فقه الميزان
| بقلم |
![]() |
| الهادي بريك |
| الحلقة الثّامنة : الميزان آلة أصوليّة |
فقه الميزان ـ كما أنف ذكره ـ هو ضرب من ضروب الفقه الأصوليّ. ناهيك أنّ الفقه ـ كما يعلم طالبه ـ يحوي آلة أصوليّة تسمّى (فقه الموازنات). وهو فقه ينتمي في الجملة والعموم إلى آلة الإجتهاد. إذ حدّد اللّه سبحانه بنفسه في سورة النّساء المنظومة الأصوليّة الإستنباطيّة للأحكام ـ بل للقيم كذلك والسنّن وغيرهما ـ ذات المراتب الثّلاث وذلك في قوله سبحانه ـ فيما أسمّيه منهاج تنزيل رسالة الأمّة ـ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ..﴾(النساء: 59). وذلك مباشرة من بعد ما بيّن سبحانه للأمّة رسالتها وهي قوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾(النساء: 58).
لا أجد قبل تينك الآيتين ـ ولا بعدهما ـ في الكتاب الكريم كلّه موضعا يجمع فيه اللّه سبحانه بين رسالة الأمّة (أداء الأمانات الذي هو الحكم بين النّاس بالعدل) وبين منهاج تنزيل تلك الرّسالة كفالة تؤمّن العدل والقسط والحقّ والخير والجمال معا في ذلك التّنزيل (طاعة اللّه التي تعني طاعة كتابه، أي القرآن الكريم. وطاعة الرّسول التي تعني طاعة سنّته قولا وعملا وتقريرا. وطاعة وليّ كلّ أمر في أمره ـ ما دام منّا من جهة وما دام الأمر بشرعيّة وعلم ومعرفة ورضا وتشاور. وليس ذلك مقصورا على الجهة السّياسيّة أو الأمنيّة العسكريّة أو غيرها كما يهرف الهارفون بغير علم، بل يشمل كلّ أمر عليه صاحب مشهود له بصلاحيّة تولّي ذلك الأمر، وليس هو له مغتصبا).
بل إنّ هذا الموضع لم يقتصر على بيان الرّسالة وبيان منهاج تنزيلها فحسب، بل تضمّن منهاج فضّ المنازعات في ذلك التّنزيل أو في منهاجه سواء بسواء، وذلك في قوله سبحانه ﴿...فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾(النساء: 59). وليس المقصود هنا الإختلاف الذي هو سنّة إلهيّة ماضية مطّردة لا يعوّقها معوّق ككلّ سنّة ربّانية صارمة لا تتخلّف، إنّما المقصود التّنازع المفضي في العادة إلى ذهاب الرّيح وتفكّك الأمّة ونهاية إلى هيمنة العدوّ وذلك في قوله سبحانه ﴿ ..وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ..﴾(الأنفال: 46).
الرّسالة إذن جليّة بيّنة واضحة وضوح الشّمس في رائعة النّهار كما تقول العرب. ومنهاج تنزيلها بمثل ذلك، وهو منهاج أصوليّ مركّب من مستويات ثلاثة (تحكيم الكتاب والسنّة)، فإن جدّ في الحياة ما ليس منصوصا عليه كلّ نصّ ـ وهو كثير جدّا في الحياة العامّة ـ فإنّ التّحكيم يؤول إلى الإجتهاد الذي سمّاه القرآن الكريم هنا (وأولي الأمر منكم). وهو شبيه جدّا ـ بل هو مقيس عليه ـ بولاية إمام الصّلاة على الصّلاة ووجوب طاعة المأمومين له. ما كان منّا من جهة وما كان وليّا على ذلك الأمر ولاية حقّ وقسط، وليس هو إماما للنّاس وهم له كارهون كما جاء في الأثر الآخر الصّحيح.
حدّ جديد لفقه الميزان
من هنا لنا أن نضيف إلى ما أنف في هذه السّلسلة من تعريفات وحدودا لفقه الميزان وهو أنّه العلم بالمصدرين الأوليين الحاكمين المحفوظين (الكتاب والسنّة) علما يعصم صاحبه ـ أو أصحابه ـ من الزّلل الشّائن عند معالجة أمر ليس فيه في ذينك المصدرين الأوليين نصّ صحيح صريح كلّ صحّة وكلّ صراحة ومحكم كلّ إحكام. ذلك أنّ منهاج التّشريع ـ كما يعلم طلبة أصول الفقه ـ محكم مبيّن في مساحة منه ـ هي عادة تكون أقرب إلى الحياة التعبّدية الخاصّة ـ وهذا قليل عددا ولكنّه (أمّ) الشّريعة كلّها وعاصمتها الهادية. وهو ـ أي ذلك المنهاج التّشريعيّ ـ ظنيّ متشابه في مساحات أخرى ـ هي عادة ما تكون إلى الحياة العامّة أدنى وأقرب ـ.
