نقاط على الحروف

بقلم
د. سهام قادري
الدّروز: من النّشأة التّاريخيّة إلى التّشكّل العقائدي
 المقدمة
يعدّ الدّروز من أكثر الفرق غموضا وإثارة لجدل المؤرّخين والباحثين في مجال الفرق الإسلاميّة، لما انطوت عليه تعاليمهم من أسرار وتأويلات باطنيّة خارجة عن إطار العقيدة الإسلاميّة الصّحيحة، وقد كانت هذه الفرقة من أبرز الحركات التي سعت إلى طمس المعالم العقديّة وتشويه صورة الدّين الحقّ تحت شعارات فكريّة وتأويليّة زائفة.
وقد اختلف الدّارسون في منشئ هذه الطّائفة وحقيقة مذهبها، حتّى تناقضت الآراء وتباينت التّفسيرات بحسب مصادر كلّ باحث ومدى قربه أو بعده عن المنهج العلمي المنصف، وبما أنّ الغموض قد أحاط بعقائدهم وطقوسهم، فإنّه يجب الوقوف على حقيقتهم لتمييز الغثّ من السّمين، والكشف عن جوانب انحرافهم عن الإسلام ومواقف العلماء منهم.
ومن هنا تنطلق هذه الدّراسة محاولة الإجابة عن أسئلة محوريّة، من قبيل: من هم الدّروز؟ وفيم تتجلّى عقائدهم الباطنيّة؟ وما طبقاتهم الاجتماعيّة وطقوسهم الدّينيّة؟ وكيف انحرفوا عن جوهر العقيدة الإسلاميّة؟
أولا: نشأة الدروز وتطور دعوتهم
ترجع الجذور التّاريخيّة للطّائفة الدّرزيّة إلى القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وذلك أيّام الحكم الفاطمي في مصر، وخصوصا في عهد الخليفة الحاكم بأمر اللّه (ت 411هـ/1021م)، الذي عدّ في نظر أتباع هذه الفرقة تجلّيا إلهيّا، وهو أخطر ما بنوا عليه مذهبهم وعقيدتهم.
ظهرت الدّعوة الدّرزيّة في مصر سرّا على يد الحسن بن حيدة الفارسي، ثمّ تزعّمها الحمزة بن علي بن أحمد الزّوزني، وهو المنظّر الأول لهذه العقيدة ومؤسّس نظامها الدّعوي والفكري، وقد ساعده في بثّ دعوته كلّ من «نشتكين الدّرزي»، الذي نسبت الفرقة إلى اسمه، وعلي بن أحمد السّموقي المعروف ببهاء الدّين، وهو الذي أغلق باب الدّعوة سنة (434هـ) وحصر المعرفة الدّينيّة في طبقة نخبويّة تعرف بـ «العقال»، تخفى عقيدتها عن «الجهّال» من باقي أفراد الطّائفة.
وقد انتقل مركز هذه الدّعوة بعد انتهائها في مصر إلى جبال الشّام وخاصّة جبال لبنان وحوران، حيث تمكّن الدّروز من التّمركز والحفاظ على خصوصيّتهم المذهبيّة، فتشكّلت لهم بيئة منغلقة اتسمت بالسّريّة والعزلة عن سائر المسلمين، ممّا زاد في تعقيد دراسة مذهبهم وكشف حقائقه. 
ويفضّل الدّروز أن يطلق عليهم «الموحّدون»؛ لما يرون في أنفسهم من أنّهم أهل للتّوحيد الخالص، وهو الاسم الذي أطلق عليهم في كتبهم المقدّسة(1). إلاّ أنّ تسميتهم بالدّروز ظلّت الأشيع والأكثر اعتمادا من قبل مؤرّخي الفرق. ولا تعني هذه التّسمية توحيد اللّه عزّ وجل المفرد بالعبادة عندهم، بل تحمل معنى الإخلاص في توحيد الحاكم بأمره.
