(4).
ثم ينتقل النظم القرآني مباشرة إلى مشهد آخر:﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: 40]. هنا يبني القرآن معمارًا عموديًّا من الظلمات: بحر عميق، يعلوه موج، ثمّ موج آخر، ثمّ سحاب يحجب ما بقي من ضوء. وفي قلب هذا الخضمّ المرعب تظهر حركة بطيئة مشلولة: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾. واليد أقرب أدوات الإنسان إليه، فإذا غابت عن عينه، فقد بلغ العمى المطبق غايته.
ويغوص سيد قطب في الأثر الحسي لهذين المشهدين، فيقرّر أنّ التعبير القرآني «يرسم لحال الكافرين ومآلهم مشهدين عجيبين، حافلين بالحركة والحياة»، ثم يصوّر مفاجأة السراب بأنّها «المفاجأة المذهلة... المرعبة التي تقطع الأوصال»، فيكشف بذلك عن طاقة التصوير القرآني في تحويل المعنى العقدي إلى مشهد يهزّ النفس.(5).
ويكشف الجمع بين المشهدين عن عبقرية التباين القرآني؛ فحرارة السراب ولهاثه تقابل برودة البحر وظلماته، وفي هذا التباين تكتمل صورة الضّلال: وهمٌ يحرّك الإنسان نحو فراغ، وظلمة تشلّه داخل غرق مطبق. ثمّ تأتي الحقيقة الجامعة: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾.
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أنّ المثلين في سورة النور يصوّران حالين من أحوال الضّلال: حال من يظنّ أنّه على عمل نافع، فإذا به كسراب يخدع الظمآن؛ وحال من يغرق في ظلمات متراكمة، فاقدًا معالم الرؤية والهداية. ويشرح الزمخشري (تُوفّي سنة 538هـ/1144م) مشهد الظلمات بقوله في معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: «مبالغة في لم يرها؛ أي: لم يقرب أن يراها؛ فضلاً عن أن يراها»(6).
وقد بيّن ابن القيم (تُوفّي سنة 751هـ/1350م) أنّ مثلي السراب والظلمات يكشفان بطلان أعمال أهل الكفر وفساد علومهم وعقائدهم؛ فشبّهت أعمالهم بالسراب من جهة خلوّها من الحاصل، وبالظلمات من جهة فقدانها النور والهداية. يقول: «وهذا التشبيه هو تشبيه لأعمالهم الباطلة بالمطابقة والتصريح، ولعلومهم وعقائدهم الفاسدة باللّزوم. وكلّ واحد من السراب والظلمات مثل لمجموع علومهم وأعمالهم، فهي سراب لا حاصل لها، وظلمات لا نور فيها»(7).
4. هندسة الصوت: نبض الكلمات وإيقاع النظم
يخاطب التصوير الفني العين الداخلية، أمّا معمار الصوت فيوقظ أذن القلب، وينقل إليها الانفعال النفسي المباشر. ففي هذا البعد من التدبّر، يتحوّل الحرف إلى نبضة صوتية محسوبة، لها موقعها في بناء المعنى والانفعال. تارة تقرع الحروف سمعك قرعًا مهيبًا في مشاهد العذاب، وتارة تنساب في أذنك همسًا نديًّا في مشاهد الرحمة والسكينة.
وقد أسّس ابن جني (توفّي سنة 392هـ/1002م) لقاعدة مناسبة الأصوات للمعاني، فقال في باب «إمساس الألفاظ أشباه المعاني»: «فأمّا مقابلةُ الألفاظِ بما يشاكلُ أصواتَها من الأحداثِ، فبابٌ عظيمٌ واسعٌ... وذلك أنّهم كثيرًا ما يجعلون أصواتَ الحروفِ على سَمْتِ الأحداثِ المعبَّرِ بها عنها، فيعدِلونها بها ويحتذونها عليها». كما قرّر في موضع آخر قاعدة «قوّة اللفظ لقوّة المعنى»، بما يدلّ على عنايته بالعلاقة بين البنية الصوتية وشدّة الدلالة.(8).
وقد تنبّه مصطفى صادق الرافعي (توفّي سنة 1356هـ/1937م) إلى سلطان النظم الصوتي في القرآن، فعدّ الفواصل القرآنية «صورًا تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى»، ورأى أنّ أثر هذا الاستهواء الصوتي طبيعي في كلّ نفس، وأنّ تبديل حرف واحد يوقع خللًا في «نسق الوزن وجرس النغمة» وفي «حسّ السمع وذوق اللسان» (10).
