الأولى

بقلم
م.فيصل العش
مَعَالِمُ التَّدَبُّرِ المُرَكَّبِ (3) (البعد البَيَانِيُّ - الجزء الأوّل) هندسة المفردة وفقه الاخت
 ما زالت علاقتنا بالقرآن الكريم تعاني مفارقة موجعة؛ حضور واسع في التلاوة والحفظ والمناسبات، وأثر محدود في تشكيل الوعي وبناء السلوك وصناعة الفعل الحضاري. نقرأ القرآن كثيرًا، ونعلّقه في صدور المجالس، ونستفتح به الخطب واللقاءات، غير أنّ هذا الحضور العظيم يحتاج إلى انتقال جديد: من صوت يُسمع إلى معنى يُفهم، ومن معنى يُفهم إلى وعي يُحرّك، ومن وعي يُحرّك إلى فعل يغيّر الإنسان والواقع. من هنا تبرز الحاجة إلى استعادة معنى التدبّر المركّب؛ ذلك التدبّر الذي يصل التلاوة بالفهم، والفهم بالوعي، والوعي بالعمل. فالقرآن نزل ليعيد بناء الإنسان من الداخل، وليصوغ نظرته إلى الله، وإلى نفسه، وإلى الكون، وإلى الناس، وإلى التاريخ. وكل قراءة تفصل القرآن عن هذه الوظيفة الكبرى تُبقيه في دائرة الحضور الرمزي، وتحرم المسلم من طاقته الإصلاحية والهداياتيّة.
وقد مهّدنا في الحلقات السابقة لهذا المسار، فوقفنا عند الأبعاد الكبرى للتدبّر، ثم عند الشروط التي يحتاجها المتدبّر، والأدوات التي تضبط مساره وتحميه من القراءة العابثة أو الإسقاط المتعسّف. والآن ندخل إلى صلب الرحلة، في مسار تطبيقي يتدرّج من حدود الكلمة إلى آفاق الحضارة، ومن دقّة البيان إلى بناء الرؤية، ثم إلى تزكية النفس وإعمار المجتمع. سنبدأ بالبعد البياني، من هندسة المفردة إلى معمار الجملة وسحر التصوير والإيقاع، قبل أن نرتقي إلى البعد الفلسفي، ثم الأخلاقي، ثم الاجتماعي؛ حيث تتحوّل القيم إلى علاقات ومؤسسات وفعل حضاري يعمّر الأرض
إنها دعوة إلى قراءة نسقية تجمع الشتات وتصنع الاتساق؛ قراءة تجعل التدبّر جسرًا بين التلاوة والفهم، وبين الفهم والعمل، حتى يتحوّل مصحفنا من الرفّ إلى الوجدان، ومن الوجدان إلى ميدان البناء الحضاري الشامل، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
عتبة الحلقة: لماذا نبدأ من الكلمة القرآنية؟
الكلمة القرآنية تتجاوز حدود اللفظة العابرة في سياق لغوي مألوف؛ فهي لبنة موضوعة في مكانها بميزان دقيق، تحمل وزنها الدلالي، وجرسها الصوتي، وظلالها النفسية، ووظيفتها داخل السياق. فإذا تغيّر اللّفظ اختلّ شيء من المعنى، وإذا تبدّل الموضع تغيّرت شبكة الدّلالة، وإذا غاب الحسّ البياني انغلق على المتدبّر باب واسع من أبواب الفهم.
لهذا نبدأ البعد البياني من هندسة المفردة. فالسّؤال الأول الذي ينبغي أن يرافق المتدبّر هو: لماذا اختار القرآن هذه الكلمة بالذّات؟ لماذا قال هنا: جاء، وقال هناك: أتى؟ لماذا استعمل الرّيح في موضع، والرّياح في موضع آخر؟ لماذا ارتبطت ألفاظ بسياقات الرّحمة، وأخرى بسياقات العذاب؟ هذه الأسئلة تفتح بابًا عميقًا في التّدبّر، لأنّها تكشف أنّ المعنى القرآني لا ينفصل عن هندسة اللّفظ، وأنّ اللّفظة الواحدة قد تكون مفتاحًا لفهم المشهد كلّه.