فقه الميزان هو العلم بفقه التّشريع في ذينك المصدرين الأوّلين وبمنطق التّشريع فيهما وبمبانيه ومسانيده وأصوله وقيمه ومقاصده وخيطه النّاظم العامّ الكليّ على نحو يستطيع معه (المجتهد) معالجة الحياة في المساحات العامّة ـ ومنها الماليّة والسّياسيّة والعسكريّة وغيرها ممّا لا يتأتّى عادة إقترافه لفرد واحد إنّما هو فريضة كفائيّة تكافليّة عامّة ـ بطريقة تؤمّن ضخّ قيم الشّريعة إلى تلك المساحات بما يجعلها محكومة بالعدل والقسط والحقّ والخير والجمال وغير ذلك وليس ناشزة عنها، إذ الشّريعة في جملتها وحدة واحدة يسري ماؤها إلى كلّ جوانب الحياة، وتوجّه البشرية في كلّ زمان وكلّ مكان وتعالج كلّ حال.
ما معنى أنّ الميزان آلة أصولية؟
معنى ذلك هو أنّ مرجعية التّأصيل وآلة الإستنباط لها جذر واحد أصليّ أصيل وهو الكتاب والسنّة. فما ندّ عنهما ولم ينصّ عليه فيهما على حكم أو قيمـة أو سنّــة (أي قانون) فهو محلّ إجتهاد من أهل الإجتهاد، وذاك هو محلّ الإجتهاد.
ذلك الجذر له جذوع تنبت منه وتسقى بمائه. والجذر عليها حاكم، كلّ حاكميّة، تلك الجذوع وما ينبت منها من أغصان وأوراق وثمار وظلال تسمى (منظومة الإجتهاد). وعندها يكون مجال الإستنباط مركّبا من جذر راسخ (القرآن والسنّة) وجذع أصله واحد وفروعه كثيرة وهو (الإجتهاد). وعند ممارسة ذلك الإجتهاد تبيّن للمجتهدين أنّه يتركّب من آليات كثيرة منها : الإجماع والقياس والإستصلاح والإستحسان والإستعراف (أي تحكيم العرف) والذّرائعيّة (فتحا وسدّا معا) وغير ذلك ممّا يتعلّمه طلبة علم أصول الفقه.
كلّ أدوات الإجتهاد تسمّى موازنة، أي مقاربــة بين متماثلين في حالة القياس مثلا، وإنشاء حكم جديد لحادثــة جديدة من بعد تداول التّشاور بين النّاس وهو الإجماع، والبحث عن مصلحة سلك معها التّشريع مسلكا ليس فيه إقرار وليس فيه نهي ونفي وهي المصلحة المرسلة أو الإستصلاح، والبحث عن أيلولة أحسن لحالة ما عندما تكون المقايسـة غير آيلــة في نظر المجتهد إلى ما يظنّ أنّه مقصد الشـّـارع وهو الإستحسـان، وتحكيـم عرف حسن تشهد له مقاصد الشّريعة بتحقيق العدل والخير بين النّاس وهو الإستعـراف، وإعتبار الأيلولـة ورعايتهـا، فإذا آلت إلى تحقيـق خير فهي ذريعـة مفتوحـة، وإذا أفضت إلى شرّ فهي مسدودة.
كلّ تلك العمليات التي يلجأ إليها المجتهد فيما لا نصّ فيه ـ وهو كلّ الحقل العامّ تقريبا ـ تسمّى موازنة، إذ يوازن فيها الفقيه المجتهد بين مصلحة وأخرى، ومفسدة وأخرى، ووضع وآخر، وأيلولة وأخرى. وذلك بناء على ضروب أخرى من الفقه كلّها منتمية إلى منظمومة فقه الموازنات ذاتها. من مثل فقه مراتب الأعمال (فقه الأولويّات بالتّعبير المعاصر)، وفقه رعاية الخلاف حتّى لا يتوسّع أكثر من اللّزوم فتبدو الشّريعة ـ سيما لغير الدّارس المثابر الفطن ـ مفكّكة الأوصال أو ربّما متعارضة متناقضة. وكلّ ذلك مرتبط كلّ إرتباط وثيق بأمّ كلّ تلك الضّروب من الفقه الأصوليّ الإستنباطيّ، أي فقه المقاصد والعلل.
