الاولى
| بقلم |
![]() |
| م.فيصل العش |
| مَعَالِمُ التَّدَبُّرِ المُرَكَّبِ (6) التّدبّر الفلسفيّ (الحلقة الأولى) جدليّة الكتابين وفلسفة الم |
بعد أن وقفنا في الحلقات السابقة عند الأبعاد الأربعة لما أسميناه «التدبّر المركّب» بصفة إجمالية، ثمّ أفردنا حلقة للشروط الموضوعية والذاتية للمتدبّر، والأدوات المنهجية التي تضبط مسار القراءة وتحميها من العبث، عالجنا في ثلاث حلقات متتالية البعد البياني للتدبّر. فلامسنا دقّة المفردة القرآنية، ومعمار الجملة، وجماليات التصوير والإيقاع. وقد تبيّن لنا، عبر هذا المسار، أنّ القرآن يربّي الذوق اللغوي، ويدرّب العقل على الانتباه، ويعلّم المتدبّر احترام الكلمة، والسياق، والصورة، والأثر. فالبيان القرآني في تلك الحلقات كان مدخلًا لإصلاح طريقة القراءة، وبناء حسّ معرفي أكثر يقظة أمام النصّ والواقع.
ومع هذه الحلقة نفتتح البعد الفلسفي للتدبّر، حيث ينتقل السؤال من دقّة التعبير إلى عمق الرؤية التي يبنيها القرآن للإنسان والعالم والمعرفة. فالقرآن كتاب يوقظ العقل، ويفتح أمام الإنسان أبواب النظر في الوجود، والنفس، والتاريخ، والمصير؛ ويجعل التدبّر فعلًا يتجاوز فهم الألفاظ إلى بناء الرؤية، وترتيب الوعي، وتوجيه الحضور الإنساني في الحياة. ومن هنا تأتي هذه الحلقة لتؤسّس المدخل المعرفي لهذا البعد، عبر فكرة جدلية الكتابين: الكتاب المسطور، وهو الوحي، والكتاب المنظور، وهو الكون.
فالإنسان يحتاج إلى منهج صحيح في المعرفة حتّى يدرك غاية وجوده، ويحمل أمانته في التاريخ. والوحي يهدي القراءة، والكون يمدّها بمجال النظر، والنفس تكشف أسئلة المعنى والاختيار والمصير. وباجتماع هذه الدوائر تتشكّل فلسفة معرفية قرآنية تجعل العالم آية، والعقل أداة اعتبار، والحسّ نافذة مشاهدة، والوحي نورًا يضبط مسار الإدراك. وبعد هذا التأسيس، تفتح الحلقة القادمة سؤال الوجود نفسه: كيف ينظر القرآن إلى العالم، والمخلوق، والقيّومية، ومقام الإنسان؟
1. جدليّة الكتابين وتطابق الحقيقة والمعرفة
يدخل المتدبّر إلى الفضاء الفلسفي للقرآن من بوابة معرفية تقوم على أنّ الحقيقة واحدة، ومصادر إدراكها تتكامل. فالقرآن يربط الوحي بالكون، ويجعل العالم الخارجي مجالا دالًّا، مفتوحا على النظر والاعتبار. ومن هنا يتلاقى الكتاب المسطور، وهو الوحي بما يحمله من هداية وميزان وبصائر، مع الكتاب المنظور، وهو الكون بما يحمله من سنن ونظام وحركة وجمال وآثار قدرة وحكمة.
بهذا المعنى، تصبح المعرفة القرآنية حركة مزدوجة: تلاوةً في الوحي، ونظرا في العالم، وتأمّلا في النفس. قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 20-21]. تجمع الآية بين مجالين عظيمين للمعرفة: الآفاق والأنفس. فالآفاق هي العالم الممتد خارج الإنسان: الأرض، السماء، الليل، النهار، الحركة، النظام، الحياة، والموت. والأنفس هي العالم الداخلي: الوعي، الإرادة، الخوف، الرجاء، الرغبة، الضمير، القدرة على الخير والشر، وأسئلة الهوية والمصير.
