إضاءات

بقلم
جلال صميده
الصّورة في القرآن الكريم (1-2)
 لم تعرف اللّغة العربيّة عبر تاريخها خطاباً أبلغ من القرآن الكريم، فقد نَزَل هذا الكلام الإلهيّ على أمَّة تمايزت في الفصاحة والبيان، إذ عقدتْ للشّعر مؤتمرات ضمن الأسواق السّنويّة التي ترافق مناسك الحجّ، وقد جاء القرآن الكريم بكلام متجاوزا لكلامهم، فسجّل عجزهم. قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء:88). ثم تحدّاهم بأن يأتوا بعشر سور مثله، ثمّ سورة واحدة، ثمّ جزم بأنّهم غير قادرين على ذلك، وقد رسمت كلمات القرآن الكريم صورا في الأذهان، وأنشأت في القلب أثرا عميقا. 
وقد اعتمد القرآن الكريم التّصوير بالكلمة لنقل المعارف وتبليغ المعنى وإيجاد الأثر. فالتّصوير بالكلمات من أهم العمليّات المحقّقة للوعي والفهم والإدراك . فالكلمة في القرآن الكريم ترسم الصّور في الأذهان لإدراك مراد الرّحمان. قال تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (الكهف:109) وما كان لأشجار الأرض لو بريت أقلاما، ولا لبحاره لو صارت مدادا، أن تكتب معانيه، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدهُ مِنْ  بَعْدهِ سَبْعَةُ  أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (لقمان: 27)
فكلمات القرآن تصوّر مشاهد تعجز الصّورة «الفوتغرافيّة» على بلوغها، فلئن قيل الصّورة أبلغ من الكلمة، فإنّ الكلمة في القرآن أبلغ من الصّورة، وليس ذلك إلاّ لكلمات القرآن الكريم، ومن هنا تتأكّد ضرورة الرّبط بين الكلمة وما تعكسه على المتلقي من رموز ورؤى، وما تولّده من صور ذهنيّة، وما تحمله من رموز معبرة تسمو بالفهم، فتجعل المعاني قريبة من الذّهن سهلة الإدراك. فالصّورة عنصر أساسي من عناصر التّعبير القرآني، وهي ذات قيمة معرفيّة جاءت لتأسيس قيم ونشر فكر جديد. ومن عجائبها أنّها متجدّدة بتجدّد التّلاوة، فكلّما تلا الإنسان آية تتبدّى له صورة جديدة في ذهنه، فجسّدت أجمل المعاني وجعلتها تتدفّق بالحياة تتبدّى أمام القارئ صورا حيّة.  
1 - تعريف الصّورة
عندما نطالع معاجم اللّغة باحثين عن معنى كلمة «صورة»، فإنّنا لا نروي ظمأنا المعرفي، فالمعاجم لا تسعفنا بمعنى دقيق للكلمة. يذهب ابن فارس(ت395 هـ) إلى حصرها في أمر الخلق والإيجاد من عدم فيقول: «الصّورة صورة كلِّ مخلوق، والجمع صور، وهي هيئة خلْقته. واللّه تعالى البارئ المصوّر»(1)، فالصّورة عنده هي الخلق والإيجاد من عدم، ويرى الفيومي(ت770هـ) في كتابه «المصباح المنير» أنّ الصّورة ما يتمثل في الذّهن، إذ يقول: «تصوّرْت الشّيء مثلت صورته وشكله في الذِّهْن»(2). فهي نتاج عمل ذهني ذاتي وهذا ما يذهب إليه كثير من المعاصرين، فإذا استجلينا بعض مواقفهم نجد مصطفى إبراهيم(3)(1305هـ) يقول: «الصّورة هي الشّكل والتّمثال المجسّم، وصورة الشّيء ماهيته المجرّدة وخياله في الذّهن والعقل»(4)، فمصطلح الصّورة يعبّر على كلّ ما يشاهده أو يتخيّله أو يسمعه الإنسان فتكون بذلك كلّ الأشياء صور.  
