الأولى

بقلم
م.فيصل العش
مَعَالِمُ التَّدَبُّرِ المُرَكَّبِ (2) شروط المتدبّر وأدوات الهندسة المعرفيّة القرآنيّة
 تتمثّل عبقريّة النسق القرآنيّ في كونه خطابا حيّا لا تكتمل دورته إلّا بمتلقٍّ فاعل يتفاعل مع شفراته ويستنطق معانيه. فبعد أن أرسينا في المقال السابق (العدد 226) دعائم «التدبّر المركّب» وعرضنا إجمالا أبعاده الأربعة (البيانيّة، والفلسفيّة، والأخلاقيّة، والاجتماعيّة) بوصفها أقطابا تعيد ترميم العقل المسلم، يظلّ هذا البناء النسقيّ، على جلالته، محض تنظير ما لم يجد «ذاتا فاعلة» تتلقّاه، و«أدواتٍ دقيقة» تفكّكه وتعيد تركيبه في واقع الناس المعيش. إنّ النصّ القرآنيّ، بثرائه اللامتناهي وإعجازه الخالد، لا يمنح كنوزه طواعيةً إلّا لمن استوفى شروط التلقّي، وتسلّح بمفاتيح الفهم والاستنباط. 
وتتجاوز معالجة «أزمة التلقّي» حدود الوعي النّظريّ لتستوجب ثورة حقيقيّة في «الذّات القارئة»؛ إذ إنّ القرآن الكريم «كتاب مسطور» يتفاعل مع قلب المتدبّر وعقله بمقدار ما يقدّمه من استعداد نفسي سويّ وكفاءة معرفيّة. وهو ليس كباقي الكتب، يُقرأ قراءة سلبيّة فتنجلي معانيه تلقائيّاً. لذا، كان لزاماً الانتقال من دراسة «بنية النصّ» إلى دراسة «بنية القارئ» وآليات القراءة.
يمثّل هذا المقال الحلقة الثانيّة المتمّمة، حيث نشرع في تفكيك الشروط الموضوعيّة والذاتيّة للمتدبّر، والأدوات المنهجيّة التي لا مندوحة عن اعتمادها. أي التحوّل من سؤال «ماذا نتدبّر؟» إلى سؤال «كيف نتدبّر، ومن هو المؤهّل المؤتمن على هذا التدبّر؟». وفي هذا السّياق، نستصحب إشراقات بعض المفكّرين المعاصرين لرسم خارطة طريق تطبيقيّة تجعل التدبّر ممارسة مستدامة تثمر نهضة حضاريّة، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29)
1. شروط المتدبّر واستعدادات التلقّي
يمثّل التّدبّر، في جوهره العميق، «يقظة وجوديّة» وتفاعلا حيّا ومستمرّا مع النّصّ المفتوح على المطلق، متعدّيا بذلك أيّ إطار لنشاط ذهنيّ مجرّد. لذلك، اشترط القرآن الكريم في من يروم الغوص في بحاره أن يكون مزوّداً بجملة من الشّروط الذّاتيّة والقلبيّة والعقليّة التي تهيّئ «المحلّ القابل» لاستقبال أنوار الوحي. وتتجسّد هذه الشّروط في المرتكزات الآتيّة:
1.1.  شرط التجرّد المعرفيّ والتّحرّر من «الأجندات المسبقة»
يعدّ التجرّد المعرفيّ المدخل الإجباريّ لأيّ تدبّر حقيقيّ، وهو يعني ولوج عالم القرآن دون «خلفيّات مسبقة» أو «أهداف توجيهيّة» تفرض على النصّ نتائج محدّدة سلفاً. إنّ من أخطر العوائق التي تواجه المتدبّر المعاصر هي تلك الرواسب الثقافيّة والفكريّة التي تجعل النصّ «مؤيداً» لفكرة خارجيّة بدلاً من أن يكون «منشئاً» للوعي.