إنّ النفس الإنسانية، بهذا الاعتبار، مجال فلسفي عظيم؛ ففيها يتساءل الإنسان: من أنا؟ لماذا أختار؟ لماذا أندم؟ لماذا أخاف الموت؟ لماذا أطلب المعنى؟ ولماذا أشعر في أعماقي بأنّ الحياة تحتاج إلى غاية أوسع من اللّذة العابرة والمنفعة القريبة؟ والقرآن حين يجمع بين الأرض والنفس يعلّم الإنسان أنّ الحقيقة تُطلب عبر دوائر متكاملة: الكون يدلّ، والنفس تشهد، والوحي يوجّه. وحين تتكامل هذه الدوائر، تتكوّن بصيرة تتجاوز المعرفة الجزئية المبعثرة. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
وهكذا تبرز أهمّية التدبّر الفلسفي: إنّه يعيد ترتيب العلاقة بين النص والعالم. فالمتدبّر يقرأ القرآن حاضرًا في الواقع، ويقرأ الكون مهتديًا بنور الوحي؛ يجمع بينهما في وعي واحد. وحين يفقد المسلم هذا الجمع، تنشأ قراءتان ناقصتان: قراءة دينية منفصلة عن سنن الحياة، وقراءة كونية غافلة عن الخالق والغاية. أمّا الرؤية القرآنية، فتربّي عقلًا يجمع بين البصيرة والهداية، وبين السؤال والإيمان، وبين النظر والعمل.
وهنا يطلّ سؤال واقعنا بقوّة: كم من قراءة دينية حفظت ألفاظ الوحي وغفلت عن سنن العمران؟ وكم من قراءة علمية أتقنت وصف العالم وفقدت القدرة على رؤية حكمته ووجهته؟ إنّ التدبّر الفلسفي يعيد وصل ما انقطع في وعينا: الوعي بالكون، والعلم بالغاية، والمعرفة بالمسؤولية.
2. معمار المعرفة: الوحي والعقل والحسّ
تقوم المعرفة القرآنية على تفاعل ثلاثة عناصر: الوحي، والعقل، والحسّ. الوحي يمنح الإنسان مرجعية عليا في الأسئلة الكبرى: من هو الله؟ ما غاية الخلق؟ ما المصير؟ ما معيار الخير والشر؟ وما معنى النجاة والفلاح؟ والعقل أداة التأمل والتركيب والاستدلال؛ به يربط الإنسان الظواهر بعضها ببعض، ويميّز بين البرهان والوهم، وبين الحق والتزييف. والحسّ نافذة الإنسان الأولى على العالم؛ به يرى ويسمع ويلاحظ آثار السنن في الكون والحياة.
ويتجلّى هذا المعمار في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: 23]. فالسمع والبصر يحيلان إلى التلقي والمشاهدة، والأفئدة تحيل إلى الفهم والاعتبار واتخاذ الموقف. ثم تختم الآية بقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾، فتمنح المعرفة بعدًا أخلاقيًا. فشكر السمع أن يسمع الإنسان ما يوقظه، وشكر البصر أن يرى في العالم آيات لا أشياء عابرة، وشكر الفؤاد أن يتجاوز تراكم المعلومات إلى إدراك الحكمة والمعنى.
ومن هنا، فتعطيل العقل، وإهمال النظر في الكون، وفصل الحسّ عن الهداية؛ صور من قلة الشكر المعرفي. فالإنسان الذي يملك أدوات الإدراك ثمّ يستعملها في الغفلة يشبه من أُعطي نورًا ثمّ اختار العمى. والقرآن يربّي في الإنسان أدب المعرفة؛ أي أن يسأل بصدق، وينظر بتواضع، ويستدل بأمانة، ويجعل العلم طريقًا إلى الشكر والمسؤولية. وهذا الأدب المعرفي هو ما نفتقده كثيرًا في زمن تضخّمت فيه المعلومة وضعفت فيه البصيرة. فقد يملك الإنسان وفرة من البيانات، ومهارة في التحليل، وسرعة في الوصول إلى المصادر، ثم يبقى عاجزًا عن تحويل المعرفة إلى حكمة، أو تحويل الحكمة إلى موقف أخلاقي.
إنّ هذا البناء المعرفي القرآني يحمي العقل المسلم من آفتين: آفة الاستقالة الفكرية التي تتستر بلباس التدين، وآفة الغرور العقلي الذي يجعل الإنسان مكتفيًا بذاته. فالقرآن يريد عقلا شاكرا؛ يشتغل، ويفكر، ويعتبر، ثمّ ينحني أمام الحق حين يتبين له. لذلك ارتبطت المعرفة في القرآن بالهداية، والخشية، والعمل، وتحوّلت إلى مسؤولية لا إلى ترف ذهني أو مهارة باردة.
3. النظر في الموجودات فريضة معرفية
من آثار هذا البناء أنّ النظر في الموجودات يتحوّل إلى واجب معرفي وروحي. فالكون مجال مفتوح للدّلالة والاعتبار، والعقل مأمور بأن يتحرك في هذا المجال باحثا عن السنن والحكمة. وقد أصّل ابن رشد لهذه الرؤية حين جعل النظر في الموجودات مطلبا شرعيا وعقليا؛ لأنّ فعل الفلسفة عنده نظر في الموجودات من جهة دلالتها على الصانع. فإذا دعا الشّرع إلى الاعتبار في الموجودات، صار النّظر العقلي المنضبط داخلًا في مقصود الشّرع(1).