2 - كلمة «صورة» في القرآن الكريم 
وردت كلمة «صورة» ومشتقاتها في القرآن الكريم ستّ مرّات، الأولى في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران:6) وباستقراء كتب التّفسير نرى اتفاق المفسّرين على أنّ المراد بكلمة «صورة» في هذه الآية هو الخلق. قال القرطبي: «أخبر تعالى عن تصويره للبشر في أرحام الأمّهات»(5) ولنفس الرّأي يذهب سيّد قطب فيقول: «يمنحكم الصّورة التّي يشاء ويمنحكم الخصائص المميّزة لهذه الصّورة، وهو وحده الذي يتولّى التّصوير بمحض إرادته ومطلق مشيئته»(6)، والثّانية في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ﴾ (الأعراف:11)، يقول الزمخشري: «يعني خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ثمّ صوّرناه بعد ذلك»(7) والثالثة في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (غافر:64)، جاء في تفسير المنار: «صوّرناكم بأن جعلنا من تلك المادّة صورة بشر سَوِيٍّ قابل للحياة»(8) والرّابعة في قوله تعالى: ﴿خلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (التغابن:3) تبيّن هذه الآية الصّورة الحسنة التي خُلق عليها الإنسان، قال الزمخشرى: «قيل لم يخلق حيواناً أحسن صورة من الإنسان. وقيل لم يخلقهم منكوسين كالبهائم»(9) والخامسة في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الحشر:24)، قال البغوي: «الممثّل للمخلوقات بالعلامات التي يتميّز بعضها عن بعض، يقال: هذه صورة الأمر أي مثاله»(10) وأمّا السادسة ففي قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار:8)، وقد جاء في تفسير الوسيط لسيّد طنطاوي: «في أي صورة من الصّور التي شاءها لك وهي صورة فيها ما فيها من العجائب والأسرار فضلا عن أنّها أحسن صورة وأكملها»(11).
 اتفقت كلمة المفسّرين أنّ المقصود من التّصوير في القرآن الكريم هو الخلق والإبداع، والمتأمّل في آيات القرآن الكريم يلاحظ أنّ كلماته أيضا خلق وإبداع، ولئن كان تصوير الإنسان هو خلق اللّه الماديّ، فإنّ كلام اللّه خلق لصور أبهرت أهل اللّغة والفصاحة والبيان.
3 - صورة الإنسان في القرآن الكريم
من رعاية اللّه تعالى للإنسان أنّه نزّل إليه القرآن الكريم لهدايته إلى الصّراط المستقيم، قال تعالى: ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم:1) جوهر الهداية إخراج النّاس من ضلال الكفر وظلماته إلى نور الإيمان وضيائه، وقد استعيرت كلمتا النّور والظّلمات في الآية الكريمة للدّلالة على الهدى والضّلال. فالنّور يرمز للنّجاح والفوز كما أنّه اسم من أسماء اللّه الحسنى، أمّا الظّلام فهو يحجب الرّؤيا ولا يدري الإنسان ما يُخفى من مفاجآت، وماذا يجري تحت أستاره، فالظّلام يفتح المجال للخيال والهواجس وذلك لانعدام الرؤيا فيكون التّعامل معه بحذر وريبة وخوف، وهو رمز الضّلال والغواية والرّيبة والخوف والضّبابية... فهذه صورة محسوسة حيّة ومتحرّكة كأنّ العين تراها واليد تلمسها. ولنقف على بعض صور الإنسان في القرآن الكريم.
1.3 -صورة الإنسان من خلال الطّبيعة
في القرآن الكريم صور عديدة للإنسان مستمدّة من الطّبيعة منها تشبيه الكلمة التي يتواصل بها الإنسان مع غيره بالشّجرة الطيّبة والشّجرة الخبيثة، فالكلمة الطيّبة تنتج العلاقات الحسنة بين النّاس وتمتّن العلاقة بينهم، فهي كالشجرة الطيّبة في نموها وشموخها ورسوخها وثمارها، أمّا الكلمة الخبيثة فتخلّف الفتن والخصومات وتقطع العلاقات فهي كالشّجرة الخبيثة المقتلعة من الأرض تجرفها السّيول لا قرار لها، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء ﴾ (إبراهيم: 24-27) . 