إنّ تحرير علاقتنا بالكلمة القرآنية هو بداية تحرير علاقتنا بالقرآن كله. فحين يدرك القارئ أنّ كلّ مفردة في كتاب الله جاءت في موضعها بتقدير، ينتقل من التلاوة العابرة إلى القراءة المسؤولة، ومن الألفة الباردة إلى الدهشة الحيّة، ومن التعامل مع الآيات كجمل مألوفة إلى استقبالها كبناء رباني محكم. ومن هنا تصبح دراسة فقه الاختيار في المفردة القرآنية مدخلًا لإحياء التدبّر وبناء حسّ قرآني متصل بالحياة؛ حسّ يوقظ العقل، ويهذّب الذوق، ويمنع تسطيح الدلالة، ويعيد إلى النصّ هيبته في العقل والوجدان. 
سنحاول في هذه الحلقة أن نقترب من هذا السّرّ البياني من خلال نماذج تطبيقيّة تكشف دقّة الاختيار القرآني، وتبيّن كيف تصنع المفردة معناها داخل السّياق، وكيف يصبح اللّفظ الواحد جزءًا من معمار متكامل.
1. هَنْدسة المُفردة.. نَفي التَّرادف كمنطلقٍ منهجيٍّ
أولى عتبات التدبّر البياني أن يتحرّر القارئ من وهم لغويّ واسع الانتشار: وهم التّرادف المطلق. فكثير من النّاس يقرؤون الألفاظ المتقاربة كما لو كانت نسخًا متطابقة للمعنى نفسه، فيظنّون أنّ استبدال كلمة بأخرى لا يغيّر شيئًا من الدّلالة. وهذا الوهم، حين يدخل إلى التّعامل مع القرآن، يضرب التّدبّر من جذوره؛ لأنّه يحجب عن القارئ سرًّا من أسرار البيان القرآني، هو سرّ الاختيار. فالقرآن يتعامل مع المفردة بوصفها وحدة بنائية دقيقة، لها وزنها الدّلالي، وجرسها الصّوتي، وظلالها النّفسيّة، وموقعها الخاصّ داخل السّياق. كلّ لفظة تدخل في الآية لتؤدّي وظيفة مخصوصة، وتشارك في بناء المعنى، وتُحدث أثرًا في النّفس، وتنسجم مع المعمار الكلّي للسّورة. لذلك يصبح التّساهل في الفروق بين الألفاظ ضربًا من التّسطيح، ويفتح الباب لقراءة مستعجلة، فاقدة لحساسيّة البيان.
إنّ المتدبّر لا يسأل عن معنى الكلمة في المعجم فقط، بل يسأل عن سرّ وجودها في ذلك الموضع: لماذا جاءت هنا؟ ماذا أضافت؟ أيّ ظلّ نفسي حملته؟ أيّ صورة صنعتها؟ أيّ فرق بينها وبين الكلمة القريبة منها؟ هذه الأسئلة تربي في القارئ دقّة منهجيّة، وتخرجه من الألفة الباردة إلى الدّهشة الحيّة، ومن القراءة المطمئنة إلى نفسها إلى القراءة المسؤولة أمام النّص.
وقد أصل عبد القاهر الجرجاني هذا المعنى في نظريته عن النّظم، حين جعل قيمة الكلمة مرتبطة بموقعها داخل التّركيب، وبالعلاقات التي تنشأ بينها وبين غيرها. يقول في دلائل الإعجاز: «واعلم أن ليس النّظم إلاّ أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو...»(1). ثم يبيّن أنّ تغيير ترتيب الكلام يخرجه من كمال البيان إلى مجال الهذيان؛ لأنّ المعنى لا يقوم على المفردات المتجاورة، بل على العلاقات الدّقيقة التي تنسجها داخل الجملة. وفي الاتجاه نفسه، يصوّر الإمام البقاعي تلاحم النّص القرآني تصويرًا بديعًا، فيقول: «فإنّ كل لفظة وُضِعَت في موضعها، لو أُزيلت عنه لم يقم غيرها مقامها؛ فهي كالحلقة في السّلسلة، واللّبنة في البناء»(2). وهذه العبارة تختصر حقيقة هندسة المفردة: الكلمة القرآنيّة لبنة في بناء محكم، وتغييرها يخلّ بشيء من توازنه، كما يختلّ البناء حين تُنزع منه لبنة محسوبة. وقد جعل الإمام محمد الطاهر بن عاشور رفض التّرادف المحض قاعدة مهمّة في تفسيره، فقال في التّحرير والتنوير: «وهذا الذي ينبغي التّعويل عليه؛ لأنّ الأصل في اللّغة عدم التّرادف»(3). وبنى على ذلك قاعدة أخرى مفادها أنّ الكلام إذا دار بين إفادة معنى جديد وتكرار معنى سابق، فحمله على إفادة معنى جديد أولى(4). وبهذا يتحوّل البحث عن الفروق بين الألفاظ إلى واجب تدبّري، لأنّ كلّ زيادة في المبنى تقود إلى زيادة في المعنى، وكلّ اختيار لفظي يكشف وجهًا من وجوه القصد القرآني.