وهذه الفكرة تمنع الفصل الحادّ بين الإيمان والتفكير، وبين العبادة والنّظر، وبين النص والكون. فالقرآن يدعو الإنسان إلى أن يرى، ويسمع، ويتفكر، ويعتبر، ثم يرتقي بالوعي عبر الظاهرة والدلالة والنظام والحكمة، حتى ينفتح القلب على الخالق. ولذلك تتكرّر في القــــــــــرآن أفعال: ينظــــــــرون، يعقلــــــــون، يتفكــّــــــرون، يتدبـّــــرون، يعتبرون، يُبصــرون. إنّها مفاتيح منهج معرفي كامل. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَـــــاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَـــــــــاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰــــذَا بَاطِـــــــــــلًا﴾ [آل عمران: 190-191]. هذه الآيات ترسم النموذج الأعلى للمعرفة القرآنية: ذكرًا وتفكّرًا، قلبًا حاضرًا وعقلاً يقظا. فالذّكر يمنع العقل من الغرور، والتّفكّر يحمي التديّن من السطحيّة. وحين يلتقي الذّكر بالتفكّر، يصل الإنسان إلى النتيجة الوجودية الكبرى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا﴾.
هنا تتحوّل المعرفة إلى يقين، ويتحوّل النظر في الكون إلى نفي للعبث، وإلى إدراك للغائية والحكمة. وهذه معرفة موصولة بالقلب والعقل والعمل. ولهذا يحتاج المسلم اليوم إلى استعادة هذا المعنى، في زمن انفصل فيه العلم أحيانًا عن الغاية، وانفصل التدين أحيانًا عن سنن الحياة. فالأمّة التي تفقد فقه السنن تتحوّل إلى أمّة تنتظر المعجزات في غير موضعها، وتحمّل القدر تبعات كسلها، وتقرأ النصوص طلبًا للتعزية وحدها، مع أنّ القرآن جاء ليوقظ الإرادة، ويحرّر العقل، ويدفع الإنسان إلى شهود فاعل في الأرض.
4. الواقعية القرآنية والوعي الحضاري
المعرفة القرآنية معرفة واقعية؛ تبدأ من الموجودات المحسوسة، وتستخلص منها المعنى، ثم توجّه الإنسان إلى الفعل. وقد نبّه محمد إقبال إلى عبقرية القرآن في توجيه الفكر البشري نحو العالم المادي لاستخلاص الحقائق الروحية والتجريبية معا، مبرزا قيمة الواقعية القرآنية التي تحثّ على إعمال الحواس والنظر في الآفاق والأنفس. فالغاية الأساسيّة للقرآن عنده «هي إيقاظ الوعي الإنساني بالصلة المتعدّدة الجوانب بين الله والكون»(2).
إنّ الطبيعة في المنظور القرآني مجال للتعرّف على الله، وفهم سننه، وتسخير طاقاته في الخير. وكلما ازداد الإنسان فهما لسنن الكون، ازداد قدرة على توجيهها لغايات أخلاقية وحضارية. ولهذا يتحوّل العلم في الرؤية القرآنية إلى أمانة. فالعلم المنفصل عن الوحي والخلق قد يصنع قوّة بلا رحمة، ومدنية بلا معنى، وتقنية بلا ضمير. ومن هنا تتضح العلاقة بين المعرفة والاستخلاف: فالإنسان لا يعمر الأرض وهو جاهل بسننها، ولا يصلح مجتمعه وهو غافل عن سنن النفس والتاريخ، ولا يحقق العدل من غير وعي بكرامة الإنسان ومصيره.
إنّ الواقعية القرآنية تعني الانطلاق من الواقع لفهم السّنن، ثم توجيه السّنن نحو المعنى. فالقرآن يواجه الغفلة التي ترى العالم سطحًا جامدًا، ويكسّر الخرافة التي تعطّل النظر، ويفضح العبث الذي يقطع العلم عن المسؤولية. وهكذا يصبح النظر في الكون فعلا حضاريّا، لأنّ الأمّة التي تهمل السّنن لا تستطيع أن تبني عمرانا، والأمّة التي تفقد الغاية قد تستعمل العلم في إفساد الإنسان والأرض.