وقد اختلفت آراء المؤرّخين في أصل هذه الطّائفة فذهبوا مذاهب متعدّدة، فأرجعهم البعض إلى أصل عربي، في حين أرجعهم آخرون إلى أصل أعجمي، واعتبروهم «مزيجا من عناصر مختلفة من عرب وفرس وهنود»(2). وهكذا، كان اختلاف المؤرّخين في أصل الدّروز مرتبطا بمادّة بحثهم؛ فإذا وجد كاتب كلمة فارسيّة في كتبهم المقدّسة نسبهم إلى الفرس، وإذا وجد كلمة آراميّة رأى فيهم أصلا آراميّا. لكن عن طريق تتبّع أنساب شيوخ الدّروز ورؤساء عشائرهم، تمّ إثبات أصلهم العربي. وسعى كلّ من المؤرّخين الفرنسيّين والإنجليز إلى إرجاع أصول الطّائفة الدّرزية إلى بلادهم؛ فالفرنسيّون نسبوهم إلى أصل فرنسي، والإنجليز نسبوهم إلى أصل إنجليزي. ولعلّ لهذه الخطوة مآرب استعماريّة. «والحقيقة أنّ الدّروز ينحدرون من أصل عربي، ويعتقد أنّهم ينتمون إلى عدد من القبائل العربيّة التي نزحت من شبه الجزيرة العربيّة وتوطّنت بلاد الشّام، مثل: بني ربيعة، وبني تيم اللّه بن ثعلبة، وبني هلال بن عامر بن صعصعة»(3).
ثانيا: التّعريف بهم ومناطق انتشارهم
يعرف الدّروز حسب ما ورد في مؤلّفات تاريخ الفرق الإسلاميّة بأنّهم «فرقة من فرق الباطنيّة الإسماعيليّة، تنسب إلى الدّاعي محمد بن إسماعيل الدّرزي، واسمه الحقيقي «نشتكين»(4)، وكان تركيّا من بخارى، قدم مصر سنة 407 هـ، واتصل بالحاكم بأمر اللّه وحسن له فكرة ادّعاء الألوهيّة»(5).
ويستوطن الدّروز مرتفعات جبال لبنان، مثل مناطق الشّوف والمتن، ويتوزّعون في سوريا في جبل حوران ومحافظة السّويداء وهضبة الجولان، كما يتواجدون في منطقة الجليل بفلسطين، وتحديدا في مدن عكّا وجبل الكرمل وصفد، وفي منطقة الأزرق في شرق الأردن.
إنّ تاريخ نشأة الطّائفة الدّرزية مضطرب ومختلف، وقد انعكس هذا الوضع بصورة طبيعيّة على عقيدتها؛ حيث أسهمت هذه العوامل في ميل هذه الطّائفة، كما هو الحال عند بعض الطّوائف الأخرى، إلى كتم عقائدها وطقوسها. ولعلّ هذا الموقف هو الذي أدّى إلى تناقض الآراء واختلافها حول نتائج البحوث المتعلّقة بعقيدة هذه الطّائفة.
ثالثا: أبرز عقائد الدّروز
يعدّ الكشف عن عقائد الدّروز مسألة شائكة، لانتهاجهم سياسة التّستّر والتّقيّة في شؤونهم العقائديّة، ولاسيما مع الضّغوطات التي تعرّضوا إليها على مرّ التّاريخ. ولهذا يجد الباحث في أمر هذه الطّائفة نفسه بين رأيين متعارضين: أحدهما يؤكّد ما تناقله الكتبة والمؤرّخون من أخبار تثبت خروجهم عن دائرة الفرق الإسلاميّة، والآخر يثبت انتماءهم للدّين الإسلامي.
