بهدوء
| بقلم |
![]() |
| د.ناجي حجلاوي |
| حادثة الإفك من القصّة التّراثيّة إلى التّأويل الاستشراقي(8) «التّحكيم وآثاره» |
لسنا بسبيل استعراض الأحداث التّاريخيّة الّتي وقفت وراء مسألة التّحكيم والوقائع الّتي شكّلتها، وإنّما غاية المرام هو استقراء الأبعاد الرّمزيّة الثّاوية وراء هذه الأحداث وهذه الوقائع واكتناه ما خلّفته من ظلال في الأفهام المتعلّقة بالنّصّ القرآني خاصّة. فالّذي لا شكّ فيه، هو أنّ حادثة التّحكيم تُمثّل علامة بارزة في طريق تشكّل الوعي الدّيني، إذْ أخفت وراءها انشقاقا سياسيّا بين طرفيْن من المسلمين: أتباع معاوية من جهة وأتباع عليّ من جهة أخرى. وهذا الانشقاق تغلّف ببراعة بغلاف ديني. والرّمزيّة المكثّفة للبُعد الدّيني تكمن في رفع المصاحف على أسنّة الرّماح ورؤوس السّيوف. وفي خِضم الفعل السّياسي جرى دم حرام على أيدي المسلمين أنفسهم، وهم المقرّبون للرّسول زمنا ونسبا. وإذْ تشكّلت تكتّلات وتجمّعات إزاء مقتل عثمان فّإنّ«العثمانيّة تُعدّ ثاني حزب يولد في الإسلام بعد حزب القرّاء، ولكنّه أوّل حزب يُعلن انتسابه إلى اسم إنسان»(1).
إنّ المتمعّن في الآيات القرآنيّة لا يعوزه الانتباه إلى أنّ قتل النّفس محرّم مرّتيْن تشديدا على قيمة الحياة ومنزلة النّفس البشريّة. ومع ذلك أُزهقت نفس الخليفة والمئات من الأنفس في موقعة الجمل والمئات العديدة في موقعة صفّين. فما معنى أن يرفع المصحف بدعوى التّحكيم؟ أليس التّحكيم الحقيقي هو الامتثال إلى توجيهاته والوقوف عند حدوده وعلى رأسها حرمة الدّم؟
وبالإضافة إلى ذلك، يلاحظ أنّ العلاقة الّتي يجب أن تربط المسلمين هي رابطة الأخوّة الدّينيّة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾(الحجرات:10). وأنّ مقياس التّفاضل بينهم ينبغي أن يكون مقياس التّقوى ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾(الحجرات:13). وكلّ ذلك من تعاليم القرآن الّتي غُيّبت وحضرت بدلا منها العلاقات الدّمويّة الّتي نشّطها الخليفة الثّالث عثمان بن عفّان. والنّتيجة هي مقابلتها الصّريحة لعلاقة الخليفة عليّ بن أبي طالب بالرّسول وهو ابن العمّ والصّهر(2).
وبمجرّد حمل السّيف تتحوّل سلطة الخليفة من المجال الرّوحي وإرث إمارة المؤمنين في المستوى الدّيني لتطال المجال الدّنيوي النّاهض على المصالح السّياسيّة والمُتحكّمة في رقاب النّاس، وأرزاقهم وأعمارهم. وسيتجلّى هذا الجانب أكثر فأكثر، في الخضوع التّام لأوامر الخليفة الّتي لا تُردّ تبعا للتّماهي التّدريجي بين مهمّة الخليفة ومهمّة النّبي الرّسول ثمّ التّشبه باللّه في الوحدانيّة، إذْ الخليفة لا يكون إلّا واحدا وحكمه يمتدّ مدى الحياة، وبيده الإمساك بدواليب السّلطة المطلقة المتمثّلة في سلطة العرش النّافذة.
