الأولى
| بقلم |
![]() |
| م.فيصل العش |
| مجلّة «الإصلاح»: رحلة الأربعة عشر عامًا.. من «مشروع مواطن» إلى مؤسّسة للفكر المستنير |
1. النّشأة: من رحم الثّورة إلى «بحر الصّحافة الهائج»
لم تكن انطلاقة «الإصلاح» نتاج تخطيط مؤسّساتيّ محكم، بل كانت، كما يصفها مؤسّسها في افتتاحيّة العدد الأوّل، «حلمًا جميلًا لأحد التّونسيّين الّذي أراد أن يسبق الزّمان لاسترجاع ما خسره طيلة عشريّتين من الكبت والحرمان». ولدت المجلّة في سياق تاريخيّ دقيق، بعد سنة من الثّورة، حين كان التّونسيّ يبحث عن «مواطنته» وسط ركام الاستبداد.
كان الدّافع الأساسيّ هو البحث عن منبر حرّ وحقيقيّ. ففي حين ادّعت العديد من الصّحف والمجلّات بعد الثّورة التّحرّر والموضوعيّة، كان الواقع يشير إلى استمرار العقليّة القديمة، حيث الولاءات الضّيّقة والإثارة التّجاريّة. يروي المؤسّس تجربته قائلًا: «حاولت أن أبحث عن مواطنتي في الصّحف... لكنّني فشلت... فقرّرت أن أرتمي في هذا البحر الهائج... وأن أصدر مجلّتي الخاصّة».
لقد كان قرار التّأسيس إعلان استقلال فكريّ؛ محاولة لتمكين الذّات والآخرين من «التّدرّب على كتابة المواطنة». ولأنّ الإمكانيّات المادّيّة كانت محدودة، والرّهان كان على المستقبل، كان الخيار الاستراتيجيّ هو التّوجّه نحو «النّشر الإلكترونيّ»، في وقت كانت فيه الصّحافة الورقيّة لا تزال تتربّع على عرش التّقاليد القرائيّة.
2. الهويّة والخطّ التّحريريّ: أصالةٌ منفتحة وبحثٌ عن الحقيقة
منذ أعدادها الأولى، واجهت «الإصلاح» تساؤلات ملحّة حول تصنيفها السّياسيّ والفكريّ؛ فكانت إجابتها حاسمة في افتتاحيّاتها: «الإصلاح لا تتحدّث باسم حزب سياسيّ ولا خطّ إيديولوجيّ معيّن». لقد اختطّت المجلّة لنفسها نهجًا يقوم على «الوسطيّة المتجذّرة في الهويّة العربيّة الإسلاميّة والمنفتحة على العصر»؛ وهي فلسفة ما زالت تعضّ عليها بالنّواجذ، لبلورة «فكر وسطيّ» متّزن لا ينعزل في أبراج عاجيّة، بل يتفاعل بجدليّة حيّة مع محيطه، يشخّص الأدواء ويقترح الدّواء.
لقد نجحت المجلّة في أن تكون مساحة آمنة للعقل، حيث يُحترم الاختلاف، وتُقارع الحجّة بالحجّة. إنّها تؤمن بأنّ بناء الأوطان لا يقوم على الإقصاء، بل على التّشاركيّة الفكريّة الّتي تذيب الجليد بين مختلف الفرقاء، مفسحة المجال لأقلام متنوّعة المشارب من إسلاميّين، وعروبيّين، ويساريّين، ومستقلّين، يجمعها همّ الإصلاح والبناء.
اتّخذت المجلّة من قول نبيّ اللّه شعيب: «إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت» شعارًا وبوصلةً، توجّهها نحو البناء والتّجميع لا الهدم والتّفريق. وفي مواجهة محاولات طمس الهويّة، انحازت «الإصلاح» للخصوصيّة الثّقافيّة، داعيةً إلى الاستفادة من كنوز التّراث مع نقد القراءات المغلوطة، ورفض «تقديس الأشخاص» أو «اجترار الأفكار»؛ إيمانًا بأنّ لكلّ عصر أسئلته وتحدّياته.