ومن جهتهم، تتّخذ الطّائفة الدّرزيّة موقفا محايدا، فهي لا تردّ على جميع الانتقادات والاتهامات، ولعلّ السّبب الأساسي في ذلك إخفاءَها لكتبها المقدّسة عن أعين المؤرّخين. ومن الطّبيعي في هذه الحالة أن تتضارب الآراء ويتّسع مجال الحيرة فيما نقل عنهم من عقائد.
أ) التوحيد:
تتمحور عقيدة الموحدّين الدّروز، حسب تسميتهم أنفسهم، حول مبادئ أساسيّة، منها:
الإيمان بقدم العالم وعراقته(6).
الاعتقاد بمعاد النّفوس إلى أدوار سالفة قبل آدم عليه السّلام(7).
النّظر إلى «جوهر الدّين» على أنّه يتمثّل في أن يكون الإنسان ذا ضمير نقي، وبهذا الضّمير الزّاهد المتجرّد يقوم بتكريم العدالة الرّبانيّة والحكمة الإلهيّة»(8).
ويقولون في توحيدهم: «إنّ مذهب التّوحيد دعا إلى موجود ظاهر منزه، أثبت وجوده وتنزيهه بتجلّيه وغيبته، لا يشوبه في تنزيهه تعطيل، ولا يلحقه في وجوده تشبيه»(9).
ب) ألوهيّة الحاكم بأمر الله
كانت عقيدة تأليه الملوك والأئمة فكرة قديمة تنتقل من عصر إلى آخر، حتّى طالت بعض الفرق الإسلاميّة بفعل اختلاط الشّعوب والأمم. فقد تراوحت مرتبة «تأليه الحكّام» بين فرق تصرّح بهذه المرتبة، وأخرى تبالغ في وصف أئمّتهم بصفات ترفعهم فوق مرتبة البشر. ومن بين هؤلاء نجد الطّائفة الدّرزيّة التي ألّهت الحاكم بأمر اللّه، حيث «رفعه قومه إلى درجة الألوهيّة، وهم الدّروز»(10).
ويعتقد الدّروز أنّ «الحاكم بأمر اللّه حقيقة لاهوتيّة لا تدرك بالحواس ولا بالأوهام، إلاّ أنّ هذا المعبود يتّخذ له من حين لآخر مقامات ناسوتيّة»(11)؛ (أي بشريّة).
وكما يرون أنّ «الموحّد (أي الدّرزي) لا يعرف شيئا غير طاعة مولانا الحاكم، والطّاعة هي العبادة، وأنّه لا يشكّ في عبادته أحد مضى أو حضر أو ينتظر، وأنّه قد سلمّ روحه وجسده وماله وولده وجميع ما يملكه لمولانا الحاكم جلّ ذكره، ورضي بجميع أحكامه له وعليه، غير معترض ولا منكر لشيء من أفعاله»(12).
ج) التّقمّص
التّقمّص في اللّغة العربيّة هو مصدر «تقمّص»، أي لبس القميص. ويستعار هذا اللّفظ للدّلالة على الولاية والإمارة، فيقال: «تقمّص الولاية والإمارة»، أي لبسها كما يلبس القميص. ومنه قولهم: «تقمّصت الرّوح»، أي انتقلت من جسد آدمي إلى جسد آخر مثله. وقد استعار الموحّدون الدّروز هذا المصطلح للتّعبير به عن نوع من أنواع التّناسخ الذي يؤمنون به.
وللتّناسخ عند معتقديه أقسام، منها:
* النّسخ: وهو انتقال الرّوح من جسد بشري بعد موته إلى جسد بشري آخر.
* الفسخ: وهو حلول الرّوح في جسد حيوان، ويكون سبب ذلك، عادة، لسوء أعمال صاحب الجسد في الدنيا.
* الرّسخ: وهو انتقال الرّوح الشّريرة إلى جماد.