5. الكون كتاب مفتوح والوحي مفتاح القراءة
الكون في الرؤية القرآنية كتاب مفتوح، يحتاج إلى مفتاح منهجي وروحي. فالآيات الكونية موجودة في الآفاق والأنفس، لكنها قد تبقى صامتة أمام قلب غافل أو عقل مستكبر. ويأتي الوحي ليحوّل الصمت الكوني إلى بيان، ويجعل الظواهر المادية علامات دالة. فالنجوم، والليل، والنهار، والمطر، والرياح، والنبات، والأجنة، والموت، والحياة؛ كلّها تتحوّل في القرآن إلى آيات، أي علامات تتجاوز ذاتها وتشير إلى حكمة الخالق. وهذه هي النقطة الفارقة في فلسفة المعرفة القرآنية: العالم يُقرأ. والقراءة هنا فعل عبور عبر طبقات الظاهر والحسّ والنظام والحكمة. ولذلك كان من الخلل أن يقف العقل عند قشور المادة، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7].
فالخلل يبدأ حين يكتفي العقل بظاهر الحياة الدنيا، فيتحوّل هذا الظاهر إلى حجاب عن الغاية والمعنى. أمّا العلم حين يستقيم في الرؤية القرآنية، فإنه يكشف إحكام الخلق، ودقّة السّنن، وعظمة التدبير. وكل قانون يكتشفه الإنسان في الكون ينبغي أن يوسّع دهشته، لأنّ انتظام القانون نفسه علامة على الحكمة. وهكذا يلتقي العلم والإيمان في عقل شاكر؛ علمٌ يوسّع الدهشة، وإيمانٌ يدفع إلى الفهم والعمل، فيقرأ الإنسان الوجود قراءة مسؤولة.
6. آية النّور ونموذج التكامل المعرفي
يتجلى هذا المعمار المعرفي في صورة قرآنية من أعمق الصّور دلالة، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: 35]. تحمل الآية إمكانات تأمّلية واسعة في طبيعة الهداية والمعرفة. فالقرآن يختار النّور رمزًا للحقيقة؛ لأنّ النّور يكشف الأشياء، ويمنح البصر قدرته على الرؤية، ويميّز الموجودات بعد الظلمة.
ومن زاوية التدبّر الفلسفي، يمكن فهم عناصر الصورة بوصفها إشارات إلى مراتب الإدراك وتكاملها. فالزيت الصافي يرمز إلى الاستعداد الفطري النقي، تلك القابلية الداخلية التي تجعل الإنسان مهيّأ لمعرفة الحق. والنار تمثّل مدد الوحي والهداية، الذي يشعل هذا الاستعداد ويُخرجه إلى الفعل. وحين يلتقي الاستعداد الفطري بمدد الوحي تتحقّق الصورة القرآنية: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾. فالعقل نور، والفطرة نور، والوحي نور، وحين تتكامل هذه الأنوار يزكّي بعضها بعضًا.
وقد أشار ابن عاشور في تفسير آية النّور إلى ثراء هذه الصّورة في بيان الهداية والإدراك وصفاء القابلية الإنسانية(3). ومن ثمّ تصبح المعرفة الحقّة حركة تفاعلية تتضافر فيها سنن الكون، وتأملات العقل، وهدايات الوحي، حتى تكتمل بصيرة الإنسان. فالقرآن لا يصادر العقل، والعقل لا يستغني عن النور، والفطرة لا تزدهر من غير هداية. وحين تتلاقى هذه العناصر، يصبح الإنسان أقدر على رؤية العالم آية، ورؤية ذاته أمانة، ورؤية المعرفة مسؤولية.
7. المعرفة القرآنية بين اليقين والتواضع
مع أنّ القرآن يرفع من شأن المعرفة، فإنّه يربّي الإنسان على التواضع المعرفي. قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. هذه الآية تضع العلم في ميزانه الصحيح؛ فهو نعمة كبرى ومسؤولية جليلة، غير أنّه يظلّ محدودًا أمام اتساع الوجود وعلم الله المطلق. فالعلم البشري، مهما اتسع، يبقى محدودًا أمام اتساع الوجود وعلم الله المطلق. لذلك يربط القرآن بين المعرفة والخشية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. فالخشية ثمرة المعرفة العميقة، وكلّما فهم الإنسان شيئًا من نظام الخلق، أدرك عظمة الخالق.
وهذه النقطة شديدة الأهمية في زمن تضخم فيه سلطان الإنسان التقني. فقد صار الإنسان قادرا على التدخّل في الطبيعة والجسد والمجتمع بوسائل هائلة، لكنه يحتاج أكثر من أيّ وقت إلى تواضع معرفي وأخلاقي. فالمعرفة التي تنفصل عن الخشية قد تتحوّل إلى سيطرة عمياء، والمعرفة التي تنفصل عن المسؤولية قد تفتح أبوابا واسعة للعبث بالإنسان والطبيعة. أمّا القرآن فيربّي عقلا يرى في العلم تكليفا لا زينة، ومسؤولية لا مجدا شخصيّا عابرا.