هناك من يدخل حلبة التدبّر وهو محمّل بانبهار شديد بالنّموذج الغربيّ، وبما أنتجه من مفاهيم حول الحريّة الشّخصيّة والمساواة الماديّة، فيسعى -بوعي أو بغير وعي- لتطويع الآيات القرآنيّة لتوافق هذه المعايير البشريّة المتقلّبة،ممّا يحيل التّدبّر إلى «تبرير اعتذاريّ» يفقد النّصّ هويّته الحاكمة؛ لينقلب من استنباط لمراد الله الأعلى، إلى «هندسة عكسيّة» تسعى لتسويغ مراد الإنسان الغربيّ المعاصر. فالمتلقّي الذي يستسلم لسلطان المفاهيم الوافدة يضع بينه وبين الوحي حجاباً كثيفاً، فبدلاً من أن يرى النّور القرآنيّ بأصالته، يراه من خلال عدسات مشوّهة لا تنقل له إلّا ما يوافق هوى تلك المفاهيم. 
وفي المقابل، نجد من يقارب التّدبّر بروح صراعيّة انفعاليّة غايتها «نسف» الأفكار الغربيّة، ليتّخذ من القرآن مجرّد «ترسانة أسلحة» للهدم والسّجال. وهذا التّقزيم يعمي البصيرة عن مقاصد الوحي الإنسانيّة الكونيّة، ويفرغ النّصّ من طاقته البنائيّة والعمرانيّة. وتعدّ أدبيّات جماعات التّكفير والهجرة، ولاحقا داعش وغيرها من التّنظيمات المسلّحة التّجسيد الأبرز لهذه القراءة. إذ تفاعل منظّرو هذه التّيّارات مع النّصّ القرآنيّ بهاجس واحد: نسف الجاهليّة الغربيّة والأنظمة المتأثّرة بها. لذلك، مارسوا عمليّة «انتقاء» حادّة لآيات المفاصلة والقتال والولاء والبراء، وعزلوها عن سياقها، وتجاهلوا تماما آيات الرّحمة والسّلام والتّعارف الإنسانيّ والبناء الحضاريّ. فتحوّل التّدبّر عندهم إلى بحث محموم عن «مشروعيّة الهدم»، وأصبح القرآن كتاب «مفاصلة» فقط، لا كتاب «هداية» للعالمين.
وعلى صعيد آخر، نجد شريحة واسعة من الدّعاة والمثقّفين التّقليديّين الّذين سخّروا جهدهم الفكريّ كاملا في مسار «الرّدّ على الشّبهات» و«نقض الفكر الغربيّ» (سواء في قضايا المرأة، أو الدّيمقراطيّة، أو حقوق الإنسان). ورغم أهميّة الدّفاع عن الإسلام، إلّا أنّ استغراقهم في هذا المسار جعل قراءتهم للقرآن «قراءة دفاعيّة مضادّة». فهم لا يبحثون في القرآن عن كيفيّة بناء «نظريّة اجتماعيّة إسلاميّة» مبتكرة، بل يبحثون عن كيفيّة استخراج دليل ينقض مقولة غربيّة. وهذا ما جعل الفكر الإسلاميّ في حالة «ردّ فعل» دائم، محكوما بجدول أعمال يضعه الغرب. وهذا العقل الانفعاليّ يفقد الفاعليّة الإيجابيّة -حسب تعبير المفكّر مالك بن نبيّ - وينشغل بالجدل العقيم الّذي لا يبني حضارة، بل يكتفي بالصّراخ في وجه الآخر(1).