أمّا الدّروز فقد أخذوا بقول النّسخ فقط، ولذلك اعتمدوا مصطلح «التّقمّص» للتّعبير عنه. ويعلّلون ذلك باعتقادهم «أنّ النّفس لا تموت بل يموت الجسد فقط، ولا تنتقل إلى حيوان لأنّ في انتقالها إلى جسد حيوان ظلما لها؛ لأنّ العقاب مؤجّل إلى يوم الدّين»(13).
إذن فالتقمّص عند الموحّدين أصل ثابت في معتقدهم، لما يمثّله من تجسيد لعدل اللّه في الثّواب والعقاب، وفي محاسبة النّفوس البشريّة على ما اقترفته من خير وشر.
د) التخيير
يرى الدّروز أنّ الإنسان مخيّر في أفعاله، فقد يؤمن أو يكفر، وقد يعمل شرّا أو خيرا، وقد يكذب أو يصدق، وقد يحبّ أو يكره. وهو بذلك مسائل عمّا يفعل(14).
وقد ذهبت الطّائفة الدّرزيّة إلى هذا المذهب لتثبت العدل الإلهي وتنزه اللّه عن الظّلم. واعتبرت أنّ اللّه قد فضّل الإنسان بالعقل ليميز بين الخير والشّر، ومنحه الإرادة ليختار في عمله، فينال كلّ شخص جزاء فعله، إمّا ثوابا وإمّا عقابا.
هـ) الشّرائع
نشأت الطّائفة الدّرزيّة في رحاب الدّولة الإسلاميّة وتحت سلطتها، وكان من الطّبيعي أن تتأثّر شرائعها بالإطار الحضاري الذي ولدت فيه، ولاسيما مع ثبات أصولها العربيّة، حتّى لو اقتصرت على أخذ الظّاهر دون الباطن.
عمل الدروز في بداياتهم بشكل ظاهري بالشّرائع التي نصّ عليها الدّين الإسلامي، إلّا أنّهم تدريجيا تركوا الفرائض التّكليفيّة من صوم وصلاة وزكاة وحجّ. ويعتبرون في مبرّر ذلك أنّ «الإسلام هو الإيمان، والإيمان عقد بالقلب لا نطق باللّسان»(15).
وقد تمّ في الواقع إسقاط الشّرائع عمليّا مع الإبقاء على تسميتها، فأصبحت لهم صلاة مختلفة عمّا هو معهود؛ «فالصّلاة عندهم خمس صلوات تخالف صلاة المسلمين»(16). ولهم صوم ليس كما نصّ عليه الدّين الإسلامي؛ «غير أنّ الدّروز يصومون في أيّام خاصّة، وهي التّسعة الأولى من شهر ذي الحجّة»(17). و«أسقطوا فريضة الزّكاة، واعتبروها عبارة عن تزكية النّفس»(18).
وقد استبدل الدّروز الشّرائع الإسلاميّة وأقاموا مقامها الخصال التّوحيديّة، والاعتراف بها دليل على الانتماء لطائفتهم؛ «فمن اعترف بها فهو من الموحّدين»(19). وتتمثّل هذه الخصال في سبع:
1. صدق (سدق) اللّسان ( يذكر بالصّاد أو بالسّين حسب بعض المصادر)(20).
2. حفظ الإخوان.
3. ترك ما كان عليه الموحّدون من عبادة العدم والبهتان.
4. البراءة من الأبالسة والطّغيان، ويقصد بذلك البراءة من الأنبياء السّابقين من كلّ الأديان والشّرائع.
5. التّوحيد للمولى في كلّ عصر وزمان.
6. الرّضا بفعله كيفما كان(21). 
7. التّسليم لأمره(وهي الخصلة السّابعة التي ذكرت في مصادر أخرى).
إنّ هذا المسار الذي اتبعته الطّائفة الدّرزيّة لا يخالف الأطر التي سلكتها فرق أخرى مشابهة لها في المنهج، حيث تتستّر بستار الإسلام فتأخذ منه التّسميات فقط، ثمّ تغيّر المضامين حسب منظورها الخاصّ، ما يضعها في موازنة عند الحكم عليها، فهي بين الحكم بتكفيرها عند البعض، وتعرّضها لأشكال العنف والاضطهاد عند البعض الآخر.