ندخل الآن إلى محراب الصوت القرآني، ونرهف السمع لبنية الحروف وصفاتها: شدّة ورخاوة، همس وجهر، تفخيم وترقيق، امتداد وانقطاع. ففي قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: 21]، أنصت إلى فيزياء الصوت في كلمة دكّ: الدال حرف مجهور شديد، والكاف حرف شديد ينتهي بهمس قاطع، والتكرار في ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ يفرض على القارئ قرعًا صوتيًا متتاليًا. إنّ النطق نفسه يحاكي صدى التفتيت والطحن العنيف للأرض قبيل القيامة.
وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: 3]، يجتمع ثقل القاف والضاد والظاء في بنية صوتية ضاغطة. ومجرّد النطق بهذه الحروف يتطلّب جهدًا من اللسان والفكّ والحنجرة، فكأنّ القارئ يحمل عبئًا في فمه وهو يتلوها؛ لينتقل إليه صوتيّا ثقل الهمّ الذي كان يضغط على ظهر النبي ﷺ.
ويتجلى الإعجاز الصوتي كذلك في قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 94]. فقد ارتقى اللفظ من صيغته الثلاثية كبّ، الدالة على أصل الإلقاء على الوجه، إلى صيغته الرباعية المضعّفة كُبكبوا. وتكرار المقطع الصوتي كب/كب يفرض على جهاز النطق احتباسًا للهواء ثم انفجارًا متتابعًا، فتخرج الآية من حدود الخبر عن إلقائهم، وتضع السامع أمام مشهد تدحرجهم؛ يقعون على وجوههم، ثم يرتطمون مرّة بعد أخرى في منحدرات الجحيم. وقد قال الزمخشري: «والكبكبةُ: تكريرُ الكَبِّ؛ كأنَّهم إِذا أُلقُوا في جهنَّمَ يَنكبُّونَ على وجوهِهم مرَّةً بعدَ أُخرى حتَّى يستقرُّوا في قعرِها»(11). ويعزّز ابن عاشور هذا التحليل بقوله: «صِيغَ لهُ فِعلٌ مُضاعفٌ (كُبْكِبَ) لِيُفيدَ تكريرَ الكَبِّ، أَي: كُبُّوا كَبّاً متكرراً، أَي: دُحرِجُوا في جهنَّمَ»(12).
وفي مقابل مشاهد الرهبة، تنساب الحروف في مقامات السكينة والرحمة. تأمّل افتتاح سورة الضحى، التي نزلت تمسح الحزن عن قلب النبي ﷺ بعد فترة انقطاع الوحي: ﴿وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ [الضحى: 1-2]. هنا ينساب حرف السين المهموس، ويأتي الجيم المجهور دافئًا، ثمّ يمتد الصوت في الألف المقصورة: سَجَىٰ. إنّ اللفظ يهدأ كما يهدأ الليل، وينساب كما تنساب الطمأنينة في القلب، فيخدم الصوت غرض السورة: المواساة والاحتضان الإلهي.
ويتّضح أثر الصوت أكثر عند مقابلة ألفاظ الغلظة بألفاظ الرحمة واللين. ففي وصف الكافر جاء قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: 13]؛ وهي كلمة تحمل في جرسها خشونة ظاهرة، إذ تتطلب العين والتاء واللاّم المشدّدة ضغطًا في النطق، فينسجم وقعها الصوتي مع ما تدلّ عليه من الجفاء والفظاظة. وفي المقابل، تأتي أوصاف الأنبياء والمؤمنين بألفاظ ليّنة مثل: أوّاه، حليم، منيب؛ حيث تنساب الحروف في رقّة وسعة، فيتوافق الجرس مع مقام الرحمة والإنابة.
وقد فسّر الزمخشري لفظ ﴿عُتُلٍّ﴾ ضمن سياق الصفات النافرة التي سبقت الآية، بما يفتح بابًا للتأمّل في مناسبة الجرس للدلالة (13). أمّا ابن عاشور، فقد قرأ وصف ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾ بوصفه ذروة في رسم الشخصية الأخلاقية النافرة؛ فـ«العُتُلّ» عنده غليظ الطبع، شديد الدفع، سيّئ المعاملة، يتّصل وصفه بمنع الخير والإغلاظ للسائل. وتفيد ﴿بَعْدَ ذَٰلِكَ﴾ عنده بعدية رتبية تصعّد الذمّ بعد سلسلة الأوصاف السابقة، ثمّ يأتي ﴿ زَنِيمٍ﴾ بمعنى الملصق بالقوم أو المعروف بعلامة ذمّ في سياق الآية. وهكذا يلتقي الجرس الخشن بالصورة الأخلاقية الخشنة، فيخدم الصوت المعنى ويشدّد أثره في النفس.