منظومة الإستنباط والإستدلال قنطرة تصل جزيرتين بعضهما ببعض :
* جزيرة الأصلين المؤسّسين، أي الكتاب والسنّة، ولكنّهما كما يعرف طلبة العلم ذوا مستويات تشريعيّة مختلفة ويحتويان النّص المفسّر المحكم والنّص الظّاهر، وهو الأكثر إستخداما والعبارة والإشارة والإقتضاء، ويعتمدان الحقيقة والمجاز وغير ذلك ممّا يدرّس في الكلّيات.
* وجزيرة الإجتهاد البشريّ الذي يقترف بآلات كثيرة مرجعها واحد، وهو الموازنة نظرا وتفكيرا وتجربة وتشاورا وتراضيا وفقه واقع. وغير ذلك لجلب أكثر ما يمكن من المصالح تناسبا مع همّ الشّريعة الأعظم ـ وهو جلب المصالح آجلها وعاجلها ـ ودرء أكثر ما يمكن من المفاسد.
بكلمة واحدة : فقه الموازنات ـ أو فقه الميزان ـ هو معالجة الحياة العامّة حيث تقلّ النّصوص وتكثر المقاصد بروح الشّريعة ذاتها. وذلك بسبب أنّ الحياة العامّة ـ في العادة وعلى غير عادة المجالات العقديّة والتّعبّدية ونوعا ما الأسريّة العائليّة ـ مبناها التّداخل والتّشابك بين المصالح والمفاسد. فلا يتمحّض خير ما بالكلّية في أيّ حقل منها، ولكنّه لا مناص له من شرّ يخترمه، ولا يتمحّض لشرّ كامل من دون وجود خير فيه.
ومن ذا فإنّه لا مناص حتما محتوما من فقه جديد ـ ضمن منظومة الإجتهاد الذي لا يكون إلاّ من أهله وفي محلّه كذلك ـ يوازن بين الخير والشّر، وبين الخير ذاته والشّر ذاته، لأجل إصابة أكثر ما يمكن من خير وتجنّب أكثر ما يمكن من شرّ. ونضرب على ذلك أمثلة توضيحية فيما يأتي إن شاء اللّه.
أمثلة متنوّعة تبيّن الحاحة إلى فقه الميزان
معالجة الميزان قياسا : حكم المخدّرات
لم تعرف المخدّرات عدا قبل عقود. ماذا فعلت حركة الإجتهاد؟ نظرت في الأصلين الحاكمين المؤسّسين (القرآن والسنّة) فلم تجد للمخدّرات حكما. ولكن وجدت حكما علّته إذهاب العقل والعدوان عليه وإهانة الإنسان بشلّ إرادته، وهو حكم شرب الخمر. قال الإجتهاد : علّة تحريم شرب الخمر هي نفسها ـ ولو تقريبا ـ العلّة الموجودة في إستهلاك المخدّرات. فالمؤول إليه إذن لا يكون عدا بتعدية ذلك الحكم الأوّل (التّحريم المغلّظ لشرب الخمر) إلى الحادث الجديد (المخدّرات) وذلك بسبب إشتراكهما في العلّة التي هي مناط التّحريم. أرأيت كيف لجأ الإجتهاد إلى الموازنة بين حكم وحكم. وبين علّة وعلّة؟ ذلك هو معنى أنّ فقه الميزان هو آلة أصوليّة.