رابعا: المجتمع الدّرزي
يسود المجتمع الدّرزي تركيبة اجتماعيّة تقليديّة، تتشكّل عبر مستويين متداخلين، فعلى المستوى السّياسي والاجتماعي يهيمن النّظام الإقطاعي الرّيفي، حيث تخضع القرية لزعاماتها المحلّية من الشّيوخ، وهم بدورهم يخضعون لسلطة الأمراء الذين يتوارثون الإمارة والنّفوذ. وتتشكّل من جميع هؤلاء هيكليّة سلطويّة تقليديّة تتزامن فيها السّلطة الدّنيويّة مع النّفوذ الدّيني. وعلى المستوى الدّيني ينقسم المجتمع الدّرزي دينيّا إلى طبقتين رئيستين، لكلّ منهما خصائص ووظائف مختلفة.
أ) طبقات الدّروز
ينقسم المجتمع الدّيني الدّرزي إلى طبقتين رئيستين:
 1 - فئة العقال أو الأجاويد: هم المتمسّكون بقواعد السّلوك في المذهب، ويشمل التزامهم(22):
الامتناع عن التّدخين وشرب الخمر.
التّقشّف في الأكل والملبس.
الصّدق في القول واجتناب الشّهوات.
رفض الحرام من الطّعام.
الامتناع عن القتل والفسوق والزّنا.
ولهم الحقّ في معرفة جزء من العقيدة السّريّة(23).
وللعقال رئيسان دينيّان يسمّيان «شيخي العقال»، أو قد يكون شيخ واحد يسمّى «شيخ العقال»، وهم أعلى مرتبة في هذه الطّبقة، والأشدّ حرصا على الفضائل، وبعضهم يقيم في بيوت معزولة مخصّصة للعبادة، وكثير منهم يقضون وقتهم في نسخ الكتب المقدّسة.
أمّا من ناحية المظهر، فيتميّزون بعمامة بيضاء بتكوير خاصّ على طربوش دون طرّة، ويلبسون ملابس بسيطة تتكوّن من «القباء» و «العباءة» بلون أزرق في الغالب.
 2 - فئة الجهّال :وهم سائر أبناء الطّائفة الّدرزيّة، وليس لهم الحقّ في معرفة أسرار الدّين؛ «فلا يحقّ لهم سماع شيء من الحكمة أو شروحاتها»(24). وهذا يفسّر جهلهم بعقيدتهم، وتعتبر هذه التّسمية «الجهّال»، ولا نعني بها عدم إجادة القراءة والكتابة، بل الجهل بأسرار دينهم، من أبرز دلائل ذلك. وقد صرّح كثير من الدّروز بأنّهم لا يعرفون شيئا عن عقيدتهم، على الرّغم ممّا هم عليه من ثقافة واسعة أهّلتهم لاشتغال مراكز مهمّة في المجتمع(25).
يرخّص للجهّال التّدخين والاستمتاع ببعض الملذّات الدّنيويّة والتّرف في المعيشة، ولا يطلب منهم حضور مجالس الحكمة، ولا يفرض عليهم لباس خاصّ. ومن الجدير بالذّكر أنّه يسمح لأفراد هذه الطّبقة بالانتقال إلى طبقة العقال بعد اجتياز اختبار شاقّ يقوم على ترويض النّفس واجتناب الموبقات والشّهوات.
ب) الزّواج
يتميّز نظام الزّواج عند الدّروز بجملة من السّمات الأساسيّة(26):
1 - منع تعدّد الزّوجات: لا يجوز تعدّد الزّوجات في المذهب الدّرزي.