في كل هذه الحالات، يفقد المتدبّر شرط «الحاكميّة المعرفيّة للقرآن»، ويصبح النّصّ محكوما عليه بدلا من أن يكون حكما. فبدلا من الغرق في وحل الصّراعات الفكريّة الحديثة، ينبغي أن يؤسّس التّدبّر الحقّ لنهج التّجديد الدّينيّ الأصيل، ويفتح آفاق الحوار البنّاء والتّقارب بين مختلف المدارس. التّدبّر الحقّ يقتضي التّخلّص من هذه الأقفال الذّهنيّة، والوقوف أمام الآية بتجرّد معرفيّ تامّ، يسمح للنّصّ أن يشكّل وعي المتدبّر، لا أن يقوم المتدبّر بتشكيل النّصّ وفق مقاساته الفكريّة. يقول سيّد قطب في هذا المجال: «إنّه لا يجوز لنا أن نواجه النّصوص القرآنيّة بمقرّرات عقليّة سابقة. لا مقرّرات عامّة، ولا مقرّرات في الموضوع الّذي تعالجه النّصوص. بل ينبغي أن نواجه هذه النّصوص لنتلقّى منها مقرّراتنا. فمنها نتلقّى مقرّراتنا الإيمانيّة، ومنها نكوّن قواعد منطقنا وتصوّراتنا جميعا؛ فإذا قرّرت لنا أمرا فهو المقرّر كما قرّرته»(2)
2.1.   إخلاء القلب من أقفال الكبر المعرفيّ:
الشّرط الثاني في تشكيل وعي المتدبّر هو مبدأ التخلية قبل التحلية؛ فالعقل المثقل بالأحكام المسبقة، والقلب المنتفخ بالتعصّب غير الواعي للموروث، أو الانبهار الأعمى بالوافد، لا يستطيع أن يتلقّى نور القرآن تلقّيًا صافياً. ذلك أنّ القرآن لا يفتح أسراره لمن يقرأه بروح المغالبة أو الانتقاء، وإنما لمن يقبل عليه بقلب سليم، طالبًا وجه الحقّ لذاته، متحرّرًا من كل قيد يمنعه من الانقياد للدليل الواضح. ولهذا يربط القرآن النجاة بحقيقة القلب، في قوله تعالى:﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 89)،كما يصف أهل القرب والإنابة بقوله:﴿..مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾(ق: 33).
وفي المقابل، يكشف القرآن عن أثر الكِبر في حجب الإنسان عن آيات الله، فيقول تعالى:﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (الأعراف: 146). وهذا الصرف هو عقوبة إلهيّة للمتكبّر الذي يعتقد أنّه يمتلك الحقيقة المطلقة، فيحرمه الله من بصيرة الغوص في آياته.  ومن هنا يصبح التجرّد شرطًا جوهريًا للتدبّر؛ أن يدخل المتدبّر إلى محراب القرآن معلنًا فقره المطلق إلى هداية الله، مستعدًا نفسيًا وفكريًا لمراجعة أفكاره السابقة، والتخلّي عمّا يصطدم منها ببيّنات الوحي وقطعيّات النص القرآني. 
3.1.   اليقظة الشّعوريّة والنّبض الحيّ للضّمير:
يخاطب القرآن الإنسان بكليّته المركّبة؛ فيخاطب عقله بالبرهان، وقلبه بالذكر، وروحه بالوجدان. ومن ثمّ، فإنّ المتدبّر الحقّ يتجاوز الفهم الذهني المجرّد إلى استقبال المعنى بقلب حيّ، يقظ أمام الوعد والوعيد، خاشع عند ذكر الله وجلاله. فالتدبّر لا يثمر أثره العميق ما لم يتحوّل الحرف المقروء إلى نداء حاضر في الوجدان، يوقظ الإنسان من بلادة العادة ورتابة الألفة. وهذا الاستقبال القلبي شرط أساس في التعامل مع القرآن؛ إذ لا يكون العقل الغافل، ولا القلب المحجوب بركام المادّيات، وعاء أمينا لرسالة بهذا الثّقل الوجودي والحضاري. ولذلك يصف الدّكتور فريد الأنصاري هذا التلقّي الشّهودي بقوله: «وتلقي القرآن بمعنى استقبال القلب للوحي، على سبيل الذّكر؛ إنّما يكون بحيث يتعامل معه العبد بصورة شهوديّة، أي كأنّما هو يشهد تنزله الآن غضًا طريًّا! فيتدبّره آية، آية، باعتبار أنّها تنزّلت عليه لتخاطبه هو في نفسه ووجدانه، فتبعث قلبه حيًّا في عصره وزمانه، ومن هنا وصف الله تعالى العبد الذي “يتلقّى القرآن” بهذا المعنى؛ بأنّه يُلقي له السّمع بشهود القلب، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37). ذلك هو الذّاكر حقًّا، الذي يحصل الذّكرى ولا يكون من الغافلين»(3)
4.1.  الاستعداد الوجوديّ للاستجابة العمليّة:
من أعظم الأخطاء المنهجيّة التي تضرب مشروع التدبّر في مقتل، التّعامل مع القرآن ككتاب فلسفيّ نزل ليكون مادّة للجدل الفكريّ أو التّرف المعرفيّ. القرآن نزل ليكون «منهاج حياة» وبرنامج عمل. وعليه، فمن الشّروط الحتميّة للمتدبّر أن يكون في حالة استعداد قصوى للانقياد والتّنفيذ بمجرّد اتضاح الرّؤية القرآنيّة. إنّ غياب نيّة «التّطبيق العمليّ» يجعل من عمليّة التدبّر ممارسة عبثيّة عقيمة. فقد ذمّ الله جلّ جلاله قوماً تعاملوا مع النصّ بسلبيّة السّماع الخالي من طاقة التنفيذ، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: 21). لذا، وجب على المتدبّر أن ينظر إلى كلّ آية يقرؤها وكأنّها رسالة شخصيّة عاجلة ومباشرة موجّهة إليه في تلك اللّحظة بالذّات، تطالبه باتخاذ موقف عمليّ. هذا الاستعداد العمليّ هو المفتاح السّريّ الذي يفتح مغاليق المعاني العويصة، لأنّ الله تعالى يمنح أسرار كتابه وأنوار هدايته لمن يعلم من قلبه صدق العزيمة على العمل به.