معالجة الميزان إجماعا: جمع القرآن الكريم في مصحف واحد
لا تجد في الأصلين المؤسّسين الأولين أيّ نصّ ـ حتّى لو كان ظاهرا أو مشتبها ـ يأمر بجمع القرآن الكريم في مصحف واحد أو ينهى عنه. السّبب الأوّل معلوم وهو أنّ القرآن الكريـم ظلّ يتنزّل على محمّد ﷺَ حتّى قبيل موته بقليل. ولكن لمّا إنقطع الوحي بموته ﷺَ قال المجتهدون : لو نجمع هذا القرآن الكريم في مصحف واحد؟ بدأ بذلك الخليفة الأوّل أبوبكر عليه الرّضوان، ولكن لم يستكمله. ولمّا ولي عثمان عليه الرّضوان المسؤولية وعلم أنّ بعض المسلمين الجدد ـ سيما من غير العرب في أذربيدجان ـ يختلفون على بعض الآيات نطقا إستأنف مشروع أبي بكر وأقره المسلمون على ذلك تقديرا أنّ ذلك أحفظ للكتاب وأعصم للأمّة من التّفرّق في الدّين. أرأيت كيف أنّ الميزان هو مباشرة عمل لم يكن عليه العمل. سيما عندما تبيّن لهم أنّ عدم مباشرته قد يفضي إلى شرّ؟.
معالجة الميزان إستحسانا: تعميم الزّكاة على كلّ ما تخرج الأرض
هذا ما عرف فيه أبو حنيفة. ذلك أنّه ليس في القرآن الكريم ما يفيد ذلك نصّا منصوصا لا يسلم من معارضة، وليس في السنّة نهي عن ذلك نهيا لا يسلم من معارضة كذلك. ماذا فعل أبو حنيفة؟ قال:«قد تنبت الأرض مأكولات ـ سواء للنّاس أو لأنعامهم ـ غير منصوص عليها لا في القرآن الكريم ولا في الحديث وذلك في أزمنة أخرى وأمكنة أخرى. فإذا قصرنا الزّكاة على ما هو مدّخر فحسب ومقتات، فإنّ أناسا قد يثرون كلّ إثراء بسبب إنتاج الأرض لمأكولات أخرى (حبوبا وخضرا وغلالا وأبّا) وتجدب أرض آخرين فيكون من ذا ترف هنا وفقر هناك. وليس النّاس مسؤولين عن ذلك، إذ الأرض تثمر وتنتج بأمر ربّها قبل حرث حارثها. والشّريعة متشوّفة كلّ تشوّف إلى قيم العدل والقسط والتّكافل بين النّاس. ومن ذا فإنّ الأوفق هو إخراج زكاة المال ممّا تخرج الأرض، إذ ليس لنا في السنّة ما يمنع من ذلك». أرأيت كيف أنّ الميزان هو البحث عن الوضع الأحسن بين النّاس وهو هنا التوّسل إلى إرساء العدل والقسط قدر الإمكان؟.
معالجة الميزان مصلحة: وقف المنقولات
في الشّريعة حثٌّ على توقيف المصالح وتحبيس المنافع لأجل تأمين التّكافل بين الأجيال وضمان حياة كريمة لنوع من النّاس، من مثل أيتام أو أرامل أو مجاهدين أو طلبة علم، أو حتّى كلاب وقطط كما وقع ذلك في الدّولة العبّاسية. ولكنّ الشّريعة لم تأمر بتوقيف نوع واحد من أنواع المصالح ـ سواء كان ثابتة أو منقولة ـ ولا نهت عن تحبيس نوع واحد منها. جاءت أوّل صورة تحبيس لبستان، وهو قيمة ثابتة غير منقولة فظنّ بعض النّاس أنّ الوقف مقصور على القيم غير المنقولة. وهو ظنّ صحيح من جهة أنّ القيم غير المنقولة أبقى وأنفع. ولكن عندما تغيّرت الأزمنة والأمكنة وإمتلأ عصر التّدوين بآلاف المخطوطات جاء السّؤال : «هل نحبّس كتبا وهي قيم منقولة؟»، الجواب: «ليس في الشّرع ما يأمر بذلك، ولكن ليس فيه ما ينهى عنه». هذا يسمّى في علم الأصول مصلحة مرسلة، أي منفعة ما أمر بها الشّارع ولا نهى عنها، فهي متروكة لإجتهاد النّاس. ومن ذا قال من قال بإباحة توقيف القيم المنقولة.
ما كان المقصد هو جني مصلحة من مثل تحبيس مكتبة ثريّة على كليّة علميّة، أو أسلحة ناريّة على مقاومين لتحرير بلادهم أو لتحرير غيرهم. أرأيت كيف أنّ الميزان هو نشدان المصلحة ما كانت غير مرعيّة من الشّارع لا بأمر ولا بنهي؟.