وليس خافيا على الدّارس أنّ النّظام الهرميّ الّذي يستسيغه العقل التّقليدي في شكل الوجود من الله ثمّ الملائكة ثمّ الإنسان قد انعكس على تصوّره إزاء النّظام الاجتماعي، فأضحى الحاكم صورة من صور الإله. فالشّورى ، في هذا الإطار، ليست ملزمة ولا قيمة لها طالما أنّ اللّه قد قرّر خلق آدم رغم اعتراض الملائكة عندما شاورهم. ومن هنا شُرّع لعدم ضرورة الاستشارة ولانعدام قيمة الحوار(3).
إنّ المناوشات الّتي تتالت لمدّة غير قصيرة بين أنصار عليّ وأنصار معاوية، دلّت بوضوح على إصرار القادة على إراقة الدّماء. ولقد دارت الحرب في ثلاثة أيّام، وهو ما شهد على حميّة حارقة تساقط فيها أبطال وقرّاء في مجزرة تاريخيّة تنكّرت لكلّ رحِم ودين وتحت الخوف من الإبادة. والنّهاية المحتومة ندّت من الصّفوف الشّاميّة دعوات بالتّعقّل والمناداة بالسّلم بدعوى تجاوز الجاهليّة. ولهذا رفع معاوية كتاب اللّه، وأمر برفع المصاحف المتوفّرة على رأس الأسنّة وأنْ يُدعى العراقيّون إلى كتاب اللّه ليحكم بين المتحاربين(4). فكانت المصاحف بعدد خمسمائة تتقدّم وكأنّها الرّايات والأعلام(5). وقد أشار هشام جعيّط إلى ذلك بلعبة الرّموز أو لعبة الكتاب. ومعنى هذه الحادثة، في ظاهر الأمر، هو الإعلاء من شأن تعاليم القرآن والاحتكام إلى السّلم والحكمة ونداء العقل، وفي الباطن احتكامٌ إلى العنف والسّيف.
ولمّا كانت تعاليم القرآن غير مرئيّة وتُدرَك بالعقل، فالمرئي من الحادثة هو عيْن الكتاب لا أحكامه. والقصد، حينئذ، من العمليّة برمّتها، هو إيقاف الحرب وليس الامتثال لأحكام الكتاب. فالمناورة بادية في التّلاعب بقداسة الكتاب وشقّ الصّفوف المُناوئة لمعاوية وَهم أتباع عليّ المؤمنون بهذه القداسة(6). وهو بالفعل ما وجد هوًى في نفوس القرّاء الّذين سيصبحون الخوارج فيما بعد.
واللّافت في هذا المجال، هو أنّ الاحتكام الّذي لُوّح به وبدا عليقا بكتاب اللّه، تُرجم في الاحتكام إلى الحكميْن: وهما أبو موسى الأشعري ممثّلا للقرّاء وأصحاب عليّ بالعراق، وعمرو بن العاص ممثّلا لأصحاب معاوية بالشّام. ولربّما عَكَسَ هذا الفعل أنّ القرآن لا يُحتكم إليه إلّا من خلال ما توصّل إليه العقل من تدبير بغض النّظر عن ماهيّة هذا التّدبير وعن مدى توظيفه لخدمة الأغراض السّياسية الآنيّة. وهي المسألة الجوهريّة الّتي سيُعمد إلى إخفائها عن الأجيال المتأخّرين. إلّا أنّ الممارسات الّتي تندّ عن تلك التّصوّرات تكشف باستمرار عن وجود طائفة باغية تنكّرت لأوامر اللّه ينبغي مقاتلتها باسم أنّ الحكم لا يكون إلّا للّه.
وهذه المقولة أصبحت معادلة لاعتبار أنّ لا حكم إلّا للسّيف. والنّتيجة، هي سيلان الدّماء في كلّ مرّة وانتصار الخديعة السّياسيّة على القيم الّتي يتضمّنها القرآن نفسه. وما يدلّ على أنّ التّحكيم هو مجرّد غطاء ديني لفعل سياسيّ هو ما تمّ في ظلال هذا الاحتكام إلى القرآن من إثارة المداولات حول السّيْف الّذي قتل عثمان وحول من سيحكم المسلمين وتكون له أحقّية استعمال هذا السّيف.