5.1.  الكفاءة اللّغويّة (فقه اللّسان ووعاء البيان):
شاء الله تعالى أن يكون اللّسان العربيّ المبين وعاءً للوحي الخاتم، ومن ثمّ فإنّ تدبّر القرآن يقتضي حدًّا أدنى من الوعي بطبيعة هذا اللّسان وخصائصه. ولا يعني ذلك أن يكون كلّ متدبّر عالمًا متبحّرًا في علوم العربيّة، لكنّه يحتاج إلى قدرٍ من الذائقة اللغويّة السّليمة التي تعينه على تمييز دلالات الألفاظ، وفهم أسرار التّراكيب، واستشعار الفروق الدّقيقة بين المعاني.  فالجهل التامّ بقواعد العربيّة ومقاصد خطابها قد يفتح الباب أمام مزالق خطيرة، كالتّفسير الباطني المنحرف، أو التّأويل المتعسّف الذي ينتزع النصّ من سياقه، ويحمّله ما لا تحتمله دلالاته. كما يحتاج المتدبّر، إلى جانب هذه الكفاءة اللّغوية، إلى إلمام عامّ بمقاصد الشّريعة الكليّة، حتى يبقى مسار التدبّر منضبطًا بالنّسق المرجعي العام للإسلام، فلا ينحرف عن روحه ولا يصادم مقاصده.
6.1.   الوعي السّننيّ والفقه التاريخيّ:
من الشّروط العميقة لمواصفات المتدبّر الفاعل، أن يكون متمتّعاً بعقليّة استيعابيّة واسعة تدرك «سنن الله» الجاريّة في الكون والتّاريخ. فالقرآن الكريم يزخر بقوانين صارمة تحكم صعود الأمم وهبوطها. المتدبّر الواعي يراها «معادلات حتميّة» تحكم واقع أمّته المعاصر. وفي هذا السّياق، يقول المفكّر الإسلامي محمد الغزالي، مبيّناً هذه النّظرة السّننيّة العميقة: «خميرة النهوض موجودة في القرآن، وأسباب النهوض والسّقوط في القرآن (السّنن) هي أشبه ما تكون بمعادلات رياضيّة، وبمجرّد أن أحسن المسلمون التعامل معها، أوجدوا حضارة.. وعندما يتنكّرون لها، يكون السّقوط»(4).