2 - الطّلاق البتّة: إذا طلّق الدّرزي زوجته، فإنّها تبين منه بينونة كبرى، أي لا يحقّ له الزّواج منها مرّة أخرى، حتّى ولو بعد زواجها من رجل آخر وطلاقها منه.
3 - تزاوج الموحّدين: يحصر الدّروز الزّواج في دائرة الموحّدين فقط، فلا يسمحون بتزوج الرّجل الدّرزي من غير المرأة الدّرزيّة، وعكس ذلك. ويستدلّون على ذلك «بشريعة قائم الزّمان»(27).
4 - سنّ الزّواج: حدّد الدّروز سنّ الزّواج بألاّ يقلّ عن سبع عشرة سنة للمرأة، وثماني عشرة سنة للرّجل. ويمكن تخفيض هذا السّنّ بسنتين فقط، بشرط الحصول على إذن خاصّ من الوليّ.
5 - الفصل في مشكلات الزّواج: تتولىّ المحاكم المذهبيّة الدّرزيّة النّظر في جميع القضايا والمشكلات المتعلّقة بالزّواج.
أمّا النّساء في المجتمع الدّرزي، فهن، مثل الرّجال، ينقسمن إلى طبقتين:
نساء من طبقة العقال (المتديّنات المتشدّدات).
نساء من طبقة الجهّال (عامّة النّساء).
خاتمة
مثّلت الطّائفة الدّرزيّة عبر التّاريخ نموذجا فريدا للاستمراريّة والتّماسك، حيث استطاعت، رغم جميع التّحديات والجدالات التي أحاطت بها، أن تحافظ على كيانها المتميّز. ولقد أثارت هذه الطّائفة فضول الباحثين والمؤرّخين على مرّ العصور، فكان الغموض الذي أحاط بعقائدها وتنظيمها الدّاخلي سلاحا ذا حدّين: فمن جهة، حفّز على البحث والتّنقيب في أصولها وخصائصها، ومن جهة أخرى، أثار إشكاليّات عديدة حول انتمائها الدّيني وتصنيفها العقدي.
ويمكن إرجاع سبب هذه الاستمراريّة إلى عدد من الرّكائز الأساسيّة التي تميّزت بها الطّائفة، منها:
1 - نسيج اجتماعي متماسك: قائم على تقسيم داخلي واضح بين «العقال» و«الجهال»، ونظام زواج داخلي صارم يحافظ على الهويّة.
2 - منظومة عقديّة متميّزة: جمعت بين الإيمان بـ «التّوحيد المطلق»، واعتقادات فريدة مثل «التّقمّص» و«تأليه الحاكم بأمر اللذه»، وما نجم عن ذلك من استقلال عقدي.
3 - مرونة وتكيّف: حيث استطاعت أن تتعايش مع المحيط الذي تعيش فيه، مع الحفاظ على جوهر هويّتها الخاصّة، مستخدمة مبدأ «التّقيّة» درءا للصّراعات.
4 - فهم تأويلي خاصّ: قائم على التّفسير الباطني للنّصوص، والذي كان بمثابة حجر الزّاوية في بناء رؤيتها الدّينيّة والفلسفيّة.
وعلى الرّغم من تضارب الآراء حولها، بين مكفّر يعتبرها خارجة عن الإسلام، ومصنّف يراها مذهبا مستقلا، تظلّ الطّائفة الدّرزيّة شاهدا على تنوّع الخارطة الدّينيّة والاجتماعيّة في المنطقة. 
وإنّ إصرار الطّائفة على الخصوصيّة، وتمسّكها بثوابتها، وتكتمها الكبير، هو الذي حافظ على وجودها ككيان ديني واجتماعي متماسك حتّى يومنا هذا، مما جعلها نموذجا مثيرا للدّراسة في صمود الطّوائف وهويّة المجتمعات المغلقة.
الهوامش
(1) حسين، محمد كامل، طائفة الدروز: تاريخها وعقائدها، مكتبة الدراسات التاريخية، دار المعارف بمصر، 1962، ص: 8.