إنّها معادلة دقيقة سعت المجلّة طيلة أربعة عشر عامًا لتحقيقها؛ الموازنة بين «ثبات الأصل» و«سموّ الفرع» في سماء الحداثة، لتكون بذلك «حاضنة فكريّة» تناضل من أجل بناء دولة عادلة فلسفتها الخدمة لا التّسلّط، ومجتمع يظلّله العيش المشترك في كنف الحرّيّة والمساواة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿.. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..﴾(المائدة: 2).
3. الرّهان الرّقميّ: رؤية استشرافيّة للمستقبل
لعلّ إحدى أبرز سمات مشروع «الإصلاح» هي رؤيته الاستشرافيّة لمستقبل الصّحافة. ففي الوقت الّذي كان فيه القارئ التّونسيّ والعربيّ لا يزال وفيًّا للورق، ويجد صعوبة في التّأقلم مع القراءة الإلكترونيّة، أصرّت المجلّة على خيارها الرّقميّ.
جاء في افتتاحيّة العدد الثالث والخمسين (53): «نرى، نظرًا لما يشهده عالم التّكنولوجيّات من تطوّر... أنّ المستقبل سيكون حتمًا للدّوريّات الإلكترونيّة». كان الرّهان على «الشّباب الماسك بتلابيب التّكنولوجيا»، وعلى الكهول الّذين يؤمنون بضرورة محو «الأمّيّة الرّقميّة». لقد واجهت المجلّة تحدّي «عزوف» البعض عن القراءة الرّقميّة بإيمان راسخ بأنّ الأدوات الحديثة (الحواسيب، الألواح الذّكيّة) ستفرض نفسها، وأنّ الصّحافة الورقيّة سائرة نحو الاندثار مهما طال الزّمن.
هذا الخيار لم يكن مجرّد حلّ لمشكلة التّمويل، بل كان فلسفة تهدف إلى استغلال الفضاء الافتراضيّ لكسر الحدود، حيث وصلت المجلّة إلى قرّاء وكتّاب من العراق، وسوريا، ومصر، والمغرب، والجزائر، ومن المهاجرين في أوروبّا وكندا، متجاوزة بذلك الجغرافيا الضّيّقة.
4. التّطوّر المؤسّسيّ والفنّيّ: من الفرديّة إلى «منتدى الفارابي»
مع مرور السّنوات، نضجت التّجربة وتطوّرت من مجرّد «حلم فرديّ» إلى مشروع مؤسّسيّ. كانت المحطّة الفاصلة في السّنة الرّابعة، حين أصبحت المجلّة تصدر كدوريّة إلكترونيّة، فكريّة، وثقافيّة تحت مظلّة «منتدى الفارابي للدّراسات والبدائل». ولم يكن هذا الارتباط وليد الصّدفة، بل هو تعبير عن التزام المجلّة بتقديم «البدائل» لا مجرّد الاكتفاء بتوصيف الأزمات؛ حيث وجدت المجلّة في المنتدى «حاضنة ترعاها وتدعمها».
إنّ استمرار المجلّة لهذه السّنوات الطّويلة يعكس إصرار القائمين عليها على مأسسة العمل الثّقافيّ، وتحويل الفكرة إلى مشروع مستدام يتحدّى صعوبات الواقع الإعلاميّ والثّقافيّ الرّاهن..
وعلى المستوى الفنّيّ، شهدت المجلّة تطوّرات ملموسة. انتقلت الوتيرة من نصف شهريّة إلى شهريّة لضمان جودة المحتوى وعمقه. كما اعتمدت المجلّة هويّة بصريّة رمزيّة تقوم على تداول ثلاثة ألوان رئيسيّة، يحمل كلّ منها دلالة عميقة:
* الأخضر: يرمز للهويّة العربيّة الإسلاميّة، والنّماء، والطّبيعة النّظيفة.
* الأزرق: يرمز للبعد المتوسّطيّ، والسّلام، والوحدة، والهدوء.
* البرتقاليّ: يرمز لأهداف الثّورة، والطّاقة، والوضوح.
