في الصميم

بقلم
نجم الدّين غربال
مَلاَمِحْ نِظَامٍ مَالِي قَوِيٌّ ومُنْصِفْ صناديق الاستثمار والحاجة الى إعادة النّظر فيها
 1) صناديق الاستثمار: المفهوم والدّور
للمال، حسب المقاربة النّفعيّة الفرديّة النّقديّة، دور استثماري لتحقيق أعلى قدر مُمكن من الرّبح لمن له فائض مالي، وحسب المسلّمة المعتمدة في نظريّات علم الاقتصاد، فإنّ الموارد محدودة، وفي مقابل ذلك فإنّ احتياجات النّاس غير محدودة، لذلك فإنّ الفرصة مواتية لضخّ أموال إضافيّة للاستثمار فيها بما يُضاعف مداخيل من له فائض مال، لذلك اتّجهت هِمّة مُنظّرِيها الى ابتكار أدوات ماليّة منها صناديق الاستثمار.
وإن كانت تلك المسلّمة القائلة بمحدوديّة الموارد وعدم محدوديّة الاحتياجات فرضت مفهوما محدّدا لعلم الاقتصاد بأن جعلته علم اختيار، فإنّ الاختيار لا يعني أسْر المختار ضمن محدوديّة الموارد بل دفعت من له فائض مالي والرّاغب في تحقيق أعلى قدر ممكن من الرّبح الى الاستثمار من خلال صناديق الاستثمار.
وتُعرف صناديق الاستثمار بأنّها أداة ماليّة تستخدمها الشّركات في جمع الأموال من المستثمرين، بما فيهم الصّغار، لشراء الأصول الماليّة مثل الأسهم والسّندات والأصول الأخرى، وتُدار تلك الأموال بواسطة مديرو الصّناديق. ويتّخذ مدير الصّندوق وليس المستثمر، قرار كيفيّة استثمار الأموال وأين سيتم وفقًا لهدف الصندوق، أمّا المستثمر فهو يختار الأموال بناءً على الهدف الاستثماري للصّندوق وأهدافه.
وتوجد أنواع من صناديق الاستثمار منها، صناديق النّقد، وصناديق الإيرادات الثّابتة، وصناديق الأسهم، والصناديق المختلطة، والصناديق العالميّة، وصناديق العائد المطلق، والصناديق المضمونة، والصناديق المدارة سلبيًّا.
 وأهمّ ما يميّز صناديق الاستثمار أنّها تتيح للمستثمرين مجموعة متنوّعة من فرص الاستثمار، وتوفّر لهم مزايا مثل التّنويع والمرونة والإدارة المهنيّة بتكلفة أقل، كما تُمكِّنُ المستثمر من خلالها من الاحتفاظ بملكيّة الأوراق الماليّة التي يستثمر فيها الصّندوق، ولا تخلو تلك الصّناديق من عيوب مثل الرّسوم والمخاطر.
وتُعدّ صناديق الاستثمار واحدة من أبرز الاستراتيجيّات التي ينتهجها المستثمرون في سبيل الحصول على العوائد، ويتعيّن على كلّ مستثمر قبل الإقدام في الاستثمار فيها معرفة مختلف أنواعها، ومن ثمّ تقييم مزاياها ومخاطرها الفرديّة، وتحديد أيّها تصلح للاستثمار وفقًا للأهداف الماليّة المُحددة(1). 
وتوجد في تونس أنواع مختلفة من صناديق الاستثمار(2)، منها ما هو مخصّص للمساهمة في رؤوس أموال الشّركات، ومنها صناديق مشتركة تتيح للأفراد والمؤسّسات تجميع مدخّراتهم في محفظة استثماريّة متنوّعة، وتتنوع هذه الصّناديق لتشمل ما يلي:
1-1) صناديق إدارة الأصول: 
تتولّى هذه الصّناديق تجميع مدخّرات الأفراد والمؤسّسات لتوزّعها على أدوات سوق رأس المال المختلفة مثل الأسهم والسّندات بهدف تحقيق عوائد. 
1-2) صناديق رأس المال التّنموي: 
تهدف إلى المساهمة في رأس مال الشّركات التي تتمتّع بإمكانيّات نموّ عالية لتمويل خططها التّنموية، مثل «الزّيتونة رأس مال الاستثمار». 
1-3) صناديق رأس المال الاستثماري: 
تركّز على الاستثمار في الأسهم والقروض، وتعمل على تطوير آليّات مالية تتناسب مع الاقتصاد التّونسي، وفقاً لتقرير السّفارة الأمريكيّة بتونس. 