إنّ الدّماء الّتي سالت في موقعة الجمل ومعركة صفّين، إنّما سالت بسم اللّه وباسم كتابه وبدعوى الانصياع لآياته. فكلّ طرف من المتحاربين يعتبر الطّرف الآخر فئة باغية خارجة عن الحقّ. ومن هذا المنطلق يتجلّى أنّ القرآن لم يُقرأ لوجه الرّحمان وطلبا للمعرفة، وإنّما قُرئ لوجه السّلطان، وهو الإطار الّذي قُدّمت فيه حادثة الإفك ضمن تأويل مُشوه للمعاني الواردة في سورة النّور. وهكذا، أضحى النّصّ أداة ملحقة بالخصم صفة الكفر والبغي تفسيرا وتأويلا.
وبهذه الصّورة، تتجلّى أنّ سلطة التّأويل تمثّل حجابا أمام بصيرة كلّ طرف، ما يحول دون المراجعة الذّاتيّة ويغذّي فكرة أنّ الطّرف الآخر سادر في غيّه وضلاله. والّذي لا مراء فيه، هو أنّ هذا الضّرب من التّأويل مدفوع بالخلط الفظيع بين الدّيني والسّياسي. ومن هذا الخلط أضحى الخطأ السّياسي حاملا للخطأ في الدّين والعكس بالعكس. وحتّى في المستوى الدّيني الخالص تُقدّم الأفهام المستنبطة منه على أنّها المقصد المراد بلوغه. وفي حقيقة الأمر لا يعدو ذلك أن يكون مجرّد زعم لأنّ المُنتج الحاصل إنّما يُمثّل فهم المتأمّل للقيل القرآني وقراءته الخاصّة به.
إنّ الطّريف في حادثة التّحكيم، هو أنّها تمثّل لحظة تتساوى فيها النّقائض ويتقارب فيها المتباعد، فالدّين أضحى مساويا للسّياسة. وعليّ بن أبي طالب بأسبقيّته في الإسلام أصبح مساويا لمعاوية وما يرمز إليه من إرث العائلة الأمويّة.
إنّ التّحكيم إذا قُرئ سياسيّا يُعتبر حدثا شكليّا استوفى غرضه بتحقيق إيقاف الحرب بغضّ النّظر عن موازين قواها وعن مآلاتها الّتي كادت تؤول إليها المعارك، وأمّا دينيّا فالتّحكيم إشارة بليغة إلى أنّ المصحف لم يعد مطلوبا لذاته، فيه يكمن تعبّد المسلم وتقرّبه إلى ربّه، وإنّما أضحى أداة بإمكانها أن تساعد المتحيّل على تحقيق مآربه باسم الدّين وباسم اللّه. وتدريجيّا أصبحت هذه الأداة آلة فعّالة في رصد مدى إيمانيّة الفرد تبعا لمدى ولائه للسّلطة الحاكمة. وهذا التّحوّل البارز في التّعامل مع المصحف مثّل عاملا حاسما لدى المؤمنين في التّحوّل البادي في أنّ الدّين بدلا من أن يكون رابطة يعيش المرء بها إلى اعتبارها هدفا يجب العيش من أجله. وهو انزياح تأويلي خطير سيحوّل الدّين من وسيلة إلى هدف.
والمهمّ أنّ التّحكيم الّذي يُفترض فيه أنْ يُعلي كلمة اللّه هوّ الّذي أجراها مجرى المصلحة السّياسيّة باسم الحيل والمصالح وضروب التّأويل. ومن ثمّ جرت الأحداث على خلاف آراء الكثيرين من أمثال عليّ وأتباعه. فالتّصدّع الّذي شهدته علاقة السّياسة بالدّين سيطبع فهم المسلمين اللّاحقين للآيات القرآنيّة.