عبارة «الكلمة» تشير إلى دلالات متنوّعة، في بعض التّفاسير هي كلمة التّوحيد، وفى البعض الآخر المقصود منها مطلق الكلام المرتبط بمفهوم طاعة اللّه تعالى، فالشّجرة الطيّبة صورة تشّبيهيّة رمزيّة تشعّ بالدّلالات، شجرة ضاربة في الأرض بعروقها تناطح السّماء بفروعها، كثيرة الثّمار بإذن ربّها، وهذا يدفعنا لتخيّل الشّجرة المقصودة، هل أنّها شجرة معيّنة كالنّخلة مثلا؟ أو أيّ شجرة مثمرة تتبدّى في ذهن القارئ؟ والى أيّ رمزية تشير؟ وهنا يتّسع الخيال ولا حدّ ولا ضير في كلّ مُتَخَيّل، فتعدّد الأفهام للآيات يرتبط بإشباع مختلف حاجات الإنسان النّفسيّة والذّهنيّة حتّى يحقّق توازنه على جميع الأصعدة، إذ يمكن الذّهاب الى القول بأنّ الشّجرة ترمز للإيمان، وفروعها ترمز للعلم والمعرفة والثّمار ترمز لما يحصل عليه الإنسان من ثواب في الدّنيا والآخرة، ويمكن أن نستخلص من كلمة كلّ حين بأنّ المؤمن سوف يحصل على إشباع حاجاته في جميع الأوقات في الدّنيا والآخرة، وتشبيه الإيمان في ثباته بثبات الشّجرة في الأرض يجسّد الحاجة إلى الأمن وهي من أهم الحاجات النّفسية للإنسان، وهذا ما يوضّحه قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ﴾ (إبراهيم:27). قال الشّيخ محمد الطاهر بن عاشور: «الاستفهام في ألم تر إنكاري نُزل المخاطب منزلة من لم يعلم فأنكر عليه عدم العلم، وهو كناية عن التّحريض على العلم... والطيّبة: النّافعة استعير الطيّب للنفع لحُسن وقعه في النّفوس كوقع الرّوائح الذّكيّة... فالمشبّه هو الهيئة الحاصلة من البهجة في الحسّ والفرح في النّفس، وازدياد أصول النّفع باكتساب المنافع المتتالية بهيئة رُسوخ الأصل وجمال المنظر ونماء أغصان الأشجار ووفرة الثِّمار ومتعة أكلها. 
وكذلك القول في تمثيل حال الكلمة الخبيثة بالشّجرة الخبيثة على الضدّ بجميع الصّفات الماضية من اضطراب الاعتقاد وضيق الصدر وكدر التّفكير والضرّ المتعاقب. وقد اختصر فيها التّمثيل اختصاراً اكتفاءً بالمضاد فانتفت عنها سائر المنافع للكلمة الطيّبة»(12). 
والطّيبة صفة للمؤمن والخبث صفة للكافر، فالإنسان مؤمن وكافر، قال تعالى:﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (التغابن:2) قال الزمخشري: «فمنكم آت بالكفر وفاعل له ومنكم آت بالإيمان وفاعل له»(13). 
ذكر القرآن الكريم صورا عديدة لحال الكفّار وضلالهم وحال المؤمنين وفلاحهم فكيف تبدّت هذه الصّور؟ 
سنكتفي في هذه الحلقة بذكر صور المتّقين كما جاءت في القرآن الكريم، على أن نخصّص الحلقة القادمة لصور الكفّار.
2.3 - صور  المتّقين
في صورة جميلة يشبّه القرآن الكريم المؤمنين بالزّرع، يقول تعالى: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح:29). 
شبّهت الآية رسول الله ﷺَ وأصحابه بالزّرع ومراحل نموه في سلسلة من الصّور الجميلة، فالتّشبيه بالزّرع ينمّ على حيويّة ونشاط، مع ما تفيد الفاء من سرعة في النّماء التي تعجب الزرّاع، وهذه الصّور رموز يستنطقها المتلقّي بشكل لا نهاية لمداها فهي قد ترمز مثلا للمجتمع المسلم في نموه، فهو يتماثل مع الزّرع فينمو بسرعة، ثمّ يتقوّى ويتزايد نموه حتّى يستوي على سوقه، أو أنّها تصف الشّخصيّة الإسلاميّة وسماتها وتدرّج الإيمان في القلب حتّى يستوي يقينا، كما أنّ في الآية رمزيّة لوحدة الأديان فهي تبيّن أنّ هذه الصّفات هي مشتركة بين المؤمنين الصّادقين من اليهود الأوّلين الذين نصروا موسى عليه السّلام وآمنوا به، كذلك الشّأن مع الحواريّين أتباع عيسى عليه السّلام. قال الزمخشري: «تشبيههم بالزّرع من نمائهم وترقيهم في الزّيادة والقوّة»(14)، إنّ الذّهن يستطيع أن يتصوّر حالة هذا الزّرع في ظهور سنابله وثمره ووفرة عطائه. 