1-4) صناديق التّمويل الأصغر وصناديق التّأثير الاجتماعي: 
تهدف إلى دعم المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة وتعزيز التّنمية المستدامة، حسب مقالات بنك الاستثمار الأوروبي. 
1-5) صناديق الاستثمار المشتركة: 
تُدار بواسطة مهنيين في السّوق الماليّة، وتتيح إعادة شراء الأصول في أيّ وقت، مثل «الصندوق التّجاري للاستثمار المشترك الدّيناميكي». أمّا كيفيّة الاستثمار فتكون عبر التّواصل مع البنوك والمؤسّسات الماليّة، حيث يمكن للأفراد والمؤسّسات الاستثمار في صناديق الاستثمار عبر البنوك والمؤسّسات الماليّة المتخصّصة مثل «التّجاري بنك» أو «بنك البركة» أو عبر التّعامل مع شركات إدارة الأصول المختصّة في إدارة الصّناديق الاستثماريّة، مثل «الزيتونة رأس مال الاستثمار». 
كما توفّر بورصة تونس معلومات عن مختلف صناديق الاستثمار والشّركات الوسيطة، ويمكن الاطلاع عليها عبر موقعها الرّسمي (3).
2) الحاجة الى إعادة النّظر في دور صناديق الاستثمار
أمام الخلفيّة الفلسفيّة السّائدة لصناديق الاستثمار والّتي تضع هدفا لتلك الأداة، ككلّ الأدوات الماليّة الأخرى، تحقيق أعلى قدر مُمكِن من النّفع الفردي لمن له فائض من المال، دون التّقيّد بضوابط أخلاقيّة تحفظ حقوق الجميع والأجيال القادمة، واعتماد تلك الخلفيّة فرضيّة أنّ للسّوق القدرة على ضمان النّفع للجميع عبر ما سمّاه آدم سميث بـ «اليد الخفيّة».
ومع تفاقم ظواهر الفقر والبطالة على المستوى الاجتماعي وظواهر الكساد والتّضخم على المستوى الاقتصادي، وأمام ما يشهد به الواقع من عدم مُساهمة تلك الصّناديق في توفير المال لإعمار الأرض بما يُحافظ على شروط الحياة الطّيّبة وخاصّة الاستدامة البيئيّة، وتوفير احتياجات النّاس المتنوّعة والمتعدّدة، ولحمايتهم من الوقوع في براثن الفقر والمعيشة الضّنكة، حفاظا على كرامتهم، بات من الضّروري، بل من الحيوي إعادة النّظر في دور صناديق الاستثمار مع المحافظة على مُساهمتها في زيادة حجم المال.
ووِفق مقاربة أخرى تنطلق من قيم تعلي من شأن الانسان وتُحافظ على كرامته، مقاربة تُمَيِّزٌ الإنسان عن بقيّة الكائنات من حيث تمكينه من القدرات العقليّة الّتي بها يمكن أن يستفيد من كلّ ما هو موجود، وبما يُحقّق نفعه ونفع كلّ النّاس ومقاربة تعتمد التّعاون على الخير والعطاء وعدم التّعاون على البخل والعدوان، وعدم إرادة العلوّ في الأرض ولا الفساد فيها. 
ونظرا إلى أنّ دور صناديق الاستثمار المروّج له، الّذي ساد لأكثر من قرن من الزّمان، نابع من التّصوّر المعتمد للمال باعتباره سلعة تُباع وتُشترى لتوليد مزيد من المال، دور مفاده تحقيق أرباح للمستثمرين وخفض مخاطر استثماراتهم الفرديّة وتوفير فرصة للمستثمرين الأفراد الذين يرغبون في الدّخول الى عالم الاستثمار دون الحاجة لخبرة ماليّة واسعة أو رأس مال كبير.