وخلاصة هذا الفهم هو خروج القرآن من مجال عبارة «اقرأ» الّتي تحيل على المعرفة إلى مجال لفظة «اقهر»، وستُفسّر الآيات بأسرها تحت ضغط السّيف والعنف، وسيتحوّل المصحف تدريجيّا إلى عامل قهر وتفسيق وتكفير وإخراج من الملة. والدّليل على ذلك أنّ أوّل نعت يلحق بالمعارض السّياسي أنّه زنديق ومارق. وبعد ذلك يُمارس عليه العنف المادّي.
وفي هذا المجال نُشير، على سبيل المثال، إلى أنّ جماعة من أتباع الزّعيم الخارجي عروة بن أديّة، قد صادفت في طريقها ابن صحابي شهير، هو عبد اللّه بن خبّاب بن الأرت، بصحبة زوجته الحامل، فذبحوه بطريقة بشعة وبقروا بطن امرأته. كما قتلوا رسول عليّ(7). وهكذا أضحى الكلّ قتلة ضدّ الكلّ ودماء الجميع مستباحة من الجميع.
إنّ التّحكيم قد مثّل منعرجا أساسيّا في بناء الثّقافة العربيّة الإسلاميّة في المستويْين الدّيني والسّياسي. ففي المستوى السّياسي اُستُغلّت هذه الحادثة لإضفاء المشروعيّة على النّظام السّياسي الّذي سيقوم حيث ينتصر شقّ من المسلمين على آخر. وفي المستوى الدّيني سيبرز وعي ديني متحزّب وصدامي حادّ.
وبالنّهاية كانت النّتائج المنجرّة عن حادثة رفع المصاحف كارثيّة تتجلّى في إقحام الدّين في الميدان السّياسي. وهو ما غذّى الصّراع ووسّع مجاله وعقّد مسائله. ولمّا تواصلت المعارك بعد التّحكيم فإنّ الخاسر الأكبر هو الجانب الدّيني بقيمه الّتي تدهورت ونوره الّذي بدأ يفقد ألقه على أيدي المؤمنين به قبل غيرهم.
الهوامش
(1) هشام جعيّط، الفتنة: جدليّة الدّين والسّياسة في الإسلام المبكّر، تعريب خليل أحمد خليل، دار الطّليعة للطّباعة والنّشر، بيروت لبنان، ط1، د ت، ص 175.
(2) هشام جعيّط، م ن، ص 181.
(3) انظر محمّد شحرور، القصص القرآني: قراءة معاصرة، مج 1، مدخل إلى القصص وقصّة آدم، دار السّاقي، بيروت لبنان، ط1، 2010، ص 239.
(4) انظر هشام جعيّط، م ن، ص 203. وابن جرير الطّبري، كتاب تاريخ الملوك والرّسل، تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم، القاهرة ، 1966، ص 48.
(5) أبو حنيفة الدّينوري، الأخبار الطّوال، مطبعة السعادة، القاهرة، مصر، ط1، 1960، ص 189.
(6) أورد ابن قتيبة أنّ معاوية لمّا رأى القتال قد اشتد واستشعر الخطرّ، قال لعمرو بن العاص: «يا عمرو ألم تزعم أنّك ما وقعت في أمر قطّ إلّا خرجت منه؟ قال: والله لأدعونّهم إن شئت إلى أمر أفرّق به جمعهم، ويزداد جمعك إليك اجتماعا، إن أعطوكه اختلفوا، وإن منعوكه اختلفوا. قال معاوية: وما ذلك؟ قال عمرو: تأمر بالمصاحف فتُرفع ثمّ تدعوهم إلى ما فيها، فوالله لئن قبله لتفترّقنّ عنه جماعته، ولئن رده ليكفّرنه أصحابه. فدعا معاوية بالمصحف. انظر ابن قتيبة الدّينوري، الإمامة والسّياسة، تحقيق طه محمّد الزّيني، ج 1، دار المعرفة للطّباعة والنّشر، بيروت، لبنان، د ت، ص ص 101،102.
(7) هشام جعيّط، م ن ، ص 229.
|