ومن هنا تختلف المعرفة القرآنية عن المعرفة المتعالية المتكبّرة. إنّها معرفة تنتهي إلى التواضع، والشكر، والعمل. وكلما ازداد الإنسان علمًا ازداد إدراكا لحدوده، وكلما ازداد نظره في الآفاق والأنفس ازداد شعوره بأنّ الوجود أكبر من إحاطته، وأنّ الحق أوسع من غروره، وأنّ الإنسان مؤتمن على ما يعلم كما هو مؤتمن على ما يعمل.
8. التدبّر الفلسفي وإعادة بناء العقل
التدبّر الفلسفي في القرآن، من خلال هذه الحلقة المعرفية، يعني استعادة الطاقة التفكيريّة التي يوقظها القرآن نفسه. فالقرآن يسأل الإنسان، ويجادله، ويعرض عليه الآيات، ويستثير دهشته، ويطالبه بالنظر في العالم وفي النفس. إنّه يريد عقلا شاكرا يستعمل السّمع والبصر والفؤاد في طلب الحقّ، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78]. والعقل الشاكر يدرك أن المعرفة كدح نحو الحكمة، واتجاه إلى المسؤولية، واستحضار دائم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
بهذا المعنى، تصبح جدلية الكتابين أساسًا لكلّ تدبّر فلسفي لاحق. فمن لم يفهم علاقة الوحي بالكون، قد يقرأ القرآن قراءة منفصلة عن الحياة، أو يقرأ الكون قراءة منفصلة عن الخالق. ومن لم يفهم تكامل الوحي والعقل والحسّ، قد يقع في أحد طرفين: تعطيل العقل باسم الإيمان، أو تعطيل الوحي باسم العقل. أمّا الرؤية القرآنية فتفتح طريق التكامل والتزكية والهداية؛ طريقا يردّ الإنسان إلى مسؤوليته في المعرفة والعمل والعمران.
وهذه هي الحاجة الإصلاحية الكبرى في زماننا: أن يعود المسلم إلى القرآن بعقل يقظ، لا ليهرب من العالم، ولا ليذوب فيه، بل ليقرأ العالم بنور الوحي، ويقرأ الوحي بعقل متواضع، ويحوّل المعرفة إلى مسؤولية. عندئذ يصبح التدبّر الفلسفي مدخلًا لإصلاح العقل، وتحرير السؤال، وربط العلم بالهداية، وإعادة بناء الوعي الحضاري على أساس من البصيرة والشكر والعمل.
خاتمة
لقد حاولت هذه الحلقة تأسيس المدخل المعرفي للتدبّر الفلسفي في القرآن. وظهر لنا أنّ القرآن يبني عقلا تركيبيا يقرأ الوحي والكون والنفس ضمن وحدة دلاليّة جامعة؛ فالكتاب المسطور يهدي قراءة الإنسان للعالم، والكتاب المنظور يكشف آثار الحكمة في الخلق، والنفس الإنسانية تشهد في داخلها على أسئلة المعنى والمصير.
وحين تتلاقى هذه الأبعاد، تتحوّل المعرفة القرآنية من حدود المعلومة إلى مقام البصيرة، وترتقي بالتأمل الفردي إلى المسؤولية الحضارية. فالعقل في القرآن شريك في الهداية، والحسّ طريق إلى الاعتبار، والكون آية مفتوحة، والوحي مفتاح القراءة. بهذا المعمار، تتحرر المعرفة من تكديس المعطيات، وتصبح بناءً للوعي، وتربية للدهشة، وتوجيه للفعل.
وبعد هذا التأسيس المعرفي، يصبح السؤال التالي طبيعيا: ما حقيقة الوجود نفسه؟ وما موقع الإنسان في كون قائم على الفقر إلى الله والقيومية الإلهية؟ هذا ما تعالجه الحلقة القادمة.
الهوامش
(1) أنظر : ابن رشد، أبو الوليد. فصل الـمقال فيما بين الحكمة والشّريعة من الاتّصال، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، ط1، 1997م، ص 85-86.
(2) انظر: إقبال، محمّد. تجديد التّفكير الدّينيّ في الإسلام، ترجمة: محمد يوسف عدس، دار الكتاب المصري، القاهرة، ط1، 2011م، ص 26.
(3) ينظر: محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م، ج18، ص 234-236
|