ويؤكد الدّكتور فاضل السّامرائي هذه القاعدة بقوله: «إنّ التّعبير القرآني تعبير فنّي مقصود، فكلّ كلمة فيه، بل كلّ حرف، مقصود قصدًا، وموضوع في مكانه الذي لا يسدّ مسدّه فيه غيره»(5). ومن زاوية التّصوير الفني، يصف سيد قطب اللّفظة القرآنيّة بأنّها «لبنة» خضعت لنظام تنسيق فنّي يجمع بين الصّورة والظّلال والجرس(6). ويمضي محمد شحرور في الاتجاه نفسه حين يجعل عدم التّرادف أصلًا في قراءة التّنزيل الحكيم، معتبرًا أنّ لكلّ صوت لغوي دلالة فيزيائيّة وذهنيّة تميّزه عن غيره(7). بهذه القاعدة يبدأ فقه الاختيار، وتبدأ القراءة الواعية للقرآن من الإصغاء إلى كلّ كلمة بوصفها مفتاحًا من مفاتيح المعنىى، ومدخلًا إلى نظام الهداية، بدل التعامل مع الألفاظ كأوعية قابلة للاستبدال.
2. لِمَ اختارَ الله هذه الكلمة؟ 
ينتقل التدبّر هنا من التّنظير إلى المختبر التّطبيقي. والسّؤال العملي الذي ينبغي أن يرافق القارئ هو: لماذا اختار الله سبحانه هذا اللّفظ بعينه؟ ولماذا عدل في موضع آخر إلى لفظ قريب منه؟
من أوضح النّماذج الفرق بين «جاء» و«أتى». وقد نبّه أبو هلال العسكري إلى أصل الفرق بينهما، فقال: «الفرق بين المجيء والإتيان: أنّ المجيء يكون من مسافة بعيدة، والإتيان يكون من مسافة قريبة... وقيل: المجيء للفعل الجوهر، والإتيان لما فيه سهولة ومطاوعة»(8). وركّز الراغب الأصفهاني في المفردات على معنى السهولة، فقال: «الإتيان: هو مجيء بسهولة...»(9). ويقرّر فاضل السامرائي المعنى نفسه بقوله: «الفعل جاء أثقل من أتى في اللفظ وفي الاستعمال؛ فالمجيء فيه صعوبة ومشقة، أما الإتيان ففيه سهولة ومطاوعة»(10). وحين نتأمل قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:1]، نجد أن النصر هنا جاء بعد صراع طويل، ومكابدة شاقة، وتضحيات عظيمة. لذلك ناسبه فعل جاء بما يحمله من ثقل ووقار. وفي قصة مريم عليها السلام، يجمع القرآن بين الفعلين في آية واحدة: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27]. فحركتها بالطفل ناسبتها خفّة أتت، أمّا وقع الحدث في وعي القوم، بما حمله من صدمة واستنكار، فقد ناسبه ثقل جئت.
وفي قوله تعالى على لسان قوم عاد: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: 70]، استعملوا أجئتنا لتصوير ثقل التخلّي عن موروثهم العقدي، ثم استعملوا فأتنا في طلب العذاب استخفافًا واستعجالًا. وفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: 129]، جاءت تأتينا لمرحلة انتظار الرسالة، وجاءت جئتنا لمرحلة المواجهة والابتلاء بعد بدء الصدام. وعندما يتحدث القرآن عن القيامة وأهوالها يستعمل جاء: ﴿فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: 34]، و﴿فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: 33]. فالجرس يوحي بالاصطدام والثقل. أمّا في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1]،فالآية تتحدث عن خبر الغاشية قبل معاينة وقوعها، فجاء التعبير بلفظ أخفّ: أتاك حديث.
ويتكرر هذا الفقه في استعمال أمر الله. قال تعالى: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: 1]، فجاء الفعل أتى في سياق بيان سهولة وقوع أمر الله على قدرته، وأنّ استعجال المكذبين لا يغيّر شيئًا من مجراه. وعندما يحلّ الأمر وينزل القضاء، يقول تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ [غافر: 78]، فناسب مقام الوقوع والحسم فعل جاء. هذه النماذج تبيّن أنّ الكلمة القرآنية ليست علامة لغوية جامدة، بل حركة داخل المشهد. إنها تحمل إيقاع الحدث، وثقل الموقف، وحالة النفس، ودرجة الاصطدام أو اليسر. وهنا يبدأ القارئ في اكتشاف القرآن من الداخل؛ بوصفه بناءً حيًّا تتحرّك فيه الألفاظ وفق ميزان عجيب.