وأخذا بالاعتبار كلّ تلك العناصر، فإنّ الدّور المنتظر لتلك الصّناديق ينبع من تصوّر آخر للمال مفاده أنّ المال وسيلة لخلق القيمة ليس عبر بيع المال وشرائه بل عبر استعماله واستثماره في إنتاج ما ينفع النّاس والتّعمير، بما يفرز قيمة مضافة دون أن يُحدث فجوة بين حجم الدّائرة النّقديّة ودائرة الاقتصاد الحقيقي، درءًا للوقوع في أزمة الرّكود والتّضخم في نفس الوقت، التي يُعاني منها العالم كلّه في عصرنا الحالي، والتي كشف عنها فَقْدِ المال لقيمته الاستهلاكيّة والإنتاجيّة معا رغم كثرته وكثرة منتجاته الماليّة، والّتي أفرزتها السّياسات الماليّة القائمة على نظريّة التّمويل «العقلاني»(4) دون الأخذ في الاعتبار الأبعاد النّفسيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة عموما للتّمويل، فماهي هذه النّظريّة الماليّة؟
نظريّة التّمويل العقلاني، هي نظريّة تقوم على الاختيار العقلاني للتّمويل، وِفْقًا لمفهوم العقلانيّة لدى من يتبنّونه من مستثمرين، بناءً على منطق لديهم، يرى هدفا وحيدا للتّمويل هو تعظيم الرّفاهيّة الماليّة على المدى الطّويل. وترتكز هذه النّظريّة على الافتراضات التاليّة:
- عقلانيّة المستثمر 
- كفاءة السّوق
- تجنّب المخاطر
- توزيع المرابيح
وقد أظهرت دراسات واقعيّة أنّ السّلوك البشري غالبا ما لا يكون عقلانيّا بالمفهوم سابق الذّكر، بل يتأثّر بالتّحيّزات النّفسيّة مثل العواطف والثّقة المفرطة والرّغبة في تجنّب الخسائر، ممّا يؤثّر على قرارات الاستثمار ومن ثمّة يؤدّي الى تشوّهات في الأسواق.
وأمام قصور نظريّة التّمويل العقلاني ظهرت نظريّة بديلة للتّمويل تنطلق من السّلوك، وتدمج علم النّفس في تحليل قرارات الاستثمار لفهم الظّواهر التي لا تستطيع النّظريّة العقلانيّة تفسيرها، مثل فقّاعات أسعار الأصول والاختلالات في السّوق.
كما تُشير نظريّة التّمويل السّلوكي إلى أنّ عوامل خارجيّة مثل الثّقة والمعنويّات الجماعيّة يمكن أن تؤثّر بشكل كبير على أسعار الأصول وتصرّفات المستثمرين(5).
3) الرّؤية والقيم
 بادئ ذي بدء يطرح سؤال جوهري مفاده وِفْقَ أيّة رُؤْية وقيم يُمكن لصناديق الاستثمار أن تُساهِمَ في أداء رسالة إعمار الأرض وتحقيق وعد اللّه بمكوث النّفع للنّاس في الأرض؟ سؤال نبحث عن عناصر الإجابة عنه فيما يلي من سطور.
ما كان لصناديق الاستثمار وِفق الرّؤية التّقليديّة أن يسلك المستثمرون فيها والقائمون على إدارتها مسلكا نفعيًّا فرديّا أو فئويّا لو لم يُحرّكهم حبّ المال حُبّا جمًّا ولو لم يشعروا بالخوف من خسارة أموالهم، ولعل هذا الخوف وذاك الحبّ شعور طبيعي ولكن غير الطبيعي فيه هو طبيعة المسلك النّفعي الفردي والذي يهدف الى تحقيق العائد المالي الخاصّ فقط دون استحضار الأبعاد النّفسيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة للتّمويل، ودون أن يكون الإحساس بمسؤوليّة إعمار الأرض ونفع النّاس ومكوث ذلك النّفع محرّكا رئيسيّا لعمليّة الاستثمار. 
ويعود ذلك السّلوك وِفقا لنظريّة التّمويل العقلاني لرؤية المستثمرين ومديري تلك الصّناديق للمال ولدور الإنسان في الحياة التي تعود بدورها الى رؤيتهم للّه وللإنسان وللكون وللحياة، وإذا أردنا أن نعيد النّظر في دور صناديق الاستثمار علينا أن نغيّر الرّؤية والقيم المتولّدة عنها.
فإذا سلّمنا بأنّ المال مال اللّه وأنّ النّاس مستخلفون فيه فإنّ حقّ التّصرف في ذلك المال يعود للّه وأنّ النّاس -كلّ النّاس - شركاء في التّصرّف فيه نظرا لأن صاحب المال استخلفهم فيه. وإذا سلّمنا بأنّ ذلك المُسْتَخْلَفْ والّذي هو الإنسان مُمَيِّزٌ عن بقية الكائنات من حيث تمكينه من القدرات العقليّة الّتي بها يمكن أن يستفيد من كلّ ما هو موجود، وبما يُحقّق نفعه ونفع كل النّاس، أدركنا أنّه كائن ذو قيمة مطلقة مقارنة ببقيّة الوجود وما فيه من أشياء، فهو كائن مُكرّم وجب الحفاظ على قيمته وكرامته. وإذا أخذنا بعين الاعتبار محدودية أيّ إنسان وحاجته لإنسان آخر أدركنا أنّ التّعاون بين كلّ النّاس قيمة ثابتة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ إقامة العمران والحفاظ عليه والسّعي نحو النّافع من الأعمال هو دور الإنسان في الأرض، ليتمتّع بشروط حياة طيّبة وأن لا يعيش معيشة ضنكا، أدركنا أنّه حامل لأمانة ذلك العمران بما يعني حمله لأمانة تحقيق النّفع لنفسه ولكلّ النّاس، ومن ثمّة ندرك أن دور المال ما هو إلاّ وسيلة لكلّ ذلك وليس غاية وجود الإنسان أو هدف العمليّة التّمويليّة.
