تمتمات
| بقلم |
![]() |
| م.رفيق الشاهد |
| وزارة حرب |
تثبت لنا ضراوة الحروب المعلنة والخفيّة بين الشّّعوب يوما بعد يوم قسوة القويّ ويقظته للحفاظ على أدوات الهيمنة وعلى موازين القوى ودعمها لصالحه للسّيطرة الشّاملة على منافسيه الذين تربطه بهم اتفاقات، وأعداء معلَنين في حروب ساخنة وغير معلَنين في حروب باردة. هذه طبيعة الأشياء مرتبطة بالنّفس البشريّة التي تتوق دوما للأفضل ممّا يبرر الأنانيّة في عديد من جوانبها.
مثلما الأنفس في تنافس دائم بحثا عن الأفضل، تدار الدّول بالفطنـة والحيلـة. ولا تتّفق الشّعـوب إلّا على ما يفرض بالقوّة بكلّ مقوماتها وباختلاف أشكالها ناعمة كانت أو خشنة. المهم أنّ القوّة حسب التّعريف المتّفق عليه من جلّ المهتمين: «هي قدرة أشخاص أو جماعات على فـرض إرادتهـم على الآخرين». ويكون ذلك بالإقناع واللّين أو بالتّهديد والتّرهيب، ممّا جعل حدّة التّنافس على إبراز القوّة شأن الدّول والحكومات. وهو شأن جيو إستراتيجي تُستعمَل فيه مختلف الوسائل الدّيبلوماسيّة لتحقيق هدف الهيمنة وتدعيم السّيادة وفرض التّبعيّة قبل اللّجوء إلى الوسائل الأخرى المحتملة والمتمثّلة في تقويض الاستقرار الدّاخلي والتّضييق التّجـاري والعقوبات الماليّـة والاقتصاديـّة، وإن لزم الأمر استعمال القوّة العسكريّة. ويسبق كلّ ذلك المناورات واستعراضات القوّة في كلّ مجالاتها بغرض إبراز موازين القوى التي تتغيّر مؤشّراتها كلّ ساعة، بل كلّ حين. ولا تغفل العين عنها دون انقلابات.
أين نحن في هذا النّظام العالمي، بين هذه الشّعوب النّاهضة والمستنهَضة ؟ اختارت شعوبنا اعتلاء «الكفة العليا» مدّعية الرّفعة بعلو القيم والأخلاق. والتجأ حكّامنا إلى الاصطفاف وراء الشّرعيّة الدّوليّة والاحتماء بها ممّن احتلّ الكفة السّفلى الوازنة من تجّار الحروب، وتجّار يبيعون كلّ شيء ولا يبخسون بضاعتهم ولا يبخسون ربحهم. شعارهم جميعا الغاية تبرّر الوسيلة. لعلّهم أدركوا قبل غيرهم أن ليس كلّ ما يطفو ثمينا، وأنّ الغثاء يحمله السّيل وما ينفع النّاس يمكث في الأرض، فتركوا لنا الكفّة العليا. أو لعلّهم فهموا قانون الطّبيعة التي نسّبتْ موازين القوّة بين الكائنات في علاقتها بالجنس البشري وبين البشر أنفسهم كذلك. وزادهم اليقين في صحّة هذا القانون رغبة في تجسيده عبر السّعي لتطوير الذّات والتّوق الى الأفضل، وهو قانون آخر يدفع بالإنسان الى التّطوّر والارتقاء. وإلى أن يصدر ما يخالف الاعتقاد في القوانين المنظّمة للطّبيعة الإنسانيّة، تبقى الحروب بأشكالها المختلفة شاهدة ودليلا على صحّتها، علاوة على أنّها الوسيلة الفضلى لتحقيق التّوازن الطّبيعي الذي لا يرتكز إلاّ على ما توفّر من قوّة تكتسب بتوفّر أسبابها.
قد يُفهم هذا الكلام على أنّه تبرير للحروب وللتّفاوت بين الشّعوب وبقبوله كأمر واقع. أقول، إنّ فهما كهذا يجانب الصّواب، لأنّ ما يراد فهمه هو ضرورة الرّجوع إلى أصل الأشياء لإدراك الحقيقة أساس كلّ بناء ولا يصحّ بدونه، بل سرعان ما ينهار وتنهار معه كلّ الآمال والأحلام. ويتفاقم بذلك الميل لليأس والخنوع والخضوع للأمر الواقع.