3. هندسة الشعور في المفردة القرآنية: الخوف والخشية نموذجًا
يمتدّ هذا الإحكام إلى الألفاظ التي تعبّر عن الحالات الشعورية. فالقرآن يفرّق بين الخوف والخشية. فالخوف انفعال يثور عند توقّع الأذى، وقد يظهر في لحظات الاضطراب والمواجهة، كما في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه: 46]، وقوله في شأن موسى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ [طه: 67]. أما الخشية فهي خوف ممتزج بالعلم والتعظيم، ولهذا جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. وقد قرّر الراغب الأصفهاني هذا الفرق بقوله: «الخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يُخشى منه»(11). فالكلمة هنا ترسم حالة روحية أرقى من الانفعال الغريزي؛ إنها وعي بجلال الله، يقود صاحبه إلى القرب والخضوع واليقظة.
وهذه الدقة في تسمية أحوال النفس تربي المسلم على معرفة داخله. فكم من خوف يلبس لباس الخشية، وكم من اضطراب يتزيّى بزيّ الورع، وكم من رهبة عابرة نظنها مقامًا إيمانيًا. والقرآن، حين يفرّق بين الخوف والخشية، يعلّمنا فقه النفس كما يعلّمنا فقه اللغة.
4. الريح والرياح: دلالة العدد في النظم القرآني
ومن أروع أمثلة فقه الاختيار التفريق بين الريح والرياح. فقد لاحظ العلماء أنّ المفرد غالبًا ما يأتي في سياقات العذاب أو القوة أو التسخير الخاص، بينما يأتي الجمع في سياقات الرحمة والتبشير بالمطر. وقد نقل القرطبي عن أبي عمرو بن العلاء قوله: «كل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحّد»(12). ففي العذاب يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: 6]، ويقول: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: 41]. وفي التسخير الخاص يقول: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: 12]. وفي التعبير عن القوة والهيبة يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. فالريح هنا ترمز إلى المنعة، ووحدة الصف، وقوة الجماعة حين تتحرك في اتجاه واحد. وفي المقابل، يأتي الجمع في سياق الرحمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57]، وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: 22]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: 46].
وقد جمع القرآن بين الحالتين في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: 22]. وقد توقّف الزمخشري وابن القيم وابن عاشور عند هذا الموضع، لكونه استعمل المفرد في حال النعمة والنقمة معًا(13). والسر هنا أنّ السفينة تحتاج إلى ريح واحدة منتظمة تدفعها في اتجاه واحد، وتعدّد الجهات يربك حركتها ويهدّد وجهتها. لذلك جاءت ريح طيبة في سياق الملاحة، ثم جاءت ريح عاصف في سياق الانقلاب المفاجئ، فبقيت الصيغة واحدة لتصوير تقلّب المشهد من نعمة مريحة إلى نقمة عاصفة. وهنا يفتح التدبّر بابًا اجتماعيًا عميقًا. فحين يقول القرآن: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، فهو يعلّم الجماعة أنّ التنازع لا يذهب بمجرد الرأي أو المزاج، بل يذهب بالقوة الجامعة، بالهيبة، بالقدرة على الحركة. إنّ اللفظة البيانية تتحول هنا إلى درس في السنن الاجتماعية: وحدة الصف ريح، والتنازع ذهاب لهذه الريح.
5. الغيث والمطر: دقّة الاختيار بين الرحمة والعقوبة
ومن الثنائيات التي تكشف دقة المفردة القرآنية: الغيث والمطر. فكلمة الغيث تأتي في سياق الرحمة بعد الشدة والقنوط، ومنها اشتُق معنى الإغاثة. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: 28]. وقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: 20]، والمقصود بالكفار هنا الزرّاع، لأنهم يغطّون البذر في الأرض. أما المطر ومشتقاته فيأتي غالبًا في سياق العذاب أو الأذى، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الشعراء: 173]، وقوله: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ﴾ [النساء: 102]. وبين اللفظين تأتي كلمة الماء بوصفها لفظة عامة، كما في قوله تعالى: ﴿..فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [ الحجر: 22]، فتصف الماهية من غير أن تحمل وحدها حكم الرحمة أو العقوبة.