في صورة أخرى للمؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه وابتغاء رضاه، قال سبحانه في شأنهم: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾(البقرة: 265) 
إنّ الصدقات الّتي تنفق ابتغاء مرضاة اللّه في كثرة ثوابها ومضاعفة أجرها كجنّة فوق ربوة أصابها مطر غزير، فأخصبت تربتها، وتضاعف إنتاجها، فمثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة اللّه تصديقا ويقينا كبستان بربوة أصابه المطر الشّديد فآتى ثمره ضعفين بالنّسبة إلى غيره من البساتين، فان لم يصبه المطر الكثير أصابه القليل وفي الحالتين ينتج ثمارا، كذلك عمل المؤمن لا يبور أبدا بل يتقبّله اللّه ويضاعفه وينمّيه. 
جاء في تفسير المنار: «ووجه الشّبه أنّ المنفق ابتغاء مرضاة اللّه والتّثبيت من نفسه هو في إخلاصه وسخاء نفسه وإخلاص قلبه كالجنّة الجيّدة التّربة الملتفّة الشّجر العظيمة الخصب في كثرة بره وحسنه، فهو يجود بقدر سعته فإن أصابه خير كثير أغدق ووسع في الإنفاق وإن أصابه خير قليل أنفق منه بقدره، فخيره دائم وبره لا ينقطع»(15) 
وفي مضاعفة الأجر يقول اللّه تعالى: ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:261) ، من ينفق أمواله في سبيل اللّه تعالى سوف يعوّضه عن ذلك بسبعمائة ضعف وأكثر، والعدد يرمز إلى مضاعفة الأجر فالسّبعة والسّبعون والسّبعمائة تفيد الكثرة عند العرب، فالإنفاق يشبه الحبّة التي تنبت سبع سنابل في كلّ واحدة منها مائة حبّة، فوجه الشّبه ليس ضبط العدد بل كثرته. يقول محمد الطاهر بن عاشور: «وقوله مثل الذّين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه تشبيه حال جزائهم وبركتهم والصّلة مؤذنة بأنّ المراد خصوص حال إنفاقهم وقد شبّه حال إعطاء النّفقة بحال حبّة أنبتت سبع سنابل
الخ، أي زرعت في أرض نقيّة وتراب طيّب وأصابها الغيث فأنبتت سبع سنابل»(16)
الهوامش
(1) ابن فارس أحمد: معجم مقاييس اللغة، دار الفكر (د ت)، ج 3 ,ص 319 
(2) الفيومي أحمد: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المكتبة العلمية، بيروت (د ت)، ص 282
(3) مصطفى إبراهيم (1305 - 1382 ه = 1888 - 1962 م): عالم بالنحو، من أعضاء مجمع اللغة العربية في القاهرة. ( الأعلام للزركلى)
(4) مصطفى إبراهيم: المعجم الوسيط دار الدعوة ( دت ),ج 1 ,ص528 
(5) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار عالم الكتب ، الرياض السعودية/ 2003، ج 4، ص 7
(6) قطب سيّد: الظلال دار الشروق، 2003 , ط 32، ج 1 ، ص 337.    
(7) الزمخشري: الكشاف،(مصدر متقدّم), ج  2 , ص 208-  
(8) رضا محمد رشيد: تفسير المنار دار المنار القاهرة، 1948، ط 2 ، ج8، ص292  
(9) الزمخشري: الكشاف (مصدر متقدّم)، ج6، ص132
(10) البغوي: معالم التنزيل في تفسير القرآن دار إحياء التراث العربي بيروت/ 1420ه ،ط1 ج 5، ص67 
(11) محمد سيد: التفسير الوسيط للقرآن الكريم / 1978 ، ط 3، ص4458 طنطاوي -   
(12) ابن عاشور: التحرير والتنوير (مصدر متقدّم)، ج 14 , ص 223  
(13) الزمخشري: الكشاف (مصدر متقدّم)، ج 6 , ص135
(14) الزمخشري: الكشاف، (مصدر متقدم)، ج 6 ص361  
(15) رضا محمد رشيد: تفسير المنار، دار المنار القاهرة /1947، ط2 ، ج3 ، ص 59  
(16) ابن عاشور: التحرير والتنوير (مصدر متقدّم)، ج 3 ,ص 48