2.  أدوات التدبّر واستنباط المعنى
إذا ما استكمل المتدبّر شروط الذّات القارئة وتهيّأ نفسيّاً ومعرفيّاً، توجّب عليه أن يمتلك «صندوق أدوات» منهجيّ يعينه على تفكيك النصّ واستخراج لآلئه الكامنة. ويمكن إبراز أهمّ هذه الأدوات في الآتيّ:
1.2.   الأداة البيانيّة والنّظميّة:
تُعدّ هذه الأداة البوّابة الأولى للتدبّر؛ إذ تقوم على التأمّل الدقيق في النّظم القرآني، من خلال رصد التّقديم والتّأخير، والذّكر والحذف، واختيار الألفاظ، وتناسق التّراكيب. فليس في القرآن لفظٌ عابر أو موضعٌ اعتباطي، بل تأتي المفردة في مكانها بتقدير إلهي دقيق، يفتح أمام المتدبّر آفاقًا واسعة من الدّلالة. ومن هنا يحتاج المتدبّر إلى فحص لغوي رصين، يربط بين موقع المفردة في الآية، وسياقها في السّورة، ومقصدها في البناء الكلّي للنّص. فتفعيل هذه الأداة يكشف سعة القرآن وقدرته على إظهار وجوه متجدّدة من المعنى، ضمن حدود لسان العرب ومقاصد الوحي وضوابط الفهم السّليم. وفي وصف هذا الانفتاح الدّلالي المنضبط، يقول العلامة محمد عبد الله دراز: «ولعلّك لو وكلت النّظر فيها لغيرك لرأى فيها أكثر ممّا رأيت، وهكذا نجد كتاباً مفتوحاً مع الزّمان يأخذ منه كلّ فرد ما تيسّر له؛ بل ترى محيطاً مترامي الأطراف لا تحدّه عقول الأفراد ولا الأجيال»(5).
2.2.   أداة التّفسير الموضوعيّ والوحدة البنائيّة للسّورة:
من الآفات المنهجيّة في التّعامل مع القرآن الوقوف عند القراءة التجزيئيّة التي تفصل الآية عن سياقها الخاصّ والعام، فتفتح الباب أمام استنتاجات مبتسرة أو أحكام غير مكتملة. ومن هنا تأتي أداة «الوحدة البنائيّة» بوصفها صمّام أمان منهجي، يوجّه المتدبّر إلى النّظر في السّورة القرآنيّة باعتبارها بناءً دلاليًّا متكاملًا، تنتظم آياته في مقصد جامع، كما يوجّهه إلى قراءة الآيات المتعلّقة بالقضيّة الواحدة قراءةً متكاملة، يفسّر بعضها بعضًا، ويكشف مجموعها عن رؤية قرآنيّة أوسع. وبهذا ينتقل التدبّر من ضيق قراءة الآية معزولةً عن سياقها إلى رحابة النّظر في المقصد القرآني الكلّي. ويؤكّد القرآن هذا الانسجام البنيوي المعجز بقوله تعالى:﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 82).
3.2.  أداة السّياق المكّيّ والمدنيّ:
لا يستطيع المتدبّر أن يحلّق في سماء المعاني ما لم ترسخ قدماه في أرض السّياق التّاريخي الذي تنزّل فيه النّص أوّل مرّة. فمعرفة الملابسات الزّمانيّة والمكانيّة، وأسباب النّزول، تعينه على فهم حكمة التّشريع، ووجه الخطاب، ومناط الحكم. غير أنّ المتدبّر الحصيف لا يتوقّف عند حدود الحادثة التّاريخيّة، وإنّما يعبر منها إلى استخلاص المبدأ الكلّي والقيمة الممتدّة وراء خصوصيّة الواقعة. وبهذا يصبح السّياق طريقًا لفهم تفاعل الوحي مع الواقع البشري الأول، وتفعيل هداياته في الواقع المعاصر دون اقتطاع النّص من أصوله أو تجميده داخل ظرفه الأول.
4.2.   أداة التّنزيل الاستشرافيّ على الواقع:
تُعدّ هذه الأداة التّتويج العملي والميداني للأدوات السّابقة؛ إذ لا يكتمل التدبّر بمفهومه الحضاري حتى يتحوّل إلى منهج في تشخيص أزمات الواقع، والبحث عن هدايات القرآن في علاجها. وتتمثّل هذه الأداة في قدرة المتدبّر على صياغة الأسئلة المعاصرة صياغة واعية، ثم عرضها على النّص الخالد لاستنطاق هداياته، واستكشاف مقاصده وسننه ومعالمه الكلّية. فالمتدبّر الرّباني -وهو يدخل إلى عالم القرآن- ينظر إلى أزمات مجتمعه بعين الفحص والمسؤوليّة، ويحمل هموم الإنسان معه، ليقرأه قراءة الباحث عن شفاء وبصيرة. وبذلك ينتقل القرآن في وعي المتدبّر من الاقتصار على تلاوته طلبًا للبركة إلى تفعيله بوصفه منهاج هداية يحكم حركة الإنسان في البناء والإصلاح. وهذه الأداة هي التي تكسر الاغتراب المفتعل بين نصوص الدّين وحركة الدّنيا؛ إذ تجعل الواقع مجالًا لتنزيل الهداية، وتجعل القرآن مرجعًا لتقويم الواقع وترشيد حركته. وفي هذا المعنى يقول الدكتور طه جابر العلواني مبيّنًا ضرورة عرض أسئلة العصر على القرآن دون إسقاط سابق عليه: «أمّا بالنّسبة للعصور التّالية فإنّ القرآن الكريم تامّ كامل، وذلك يقتضي أن يصوغ النّاس أزماتهم وإشكاليّاتهم وأسئلتهم، ثمّ يذهبون بها إلى القرآن الكريم ليضعوا ذلك بين يديه، ويستنطقوه الجواب، وقد يطول الحوار بين أصحاب الأزمة والمشكلة أو السّؤال [وبين القرآن]، وقد يحتاجون إلى قراءة القرآن كلّه؛ لئلّا يتحوّل الأمر إلى إسقاط موضوعات على القرآن الكريم...»(6).