وانطلاقا مما سبق نحن إزاء مقاربة جديدة تؤمن بان زبد المقاربة السّائدة والمهيمنة ذاهبة نحو الجَفاء وأنّ ما ينفع النّاس هو ما سيمكث في الأرض، وأن تعريف الإنسان ضمن هذه المقاربة يمنح الإنسان القيمة المطلقة، وأنَّ كلَّ الأشياء هي في خدمته ورهن إرادته وسعيه ومدى قدرته على تحقيق النّفع من خلالها ومن خلال حسن الاستثمار فيها ونجاعة استخدامها وحسن إدارته للموارد الماليّة والقوى البشريّة وذلك حملا لأمانة إعمار الأرض وتحقيق النّفع لكلّ النّاس.   
حتّى نلتقي
ما تستحقّه صناديق الاستثمار هو تحديد لأدائها وِفق مُقاربة جديدة محكومة برؤية تعتبر أنّ المال مال اللّه وأن النّاس مستخلفون فيه وأنّ القيمة المطلقة للإنسان وأنّ النّفع تبعا لذلك موجّه لكلّ النّاس مع مكوثه من خلال توظيف المال لإعمار الأرض وعدم إرادة العلوّ فيها ولا الفساد، حفاظا على استدامة شروط الحياة الطّيبة للأجيال القادمة ومن خلال عدم أكل أموال النّاس بالباطل والعدوان، حماية لبيئة عيش سليمة اجتماعيّة واقتصاديّة وماليّة، وهذا موجّه لكلّ القائمين عل مختلف أدوات التّمويل التي بحثنا فيها سابقا وسنواصل البحث فيها لاحقا.
فالمقاربة التي اهتدينا إليها هي مقاربة نفعيّة ولكنّها لكلّ النّاس وهي ذات أبعاد متعدّدة، تعدّد احتياجات النّاس الحياتيّة والمعيشيّة، ومن ثمّة فإنّ للمال دورا استثماريّا للإعمار ولتدفّق احتياجات النّاس باستمرار، ودون انقطاع أو منع، سواء الحياتيّة منها أو المعيشيّة، ولا يُختزل دوره في تنمية مداخيل المستثمرين فحسب. وحسب هذه المقاربة فإنّ المسلّمة ليست محدوديّة الموارد ولا محدوديّة احتياجات النّاس بل المسلّمة هي أنّ كلّ ما في السّماوات والأرض مسخّر للنّاس بمعنى أنّ الموارد إنّما هي بقدر، أي بما يُحقّقُ الرّزق لكلّ دابّة على الأرض دون استثناء، حسب ما ذُكِرَ في القرآن الكريم وهو كتاب صاحب المال، وأنّ احتياجات النّاس، في مقابل ذلك، محدودة بتوفّر كفاية كلّ انسان.
ووفق هذه المقاربة فمن البديهي أن يبحث الإنسان في كيفيّة توفير أكثر أداة ممكنة لتحصيل الموارد لتلبية أكبر قدر ممكن من احتياجاته، ومن هنا تأتي شرعيّة صناديق الاستثمار ومشروعيّتها، ولذلك على المؤمنين بمقاربة النّفع لكلّ النّاس العمل على توفير ما به يتمّ تعمير الأرض وتُلَبَّى به احتياجات النّاس الحياتيّة والمعيشيّة من أدوات تمويل.
الهوامش
(1)  https://ar.wikipedia.org/wiki
(2) https://www.google.com/search
(3) https://www.bvmt.com.tn
(4) راجع مقالنا على أعمدة مجلة «الإصلاح» الالكترونية عدد 213 شهر افريل 2025 بعنوان «ملامح نظام مالي قوي ومنصف» ص.ص 24-28 www.alislahmag.com
(5)  https://hbrarabic.com