هذا التّنوّع الّلونيّ لم يكن شكليًّا فحسب، بل كان تعبيرًا عن شموليّة الرّسالة الّتي تحملها المجلّة، والّتي تجمع بين الأصالة (الأخضر)، والانفتاح (الأزرق)، والرّوح الثّوريّة البنّاءة (البرتقاليّ).
غير أنّ هذه الصّورة البهيّة بألوانها المتناسقة، لم تكن لتكتمل لولا جهود مضنية تُبذل خلف الكواليس لمواجهة واقع لا يقل تعقيداً.
5. تحديات البقاء ورهانات الارتقاء
على الرّغم من النّجاحات التي حقّقتها «مجلّة الإصلاح» والمتمثّلة في رصانتها العلميّة وقدرتها على الصّمود، إلّا أنّ هذا المسار لا يخلو من عوائق هيكليّة. إذ يواجه المشروع تحدّي «شحّ الموارد الماليّة» والاعتماد الكلّيّ على الجهود الذّاتيّة، ممّا يحدّ من القدرة على التّوسّع، ويضاف إلى ذلك «المحدوديّة التّقنيّة» التي تتطلّب تطوير واجهة المستخدم. كما يصطدم المشروع بضعف التّسويق الرّقميّ، ما قد يفاقم مشكلة «النّخبويّة» ويجعل المحتوى حاجزاً أمام وصوله إلى شريحة الشّباب.
ولضمان المستقبل، يضع القائمون على المجلّة جملة من الأولويّات الاستراتيجيّة، في مقدّمتها «المؤسّساتيّة» للانتقال إلى العمل المستدام، و«التّشبيب» لضخّ دماء جديدة. وتوازياً مع ذلك، تبرز طموحات فنّيّة ومعرفيّة مثل كسب «رهان اللّغة» للحفاظ على عربيّة سليمة، وتعزيز «المقروئيّة» لجذب القارئ للمطوّلات. وأخيراً، تسعى المجلّة لتحقيق «نقلة نوعيّة» باستكشاف بدائل عصريّة، كتحويل المحتوى المكتوب إلى نسخ صوتيّة (بودكاست) تتيح المعرفة أثناء التّنقّل.
خاتمة
ختامًا، إنّ ما سطّرته «الإصلاح» من رصيد معرفيّ يؤكّد أنّ العبرة ليست بمرور السّنين، بل بعمق الأثر. لقد أثبتت هذه المسيرة أنّ البناء المتأنّي هو الأقدر على الصّمود في وجه العواصف، وأنّ الكلمة الرّصينة قادرة على اختراق حجب الضّجيج، وأنّ الإرادة الصّادقة هي الوقود الحقيقيّ للاستمرار. وكما جاء في إحدى افتتاحيّاتها: «الطّريق ما زال طويلًا... وما زال أمامنا عمل كبير»؛ لذا، فإنّنا نجدّد العهد مع القرّاء على مواصلة الرّحلة بنفس العزم، وأن تظلّ هذه المجلّة صوتًا للعقل في زمن الغوغائيّة، ومحضنًا للرّأي الحرّ المسؤول الّذي لا يهادن الرّداءة.
نبارك لأسرة التّحرير وللكتّاب الأفاضل، هذا الثّبات وهذا التّطوّر. وإلى عام جديد، نواصل فيه تعهد هذا الغرس بماء الصدق والإخلاص، لتظلّ وارفة الظّلال، ثابتة الأصل، سامقة الفرع. ومع إدراكنا لحجم الأمانة وثقل التّحدّيات الّتي تفرضها المرحلة القادمة، فإنّنا نستمدّ العزم من يقيننا الرّاسخ بأنّ ما تأسّس على مبدأ نفع النّاس هو الّذي يُكتب له الخلود، وأنّ الغلبة في النّهاية ليست للصّخب العابر، بل للكلمة الصّادقة الّتي لا تذروها رياح التّغيير، تجسيدًا للحقّ الإلهيّ:﴿...فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ...﴾(الرعد: 17). |




