حديث في الأدب

بقلم
د. محمّد فوضيل
سُفْرَةٌ
  (1)
فِـي ذَاتِ صَبَاحٍ مُنْعِشٍ،
مَـرَرْتُ عَلَى سُفْرَةٍ جـَمِيْلَةٍ،
حَوَتْ أَقْطَارُهَا سَوَائِلَ،
وَأُرْدِفَتْ بِأَشْهَى الْمَآكِلِ،  
قُدِّمَتْ عَلَى خِوَانٍ،
يَفِيْضُ بـِجَمَالِهِ الْمُرَوْنَقِ. 
يَسُرُّ كُلَّ نَاظِرٍ حَيْنَمَا يُبْصِرهُ،                                       
وَيُغْرِيْهِ بِلَذَّةِ تِلْكَ الْمَطَاعِمِ.                                   
آهِ لُوْ تَأَمَلَها الْأَكُوْلُ،                                    
حَتْماً سَيَسِيْلُ لُعَابُهُ مِنْ هَوْلِ الْمَنَاظِرِ. 
آهِ لُوْ اشْتَمَتْ أُنُوفُهُ شَذَاهَا، 
طَفِقَ مُسْرِعاً بَاحِثاً عَنْ الْمَآكِلِ.
(2)
لَكَّنْ يَا صَاحِ،
أَنَا لَمْ يُغْرِيْنِـي مَا سَمِاعْتَهُ مِنِّي، 
فِـيْ وَصْفِي تِلْكَ السُّفْرَةِ. 
آهِ يَا صَاحِ، قَدْ لَا تُصَدِّقُنِــي
 إِذَا رَأَيْتَ بِأُمِّ عَيْنِكَ رَوْنَقَ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ.
 لَكِّنَّ نَفْسِي قَدْ عَافَتْ مَا رَأَتْهُ عِيْنَايَا،
 وَأَصِبَ أَنْفِي بِأَحْدِّ الزَّوَاكِمِ.
 لَقَدْ عَفَتُ الْـمَشَاهِي، وَلَذَائِذِ كُلِّ الْمَطَاعِمِ،
 أَتُرِيْدُنِـي أَنْ أَنْعَمَ بِالْحَلِيْبِ الْمُصَّفَى،
 وَبِالْعَسَلِ الْلذِيْذِ، وَأَشْهَى الزَّبَائِدِ؟ 
أَتُرِيْدُنِـي أَنْ أَتَشَهَّى مَذَاقَ الْـمَلَائِحِ؟
وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا مِنْ صُنُوفِ السَّكَاكِرِ؟؟
أَتُرِيْدُنـِي أَنْ آكُلَ أُوْ أَشْرُبَ مُتَفِّكَهاً؟ 
وَإِخْوَتِي يَتَضَوَّرُونَ جُوْعَى فِـي غَزَّةَ،
 وَفِـي كُلَّ الْأَمَاكِنِ؟
أَتُرِيْدُنِـي أَنْ أَنْعَمَ بِنُكْهَةِ الْقَهْوَةِ،
وَبِطُعْمْ الْحَلِيْبِ فِـي الْفَنَاجِنِ؟!
أَتُرِيْدُنِي أَنْ أَحْتَسِي أَكْوَابَ الشَّايِ،
وَأَسْتَعْذِبَ الْمَاءَ الْبَارِدَ فِي أَعَزِّ الْهَوَاجِرِ؟!
أَتُرِيْدُنِي أَنْ أُمَتِعَ نَاظِرَي بِمَا أَرَى مَنْ أَلْوَانٍ،
وَأَطْبَاقٍ، وغيرها من أشكال الْمَوَاعِنِ؟
 لَا، وَأَلْفُ لَا، 
لَنْ أذُوْقَ مِلْحاً أَوْ اَسْتَطْعِمَ سُكَراً،
 فَالْكُلُّ عَلَى طَرَفِ لِسَانِي سَيَّانَ،
 وَهُوَ فَي فَمَي مَصْدَرُ كُلِّ الْـمَرَائِرِ،
مُرٌّ سَمِجٌ لَا طُعْمَ بِهِ،
بَلْ هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْحَنَاظِلِ.
هَلْ أَدْرَكْتَ بَعْدَ يَا أُخَيَّا،
 بَأَنَّ السُّفْرَةَ لَنْ تُغْرِيْنِي، وَلَنْ تُغْوِيْنِي،
كَمَا تُغْوِي الْأعْلَافُ الْمَسْحُوْقَةُ كُلَّ الْبَهَائِمِ.