معالجة الميزان عرفيا
ماذا لو حدث طلاق بين زوجين لم ينصّ في عقد زواجهما على قيمة مهرية محدّدة؟ المهر ركن من أركان العقد، يمكن عدم تسمية قيمته، ولكن لا يمكن التّفصّي منه لا من الزّوج ولا من الزّوجة كذلك. حتّى لو كان خاتما من حديد لا يساوي فلسا واحدا. وعند الطّلاق يكون آخر أجل لتسليم المهر إذ تنقضي العلاقة الزّوجية من بعد ذلك. في هذه الحالة ليس لنا في الجذر التّشريعيّ المؤسّس (القرآن والسنّة) شيء. كيف العمل؟ نلجأ إلى العرف ونعطي الزّوجة المطلّقة مهرا بمثل مهر أختها، تقريبا وليس فلسا بفلس. أرأيت كيف أنّ الميزان هو العمل بالعرف فيما لا نصّ لنا فيه وفي تقاليد النّاس ما يكفي منه؟.
معالجة الميزان ذرائعيّا
بيع السّلاح النّاريّ وغيره القاتل في الأصل مباح، لأنّه تجارة مباحة. ولكن في حالة الحرب غير المشروعة ـ أي التي فيها عدوان ـ أو في حالة حرب أهليّة فإنّ بيع ذلك المباح في الأصل (السّلاح) يحجّر وتسدّ منافذه بسبب أنّ المآل المنظور ـ تقديرا وليس جزما ـ هو إستخدام السّلاح المبيع في قتل النّاس والعدوان عليهم. أرأيت كيف أنّ الميزان هو النّظر إلى الأيلولة والمصير حتّى لو كانت المعاملة الأصليّة مباحة؟.
معالجة الميزان مقاما
لمّا قال الرّسول ﷺَ في غزوة الطّائف (من قتل قتيلا فله سلبه) فإنّه لم يرد من ذلك نسخ قوله سبحانه ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾(آل عمران: 161) ولكنّه أراد تشجيع المجاهدين على الجهاد. وذلك بإغرائهم بما تحبّ النّفس ـ كلّ نفس ـ وهو المال. أرأيت كيف أنّ الميزان هو إختيار معالجة تستثنى من أصل عامّ لأجل إصابة مصلحة؟ أي أنّه ﷺَ لم يقل ذلك بمقامه نبيّا. إذ لو فهم فاهم أنّ ذلك جاء منه بمقام النّبوّة، فإنّ ذلك لا يكون ـ أصوليّا ـ عدا نسخا لآية قرآنيّة، ولكنّه قال ذلك بمقام قائد الحرب أو الإمام المسؤول.
خلاصة
فقه الميزان هو آلة أصوليّة محكمة يراد منها إختيار الأنسب والأوفى والأحكم والأوفق لتحقيق مقاصد الشّريعة. وذلك عندما تتداخل المصالح والمفاسد. وهي كذلك قطعا مقطوعا متشابكة في كلّ حقل عام ـ وليس خاصّا ـ. فلا يعمل بنصّ لأنّه قد لا يؤدّي الغرض منه لو وجد ـ وقليل ما يوجد هنا ـ ولكن ينظر النّاظر ليوازن بين مصلحة وأخرى ومفسدة وأخرى وحالة وأخرى ووضع وآخر. وذلك هو معنى أنّ الميزان هو من صميم فقه الموازنات الذي هو بدوره من صميم فقه الإجتهاد الذي هو بدوره جذع الجذر الأوّل المؤسّس، أي الكتاب والسنّة.
فقه الميزان إذن حاجة أصولية، والمنظومة التّشريعية في الإسلام شجرة، ككلّ شجرة : لها جذع واحد (هو هنا القرآن والسنّة) وهو ينبت جذوعا تستكمل بها الشّجرة صورتها. وكلّما لامست تلك الشّجرة الفضاء أثمرت أغصانا وثمارا وظلالا. تلك الجذوع المؤسّسة بماء الجذر الواحد الأوّل (الوحي) هي : الإجماع والقياس والإستصلاح والإستحسان والإستعراف والذّرائعيّة وغير ذلك ممّا تتشكّل منه شجرة الإجتهاد. وكلّ ذلك يقوم على الإستدلال بالموازنة بين خير وشرّ ومصلحة ومفسدة وغير ذلك ممّا تمتلئ به الحياة العامّة. |