خاتمة: التدبّر  كفريضة حضاريّة
خلاصة القول، إنّ عمليّة «التدبّر المركّب» لا يمكن أن تؤتي أكلها المرجوّ وتحقّق أبعادها المنهجيّة والحضاريّة إلا بتضافر شقّي المعادلة: ذات قارئة مهيّأة، تستكمل شروط التجرّد من الأجندات المسبقة، واليقظة الوجدانية، والاستعداد العملي، والوعي السنني؛ وأدوات منهجية دقيقة تشمل استكشاف أسرار البيان، وإدراك الوحدة الموضوعية، واستحضار السياق التاريخي، وحسن تنزيل الهدايات القرآنية على النوازل المعاصرة. فافتقاد الشّروط يحوّل التدبّر إلى قراءة آليّة جامدة، وافتقاد الأدوات يفتح الباب أمام تأويل منفلت مضطرب. وحين تتكامل الشّروط مع الأدوات، تنقدح شرارة الفهم، ويتشكّل العقل المسلم القادر على حمل أمانة الاستخلاف بوعي ومسؤوليّة.
ومن هنا، يغدو التدبّر في عصرنا المأزوم فريضة حضاريّة وضرورة وجوديّة، تنتشل الأمّة من التّيه المعرفي والقصور العملي. وبه يستعيد القرآن دوره في بناء الإنسان وتوجيه العمران؛ نورًا هاديًا، وطاقة محرّكة، ومنهاجًا ربانيًّا حيًّا يربط الأرض بالسّماء، والكلمة بالعمل، ويضع المسلم أمام مسؤوليته الكبرى في شهود حضاري فاعل يحقق معنى الاستخلاف. «للحديث بقيّة»
الهوامش
(1) للتوسع في هذا الباب يمكن الرجوع إلى كتاب مالك بن نبي، شروط النّهضة، تحديداً في الفصل الأوّل الذي يحمل عنوان: «إنسان ما بعد الموحّدين». وفي هذا الكتاب، يحلّل ابن نبيّ اللحظة التاريخيّة التي تمثّل انكسار المنحنى الحضاريّ الإسلاميّ، معتبراً أنّ سقوط دولة الموحّدين لم يكن سقوطاً سياسيّاً فحسب، بل كان إيذاناً بميلاد نمط بشريّ جديد فقد «الفاعليّة» ودخل في عصر «الشيئيّة» والتقليد.
(2) سيّد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، طبعة 1992، الجزء السادس، ص 3979، عند تفسيره لسورة الفيل.
(3) د.فريد الأنصاريّ، مجالس القرآن: مدارسات في رسالات الهدى المنهاجيّ للقرآن الكريم من التّلقّي إلى البلاغ، دار السّلام، القاهرة،2010ط 1، ج 1، ص 46.
(4) محمد الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، المكتب الإسلامي/دار النهضة، بيروت/القاهرة، طبعة 1999، ص 153
(5) محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن، دار القلم، دمشق، طبعة 2005، ص 128
(6) د.طه جابر العلواني، أفلا يتدبّرون القرآن؟ معالم منهجيّة في التّدبّر والتّدبير،المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ / دار السّلام، القاهرة، 2006، ط1، ص: 53.