(2) المرجع نفسه، ص: 8.
(3) أبو ترابي، جميل، «من هم الموحّدون الدّروز؟ نشأتهم التّاريخية-توضعهم الجغرافي-عقيدتهم الدّينية-عاداتهم وتقاليدهم-نضالهم الوطني والقومي، أشهر أعلامهم»، دار علاء الدين، ط1-1998، ص: 2.
(4) هو محمد بن اسماعيل الملقب بنتشكين الدرزي، والدرزي تعني خياط وهو من أصل تركي، لا كما ذكره بعض المؤرخين من أصل فارسي، وقد قدم إلى القاهرة قبل قيام الدولة التوحيدية، فنال حظوة كبيرة في بلاط الحاكم ثم تولى دار الضرب.
انظر: (من هم الموحدون الدروز؟ جميل أبو ترابي، ص: 8).
(5) الحنفي، عبد المنعم: موسوعة الفرق والجماعات والمذاهب والأحزاب والحركات الإسلامية، مكتبة مدبولي، ط2-1999، ص: 343.
(6) أبو ترابي، جميل، من هم الدروز؟،م.س. ص: 13
(7) المرجع نفسه. ص: 13
(8) طليع، أمين محمد، أصل الموحدين الدروز وأصولهم، دار الأندلس، مكتبة البستاني، ط1-1961، ص: 91.
(9) أبو ترابي جميل، من هم الموحدون الدروز؟،،م.س. ص: 16.
(10)  حسين محمد الكامل، طائفة الدروز تاريخها وعقائدها،م.س. ص: 34.
(11) الفوزان أحمد، أضواء على العقيدة الدرزية، ، ط2 -1403ه/1983،  ص: 30.
(12) حمزة محمد، التآلف بين الفرق الإسلامية، دار قتيبة، ط1-1405ه/1985م، ص120.
(13) طليع أمين محمد، أصل الموحدين الدروز وأصولهم، ص: 99
         - عواجي غالب، فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام، ط1 -1414ه/1993، ص: 390.
(14) أبو مصلح، حافظ، تاريخ الدروز في بيروت وعلاقتهم بطوائفها، دار الفنون للطباعة والنشر، ط1، 2006، ص190.
(15) الفوزان، أحمد، أضواء على العقيدة الدرزية، ،م.س. ، ص61.
(16) المرجع نفسه،  ص: 61/62.
(17) حسين، محمد الكامل: طائفة الدروز تاريخها وعقائدها،م.س. ص: 123.
(18) الفوزان أحمد،أضواء على العقيدة الدرزية، ،م.س. 
(19) حسين محمد الكامل، طائفة الدروز تاريخها وعقائدها،م.س.، ص: 123.
(20) (أشار محمد كامل حسين في مؤلفه عن طائفة الدروز أنهم ينطقون الصاد سينا ووجدتها في مؤلفات أخرى بالصاد).
(21) حسين، محمد الكامل: طائفة الدروز تاريخها وعقائدها،م.س.ص 122، 
          - راجع أيضا الحنفي عبد المنعم، موسوعة الفرق والجماعات والمذاهب والأحزاب والحركات الإسلامية، ص344.
(22) حمزة، محمد، التآلف بين الفرق الإسلامية، م.س. ص122
(23) حسين، محمد كامل، طائفة الدروز تاريخها وعقائدها،م.س.، ص31
(24) سيف الله بهاء الدين، ياسين أنور، السيد وائل: بين العقل والنبي، باريس 1981، ص370.
(25) الفوزان، أحمد، أضواء على العقيدة الدرزية، م.س. ص: 74
(26) حمزة، محمد،  التآلف بين الفرق الإسلامية، م.س.، ص: 124
(27) سيف الله بهاء الدين، ياسين أنور، السيد وائل: بين العقل والنبي، م.س. ص: 374