بهذه الفروق، يتحول القارئ من التعامل مع اللغة كقاموس إلى التعامل معها كشبكة دلالية. والأمثلة في القرآن الكريم كثيرة لا يسع المجال لحصرها وتفصيلها، ويمكن للقارئ الكريم، وهو يتدبّر الآيات، أن يطبّق هذا المنهج على العديد من الثّنائيّات الّتي تبدو في الظّاهر مترادفة، لكنّها في النّظم القرآنيّ مختلفة ولكلّ واحدة منها مدلولها الخاصّ. ومن هذه الثّنائيّات نذكر: «البصر» و«العين»، و«السّنة» و«العام»، و«الأب» و«الوالد»، و«وصّى» و«أوصى»... وغيرها ممّا سبق التّطرّق إليه مراراً في ركن «مصطلحات قرآنيّة» بمجلّة «الإصلاح»(14) 
خاتمة: فقه الكلمة وإصلاح العقل
إنّ فقه الاختيار في المفردة القرآنية هو البوابة الأولى لاستعادة هيبة النص في وعينا؛ فالكلمة في القرآن تستمدّ قوّتها من موقعها، وجرسها، وظلالها، وسياقها. إنها جزء من معمار دلالي محكم، يتآزر فيه المبنى والمعنى لإنتاج الأثر المقصود في العقل والوجدان. وكل مفردة لبنة فريدة في هذا الصرح البياني؛ فإذا تغيّر موضعها اختلّ شيء من توازن الدلالة وضعف أثرها في النفس.
هذا الفقه يتجاوز حدود المتعة البلاغية إلى إصلاح العقل المسلم نفسه؛ يربّيه على الدقّة، ويمنعه من التسرّع، ويكسر عادة التعميم، ويجعله أكثر حذرًا من إسقاط المعاني على النص قبل الإصغاء إليه. فالأمة التي تتدرّب على احترام الكلمة القرآنية، تتدرّب في الوقت نفسه على احترام الدليل، واحترام السياق، واحترام الفروق، واحترام المقاصد. من هنا تبدأ معركة التدبّر: من الكلمة. لأنّ الذي يستهين بالكلمة، يستهين بالجملة، ثم بالسياق، ثم بالمقصد، ثم بالهداية كلّها. والذي يصغي إلى الكلمة القرآنية كما ينبغي، يدخل إلى النص من بابه الصحيح، فيرى كيف تتآزر الألفاظ، وكيف تنبض الآية، وكيف يتحول البيان إلى وعي، والوعي إلى عمل، والعمل إلى عمران.
وفي الحلقة القادمة، سننتقل من اللبنة إلى الجدار، ومن المفردة إلى الجملة، لنرى كيف يصنع التقديم والتأخير، والذكر والحذف، والنظم النحوي، معمار المعنى في القرآن الكريم.
الهوامش
(1) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، مطبعة المدني، القاهرة، 1992م، ص 82.
(2) برهان الدين البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار الكتب العلمية، بيروت، 2006م، ج1، ص 14.
(3) محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، 1984م، تفسير سورة المؤمنون، الآية 72، مج 18، ص 92.
(4) ابن عاشور، التحرير والتنوير، تفسير سورة النبأ، مج 30، ص 19.
(5) فاضل صالح السامرائي، بلاغة الكلمة في التعبير القرآني، الطبعة الأولى، ص 15.
(6) سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، دار الشروق، القاهرة، 2002م، ص 67، بتصرف.
(7) محمد شحرور، الكتاب والقرآن، دار الأهالي، دمشق، 1990م، ص 48.
(8) أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية، تحقيق محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة، القاهرة، ص 21.
(9) الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق صفوان داوودي، دار القلم، دمشق، ط1، 1992م، ص 57.
(10) فاضل السامرائي، لمسات بيانية، دار عمار، 2003م، ص 158.
(11) الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص 284.
(12) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار عالم الكتب، 2003م، ج2، ص 221.
(13) يُنظر: الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج2، ص 342؛ ابن القيم، بدائع الفوائد، دار الكتاب العربي، بيروت، ج2، ص 451؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، مج 11، ص 134-135.
(14) للمزيد من أمثلة الفروق القرآنية، يُنظر ركن «مصطلحات قرآنية» بمجلة الإصلاح: وصّى وأوصى، العدد 201، ص 107؛ أب ووالد، العدد 202، ص 79؛ الجهاد والقتال، العدد 203، ص 59؛ ....