5. نموذج جامع: القارعة بين الصورة والجرس
ومن النماذج الجامعة بين التصوير والإيقاع في البيان القرآني مطلع سورة القارعة، حيث يقول تعالى:﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: 1-5]. هنا يبدأ النص باسم مفاجئ شديد الجرس: الْقَارِعَةُ. والكلمة نفسها تُحدث أثرها قبل أن يكتمل تفسيرها؛ ففي القاف والراء والعين وقعٌ صوتيّ صادم، كأنّ اللفظ يقرع السمع قرعًا، ثمّ يتكرّر ثلاث مرّات في افتتاح السورة، فيتحوّل الصوت إلى طرقات متتابعة على الوجدان. وهذا التكرار يشرح الحدث، ويهيّئ النفس له، ويضعها في مقام الارتجاف قبل أن ترى المشهد.
ثمّ ينتقل البيان القرآني إلى الصورة: الناس يوم القيامة كالفراش المبثوث؛ حركة مضطربة، انتشار عشوائي، خفة مذعورة، كائنات صغيرة تتطاير بلا وجهة. ثمّ تأتي الصورة الثانية: الجبال، رمز الثبات والرسوخ، تصير كالعهن المنفوش؛ صوفًا منفوشًا متناثرًا، فقد صلابته وتماسكه. وهنا يكتمل التباين المذهل: الإنسان الخائف يتحوّل إلى فراش مبثوث، والجبال الراسخة تتحوّل إلى صوف منفوش. فالمشهد يحوّل هول القيامة إلى صورتين متتابعتين: اضطراب الكائن الحي، وانهيار الكتلة الصلبة.
وتتآزر الصورة مع الصوت في بناء الأثر؛ فإيقاع القارعة يفتح السورة بجرس الصدمة، ثم تأتي صور الفراش المبثوث والعهن المنفوش لتمنح هذا الجرس مشهدًا تراه البصيرة. وبذلك يتجلّى معنى جماليّات البيان القرآني: الكلمة تقرع، والصورة تكشف، والإيقاع يحرّك القلب، فتغادر القيامة مسافة الفكرة الذهنية البعيدة، وتصبح مشهدًا حاضرًا يهزّ النفس ويوقظها من غفلتها.
خلاصة: جمال البيان وإحياء الوجدان
بتكامل معمار التصوير وهندسة الصوت، يكشف التدبّر المركّب أنّ القرآن يخاطب الإنسان بكلّيته: عقله، وبصره الداخلي، وسمعه، ووجدانه. فالتصوير يخرج المعنى في هيئة مشهد حيّ، والإيقاع يمنحه نبضه الشعوري، لتصبح الآية تجربة تهزّ القلب قبل أن تستقرّ في الذهن. ولهذا يجيء قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23] شاهدًا على هذا السلطان الجمالي؛ سلطان يبدأ من الجرس والصورة، ثم يستقرّ في الجلد والقلب، خشيةً ولينًا وإنابة.
وبهذه النماذج التطبيقية من التدبّر في جمالية الصورة والإيقاع القرآني، يكتمل مسار البعد البياني الذي بدأ بدقّة المفردة، ثمّ وقف عند معمار الجملة، وانتهى إلى سلطان المشهد والجرس في الوجدان. لقد كشف لنا هذا المسار أنّ البيان القرآني مدخل لإصلاح علاقتنا بالكلمة، والسياق، والصورة، والأثر؛ ومدرسة لتربية الذوق، وبناء الوعي، وإيقاظ القلب. ومن هذه العتبة، تنفتح الحلقة القادمة على البعد الفلسفي، حيث يبني القرآن رؤية الإنسان للوجود والغاية والمصير.
الهوامش
(1) عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، 1991م، ص 104.
(2) سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، دار الشروق، القاهرة، الطبعة السابعة عشرة، 2004م، ص 36.
(3) عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، التفسير البياني للقرآن الكريم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة السابعة، 1990م، ج1، ص 106.
(4) محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م، ج18، ص 203.
(5) سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، بيروت/القاهرة، ط4، ج4، ص 2520.
(6) الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، 1987م، ج3، عند تفسير سورة النور: 40.
(7) ابن قيم الجوزية، أمثال القرآن، تحقيق إبراهيم محمد، مكتبة الصحابة، طنطا، 1986م، ص 53.
(8) ابن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الهدى للطباعة والنشر، بيروت، ج2، باب «إمساس الألفاظ أشباه المعاني»، ص 152؛ ويُنظر أيضًا: ج3، باب «قوة اللفظ لقوة المعنى»
(10) مصطفى صادق الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، دار الكتاب العربي، بيروت، 1990م، فصل «الحروف وأصواتها»
(11) الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، 1987م، ج3، ص 326.
(12) ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م، ج19، ص 166.
(13) الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، 1987م، ج4، ص 150.
|