بعد الحرب العالميّة الثّانية، وضعت دول الحلفاء المنتصرة النّظام الدّولي على مقاسها وجعلت آليّات تنفيذه بين يديها سيفا مسلولا على رقاب الشّعوب المستضعفة. ولكن هذا لم يمنع من جهة أخرى، حركات التّحرّر الوطني بعدد من الدّول المستعمرة من المقاومة السّياسيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة والمسلّحة إلى أن نالت الاستقلال. هذا الاستقلال المشكوك فيه عند البعض، يجب ألاّ يبخس دماء الشّهداء من المقاومين ومن الضّحايا المدنيين، ولا من حجم تضحيات المقاومين الشّرفاء الذين عايشوا الاستقلال وتمتّعوا بنشوة الانتصار، فدفعتهم نكهة الحرّية إلى بناء الدّولة المدنيّة بكلّ نخوة واعتزاز.
واستفادت حركات المقاومة حينها بالحركات الفكريّة التّحرريّة التي نشطت في أوروبا خاصّة في القرن التّاسع عشر وتواصلت إلى أوائل القرن العشرين. من أهمّ أفكارها الحقوق الطّبيعيّة للفرد ومبدأ المساواة وضرورة الفصل بين السّلطات. وقد مهّدت هذه الأفكار الطّريق لبلورة ميثاق الأمم المتّحدة، وساندت حركات التّحرّر الشّعوب الرّاغبة في الاستقلال. ولكن هذا الميثاق على ما فيه من ضمانات تمثّل مظلّة احتمت الشّعوب الضّعيفة تحتها، ما زادت الأقوياء إلاّ قوّة وتأجيجا للصّراعات بينها، فدفعت بالشّعوب الضّعيفة إلى قطب الرّحى لتسحق بين إرادة الحجر العلوي وإرادة الحجر السّفلي. وصراع الإرادات صنف جديد يضاف الى أصناف القوى الكلاسيكيّة والحديثة وتتجانس مع القوّة الذّكيّة التي تستخدم كلّ الموارد المتاحة التي تسمح بها القوّتان الصّلبة والنّاعمة. في كلّ الحالات، تتّفق كلّ الدّول ألاّ تتحقّق إرادةٌ دون صراع يستوجب القوّة التي لا تتحقّق هي ذاتها دون إرادة.
هكذا تعيش الدّول صراعات دائمة تنظّم العلاقات بينها. والقائد الجيّد الذي تريده كلّ الشّعوب هو من يحسن ترتيب الأولويّات بما يضمن لشعبه الذي انتخبه أو بايعه الاستقرار والعيش الكريم. وهي باعتراف الجميع عمليّة عسيرة وشديدة التّعقيد.
لدينا يقين يتأكّد يوما بعد يوم وعصرا بعد آخر، أنّ في قلب الرّحى وبين الصّفائح المتحرّكة أين زجّ بشعب أصحاب الأرض قوّة لا تقهر. منذ سبع وسبعين سنة تآكلت الصّفائح وكلّت الأيادي الممتدة والممسكة بالهاوي(1) لتدوير الحجر العلوي. هذه القوّة في غياب العتاد، هي قوّة إرادة تواجه إرادة قوّة، وسلاحها الوحيد الصّبر والقدرة على تحمّل الألم والوجع والحرمان والجوع والعطش كلّه منشور للعيان أشلاء أرواح بشريّة على رقعة الرّحى. قوّة جأش تمرّن عليها صاحب الأرض طفلا فشابّا ثمّ كهلا يجمع تلك الأشلاء لأخ وأم، وأب والصّاحبة والأبناء.
ساوموه بكم تبيع الأرض لمن يشتري في هذا الزّمن الرّكيك الذي أصبح كلّ شيء فيه مباحا ويشترى فيباع، وما لا يباع بمال يشترى بالكثير منه. أجاب صاحب الأرض وقد تلوّن بترابها: عن أيّ أرض تتحدّثون؟ قد أبيعكم روحي ولكن هذه الأشلاء هي التي تملك هذه الأرض التي نبتت فيها. ألا سألتموها لعلّها تبيعكم ما تملك؟ هكذا أطاح إبراهيم عليه السّلام بأصنام يعبدها قومه.
ألم تر هذا الكمّ من الأرواح تنبعث من الرّكام ومن الأنقاض تسير بينكم؟ ترعبكم جميعا توقظ نومكم وتعكّر مزاجكم. الفلسطيني والغزّاوي شبح لا لون له، لا رائحة ولا ظلّ. هو عبّيثة (2)، كابوس، جنّ، دعوة شرّ تصيب كلّ من أراد بأرض فلسطين سوءًا.
الهوامش
(1) الهاوي = مقبض الرحى عادة يكون من خشب
(2) عبّيثة = لها معانٍ متعددة، ولها في العامّية التّونسيّة والجزائريّة أسطورة شعبيّة تُشير إلى كائن خرافي مرعب، غالبًا ما يُنسب للجنّ أو للأرواح المعذّبة، ويظهر في الأماكن المهجورة.
|




